في عيادة الأسنان, استرخى في مقعده كالمخدّر, معلّمة مادة الأحياء كانت تنتظر دورها مثله, كانا يجلسان مقابل بعضهما, يفصلهما باب غرفة الطبيب الخاصة بالفحص, وضعت يدها المتوترة على فكّها الأيسر, فكّه الأيمن كان يبدو منتفخا و مترهلا مثل حبة خوخ طرية جدا, لم يكن في العيادة أحد ما سواهما, مرّت ساعة على انتظار دور أحدهما, حركاتهما على المقعد متعَبة, الملل وجد خصوبته فيهما, تكاثر الضجر, همّت بالخروج, الرجل يتلفت حوله, رآها تجر قدميها الثقيلتين ببراعة امرأة اعتادت على ألم الأسنان, تبعها.. اقترض القدر صدفة أن يركبا نفس سيارة الأجرة, لم يتعرّفا على بعضهما, ريح خفيفة تقتحم أنفاسهما المهملة, قبل أن ينزلا لمح وجهها في المرآة الأمامية للسيّارة, أحسّ بحقل مطر يحصده الندم, لماذا لم يسألها عن أي شيء يتعلّق بها؟, على الأقل اسمها!. . عاد إلى بيته, دلف إلى المرآة, سأل وجهه: أي فهرس سيدلني على اسم تلك المرأة.
صار الرجل يذهب إلى عيادة الأسنان كل يوم, حتى بعد أن خلع آخر سنّ من فمه, في آخر عمره أخبره الطبيب أن المرأة التي يبحث عنها(الرجل) كانت تأتي إلى العيادة كل يوم و تأخذ أسنانه التي يخلعها, لتزرعها في فمها, دائما كانت تقول: فقط لو أعرف من صاحب هذه الأسنان التعيسة . !
Category: Arabic
بينهما جدار
● ● ●
يرسم على الجدار سماء
ترسم على الجهة الأخرى من الجدار نفسه شمسا
يرسم غيمة
ترسم مطرا
يرسم شفاها
ترسم قبلات و ضحكات
يرسم شارعا
ترسم سيارة
يرسم كلمات
ترسم سطورا
يرسم رسائلا
ترسم ساع بريد
يرسم دمعة
ترسم منديلا
يرسم حقدا
ترسم ثورة
يرسم بندقية
ترسم قلبا,
يطلق قلبها نبضاته كالرصاص
يتحطم الجدار.. تتفتت الدبابة, يتعانقان!
رسم طفولته و مضى
● ● ●
كانت اللوحات على جدران مدارس الغوث في مخيم الشاطئ, تشارك الأطفال ضحكاتهم, طلاب الصفوف الابتدائية, يحملون الفرشاة و علبة الألوان, يضع أحدهم الفرشاة على بداية الجدار و يركض ببراءة حتى يصل نهاية الجدار, أستاذه يصفق له و يقول مبتهجا: لقد رسمت خطا أزرقا طويلا, يصيح الطلاب من بعيد: أوووه, يبدو الخط الأزرق مثل بحر غزة اللاوي. أطلب من سائق السيارة الخاصة أن يصفّ سيارتنا في مكان خال, أنزل من السيارة و أهرول إلى الطالب الذي سمعته يقول”بحر غزة اللاوي”, أسأله “شو يعني بحر غزة اللاوي”, يقطب الطالب حاجبيه و يذهب إلى أصدقائه !, حين يصلهم يضحك بصوت عال و يقول “الأستاز علمنا إياها”, تقدمت نحو أستاذهم و سألته عن معني اسم بحرهم؟, انزلقت نظارته حتى أرنبة أنفه و نظر إليَّ من أعلى النظارة كما و لو أن عينيه صعدتا سلما للشمس, قال: اتفقنا مع طلاب رام الله أن نرسم رسائلنا إليهم على جدران المدارس, طلابي يرسمون البحر لهم و طلابهم يرسمون الجبل لنا, في الليل تطير الرسومات و تتحول إلى غابات و بحار..
أطفال تجاوزا الواقع ليتحدوا مرارته بحلاوة أحلامهم و براءتها, من بعيد يصفق الطلاب لزميلهم الذي رسم سفينة, تركت الأستاذ و ذهبتُ أشاركم الرسم, رسمت في سفينتهم صندوقا كبيرا و قفلا يغلقه, التم الطلاب حولي مذهولين و سألوني: شو يعني؟, قلتُ: في الصندوق كنز خطير سوف نهرّبه إلى طلاب رام الله, ما عليهم سوى أن يكسروا القفل. قال طالب يربط حول معصمه قطعة مطاط ملونة: ليش خطير؟, قلت: لأنه ممنوع و يهدد أمن الاحتلال. تنقلت عيون الطلاب فيما بينهم, أحدهم وضع يده على ذقنه محتارا, سألني و هو يرسم في الهواء شيئا ما: أين المفتاح؟, قلتُ: مع طالب في رام الله, قال: هذه أول مرة نتراسل مع طلاب رام الله, ضحك صديقه: ها ها ها أصلا نحن لم نتراسل مع غيرهم من قبل, استدركه صديق و قال: لكننا تراسلنا مع الله, صفّر أستاذهم له و قال: لم يخطر ببالي, ثم صفّق و قال: رائع.. أنتم رائعون. رنّ جرس المدرسة معلنا انتهاء حصة الرسم حسب الجدول المخطط لفعالياتهم الصيفية, اتفقوا مع بعضهم البعض أن يراسلوا الله هذه الليلة, في لحظة اختفوا من حولي و سمعت ضجتهم في الصفوف..
صباحا, ذهبت إلى جدار المدرسة, فوجئتُ بأن أحدهم رسم للقفل مفتاحا, و من الصندوق ينهمر شلال ورد, طالب ما رسم طفولته و مضى..
صباح فراشية
كتب تفتح عينيّ لأحلم
معي الكثير من الكتب التي لم أقرأها: امرأة في الثلاثين, إذا جاء الشتاء, غراميات مضحكة, شتاء في يوليو, الحب عند العرب, سيكولوجية المرأة…. إلخ, أمدّ يدي في درج المكتب, أغرف ذاكرتي, ذاكرتي ممتلئة بالفراغ, مخرمة و تنهشها الثقوب, ألتقط رسالة من أحدهم, قديمة جدا, أقرأ فيها قائمة وصايا من كاتب لقمانيْ إلى ابنته التي ستكون يوما كاتبة ذات شأن!!. هل حقا سأكون كاتبة عظيمة بعد خمس سنوات كما قال و تنبأ الصديق الشاعر عثمان حسين!.
ليلة أمس, أطفأتُ ضوء الغرفة, كان الليل يدلف إلى هزيعه, و كنتُ أغرقُ في ظلّي المقمر شيئا فشيئا, أفكّر في ” العتمة ” ( رواية لجوزيه ساراماغو ), تخيّلتُ أنني فجأة أصاب بالعمى, و أنا أبتسم لطفل أو حين أصحو من نوم لذيذ, بلا سبب أفقد بصري !, مسني الخوف و قررتُ أن أتدرب على العمى, في الصباح, قفز قرص الشمس إلى عينيّ, غطيتهما بيديّ و حجبت الشمس عنهما, يجب أن أعتاد على ” العتمة ” بدون شمس أو مصباح.. ما زلتُ في بداية ” العمى “, أقرؤها كأنني أستقبل أحزانا و هموما غير متوقعة, من سيصاب غدا بالعمى؟ آ.. اليوم في سياة الأجرة التي أقلتني إلى بريد ” أرامكس” جلس إلى جانبي رجل طاعن في العمى, وخز كتفي بقطعة النقود, و قال ” ادفعي الأجرة عني “, تقلصت ملامح وجهي متسعة البهجة و الابتسام, أخذت من يده البيضاء قطعة النقود الحديدية, كان الحديد ساخنا, ألهب أصابعي وجعا, دفعتُ للسائق أجرته عني و عن الأعمى, و قبل أن أنزل من السيارة دسستُ قطعة نقود أخرى في جيب قميص الأعمى!, إنها أجرة التعرف شخصيا على “العمى”..
استلمتُ البريد من الموظفة بعدما تأكّدت من هويتي و وقّعت على ورقة ثبوتية!. كان صباح غزة في مهده, الشوارع نقيّة و لم يتلوث الهواء بزفرات المتذمرين و تناهيد الحالمين بعدْ. تمشّيتُ في شارع ” فلسطين “, لوقتٍ طويل بقيتُ أتمشى, فلسطين فوانيس رمضان, حلوى عيد, طفولة, امرأة, رجل في الأربعين, طيش مراهق, “فلسطين” شارع أفتح فيه بريدا مليئا بقصص الحب و الموت و الجنون.. جنون زياد خداش, سأوزعه على صبايا و أطفال يكبرون بصخب و أمل, يصعدون تلالا و يزرعون لوزا و فستقا و خروبا. في الشارع الطويل يصدح صوت الكتب ” خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي “, أرعبني الصوت و صرت أركض في الشارع وحدي, لم تكن البيوت قد نهضت بعد!. فجأة يوقفني صوت هاتفي الخلوي, أنزوي تحت شجرة, أقرأ رسالة من صديقتي المقدسية ” صباحك فلسطين كوثر “, أبتلع هواء و نفسا عميقا, أسير بهدوء.. بهدوء أدخل القاعة, تقبّلني الدكتورة مي نايف, دائما تقبلني!, أهديها نسخة من كتاب” خذيني إلى موتي” و كتاب ” كأن شخصا ثالثا كان بيننا”, تشكرني و تبرق عيناها بالفرح, أقول لها بخجل ” اشكري زياد”.
اثنتي عشر نسخة من “خذيني إلى موتي”, نادية تنتظر نسختها, إباء و أحمد و البقية غدا سيأخذون نصيبهم من الجنون في الأمسية الشعرية في جاليري الميناء, مريم أصرت أن تأخذ نسخة, وضعتها في حقيبة السفر لتقرأها مع خطيبها في الامارات, تنازلتُ و أعطيتُ نسخة لطالبة جامعية لا أعرفها لم تتركني إلا بعد أن أخذت مني ما تحب من الجنون.. سائق سيارة أجرة سرق مني نسخة!!, عاقبته و لم أعطته أجرته, لم يبال بأجرته, و قال لي ” صدقيني إنني أقرأ أكثر منكم”, آنذاك رأيتُ من نافذة السيارة سحابا أبيضا جامحا, كان يشبه قطيع غزلان تشع نورا أبيضا… إلخ إلخ
غزة.
شرفات عالية
1
آه.. عيناك تحيطاني بالحزن و الياسمين, مجدكَ يتسمّر وراء الباب, مهترئ الرجولة تمشي باتجاه الوادي, تسقط التلال بين ذراعيك, لا تستطيع أن تحملها, تسيل الأشجار و الزهور و الحساسين من بين أصابعك, صامت تمشي, أنا أنتظر.. تقترب من عدمي, لا تناديني باسمي لأنه مكتوب في جواز السفر, اسمي يُكتب و لا يُنطق, ترفع الريح العجوز اصبعك, تشير إليَّ بسبابتك, أكون واقفة أنتظر.. ما زلت تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي..
2
الرجل المجنون الجريء الذي يتسلل إلى غرفتي من درج البيت, دائما يسبب لي المشاكل .. لا ليس مع أهلي, إنما مع ضجيجي و هوسي في قصص شفتيه..
3
يوم عادي جدا.. كان الرجال يتنكرون أمام الطرقات و الأرصفة و الأبواب, رجل واحد لم يتنكر للمدينة الدامية, سار معي و قال: أنتِ الغبية من بينهنّ !.
4
كل ليلة, يرمي القمر على سريري ظل رجل مجهول بعيد.. أحاول أن أقطف القمر كي أسأله: من هذا الرجل؟
5
ذات ليلة ليست بالبعيدة( هي ليست قصة), أخطأتُ طريق الحياة و متٌّ .
6
كذب عليّ و قال أنه ينتظرني في الكِتاب.. فتحت الكتاب فوجدت قصة, قرأتها و نمت.
7
لأنني اليوم تذمرتُ كثيرا, نمتُ و لم أستيقظ حتى الآن !
8
كلما أغمضتُ عيني, رأيتُ عينيكَ .
9
وجدتُ في بريدي بقايا ليلة و رائحة رجل أخطأتُ رسائلي إليهِ ..
10
أقصر القصص: المسافة بيننا
11
أنتَ الوحيد من بين الخائنين تسأل عني
تعال أيها الموت و خلصني من الحمى
كانت الحياة تبدو يابسة مثل تربة صحراوية, الحمى بلا قلب, فقدتُ وزني و توازني, تقلّص جسدي, كائن آيل للانقراض, و أصبحتُ أنتظر موتي برحابة, أضع أصابعي الناحلة على عيني, و أتصوّر نفسي كيف أقابل وجهي بهذا الشكل؟ أخاف أن أراني على المرآة.. أخاف من منظر هذا الجسد الشاحب و هو يتأرجح في أوج مرضه أمام عيني..
أتقنتُ الوحدة, فشلتُ في تكوين صداقة مع الحمى, وحدهُ السرير كان صديقي, أتلوى عليه مثل دودة شريطية, ألفتُ رائحة الأدوية, و لم أعد أشعر بالغثيان لمجرد أن أشم رائحة دواء ما.. في سفن الوجع تصدر الحمى جسدي, أحترق.. مجنون هذا الحريق لا ينطفئ و لا يرحم. قلتُ ” هيا نامي حتى الموت و اختاري النار أهون من هذه النار “.. سمعتُ صوتي! بدأت الحمى تنهكني, أهلوس, أهذي و أتكلم مع لا أحد, أخي الصغير يضع كوب الماء البار و يهرب.. يهرب هلعا من حالتي المخيفة, بعد دقائق أنهض قليلا, أتساءل ” من جلب هذا الكوب إليَّ؟ “, ” من كان يتكلم قبل قليل؟”. أفاجأ بأمي متسمرة أمامي, تطمئن عليَّ و تتركني أعارك المرض..
هاتفي الخلوي يرن, هل أردّ على المتصل, لربما هلوستُ معه, لا أريد أن أتورط.. أجدني فتحتُ الخط, يأتيني صوته كأنه آتٍ من خارج الغلاف الأرضي, كأنه صدى صوت مجهول, يقول” آلو.. أنا علي”, ماذا يريد علي أبو حطاب(مترجم), عقلي لا يستوعب مكالمة كاملة, يدعوني علي إلى دورة في الكتابة الابداعية, ثم يصف لي مكان المركز الذي ستقام فيه الدورة, يؤكد لي على أهمية حضوري و إلا “سيزعل إن لم أحضر”, قال أن عثمان حسين(شاعر) و أحمد الحاج أحمد(شاعر) سيكونان من الحاضرين.. تنهدتُ و سعلتُ بكسل, قلتُ له”محمومة.. إن استطعتُ سأحضر”, قال” لا تتمارضي..دائما لا تحضرين دعواتي”, بعدها تكّلم و لم أكن أسمع أي صوت له, فقد فقدتُ تركيزي و تعبتُ. ارتمت يداي, وقع الهاتف على الأرض و سمعتُ أنين تكسره, حاولتُ الوقوف كي أذهب إلى الحمام, اتكأتُ على جدران الغرفة, جررتُ جسدي و ارتسم خط عرق طويل على الجدران المؤدية إلى الحمام, كان الكرسي مجهزا لمرضي, جلستُ تحت “الدش”, انهمر الماء البارد على جسدي بلا هوادة, لم أشعر ببرودته, كانت حرارتي المرتفعة أقوى من الماء البارد, اعتقدتُ أنني أخطأتُ في الماء, تأكدتُ من وضعه البارد, إلا أن جسدي فقد احساسه بالبرودة, كانت المياه الباردة تسخن على لحمي, تخيلتُ أنني خلال دقائق سأتحول إلى بقعة بحرية حارّة, ستنمو على كتفي الطحالب, و ستقفز من بين أصابعي الأسماك الصغيرة و الضفادع..
ارتديتُ الملابس الخفيفة جدا, استلقيتُ على السرير, المرض ممل, هكذا اتفق حسين البرغوثي مع كيركغارد, ممل..ممل. ماذا أفعل؟ بماذا أتسلى؟, الحمى تتسلى بجسدي و أنا أتأوّه, و أنا أعد النجوم من نافذتي فلا أنام.. السعال يخربش صدري, سيخ حديدي يشع اشعاعات نارية زرقاء يدخل صدغي من اليمين و يخرج من الجهة اليسرى, سكاكين و مسامير تدق ركبتيّ.. أبكي, يمتزج دمعي مع العرق و السعال و هذياني.. تهرول إليّ أمي, تلقمني المسكنات.. و أنام.
صباحا, أنهض من غيبوبتي, أتحسس جسدي, من خلال درجة حرارته المعتدلة أكتشف أنني شفيتُ, يا للمعجزة!. أحمل بشرى الشفاء إلى أمي, يفرح معها أبي.. الآن تحرر جسدي من لعنه المرض, أتذكّر علي أبو حطاب, قلتُ لن أخذله, ذهبتُ إلى المركز القومي حيث ستقام الدورة, جاءت أختي معي لأنني ” كائن ما بعد المرض” !, سلّمتُ على الحاضرين, كان الشاعر عثمان حسين هادئا و طيبا كما عرفته أول مرة, صافحني و قدّمني للدكتورة مي نايف, كانت باسمة و ذات وجه يمنحك الدفء و الطمأنينة, جلستُ أنا و أختي آخر صفوف المقاعد, كان تنفسي هادئا و نظراتي العميقة تتجول في القاعة مثل عصفور يتفقّد عشّه الأخير!, لا أعرف لماذا شعرتُ بالجبن حين وقعت عيني على المقعد الفارغ الجالس إلى جانب مقعد الدكتورة مي نايف!, أنا أتأمل القاعة التي زرتها قبل هذه المرة بدعوة من صديق ألح على أن يُعرفني على فرقة مسرحية من الشبان الواعدين, كانوا يتدربون على مسرحية شعرية من تأليفهم, يومها رحبوا بي بحرارة و بدأ كل واحد منهم بأداء دوره أمامي كما و لو أنه يمثل على خشبة المسرح, ساعة و غادرتُ القاعة بصمت ساذج, لم أعلق على أدائهم .. و لا شيء, الصديق ندم على دعوته لي لأنني لم أتكلم مع أصدقائه الرائعين, لم يكن تصرفي مكابرة أو استياء, فقط صمتُ دهشة من مجموعة من الشبان الغزيين الطموحين حدّ المجد.. من بعيد يُناديني الشاعر عثمان حسين باشارة من يده الصامتة, ذهبتُ إليهِ, فقال ” اجلسي هنا”, جلستُ على المقعد بالقرب منه, كانت فتاة معاقة تجلس على يميني, قال عثمان” هذه دورة للكتابة الابداعية”, قلتُ” آهاا” ابتسمتُ, و ساد الصمتُ بيننا. شغّل أحدهم المراوح, خفف هدير المراوح من ذاك الصمت الغامض, خرج عثمان من القاعة, عدتُ إلى مقعدي في الصف الأخير, كانت أختي تضحك, لم تكف عن الضحك, يبهجها رؤية الشعراء, منظرهم, سجائرهم, ملابسهم و أناقتهم, طريقة كلامهم, كلامهم نفسه يُضحكها ببهجة و سخرية لاذعة, جعلتني أضحك معها, تعليقاتها الساخرة أنستني نفسي و دعتني أضحك.. أضحك.. و أضحكُ على غبائي فأنا من سلالتهم!.
وقفتْ الدكتورة مي أمامنا, أعلنت بذلك بدأ المحاضرة فهي مدربتنا و لها الحق في البداية و النهاية, أشارت إليّ أن أتقدم مع أختي إلى الصفوف الأولى, تقدمنا و جلسنا إلى جانب البقية, انضممتُ إليهم, نور و جهاد و هاني و ديانا و آخرون من الكتاب الواعدين, جميعهم تقريبا بمثل عمري, سرّني ذلك كثيرا و في نفس الوقت هبّت نسمات حزن في نفسي, منذ زمن و أنا أفتقد التعامل مع أشخاص بعمري, في أغلب الأحيان أكون مع الثلاثين أو الأربعين فأكبر, وجدتُ صعوبة في الاندماج معهم, بقيتُ صامتة, كنتُ مستمعة فقط, بين الفينة و الأخرى كانت الدكتورة مي تستحثني على التكلم, فمثلا تقول” آ يكوثر” ” شو رأيك كوثر”, و كوثر إما أن تنطق كلمة واحدة أو تهز رأسها, كذلك الشاعر أحمد الحاج أحمد كان ينظر إليَّ, و كلما نظر إليَّ و اصطدمت نظراتنا ببعضها شعرتُ أن قلبي انقبض أو وقع مني, سكوني و طبيعتي الصامتة أخشى عليهما من الخدش, الحكمة تقول ” الواثقون من أنفسهم غير مجبرون على الكلام”, و لم أتكلم, أحمد الحاج أحمد يسألنا” ما الأهم: الللغة أم النص”, أصدقائي يتفقون أن النص هو الأهم, يتناقشون, يبدون آراءهم, أنا أسمع و أبقى صامتة, ينظر إليَّ أحمد و يقول”كوثر؟!!”, أقول بهدوء” اللغة”, لماذا؟, لأنها الأساس, و أصمت, لا يتكلم أحمد مع صمتي, يتابع نقاشه معهم.. في بداية المحاضرة طلبت منا الدكتورة مي أن نقرأ عليها شيئا من كتاباتنا, كلهم قرأوا لها, في نهاية المحاضرة تذكّرتْ أنني لم أقرأ, شهقت و هي تنظر إلى أحمد الحاج أحمد, قال” كوثر لم تقرأ لنا”, ابتسم و عيناه بيني و بين الدكتورة, قال” كوثر غنيّة عن ذلك, لقد قرأتِ لها في عشتار”, ابتسمنا و صمتْ. قبل أن أغادر المركز أطيتُ الدكتورة ميْ مجموعة من القصص القصيرة و طلبتُ منها قراءتها و رأيها, حملتُ حقيبتي على كتفاي و خرجتُ, قلتُ لأختي” لنحتفل بشفائي من الـ.. ما بتتسمى”(أي الحمى), كانت الساعة الحادية عشر صباحا, لم نذهب إلى مطعم بالميرا لأنه سيكون في طور فتح الأبواب!, ذهبنا إلى مطعم الشعب, مطعم شعبي يقدم “الفراشيح”, أكلتُ فرشوحة و أصررتُ على شرب العصير الطبيعي من المعصرة القريبة, خجلت أختي من منظري و أنا أشرب كأسي في الشارع!. الأماكن الشعبية أكثر قرابة مني, أحب أن أكون في قلب المدينة, في شغبها و شعبيتها و فقرها, بالميرا و اللايت هاوس و الديرة و ديليس.. إلخ, أماكن أقابلها مع صديقاتي أو أهلي, أما الأماكن البسيطة فهي الأقرب و الأحب إليَّ..
عدنا إلى البيت, عدتُ انسانة غير مريضة, حرارتها مثل حرارة أختي و أخي و أمي و أبي, قطتي الفارسية لم أعد أغار منها, صرتُ ألعب و أنط مثلها, هل كانت الحمى يوم أمس مجرد كابوس؟.. كلما تذكرتُ حالتي الرهيبة أشفقتُ على جسدي, و الآن أشفقُ عليهِ أكثر لأن الحمى عاودته!. سيل جارف من الألم الحار يتدفق بي, أسقط عضوا فعضوا على سريري, الطبيب يطمئن أبي على الهاتف و يقول له ” الفيروس سينتهي خلال أيام”, خمس أيام من الموت القبيح, خمس أيام من الشلل و الانكسار و الذّل أمام الحمى, أغيب عن الوعي, أهلوس, أنهض, ينهض الوجع, الحرارة ترتفع, أرتفع إلى تلال الموت, السماء تبتعد.. تعال أيها الموت و خلصني من الحمى.


