غرباء نحن




تنتابني حالة من التذمر و الرغبة المجنونة في تكسير الصحون و الفناجين..قلبي يحزم أمتعته و يسافر إلى مدينة بعيدة قال يوما مريد البرغوثي أنه رآها!, تركت روحي تذهب مع باقي أحلامي إلى رام الله.. هناك حيث أفرطتُ في حب الوطن حد الرمل و الشمس, هناك حيث كان فجر شبق المرأة الصغيرة, و حيث قُرعت أجراس الحريق و فجأة كل شيء انطفأ مثل صدمة القيامة أو موت نبي.. تمد لارا لي كوبا كبيرا تسيل من أطرافه النسكافيه, تختلس نظراتها الحزينة إلى عيوني, تقول و هي ترقص بكامل أنوثتها المضطهدة: دعكِ من رام الله, لو حقا أن هذه المدينة تحبكِ لما سرقت منكِ .. ارتعشت أصابعي الملتفة حول الكوب, لاحظت ذلك لارا فسكتت و لم تتابع كلامها. هل يولد الانسان في مدينة و قلبه يولد في مدينة أخرى؟!. لارا ولدت مع قلبها في مدينة واحدة: غزة, و أغبطها على ذلك كثيرا كثيرا.. لا أعرف ما هو الخيط الخفي الذي يصلنا ببعضنا كي تستمر صداقتنا إلى ما بعد الحرب, التقينا صدفة في أمسية شعرية, كانت لارا تحمل في يدها كاميرا صغيرة من النوع الرديء, قذفت إليّ كاميرتها و طلبت مني أن ألتقط لها صورة مع طفل في السادسة من عمره, ثم التفتت في فراغ القاعة و قالت لي: صوري, لم أعرف ماذا أصوّر, ضحكت بصوت عالٍ وقالت: صوري حذائي. كانت مفعمة في تصوير الأحذية بكاميرا رديئة مقصودة, بعد الأمسية تبادلنا أرقام هواتفنا الخلوية و قلنا”باي”.. لم نتصل على بعضنا بتاتا إلا بعد الحرب تذكرنا بعضنا و اتصلنا!. ألحت على أن نلتقي مرة اخرى و حددت أن يكون لقاؤنا في مقهى دليس, في كل مرة كنت أبدي لها رفضي الشديد للقاء في مقهى ديليس, و لم أكن أعترف لها بسبب رفضي, اصرارها العنيد أجبرني على الذهاب إلى المقهى في صباح اليوم الأول من السلام, أدهشتني ملابسها الأنيقة و أكثر ما أدهشني هو كعب حذائها, كان طويلا لدرجة أنه لفت انتباه النادل الذي قدم لنا القهوة, قالت: الأنثى في كعب حذائها.
لارا امرأة ليست جميلة لكن ثمة فتنة ما مكتنزة في جسدها و حركاتها, الآن هي تكبر بصخب و تبلغ العقد الثالث من عمرها, ما تزال تسخر مني لأنني أرتعب من مقهى ديليس الذي لن يستطيع أحد أن يقنعني بأنه مقهى, الحرب غيّرت معنى المقاهي عندي, صار المقهى مكانا للجنس أو الموت.. أما مقهى ديليس فهو مكانا للموت. حين هربنا من بيتنا الذي حطت عليه ورقة انذار باخلائه فورا لأن الطائرات الحربية ستقصفه خلال ساعة, هرولت إلينا سيارة الهلال الأحمر و خبأتنا من الموت في خيمة بيضاء منتصبة بين مشفى الشفاء و بين مقهى ديليس, كان المقهى مغلقا و يبدو كالجحيم, بينما المشفى مفتوحا مثل سيل جارف للأموات و الدماء و الصيحات.. يومها ارتبطت صورة الجثث و الأشلاء المحملة في أكياس الطحين إلى المشفى بمقهى ديليس, كنت كلما شممت رائحة بارود ممتزج بالدم و اللحم و الخوف, قادمة مع سيارة الاسعاف إلى المشفى, أدير رأسي بسرعة إلى ناحية المقهى, و أغمض عيني خوفا و وجعا..
اندلق السائل البني من الكوب, شعرت بلذة سيلانه على ساقي, شهقت لارا و قالت: ساخن ساخن..بنت!,
احمرّت ساقي و توهجّ منها شعاعا مريضا, بللت لارا قطعة قماش بيضاء بالماء البارد و صارت تمسح بها على ساقي, يا لها من امرأة قنوعة ترضى بأي شيء المهم “الحياة”, أي امرأة مضطهدة تحب الحياة؟, زوجها يصنع منها تمثالا أو كأسا فارغا لسكب الشهوة في لحظة شبق و سكر..!.
أنا محبطة و متذمرة و قلقة وعاشقة و متهورة و متسائلة و محيرة وحالمة و ذكية و غبية و قريبة و بعيدة و أريد أن يمهلني الله ثانية قبل انتحاري لأقول للعالم: غرباء نحن.

Check shuck




الأحلام التي تزورني في المنامات.. تلك الاحلام الهامسة كالمطر الصباحي البكر, أصبحتُ أخافها و أشك بأنها في الأصل جنودا يستعدون لاحتلال سريري و تحويله إلى مستوطنة كوابيس.
منذ نزهتي الأخيرة إلى البحر و أحاسيس الخوف و الشك تراودني تجاه أحلامي, يومها كان البحر يُهرّب أسماكه إلى الصيادين, كانت السفن ترتدي قبعات زرقاء محشوة بالطحالب, لعبتُ كثيرا مع الموج حتى جرحت ساقي اليمنى و وصل خيط الدم إلى كعب رجلي, تكوم مستنقع دم تحت كعبي, لم أهتم لذلك و بقيتُ ألعب مع الموج, كانت السماء صيفية و ناعمة كالحرير..
فتحتُ عيني, لا لستُ أنا, أحدهم فتح عيني و قال”تنفسي.. تنفسي”, عرفتُ أنني كنتُ على وشك الغرق, و لم أكن مجروحة إنما كنتُ أنزلق في اختناقي إلى أعماق الموت..
قيلولتي اليوم كانت مرآة تتكسر فيها شمس الظهيرة, كتبتُ على وسادتي بقلم الحبر الأزرق: أنا لستُ نائمة, ثم نمتُ و لم أشاهد أي حلم يدق بابي. هكذا تركتُ الجملة مكتوبة على وسادتي و لم تعد تزورني الأحلام.
هذه الليلة؛ غيّرتُ وسادتي و ألبستها معطفا شتويا ثقيلا, لم أكتب عليه أي كلمة, فقط رسمتُ شجرة برتقال و خمس أصابع بدون أظافر, نمتُ مثل أي كائن ينام ليلا, رأيتُ الشجرة تنحني إلى الأصابع, و أسقطت خمس برتقالات في مكان الأظافر المقتلعة, نبتت أظافر برتقالية, رائعة جدا و جذّابة. استدار جسدي إلى ناحية النافذة, الحلم يستدير مع جسدي, الشجرة تخلع عن أغصانها الورق, ألملم أوراقها و أوزعها على أطفال مروا بالقرب منا, الأصابع البرتقالية ترقص.. يا لرشاقتها العذبة!.
نهضتُ من نومي امرأة فوق العادة, المعطف الذي ألبسته وسادتي كان معلقا على شجرة البرتقال المزروعة تحت شرفتي, ثمة برتقالة كانت على النافذة و عصافير كثيرة تزقزق و أقول معها Check shuck !!


جدًّا محتال

يا الهي… ما نهاية هذه المرأة ؟

(1)
سأموتُ.. إن لم يحبني ذلك المحتال

(2)
كلما غرقتُ.. ازددتُ وحدة و صمتا و حزنا و كآبة و تعاسة…

(3)
قالت لي عرفي الحمق
قلتُ لها: الحمق أنا
و أنا حزينة جدا و فارغة
ثم قالت: فسري لي أسباب الحمق
قلتُ: ألا يبدو انتظاري سببا واضحا؟
نامت الشجرة على أغصانها
و لم تعُد تسألني عن الحماقة شيئا!

(4)
على الشاشة الزجاجية مكتوب كلاما يشبه التنجيم, رجل ما كان قد أمسك ماكنة حلاقة ذقنه و كتب بالشفرة: “اشتقتلك”.
جدا محتال !

اسبرين لأجل السراب

لا أحد سوى الفراغ
ننقب فيه عن ماضينا
غير الله لا يعلم بما فينا
أكان الذي بيننا يستحق كل هذا الخلود
حقا أنا لا افهم معنى السراب
لو كان الليل رجلا
لماتت نساء الأرض في ثانية
أنت أحد بي
هذا يكفي
سيصاب النصف الآخر من عقلي بالجنون
يكفي.. حبة أسبرين
و رأس يفكر بالأحد..

الأجنحة المتكسرة…في قبضة الموت

أشفق يا رب و شدد جميع الأجنحة المتكسرة
(سلمى كرامة)

يسرد لنا جبران خليل جبران قصة الحب الظالم للقلب و المظلوم من المجتمع و فساده, فسلمى التي أحبها وهو في الثامنة عشر من صباه و كانت هي أول امرأة تحل روحها بجسده و يعشقها بكل ما أوتي من عشق و هيام, سلمى كرامة التي أدخلت جبران”جنة الحب و الطهر بحلاوتها و استعدادها”(ص8) يزوّجها أبوها رجلا لا تحبه, ابن أخ المطران بولس الذي “تسير قبائحه بظل الإنجيل فتظهر للناس كالفضائل”(ص18).. رغم زواجها من منصور بك, تظل سلمى مخلصة في حبها لجبران, فتلتقي به مرة كل شهر في معبد صغير قديم العهد, هناك يختليان مع بعضهما مبتسمان متناسيان “كل شيء سوى الحب و أفراحه”(ص80), و لم تكن اجتماعاتهما في المعبد مقتصرة على مبادلة العواطف و بث الشكوى بل كانا يتحدثان عن أشياء أخرى عامة و يتبادلان الأفكار و الآراء, و نلاحظ من أحاديث سلمى كرامة إلى جبران مدى الوجع و تعاسة حياة المرأة تحت جناح الزوج القاسي, لا سيما تلك المرأة البرجوازية التي يتزوج الرجل مالها لا روحها وجسدها!.
و تتجلى سلطة الأكبر على الأصغر حين تأتي سلمى إلى جبران لتطلب منه الفراق الأبدي, يسألها جبران عن ذلك قائلا:”هل علم زوجك باجتماعاتنا فصرت تخشين غضبه و انتقامه”(ص85), تنفي ذلك و تخبره ملتاعة متأوهة أن الشكوك بدأت توسوس في المطران بولس تجاه خروجها من البيت مرة كل شهر, هنا الخوف لا يسقط من الزوج بل من الأكبر الذي كان سببا في زواج منصور بك من المرأة الثرية التي يصعب على أي رجل أن ينالها بسهولة, هل المرأة محكومة من الرجل الأعلى؟ أم من زوجها؟..
يفترق جبران عن سلمى, و بعد خمس سنوات من زواجها تنجب ابنا لكنه يموت في ذات اللحظة و بموت الوليد تولد حياة أخرى لسلمى في القبر, تُضم الجثتين إلى بعضهما و يدفنهما حفار القبور في نفس القبر الذي دُفن فيه والد سلمى..(ص101),
إنه القبر الذي ستكون فيه الحياة أهون من حياة المرأة المضطهدة بين الأحياء على الأرض.
الأجنحة المتكسرة قصة تقليدية تنتهي بزواج الحبيبة من رجل غير الذي تحبه, كتبها جبران بلغة شاعرية مضمخة بالحزن و النقمة على المجتمع و أفكاره المعتمة, يرفع من شأن المرأة و يظهر قيمتها على النحو الذي يجب أن تكون عليه في مجتمع يجعلها مثل الجارية و يصنع من الزيجة “تجارة مضحكة يتولى أمورها الفتيان و آباء الصبايا..”(ص61).

ثرثرة أفكار


الأفكار مثل باقي المخلوقات الحية تختار أماكنها بنفسها و بوعيها الخاص, بالنسبة إليّ لا شأن لي بأفكاري, أي أن لها حرية الانسكاب في أي وقت و في أي مكان..
أحيانا تأتيني الأفكار فجأة قبل أن أنام, بالضبط حين أضع رأسي على الوسادة, تغمرني مثل حلم جاهز يرفل إلى دماغي بأناقة و هدوء مرتب. و أحيانا تسيطر عليّ أثناء غسل الصحون, تشاركني التقاط فقاعات معجون الجلي و وخزها بأظافري.. و في أغلب الأوقات نعثر على بعضنا (أنا و الأفكار) في الحمام, أكون عارية إلا من الأفكار, تلك الدافئة و الحنونة..
الأفكار المجنونة تهبّ على خاطري بصخب من نافذة الغرفة المطلة على البحر,
الأفكار الجميلة تجتاحني حين أكون وحدي أنتظر شيئا لا أعرفه.. تأتيني مثل امرأة بحذاء ذي كعب عال, ترتدي قبعة صيفية رائعة..
الأفكار السيئة تراودني حين أسمع نشرة الأخبار الصباحية تتحدث عن غزة و المعابر, أستاء و أظل أنتظر الليل كي ينقذني من الحصار و أسافر إلى القمر بلا تذاكر أو حجز دور على معبر رفح..
الأفكار الوسواسة تصطادني حين أشكّ بمدى ما قدمته للآخرين من طيبتي.. و أتمنى لو أفديكَ بعمري, و لكن هل تكفيك تسعة عشر سنة لأفديك بها!.. سأعيش أكثر كي أفديكَ أكثر,
الأفكار المخيفة ترعبني عندما أمرّ عن مقبرة أو حين يتعطل المصعد الكهربائي فيما أنا وحدي فيه بين العتمة و الاختناق..
الأفكار السعيدة تلون قلبي حين أرتشف القهوة مع الليل على سطح الدار,
أما الأفكار الحزينة و الموجعة فإنها تنهض في أحاسيسي مثل ذكرى إنسان لا حظ له في الحياة.. هذه الأفكار تمشي إلي ببطئ شديد أثناء قراءة رسالة قديمة من رجل أحببته أو حين أرى على التلفاز مشهدا بالأبيض و الأسود عن لحظة لقاء!
..الحب يأتيني نقيّا من الأفكار,
دائما لديّ أفكار, ربما أكتبها و ربما لا أكتبها, ليس المهم كتابتها, ممكن أن أعبر عنها بطريقة أخرى أو أحتفظ بها لنفسي.. كلنا لنا أفكار, قد تكون تافهة أو عاقلة أو غبية, الأفكار صديقة لا نتخلى عنها..
فكروا بحرية كي تنفّسوا أوكسجينا لا يعاني من الأمراض الصدرية المزمنة !

[ ماذا عن أفكاركم.. اسلام, حياة الألم, سارة, نور,وفاء, عيون خشنة, سهام المقدسية..الجميع ]

بنات من غزة

تغريد

في منتصف الليل أردت أن أهاتف تغريد, فقد اعتدنا الاتصال على بعضنا في أي وقت, و قبل أن أضرب الرقم الأخير من رقم جوالها تذكرتُ أنها تزوجت. أعتقد أنني خجلتُ.. ربما هي نائمة أو منشغلة في ليلة ساخنة!. أغلقتُ جوالي مخذولة و قررتُ أن أكبر, لا لأتزوج, بل لأتذوق طعم الكبار بدون زواج.
لا أعرف هل المرأة لا تكبر إلا حين تتزوج؟. ماما تقول لي: ” الله يستر على كل البنات”. و يوما بعد يوم أفهم أن زواج البنت يعني “سترها”.. يعني أن تكبر في عيون الآخرين لأنها نجت من “العنوسة”.

منى

منى بنت في العشرين من عمرها, تنظم قصائدا جميلة, نظمت قصيدة رائعة تم تلحينها و انشادها على قناة”فور شباب”. لحسن حظي أن لي صديقة اسمها منى. حتى الآن أنا قلقة عليها لأنها خطبت, خائفة أن تتغير بعد الزواج, مثلا أن تتوقف عن نظم القصائد, أو أن يمنعها زوجها من الكتابة و النشر, صحيح أنها طمأنتني بخصوص ذلك, قالت بفرح” خطيبي بحب الشعر و هو يعلم أنني أتعامل خلال عملي مع شباب”.
المتزوجات ذوات الخبرة يقلن أن: الرجل يحب أن يمتلك امرأته في كل شيء.
أتمنى لكِ يا منى حياة سعيدة مع رجل يحبكِ و يحب أن تكوني كما أنتِ بكل ما فيكِ.

س.ح

هنيئا لها بمناسبة الخطوبة ( لا أريد ذكر اسمها حتى لا تزعل مني و لا يقرأ خطيبها اسمها في المدونة!).
أخذتني معها إلى متجر العشي للعرائس كي ننتقي معا فستان الخطوبة, في غرفة القياس ارتدت فستانا ورديا بدت فيه عروسا زاهية و ساحرة, طلبت مني أن أغلق الباب بالمفتاح, و صارت ترقص بينما دموعها تكاد تطفر لأنها لا تجيد الرقص, ضحكتُ و قلتُ ” المهم هو أنكِ ستكونين أجمل عروس بأبهى فستان”. صمتنا لدقيقة و فجأة قالت “ارقصي..”, ارتبكتُ و تلعثمتُ, أنقذتني من الورطة طرقات الخياطة على الباب, هرولتُ و فتحتُ لها, دخلتْ بشهقة طويلة و اندهاش مصطنع هو جزء من عملها تبديه لكل عروس تراها بفستان ستفصله على الجسد حسب تفاصيله و مقاساته..
في حياتي ثلاث كوابيس: الدراسة و الحرب و الرقص.
بعد أيام قليلة سيكون عرس أختي توقعوا مني الهروب و ارتكاب الحماقات!

دعاء

فتاة هي و الحزن أصدقاء, كانت و ما تزال تملي عليّ مشاعرها القاتمة و بدوري أترجمها إلى نصوص و دموع مكتوبة على الورق, أعطيها الورقة المثخنة بالجروح و حين تقرأها تتنفس دعاء قليلا و يذوب شيئا من ملح الجروح..
هذه الفتاة تحلم بالسفر إلى اليابان, ليكتمل جنونها مع التطور و التكنولوجيا هناك, لا سيما و أن ماروكو ( شخصيتنا الكرتونية المفضلة) تعيش في طوكيو و تأكل أقراص الأرز..
الآن في هذه اللحظة, دعاء تقرأ هذه التدوينة و تضحك كالعادة بصوت عالٍ, ستنادي سماح و أخواتها و أمها كي يقرؤون معها التدوينة و تقول لهم بفخر” ها, كوسر كتبت عني”.