غبار في ضوء الأباجورة

ضوء الأباجورة رديء جدا, شاشة اللاب توب مغبشة بالغبار و مرآة المشط أيضا مغبرة, حتى الرواية التي دائما أقرأ منها صفحة تملأها الغبار, ربما كل شيء نظيف و يلمع, إنما المشكلة عطب مؤقت في دهشتي !. لم أعد أشعر بتلك الشهقة الرائعة و الأنفاس المنعشة حين أفاجأ بشيء جميل لم أكن أتوقعه, عصفور يدخل غرفتي بالخطأ, يصير يحلق في السقف و يتخبط بين أغراضي حتى يهرب عائدا من النافذة الضيقة إلى سمائه الواسعة, بعد أيام أرتّب الغرفة و أجد ريشة علقت في رباط حذائي, ألتقطها بملل و أرميها على السرير..
مجلة لسان لم تصلني من سويسرا ,
دواوين سوزان عليوان لم تصلني من لبنان ,
هدايا أخي لم تصلني من ألمانيا ,
لا شيء يصلني من خارج غزة !
عادي ..
قارورة العطر الفرنسي كسرها ابن أختي و هو يحاول أن يشرب السائل الياسميني ,
روايات ميلان كونديرا.. كلها فقدتها و لا أرغب في استرجاعها ,
اسطوانة ” موسيقى الماء ” لِـ ” هاندل ” , سقطت مني في بركة الأسماك ,
عادي ..
الآن يقرؤني أصدقائي شتيفان فايدنر و زاهي وهبة و إبراهيم نصر الله و مريد البرغوثي ,
تبتسم لي فاطمة قنديل و تقنعني بأن الكتابة تعيد ترتيب العالم ,
صديقاتي في الجامعة يعاتبنني على آخر مذكرة لسبب ما ,
عادي ..
التيار الكهربائي سينقطع و يعود بعد عشر ساعات ,
أستيقظ على ضجة المواتير بدل زقزقة العصافير ,
النوم على سطح البيت لأن حرارة الغرفة شديدة و لا تُطاق ,
الغياب عن محاضراتي لدرجة انني لا أعرف شكل و لا اسم الدكاترة الذين يدرّسوني المواد ,
إهمال المكالمات و الرسائل التي تصلني على الجوال و الايميل ,
عادي ..
سأطفئ ضوء الأباجورة و أنام .
أحلام سعيدة يا غزة !

نقطة و سطر قديم

هذه المرأة ينقصها الكثير كي تكتمل عشقا
بعضا من الإكسسوارات, و قليلا من الجنون
خواتم لأصابع حزنها
قيراط لأذن صمتها
أساور لفضّة دموعها ..

تُريدُ فستانا قصيرا
و كعبا طويلا
و أميرا يقطف لها وردة..
حديقة و شجرة لوز
و مقعد يكفي لقلبين ..
كأن الأرض خلعت دائرتها
و تربّعت لأجل عاشقين !

يأتي الأمير
– ليس كما في أحلام الصغيرات –
على حصان بدون أجنحة
يمتطيه الفارس
يد تحمل سيفا
و أخرى تسيل دما
حين يصل ساحة المعركة
يكون الليل متأخرا
يبحث بين جثث العتمة
عن جديلة البنت الأطول من الحياة

الليل رذاذ القصص التي لم تحدث بعد
هكذا أنتما في حكمة الفوضى
و الياسمين .

نساء كثيراتْ

مصيركِ يا لوليتا
أن تتزوجي السراب
و تطعمي أطفالكِ التراب .
أن تعلّمي المستحيل
كل دروس الحب و الحياة..

في قلب المرأة
نبض واحد
و ما عداه وحدة و فراغ
و حزن أبيض
تسامحين كثيرا
لأنّكِ أضعف من الانتقام
منديل صغير
يمتص من دموعكِ ذكريات
و يبتل بالله
كم امرأة باتت دون بيت
لأن رجل علّق على دالية روحها
ورقة و اسم و عنوان !
الرسائل المريضة
تُصيبنا بالاندثار .
المرآة التي في المصعد
هي نفسها مرآة السيارة ,
وجهكِ لم يتغيّر
ما زال صامتا
كما في مرآة التسريحة !

الشعراء لا يموتون

غدا, سأذهب إلى البحر, سأصطاد سمكا, و أقيم حفلة شواء..
غدا, يخرج محمود درويش من بين الأمواج, و يعطيني صدفة تصدح منها أغنياتْ ..
غدا, سأعيد كتابة هذه المذكرة, لأنني الآن ذاهبة إلى النوم, فمحمود وعدني بحلم جميل, و غدا سأزيد على هذه المذكرة: اليوم أنا سعيدة جدا .

قصة أحلام جديدة

الغرفة هادئة جدا, موسيقى عالية جدا, شبّاك واحد دائما مفتوح للشمس و القمر و العصافير و لكل شيء.. لديّ هنا أوراق و أقلام و طاولة صغيرة تتسع لديوان شِعر و فنجانان من القهوة, أرتشف فنجانا و أسكب الآخر على بلوزتي, في هذه الغرفة تحدثُ أشياء كثيرة, بعضها حقيقي و معظمها معجون بالأوهام و الخيال, أشياء أشبه بأساطير بعيدة و خرافات جبلية ..
رجال يعبرون غرفتي, أحيانا من الباب, و أحيانا من الشبّاك, يحملون لي بنادقا, أو هدايا, أو حبا, أو شرا.. الخيبات هي الحظ الوافر من مجيئهم. يأتون بلا موعد, و هكذا يذهبون.. لا يعودون.. النهايات معهم, و السعادة أيضا.. لكنهم ضباب, أمدّ يدي في عدَمه, فلا أمسك بشيء و لا أشعر إلا بالندم و الحزن..
الهدوء يعتمر سقف الغرفة,
كلامي قليل و صمتي شكله الوحيد..
تكلّم أنتَ و ابدأ بقصتي الجديدة .

لص الذاكرة

نسيتُ خزانتي مفتوحة, نسيتُ ألبوم الصور مفتوحا, نسيتُ عيوني مفتوحة, نمتُ رغم كل شيء.. و حين استقيظتُ وجدتُ ملابسي مسروقة, هل خرجتَ من الألبوم و كنتَ تتلصص على أغراضي ؟
نسيتُ اسمكَ على مرآة التسريحة, نسيتُ قصائدكَ على مكتبي, نسيتُ فنجانكَ على الشرفة, اليوم أنا أنسى كثيرا..
نسيتُ دهشتي في ريشة عصفور, نسيتُ نبضات قلبي تدق بابكَ, نسيتُ حلم ليلة أمس, نسيتُ مظلّتي جافة في بيت الدرج.. نسيتُكَ آخر النهار !

قصة التيار الكهربائي و الطائرة الخائفة

التيار الكهربائي غادرنا منذ ساعات طويلة, إنه رجل المواعيد المملة, الأسلاك تمتد من عامود بعيد و تعبر في شوارع طويلة و ملتوية كي تصل إلى بيتنا, أحاول أن أرصد نقطة بداية سلكنا الكهربائي, لكنني سرعان ما أتراجع عن ذلك, يتفشى في داخلي رعب موحش, ألتفت إلى جهة الشمال, ينفجر في رأسي لغم أبيض.. أشيح بوجهي عن كل الجهات و أخبئه بين ذراعي, مثل عاشق فقد رغبته في الحب. ثمّة كائنات ضوئية تراقبني من تلك الجهة, أعمدة مرتفعة جدا, تختفي رؤوسها في غيوم كثيفة و تتنكر بزيّ النجوم, سيارات لا تتوقف عن الحركة مثل الكترونات تدور حول نواة متوهجة, بيوت رائعة و عالم آخر غارق بالنور..
كيف أغمض عيني عن ذلك العالم الأسطوري؟, لطالما لجأتُ إلى تأمله بحجة أنني خائفة و أقول بضعف أمام نظرات الدهشة لأخي الكبير ” هذا يا الله.. هذا الذي يخيفني دائما “, الضوء يقمعني, أخي لا يكترث لأخته الهبلة, حتى إنه لا يكلف نفسه بضحكة و لو ساخرة يرميها لي و يتركني!.
في هذا الصيف بالذات, أنا أحنُّ كثيرا للضوء, احتباس حراري يجمع العائلة مع بعضها البعض, قبل مغادرة الكهرباء, يتراكض الصغار إلى الوسائد و ينقلونها إلى سطح الدار, أسمعهم يهللون على الدرج, أخي الكبير يحمل أحجار النرد و يرتقي الدرج ببطء و هو لا يتوقف عن صب الشتائم على شركة الكهرباء و على عالمي المضيء.. أظل متربصة في غرفتي, أنتظر أن يخلو البيت منهم, يتسلل إليّ من الشباك صوت جارنا, يقرأ سورة النور و يدعو بخشوع سخي للصابرين, ثم تتناهى إليّ أصوات ضحكات بذيئة تنطلق من أشخاص مجهولين, أعتقد أو أكاد أجزم أنهم كانوا يتنصتون على جارنا!, هنا الأدعية صارت تتميّز بلون الانتماء الوطني, و ربما تجر أصحابها إلى السجن, لن أحذر صوتي.. سأظل أقول ” هذا يا الله.. “, و لكن هذه المرة أتابع ” هذا الذي أحتاجه ” .
بعد أن يذهبوا إلى سطح البيت, أخرج من غرفتي, أفتح الشبابيك, أطمئن على وجود التيار, بقيت دقائق معدودة كي يغادرنا, أحمل وسادتي و ألقي نظرة على النيون ثم أركض على الدرجات المؤدية إلى السطح.. أقذف وسادتي على الصغار, فيبدؤون لعبتهم المفضلة, كرة الوسائد, يضج السطح بوسائدنا, السماء ترانا بوضوح كأنها تشاهد فيلما كرتونيا, تصيح أمي بقلق على وسائدنا, نطمئنها بأن الخيوط قوية و لن تتمزق من لعبتنا, كان لعبي معهم وسيلة للتخلص من الانتظار و الضجر, التيار غادر بيتنا و لا بد أنه الآن حل في بيت آخر, ثم يغادر هذا البيت ليحل في بيت آخر و هكذا.. يا له من رجل لا يستقر و لا يقيم .
تشاجرنا على أماكن نومنا الصغيرة, كنتُ مع العائلة بين اليقظة و الصحو, اخترتُ أن أنام أمام عالمي المضيء, رأيتُ عيون الصغار تحيطني بالخوف, فلا أحد منهم يستطيع النوم أمام مستعمرة تجثو قبالة بيتنا, و لا يفصلنا عنها سوى شارع واحد !, إنها عالمي المضيء الذي يلهمني القصص و الأشعار, عالم مجنون يقتلنا و يقتات على لحومنا, لكنني أشعر بانجذاب غريب يشدني إليه, خيالي العميق يصبغ الأشياء و الأرواح بلون السلام, المستعمرة تتحوّل إلى كوكب آخر يتدوّر في عيوني و يُخيّل إليّ أنه كرة شمعية تذوي ضياء, في الوقت الذي أطفأ أبي شموعنا كي ننام, فلا ننام.. نذهب إلى أحلامنا و أفكارنا المتواضعة.. نشتهي عودة التيار الكهربائي, فالبيت تحتنا يختنق عتمة, و صخب التلفاز صامت, لا أغاني و لا مسلسلات, و كتبي كفيفة مثلي.. قفز أخي الكبير من مكانه, فجأة, وقف في منتصف السطح, وقف الصغار متلهفين كأنهم كانوا ينتظرون أحدا أن يخترق صمتهم, قال قائدهم ” عودوا إلى أماكنكم و استلقوا على ظهوركم هكذا .. “, استلقى على ظهره و تابع ” أترون كم نجمة في السماء “, صاحوا بغضب ” كثيرة.. و لا نريد أن نعدّها أيها الأحمق “, قال ” لا لا, أريد منكم أن تلتقطوا الطائرة من بين النجوم.. لقد لمحت طائرة اسرائيلية تختفي و تظهر.. هناااااك “, ضحك الصغار و راحوا ينقبون عن الطائرة بين أكوام النجوم, راقتني لعبتهم و رحت أفتش عن الطائرة, تعثرتُ بأضواء أخرى, شُهب و قطيع خرفان و قبعات و أصدقاء مضيئون يمدون لي ألسنتهم ثم يختفون خلف النجوم.. لم أجد الطائرة و ذهبتُ إلى متعة العد, كذلك فعل الصغار بعدما اكتشفوا خدعة قائدنا, فلم تكن طائرة في السماء, لكنه أقسم و هو يشير إلى نجمة كبيرة أنه رآها, و أن الطائرة ارتدت النجمة لأنها خافت من عيوننا..