نساء كثيراتْ

مصيركِ يا لوليتا
أن تتزوجي السراب
و تطعمي أطفالكِ التراب .
أن تعلّمي المستحيل
كل دروس الحب و الحياة..

في قلب المرأة
نبض واحد
و ما عداه وحدة و فراغ
و حزن أبيض
تسامحين كثيرا
لأنّكِ أضعف من الانتقام
منديل صغير
يمتص من دموعكِ ذكريات
و يبتل بالله
كم امرأة باتت دون بيت
لأن رجل علّق على دالية روحها
ورقة و اسم و عنوان !
الرسائل المريضة
تُصيبنا بالاندثار .
المرآة التي في المصعد
هي نفسها مرآة السيارة ,
وجهكِ لم يتغيّر
ما زال صامتا
كما في مرآة التسريحة !

الشعراء لا يموتون

غدا, سأذهب إلى البحر, سأصطاد سمكا, و أقيم حفلة شواء..
غدا, يخرج محمود درويش من بين الأمواج, و يعطيني صدفة تصدح منها أغنياتْ ..
غدا, سأعيد كتابة هذه المذكرة, لأنني الآن ذاهبة إلى النوم, فمحمود وعدني بحلم جميل, و غدا سأزيد على هذه المذكرة: اليوم أنا سعيدة جدا .

قصة أحلام جديدة

الغرفة هادئة جدا, موسيقى عالية جدا, شبّاك واحد دائما مفتوح للشمس و القمر و العصافير و لكل شيء.. لديّ هنا أوراق و أقلام و طاولة صغيرة تتسع لديوان شِعر و فنجانان من القهوة, أرتشف فنجانا و أسكب الآخر على بلوزتي, في هذه الغرفة تحدثُ أشياء كثيرة, بعضها حقيقي و معظمها معجون بالأوهام و الخيال, أشياء أشبه بأساطير بعيدة و خرافات جبلية ..
رجال يعبرون غرفتي, أحيانا من الباب, و أحيانا من الشبّاك, يحملون لي بنادقا, أو هدايا, أو حبا, أو شرا.. الخيبات هي الحظ الوافر من مجيئهم. يأتون بلا موعد, و هكذا يذهبون.. لا يعودون.. النهايات معهم, و السعادة أيضا.. لكنهم ضباب, أمدّ يدي في عدَمه, فلا أمسك بشيء و لا أشعر إلا بالندم و الحزن..
الهدوء يعتمر سقف الغرفة,
كلامي قليل و صمتي شكله الوحيد..
تكلّم أنتَ و ابدأ بقصتي الجديدة .

لص الذاكرة

نسيتُ خزانتي مفتوحة, نسيتُ ألبوم الصور مفتوحا, نسيتُ عيوني مفتوحة, نمتُ رغم كل شيء.. و حين استقيظتُ وجدتُ ملابسي مسروقة, هل خرجتَ من الألبوم و كنتَ تتلصص على أغراضي ؟
نسيتُ اسمكَ على مرآة التسريحة, نسيتُ قصائدكَ على مكتبي, نسيتُ فنجانكَ على الشرفة, اليوم أنا أنسى كثيرا..
نسيتُ دهشتي في ريشة عصفور, نسيتُ نبضات قلبي تدق بابكَ, نسيتُ حلم ليلة أمس, نسيتُ مظلّتي جافة في بيت الدرج.. نسيتُكَ آخر النهار !

قصة التيار الكهربائي و الطائرة الخائفة

التيار الكهربائي غادرنا منذ ساعات طويلة, إنه رجل المواعيد المملة, الأسلاك تمتد من عامود بعيد و تعبر في شوارع طويلة و ملتوية كي تصل إلى بيتنا, أحاول أن أرصد نقطة بداية سلكنا الكهربائي, لكنني سرعان ما أتراجع عن ذلك, يتفشى في داخلي رعب موحش, ألتفت إلى جهة الشمال, ينفجر في رأسي لغم أبيض.. أشيح بوجهي عن كل الجهات و أخبئه بين ذراعي, مثل عاشق فقد رغبته في الحب. ثمّة كائنات ضوئية تراقبني من تلك الجهة, أعمدة مرتفعة جدا, تختفي رؤوسها في غيوم كثيفة و تتنكر بزيّ النجوم, سيارات لا تتوقف عن الحركة مثل الكترونات تدور حول نواة متوهجة, بيوت رائعة و عالم آخر غارق بالنور..
كيف أغمض عيني عن ذلك العالم الأسطوري؟, لطالما لجأتُ إلى تأمله بحجة أنني خائفة و أقول بضعف أمام نظرات الدهشة لأخي الكبير ” هذا يا الله.. هذا الذي يخيفني دائما “, الضوء يقمعني, أخي لا يكترث لأخته الهبلة, حتى إنه لا يكلف نفسه بضحكة و لو ساخرة يرميها لي و يتركني!.
في هذا الصيف بالذات, أنا أحنُّ كثيرا للضوء, احتباس حراري يجمع العائلة مع بعضها البعض, قبل مغادرة الكهرباء, يتراكض الصغار إلى الوسائد و ينقلونها إلى سطح الدار, أسمعهم يهللون على الدرج, أخي الكبير يحمل أحجار النرد و يرتقي الدرج ببطء و هو لا يتوقف عن صب الشتائم على شركة الكهرباء و على عالمي المضيء.. أظل متربصة في غرفتي, أنتظر أن يخلو البيت منهم, يتسلل إليّ من الشباك صوت جارنا, يقرأ سورة النور و يدعو بخشوع سخي للصابرين, ثم تتناهى إليّ أصوات ضحكات بذيئة تنطلق من أشخاص مجهولين, أعتقد أو أكاد أجزم أنهم كانوا يتنصتون على جارنا!, هنا الأدعية صارت تتميّز بلون الانتماء الوطني, و ربما تجر أصحابها إلى السجن, لن أحذر صوتي.. سأظل أقول ” هذا يا الله.. “, و لكن هذه المرة أتابع ” هذا الذي أحتاجه ” .
بعد أن يذهبوا إلى سطح البيت, أخرج من غرفتي, أفتح الشبابيك, أطمئن على وجود التيار, بقيت دقائق معدودة كي يغادرنا, أحمل وسادتي و ألقي نظرة على النيون ثم أركض على الدرجات المؤدية إلى السطح.. أقذف وسادتي على الصغار, فيبدؤون لعبتهم المفضلة, كرة الوسائد, يضج السطح بوسائدنا, السماء ترانا بوضوح كأنها تشاهد فيلما كرتونيا, تصيح أمي بقلق على وسائدنا, نطمئنها بأن الخيوط قوية و لن تتمزق من لعبتنا, كان لعبي معهم وسيلة للتخلص من الانتظار و الضجر, التيار غادر بيتنا و لا بد أنه الآن حل في بيت آخر, ثم يغادر هذا البيت ليحل في بيت آخر و هكذا.. يا له من رجل لا يستقر و لا يقيم .
تشاجرنا على أماكن نومنا الصغيرة, كنتُ مع العائلة بين اليقظة و الصحو, اخترتُ أن أنام أمام عالمي المضيء, رأيتُ عيون الصغار تحيطني بالخوف, فلا أحد منهم يستطيع النوم أمام مستعمرة تجثو قبالة بيتنا, و لا يفصلنا عنها سوى شارع واحد !, إنها عالمي المضيء الذي يلهمني القصص و الأشعار, عالم مجنون يقتلنا و يقتات على لحومنا, لكنني أشعر بانجذاب غريب يشدني إليه, خيالي العميق يصبغ الأشياء و الأرواح بلون السلام, المستعمرة تتحوّل إلى كوكب آخر يتدوّر في عيوني و يُخيّل إليّ أنه كرة شمعية تذوي ضياء, في الوقت الذي أطفأ أبي شموعنا كي ننام, فلا ننام.. نذهب إلى أحلامنا و أفكارنا المتواضعة.. نشتهي عودة التيار الكهربائي, فالبيت تحتنا يختنق عتمة, و صخب التلفاز صامت, لا أغاني و لا مسلسلات, و كتبي كفيفة مثلي.. قفز أخي الكبير من مكانه, فجأة, وقف في منتصف السطح, وقف الصغار متلهفين كأنهم كانوا ينتظرون أحدا أن يخترق صمتهم, قال قائدهم ” عودوا إلى أماكنكم و استلقوا على ظهوركم هكذا .. “, استلقى على ظهره و تابع ” أترون كم نجمة في السماء “, صاحوا بغضب ” كثيرة.. و لا نريد أن نعدّها أيها الأحمق “, قال ” لا لا, أريد منكم أن تلتقطوا الطائرة من بين النجوم.. لقد لمحت طائرة اسرائيلية تختفي و تظهر.. هناااااك “, ضحك الصغار و راحوا ينقبون عن الطائرة بين أكوام النجوم, راقتني لعبتهم و رحت أفتش عن الطائرة, تعثرتُ بأضواء أخرى, شُهب و قطيع خرفان و قبعات و أصدقاء مضيئون يمدون لي ألسنتهم ثم يختفون خلف النجوم.. لم أجد الطائرة و ذهبتُ إلى متعة العد, كذلك فعل الصغار بعدما اكتشفوا خدعة قائدنا, فلم تكن طائرة في السماء, لكنه أقسم و هو يشير إلى نجمة كبيرة أنه رآها, و أن الطائرة ارتدت النجمة لأنها خافت من عيوننا..

بنت بعدد النجوم !

أنا بنت اسمها كوثر, لكنهم ينادونها بِـ ” مجنونة “, أخبرتني صديقتي أن هذه البنت تدرس الأدب العربي في إحدى الجامعات بغزة, عمرها الآن وصل عشرون سنة, تحب الله كثيرا رغم أنه لم يُعطها ما تمنته في تلك الليلة حين نامت وحيدة في حضن الدموع, هذه المجنونة كائن لا يُرى, تمشي في الشارع معك, ترافقك إلى أمسية شعرية, تشاركك ارتشاف فنجان قهوة في مقهى مزاج, تختار لك قميصا و ياقة مناسبة من مجمّع اللولو ثم تصيح ” آه.. لا هذه الياقة أجمل.. اشتريها”..
تقول أمي أن كوثر ابنة مطيعة و تحتفظ بسر ما لا تُسرّه إلى أحد و تخفيه حتى عن أمها, مجنونة تألف و تكتب بشراهة كأنها طائر جارح يعيش على لحوم الغزلان!, إنها تكتب كي تتخلّص من كراكيب العالم و عتمته, و الكتابة عندها لا تصل إلى حلم بأن تصبح كاتبة أو شاعرة, حلم الكتابة عند هذه البنت يكمن في عزلتها عن الكُتّاب و تفادي لقائهم, الكتابة في دفاتر كوثر تشبه الاستحمام من عرق صيفي مالح, تقول صديقتي الشجرة محتجة ” لو أنّ أغصاني تستطيع أن تمد يدها لتصفع كوثر “, لكن كوثر بعيدة عن كل شيء مثل خرافة مسرفة في خيالها..
البنت التي ناداها الناس باسمي فكنتُ هي, و كانت كوثر..
بنت مفرطة في الغيب, يُعاني العالم من وجودها و سيكون كل شيء بدونها أجمل, أتساءل ” لماذا أنا الآن أكتب عن كوثر ؟ “, كان من الأفضل لي أن أكتب عن أمي و أبي.. صحيح!, ألم أخبركم بأنني بيتوتية و الكتابة لدي ليس لها طقوسا معينة, هي مجرد عادة رائعة تلبستني منذ الصغر, فعل عادي و يومي, مثل غسل الوجه بعد النوم و مثل الحاجة إلى الماء و الطعام و الهواء..
أريد أن أحكي لكم شيئا, كثيرا فكّرتُ في الانتحار, ( لا داعي لذكر الأسباب لأنه انتحار شخصي ),لا أخاف الموت, لكنني أخاف الحشرات كثيرا ! .

أما هذه المدونة ؛
فهي كتابُ عقلي و قلبي, يحتوي كل فصول خيالي و حقيقتي و هدوئي و انسياب غموضي.. لا أعرف من يفتح هذا الكتاب و يقرأه كل يوم أو كل أسبوع أو كل سنة أو ” و لا مرة ! “, ما يهمني من القارئين العابرين و الخالدين لكتابي أن يعتنوا بأساطيري و أغنياتي كلما لامست حواسهم و جرحت دهشتهم و أطفأت نومهم, أحب أن تقلبوا الصفحة عن كلمات مطمئنة لعيون منسية في حروفها .

هذه كوثر .

سطل قهوة في إسطبل الحمير !

كما لكل شيء تاريخ حتى أرذل الشخصيات لها تاريخ يُذكر في الكتب و أحيانا يتحوّل إلى مجد و احتفالات و مهرجانات جدية أو تهريجية, فللحمار أيضا تاريخ زاخر بالعبر تارة و بالسخرية تارة أخرى. تقول كتب التاريخ أن الحمار وجد لأول مرة في الصومال منذ ما يقارب ال 12 ألف سنة, و في خلال 1800 سنة وصل الحمار إلى الشرق الأوسط, و حاليا يتواجد في العالم حوالي 44 مليون حمار ! .
يحظى الحمار بشهرة واسعة أكثر من غيره من الحيوانات, فمن ناحية الاستعمالات, استفاد الإنسان منه كثيرا في شتى المجالات: اقتصاديا و طبيا و سياسيا, و حتى أدبيا !, فمن الناحية الاقتصادية صارت بعض الشركات تستخدم لحم الحمير في إنتاج معلبات خاصة للحيوانات الأليفة كالقطط و الكلاب و كطعام للحيوانات المتوحشة كالنمور و السباع. طبيا: أثبتت الدراسات العلمية انه يمكن استخلاص عقاقير ومنشطات جنسية من جلود الحمير دون أية آثار جانبية, و سياسيا جند الحمار في الحروب و في مهمات تهريب الأسلحة كما في العراق و أفغانستان, بينما استخدم في المقاومة الفلسطينية لنقل الحجارة و لتفجير القنابل عن بعد, و في الحرب العالمية الأولى, عام 1914 استخدمه البريطاني سيمسون في القوات الاسترالية الإمبراطورية كإسعاف لنقل الجرحى و المصابين!.
في المعابد المصرية القديمة, رسم اله الصحراء على شكل حمار, و في الأساطير اليونانية ظهر كرمز لتبجيل المتعة, و في الرسومات المسحية يظهر المسيح ممتطيا الحمار, و في العهد القديم سمي ملك نابلس ” حامور” .. كما أنه ذكر في القرآن في أكثر من سورة مثل سورة لقمان و البقرة و فاطر و النحل و الجمعة..
أنقلك الآن عزيزي الإنسان إلى حميرنا الثقافية, فالحمار لم يفلت من حمل أسفار الروايات و القصص و الأشعار, أقدم حمار كُتب في تاريخ الأدب قرأناه في رواية ” الحمار الذهبي ” التي كتبها لوكيوس أبو ليوس في القرن الثاني الميلادي, و في القرن الثامن الميلادي ذكر الحمار في ” كليلة و دمنة” لابن المقفع, و في عام 1945 كتب جورج أوريل روايته ” مزرعة الحيوانات ” و جاء فيه الحمار بنجامين, و كان للحمار حظه الوافر في أدبنا العربي مع توفيق الحكيم في حياته الشخصية و في كتبه: “حمار الحكيم”، و “كتاب حماري”، و “قال لي الحمار”.. كما رافقنا الحمار في رواية “المتشائل” للروائي الفلسطيني إميل حبيبي, و في الشعر العربي صرخ شاعر قديـــم: ” لقد ذهب الحمار بأم عمرٍ…فلا رجعت ولا رجع الحمارُ”, و في لافتات الشاعر الثائر أحمد مطر نقرأ:
وقفت في زنزانتي
أقلب الأفكار
أنا السجين ها هنا
أم ذلك الحارس بالجوار؟
فقال لي الجدار
إن الذي ترثى له قد جاء باختيار
وجئت بالإجبار
وقبل أن ينهار فيما بيننا
حدثني عن أسد
سجانه حمار.
نختتم ثرثرتنا حول سطل القهوة بأبيات شعرية لأحمد شوقي, يقول فيها:
سقط الحمار من السفينة في الدجى …. فبكى الرفاق لفقده وترحموا
حتى إذا طـلـع النـهـار أتت …. به نحو الســفينة موجة تتقدم
قـالــت خذوه كما أتاني …. سـالما لم ابتلـعـه لأنـه لا يهضم .
الآن أترككم مع فاصل من النهيق الطويل !