شرفات عالية

,, كل يوم كانت تكتب شيئا: لتُذكره أن لون الثلج مثل زهر اللوز, و أنّ ” أربعينيّة الشتاء” حارّة مثل أنفاس رجل أربعيني يكتب و يكتب و يكتب ,,


1
آه.. عيناك تحيطاني بالحزن و الياسمين, مجدكَ يتسمّر وراء الباب, مهترئ الرجولة تمشي باتجاه الوادي, تسقط التلال بين ذراعيك, لا تستطيع أن تحملها, تسيل الأشجار و الزهور و الحساسين من بين أصابعك, صامت تمشي, أنا أنتظر.. تقترب من عدمي, لا تناديني باسمي لأنه مكتوب في جواز السفر, اسمي يُكتب و لا يُنطق, ترفع الريح العجوز اصبعك, تشير إليَّ بسبابتك, أكون واقفة أنتظر.. ما زلت تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي..

2
الرجل المجنون الجريء الذي يتسلل إلى غرفتي من درج البيت, دائما يسبب لي المشاكل .. لا ليس مع أهلي, إنما مع ضجيجي و هوسي في قصص شفتيه..

3
يوم عادي جدا.. كان الرجال يتنكرون أمام الطرقات و الأرصفة و الأبواب, رجل واحد لم يتنكر للمدينة الدامية, سار معي و قال: أنتِ الغبية من بينهنّ !.

4
كل ليلة, يرمي القمر على سريري ظل رجل مجهول بعيد.. أحاول أن أقطف القمر كي أسأله: من هذا الرجل؟

5
ذات ليلة ليست بالبعيدة( هي ليست قصة), أخطأتُ طريق الحياة و متٌّ .

6
كذب عليّ و قال أنه ينتظرني في الكِتاب.. فتحت الكتاب فوجدت قصة, قرأتها و نمت.

7
لأنني اليوم تذمرتُ كثيرا, نمتُ و لم أستيقظ حتى الآن !

8
كلما أغمضتُ عيني, رأيتُ عينيكَ .

9
وجدتُ في بريدي بقايا ليلة و رائحة رجل أخطأتُ رسائلي إليهِ ..

10
أقصر القصص: المسافة بيننا

11
أنتَ الوحيد من بين الخائنين تسأل عني

تعال أيها الموت و خلصني من الحمى

وهج الظهيرة و قيظها الممل حدّ النعاس, وابل من العرق ينهمي.. أتابع كتابة المذكرات بصعوبة بالغة, ألفاظي تشتد وحشية كلما شعرتُ بمرضي يتوغل بي و يهلكُ جسدي الضعيف. خمس أيام من الحمى, إنها أشبه بِـ “سل” ساخن, ثمة جداول نارية تركض في أوردتي, لحمي ينصهر, انفجار جهنمي في رأسي, أتأوه ألما, تهرول أمي, ترشّ جسدي الحار بالثلج, يداها سماء تندف أدوية يائسة.. تحولتْ معدتي إلى مستنقع أسود لأقراص الأدوية و المسكنات. أسند ظهري على الوسائد القطنية, عنقي يرتخي و رأسي يتدلى ورائي, عينايَ تحلّقان في سقف الغرفة, أحس بأنهما انفصلتا عن باقي جسدي, تنمو رموشي و ينبتُ بينها ريشا طويلا, تصير عينايَ فراشتان, تطيران من نافذتي و ترفرفان فوق شجر الحدائق..
كانت الحياة تبدو يابسة مثل تربة صحراوية, الحمى بلا قلب, فقدتُ وزني و توازني, تقلّص جسدي, كائن آيل للانقراض, و أصبحتُ أنتظر موتي برحابة, أضع أصابعي الناحلة على عيني, و أتصوّر نفسي كيف أقابل وجهي بهذا الشكل؟ أخاف أن أراني على المرآة.. أخاف من منظر هذا الجسد الشاحب و هو يتأرجح في أوج مرضه أمام عيني..
أتقنتُ الوحدة, فشلتُ في تكوين صداقة مع الحمى, وحدهُ السرير كان صديقي, أتلوى عليه مثل دودة شريطية, ألفتُ رائحة الأدوية, و لم أعد أشعر بالغثيان لمجرد أن أشم رائحة دواء ما.. في سفن الوجع تصدر الحمى جسدي, أحترق.. مجنون هذا الحريق لا ينطفئ و لا يرحم. قلتُ ” هيا نامي حتى الموت و اختاري النار أهون من هذه النار “.. سمعتُ صوتي! بدأت الحمى تنهكني, أهلوس, أهذي و أتكلم مع لا أحد, أخي الصغير يضع كوب الماء البار و يهرب.. يهرب هلعا من حالتي المخيفة, بعد دقائق أنهض قليلا, أتساءل ” من جلب هذا الكوب إليَّ؟ “, ” من كان يتكلم قبل قليل؟”. أفاجأ بأمي متسمرة أمامي, تطمئن عليَّ و تتركني أعارك المرض..
هاتفي الخلوي يرن, هل أردّ على المتصل, لربما هلوستُ معه, لا أريد أن أتورط.. أجدني فتحتُ الخط, يأتيني صوته كأنه آتٍ من خارج الغلاف الأرضي, كأنه صدى صوت مجهول, يقول” آلو.. أنا علي”, ماذا يريد علي أبو حطاب(مترجم), عقلي لا يستوعب مكالمة كاملة, يدعوني علي إلى دورة في الكتابة الابداعية, ثم يصف لي مكان المركز الذي ستقام فيه الدورة, يؤكد لي على أهمية حضوري و إلا “سيزعل إن لم أحضر”, قال أن عثمان حسين(شاعر) و أحمد الحاج أحمد(شاعر) سيكونان من الحاضرين.. تنهدتُ و سعلتُ بكسل, قلتُ له”محمومة.. إن استطعتُ سأحضر”, قال” لا تتمارضي..دائما لا تحضرين دعواتي”, بعدها تكّلم و لم أكن أسمع أي صوت له, فقد فقدتُ تركيزي و تعبتُ. ارتمت يداي, وقع الهاتف على الأرض و سمعتُ أنين تكسره, حاولتُ الوقوف كي أذهب إلى الحمام, اتكأتُ على جدران الغرفة, جررتُ جسدي و ارتسم خط عرق طويل على الجدران المؤدية إلى الحمام, كان الكرسي مجهزا لمرضي, جلستُ تحت “الدش”, انهمر الماء البارد على جسدي بلا هوادة, لم أشعر ببرودته, كانت حرارتي المرتفعة أقوى من الماء البارد, اعتقدتُ أنني أخطأتُ في الماء, تأكدتُ من وضعه البارد, إلا أن جسدي فقد احساسه بالبرودة, كانت المياه الباردة تسخن على لحمي, تخيلتُ أنني خلال دقائق سأتحول إلى بقعة بحرية حارّة, ستنمو على كتفي الطحالب, و ستقفز من بين أصابعي الأسماك الصغيرة و الضفادع..
ارتديتُ الملابس الخفيفة جدا, استلقيتُ على السرير, المرض ممل, هكذا اتفق حسين البرغوثي مع كيركغارد, ممل..ممل. ماذا أفعل؟ بماذا أتسلى؟, الحمى تتسلى بجسدي و أنا أتأوّه, و أنا أعد النجوم من نافذتي فلا أنام.. السعال يخربش صدري, سيخ حديدي يشع اشعاعات نارية زرقاء يدخل صدغي من اليمين و يخرج من الجهة اليسرى, سكاكين و مسامير تدق ركبتيّ.. أبكي, يمتزج دمعي مع العرق و السعال و هذياني.. تهرول إليّ أمي, تلقمني المسكنات.. و أنام.
صباحا, أنهض من غيبوبتي, أتحسس جسدي, من خلال درجة حرارته المعتدلة أكتشف أنني شفيتُ, يا للمعجزة!. أحمل بشرى الشفاء إلى أمي, يفرح معها أبي.. الآن تحرر جسدي من لعنه المرض, أتذكّر علي أبو حطاب, قلتُ لن أخذله, ذهبتُ إلى المركز القومي حيث ستقام الدورة, جاءت أختي معي لأنني ” كائن ما بعد المرض” !, سلّمتُ على الحاضرين, كان الشاعر عثمان حسين هادئا و طيبا كما عرفته أول مرة, صافحني و قدّمني للدكتورة مي نايف, كانت باسمة و ذات وجه يمنحك الدفء و الطمأنينة, جلستُ أنا و أختي آخر صفوف المقاعد, كان تنفسي هادئا و نظراتي العميقة تتجول في القاعة مثل عصفور يتفقّد عشّه الأخير!, لا أعرف لماذا شعرتُ بالجبن حين وقعت عيني على المقعد الفارغ الجالس إلى جانب مقعد الدكتورة مي نايف!, أنا أتأمل القاعة التي زرتها قبل هذه المرة بدعوة من صديق ألح على أن يُعرفني على فرقة مسرحية من الشبان الواعدين, كانوا يتدربون على مسرحية شعرية من تأليفهم, يومها رحبوا بي بحرارة و بدأ كل واحد منهم بأداء دوره أمامي كما و لو أنه يمثل على خشبة المسرح, ساعة و غادرتُ القاعة بصمت ساذج, لم أعلق على أدائهم .. و لا شيء, الصديق ندم على دعوته لي لأنني لم أتكلم مع أصدقائه الرائعين, لم يكن تصرفي مكابرة أو استياء, فقط صمتُ دهشة من مجموعة من الشبان الغزيين الطموحين حدّ المجد.. من بعيد يُناديني الشاعر عثمان حسين باشارة من يده الصامتة, ذهبتُ إليهِ, فقال ” اجلسي هنا”, جلستُ على المقعد بالقرب منه, كانت فتاة معاقة تجلس على يميني, قال عثمان” هذه دورة للكتابة الابداعية”, قلتُ” آهاا” ابتسمتُ, و ساد الصمتُ بيننا. شغّل أحدهم المراوح, خفف هدير المراوح من ذاك الصمت الغامض, خرج عثمان من القاعة, عدتُ إلى مقعدي في الصف الأخير, كانت أختي تضحك, لم تكف عن الضحك, يبهجها رؤية الشعراء, منظرهم, سجائرهم, ملابسهم و أناقتهم, طريقة كلامهم, كلامهم نفسه يُضحكها ببهجة و سخرية لاذعة, جعلتني أضحك معها, تعليقاتها الساخرة أنستني نفسي و دعتني أضحك.. أضحك.. و أضحكُ على غبائي فأنا من سلالتهم!.
وقفتْ الدكتورة مي أمامنا, أعلنت بذلك بدأ المحاضرة فهي مدربتنا و لها الحق في البداية و النهاية, أشارت إليّ أن أتقدم مع أختي إلى الصفوف الأولى, تقدمنا و جلسنا إلى جانب البقية, انضممتُ إليهم, نور و جهاد و هاني و ديانا و آخرون من الكتاب الواعدين, جميعهم تقريبا بمثل عمري, سرّني ذلك كثيرا و في نفس الوقت هبّت نسمات حزن في نفسي, منذ زمن و أنا أفتقد التعامل مع أشخاص بعمري, في أغلب الأحيان أكون مع الثلاثين أو الأربعين فأكبر, وجدتُ صعوبة في الاندماج معهم, بقيتُ صامتة, كنتُ مستمعة فقط, بين الفينة و الأخرى كانت الدكتورة مي تستحثني على التكلم, فمثلا تقول” آ يكوثر” ” شو رأيك كوثر”, و كوثر إما أن تنطق كلمة واحدة أو تهز رأسها, كذلك الشاعر أحمد الحاج أحمد كان ينظر إليَّ, و كلما نظر إليَّ و اصطدمت نظراتنا ببعضها شعرتُ أن قلبي انقبض أو وقع مني, سكوني و طبيعتي الصامتة أخشى عليهما من الخدش, الحكمة تقول ” الواثقون من أنفسهم غير مجبرون على الكلام”, و لم أتكلم, أحمد الحاج أحمد يسألنا” ما الأهم: الللغة أم النص”, أصدقائي يتفقون أن النص هو الأهم, يتناقشون, يبدون آراءهم, أنا أسمع و أبقى صامتة, ينظر إليَّ أحمد و يقول”كوثر؟!!”, أقول بهدوء” اللغة”, لماذا؟, لأنها الأساس, و أصمت, لا يتكلم أحمد مع صمتي, يتابع نقاشه معهم.. في بداية المحاضرة طلبت منا الدكتورة مي أن نقرأ عليها شيئا من كتاباتنا, كلهم قرأوا لها, في نهاية المحاضرة تذكّرتْ أنني لم أقرأ, شهقت و هي تنظر إلى أحمد الحاج أحمد, قال” كوثر لم تقرأ لنا”, ابتسم و عيناه بيني و بين الدكتورة, قال” كوثر غنيّة عن ذلك, لقد قرأتِ لها في عشتار”, ابتسمنا و صمتْ. قبل أن أغادر المركز أطيتُ الدكتورة ميْ مجموعة من القصص القصيرة و طلبتُ منها قراءتها و رأيها, حملتُ حقيبتي على كتفاي و خرجتُ, قلتُ لأختي” لنحتفل بشفائي من الـ.. ما بتتسمى”(أي الحمى), كانت الساعة الحادية عشر صباحا, لم نذهب إلى مطعم بالميرا لأنه سيكون في طور فتح الأبواب!, ذهبنا إلى مطعم الشعب, مطعم شعبي يقدم “الفراشيح”, أكلتُ فرشوحة و أصررتُ على شرب العصير الطبيعي من المعصرة القريبة, خجلت أختي من منظري و أنا أشرب كأسي في الشارع!. الأماكن الشعبية أكثر قرابة مني, أحب أن أكون في قلب المدينة, في شغبها و شعبيتها و فقرها, بالميرا و اللايت هاوس و الديرة و ديليس.. إلخ, أماكن أقابلها مع صديقاتي أو أهلي, أما الأماكن البسيطة فهي الأقرب و الأحب إليَّ..
عدنا إلى البيت, عدتُ انسانة غير مريضة, حرارتها مثل حرارة أختي و أخي و أمي و أبي, قطتي الفارسية لم أعد أغار منها, صرتُ ألعب و أنط مثلها, هل كانت الحمى يوم أمس مجرد كابوس؟.. كلما تذكرتُ حالتي الرهيبة أشفقتُ على جسدي, و الآن أشفقُ عليهِ أكثر لأن الحمى عاودته!. سيل جارف من الألم الحار يتدفق بي, أسقط عضوا فعضوا على سريري, الطبيب يطمئن أبي على الهاتف و يقول له ” الفيروس سينتهي خلال أيام”, خمس أيام من الموت القبيح, خمس أيام من الشلل و الانكسار و الذّل أمام الحمى, أغيب عن الوعي, أهلوس, أنهض, ينهض الوجع, الحرارة ترتفع, أرتفع إلى تلال الموت, السماء تبتعد.. تعال أيها الموت و خلصني من الحمى.

من سرق صديقتي من الدبابة؟

هي ليست مغامرة أو فعلا خارجا عن الإرادة بسبب نوبة جنون ما أو حماقة مؤقتة, تعمدنا أن نحتفل بعيد ميلاد صديقتنا “غادة” في دبابة إسرائيلية نصطدم بها في أحد شوارع المدينة. كانت غزة بدون دموع بدون غضب بدون أمنيات, كان اسمها غزة و كانت أسماؤنا: كوثر وغادة و رنا و بهاء. وضعنا منبه ساعاتنا على الرقم”5″ صباحا, أنا و غادة من غزة و رنا من دير البلح و بهاء من رفح, عند الساعة الخامسة صباحا رنتّ منبهاتنا و صدح الرنين في سماء قطاع غزة مثل أجراس كنائس تعلن عن مولد قدّيس أو بعث المسيح.. كنت و غادة ننتظر رنا و بهاء في الطابق الأخير من أعلى برج في غزة, عند الساعة السابعة اكتمل عددنا في برج الأندلس, بهاء جلب معه ألعابا نارية اشتراها من الحدود المصرية القريبة من بيته, رنا أخرجت من جيبها كومة بلالين ملونة و شرعت بنفخها, أنا صنعت الكعكة و قلت لهم أن طعمها سيكون شهيا حين نُقطِّعها و نأكلها في الدبابة, غادة فارغة الأشياء منتشية بأغراض الأصدقاء تضحك بين الفينة و الأخرى على فكرتنا فوق الخيالية!.
قضينا نهارنا في برج الأندلس نخطط في كيفية الاستيلاء على دبابة, أخذنا قسطا من القيلولة, غنينا, تدربنا على رقصة تناسب أجسادنا حين تنحني في الدبابة لأن سقفها سيكون منخفضا, ثرثرنا و امتدت ألسنتنا إلى الغيبة و النميمة.. و أخذنا المجد إلى الجرائد و الصحافيين الذين سوف يتهافتون علينا لإجراء مقابلات صحافية عن ” حفلة ميلاد فلسطينية في دبابة إسرائيلية”..
انتظار الليل طال, غادة ضجرت, يا صديقتي بقي لليل ساعة و نحتفي بميلادكِ, انتخبنا بهاء لينزل و يشتري لنا قنينة كوكاكولا.. بعد نصف ساعة عاد إلينا بهاء لاهثا, خفتُ, اعتقدتُ أن الاجتياح قد بدأ, فإذا به يطمئنني و يسخر” المصعد الكهربائي لا يعمل..ها, انتي وجهك وجه ناس بدخلوا دبابة”. شربنا الكولا الباردة و استلقينا على ظهورنا, كل واحد منا ذهب في ذهنه إلى أحلامه الكبيرة في الدبابة الصغيرة, كانت عيوننا مثبتة على الساعة المعلقة فوق باب الغرفة مثل مشنقة, نبضات قلوبنا تدق مع حركة عقارب الساعة. بعد ساعة سيصبح عمر غادة”20″ سنة, لو كنتُ أنا غادة لسبقتهم إلى العقد الثاني من العمر, كانت أعمارنا جميعا “19”سنة, غادة الآن عمرها مثلنا “19”, لكن الشهور المتفاوتة بين يوم ولادتنا ميّزتنا عن بعضنا و جعلت لكل واحد منا يومه الخاص الذي يحتفل فيه بعيد ميلاده, ربما الآن تشعر غادة بالفخر لأنها بعد ساعة واحدة ستتحول إلى امرأة في العشرين من أنوثتها الطاغية, ستنظر إلينا بعيون كريستالية تقول”أنا أكْبَرَكم أيها الأصدقاء”..
سمعنا أصواتا غريبة كأنها أصوات الاجتياح, هرولتُ إلى النافذة و تأكدتُ, صحتُ بفرح” هيا بنا..”. حملتُ الكعكة و ركضنا جميعا على درج البرج ننزل كأننا ننزلق على لوح جليدي يؤدي إلى حدائق مشمسة دافئة, من يصدق في هذا الوقت من الليل القاتم و الاجتياح المرعب أن ثمة مخلوقات مجنونة تقف وراء باب برج عملاق تمارس حقها في الحرية و الاحتفال؟. فتح بهاء الباب و خرج زاحفا إلى الطريق الذي يعج بالجنود و البنادق البرّاقة من شدة لمعان فولاذها, زحفنا خلف بهاء, كان الجنود منشغلين في استعداداتهم الأولية لاجتياح المدينة أكثر.. انتشر الجنود تحت البيوت ممسكين بنادقهم كما لو كانوا بحارين أشرعوا سفنهم للإبحار في محيط لا قرار له, خطير و مليء بأسماك القرش و الحيتان..
ربط بهاء البالون الأول في جنزير الدبابة, زحفنا بحذر و حاصرنا الدبابة بالبلالين الملونة, كانت منتفخة و بدت في ذلك الوقت كالأشباح المريعة, لم يلحظنا أحد فقد كنا نرتدي ملابسا سوداء نتماهى معها بالليل, رأى البلالينَ جنديٌ يضع مشط الرصاص في بندقيته, صاح بصوت مرتجف ” متفجرات”, التفت الجنود إليه فوجدوه يشير إلى بلاليننا الملونة, دب الخوف و الارتباك في الجنود, هم في حيرة من هذا الكمين غير المتوقع, فتح بهاء باب الدبابة, و اقتحمها, لم نكن نُرى, حوّلنا الله إلى كائنات غير مرئية, أخرجنا الجندي و صديقته من الدبابة و أغلقنا الباب علينا.. أغلقنا الباب على الظلام و أشعلنا ضوء الدبابة, انفصلنا تماما عن العالم الخارجي و أصبحنا في كوكب آخر..
شهقت غادة و قالت بحزن ” كنت أظن أن الدبابة أجمل من غرفتي لأنها الأقوى”, قلتُ باستغراب” و هل الأقوى هو الأجمل؟”, قفز بهاء بيننا و قال” هيا ننظف الدبابة من القنابل و الرصاص…”, قاطعته رنا و قالت مشمئزة” هل يوجد ماء هنا؟”, سألتها لماذا؟, أشارت بإصبعها إلى دم ممتزج بسائل لزج و قالت “لنزيل لوثة جنسهم”.. طهّرنا الدبابة من الدنس و رائحة الجنس المختلطة برائحة الرصاص الذي يفترس لحومنا.. ثم بدأنا نحتفل بعيد ميلاد غادتنا الجميلة. أكلنا الكعكة و لم ندع شيء تمنيناه إلا و فعلناه, أخرنا الألعاب النارية حتى نهاية الحفلة. في منتصف الليل, قررنا أن نرسم على جدران الدبابة, رسمنا أشجارا و مطارات و طائرات و حلوى و ملابسا..
قبل انبلاج الفجر, تناهت إلى مسامعنا صوت فرقعة بلاليننا التي ربطناها في جنازير الدبابة, أسرعنا في تلوين سقف الدبابة باللون الأزرق السماوي, و طرنا من النافذة إلى سماء الله الواسعة..
هناك في السماء, تفقدنا بعضنا, لم نجد غادة بيننا!. متأكدون مئة بالمائة أن غادة كانت معنا في الدبابة, لكن من الذي سرقها من الدبابة حين انفجرت؟. يا إلهي…هل توجد سماء أخرى غير سمائك؟!.

غرباء نحن




تنتابني حالة من التذمر و الرغبة المجنونة في تكسير الصحون و الفناجين..قلبي يحزم أمتعته و يسافر إلى مدينة بعيدة قال يوما مريد البرغوثي أنه رآها!, تركت روحي تذهب مع باقي أحلامي إلى رام الله.. هناك حيث أفرطتُ في حب الوطن حد الرمل و الشمس, هناك حيث كان فجر شبق المرأة الصغيرة, و حيث قُرعت أجراس الحريق و فجأة كل شيء انطفأ مثل صدمة القيامة أو موت نبي.. تمد لارا لي كوبا كبيرا تسيل من أطرافه النسكافيه, تختلس نظراتها الحزينة إلى عيوني, تقول و هي ترقص بكامل أنوثتها المضطهدة: دعكِ من رام الله, لو حقا أن هذه المدينة تحبكِ لما سرقت منكِ .. ارتعشت أصابعي الملتفة حول الكوب, لاحظت ذلك لارا فسكتت و لم تتابع كلامها. هل يولد الانسان في مدينة و قلبه يولد في مدينة أخرى؟!. لارا ولدت مع قلبها في مدينة واحدة: غزة, و أغبطها على ذلك كثيرا كثيرا.. لا أعرف ما هو الخيط الخفي الذي يصلنا ببعضنا كي تستمر صداقتنا إلى ما بعد الحرب, التقينا صدفة في أمسية شعرية, كانت لارا تحمل في يدها كاميرا صغيرة من النوع الرديء, قذفت إليّ كاميرتها و طلبت مني أن ألتقط لها صورة مع طفل في السادسة من عمره, ثم التفتت في فراغ القاعة و قالت لي: صوري, لم أعرف ماذا أصوّر, ضحكت بصوت عالٍ وقالت: صوري حذائي. كانت مفعمة في تصوير الأحذية بكاميرا رديئة مقصودة, بعد الأمسية تبادلنا أرقام هواتفنا الخلوية و قلنا”باي”.. لم نتصل على بعضنا بتاتا إلا بعد الحرب تذكرنا بعضنا و اتصلنا!. ألحت على أن نلتقي مرة اخرى و حددت أن يكون لقاؤنا في مقهى دليس, في كل مرة كنت أبدي لها رفضي الشديد للقاء في مقهى ديليس, و لم أكن أعترف لها بسبب رفضي, اصرارها العنيد أجبرني على الذهاب إلى المقهى في صباح اليوم الأول من السلام, أدهشتني ملابسها الأنيقة و أكثر ما أدهشني هو كعب حذائها, كان طويلا لدرجة أنه لفت انتباه النادل الذي قدم لنا القهوة, قالت: الأنثى في كعب حذائها.
لارا امرأة ليست جميلة لكن ثمة فتنة ما مكتنزة في جسدها و حركاتها, الآن هي تكبر بصخب و تبلغ العقد الثالث من عمرها, ما تزال تسخر مني لأنني أرتعب من مقهى ديليس الذي لن يستطيع أحد أن يقنعني بأنه مقهى, الحرب غيّرت معنى المقاهي عندي, صار المقهى مكانا للجنس أو الموت.. أما مقهى ديليس فهو مكانا للموت. حين هربنا من بيتنا الذي حطت عليه ورقة انذار باخلائه فورا لأن الطائرات الحربية ستقصفه خلال ساعة, هرولت إلينا سيارة الهلال الأحمر و خبأتنا من الموت في خيمة بيضاء منتصبة بين مشفى الشفاء و بين مقهى ديليس, كان المقهى مغلقا و يبدو كالجحيم, بينما المشفى مفتوحا مثل سيل جارف للأموات و الدماء و الصيحات.. يومها ارتبطت صورة الجثث و الأشلاء المحملة في أكياس الطحين إلى المشفى بمقهى ديليس, كنت كلما شممت رائحة بارود ممتزج بالدم و اللحم و الخوف, قادمة مع سيارة الاسعاف إلى المشفى, أدير رأسي بسرعة إلى ناحية المقهى, و أغمض عيني خوفا و وجعا..
اندلق السائل البني من الكوب, شعرت بلذة سيلانه على ساقي, شهقت لارا و قالت: ساخن ساخن..بنت!,
احمرّت ساقي و توهجّ منها شعاعا مريضا, بللت لارا قطعة قماش بيضاء بالماء البارد و صارت تمسح بها على ساقي, يا لها من امرأة قنوعة ترضى بأي شيء المهم “الحياة”, أي امرأة مضطهدة تحب الحياة؟, زوجها يصنع منها تمثالا أو كأسا فارغا لسكب الشهوة في لحظة شبق و سكر..!.
أنا محبطة و متذمرة و قلقة وعاشقة و متهورة و متسائلة و محيرة وحالمة و ذكية و غبية و قريبة و بعيدة و أريد أن يمهلني الله ثانية قبل انتحاري لأقول للعالم: غرباء نحن.

Check shuck




الأحلام التي تزورني في المنامات.. تلك الاحلام الهامسة كالمطر الصباحي البكر, أصبحتُ أخافها و أشك بأنها في الأصل جنودا يستعدون لاحتلال سريري و تحويله إلى مستوطنة كوابيس.
منذ نزهتي الأخيرة إلى البحر و أحاسيس الخوف و الشك تراودني تجاه أحلامي, يومها كان البحر يُهرّب أسماكه إلى الصيادين, كانت السفن ترتدي قبعات زرقاء محشوة بالطحالب, لعبتُ كثيرا مع الموج حتى جرحت ساقي اليمنى و وصل خيط الدم إلى كعب رجلي, تكوم مستنقع دم تحت كعبي, لم أهتم لذلك و بقيتُ ألعب مع الموج, كانت السماء صيفية و ناعمة كالحرير..
فتحتُ عيني, لا لستُ أنا, أحدهم فتح عيني و قال”تنفسي.. تنفسي”, عرفتُ أنني كنتُ على وشك الغرق, و لم أكن مجروحة إنما كنتُ أنزلق في اختناقي إلى أعماق الموت..
قيلولتي اليوم كانت مرآة تتكسر فيها شمس الظهيرة, كتبتُ على وسادتي بقلم الحبر الأزرق: أنا لستُ نائمة, ثم نمتُ و لم أشاهد أي حلم يدق بابي. هكذا تركتُ الجملة مكتوبة على وسادتي و لم تعد تزورني الأحلام.
هذه الليلة؛ غيّرتُ وسادتي و ألبستها معطفا شتويا ثقيلا, لم أكتب عليه أي كلمة, فقط رسمتُ شجرة برتقال و خمس أصابع بدون أظافر, نمتُ مثل أي كائن ينام ليلا, رأيتُ الشجرة تنحني إلى الأصابع, و أسقطت خمس برتقالات في مكان الأظافر المقتلعة, نبتت أظافر برتقالية, رائعة جدا و جذّابة. استدار جسدي إلى ناحية النافذة, الحلم يستدير مع جسدي, الشجرة تخلع عن أغصانها الورق, ألملم أوراقها و أوزعها على أطفال مروا بالقرب منا, الأصابع البرتقالية ترقص.. يا لرشاقتها العذبة!.
نهضتُ من نومي امرأة فوق العادة, المعطف الذي ألبسته وسادتي كان معلقا على شجرة البرتقال المزروعة تحت شرفتي, ثمة برتقالة كانت على النافذة و عصافير كثيرة تزقزق و أقول معها Check shuck !!


جدًّا محتال

يا الهي… ما نهاية هذه المرأة ؟

(1)
سأموتُ.. إن لم يحبني ذلك المحتال

(2)
كلما غرقتُ.. ازددتُ وحدة و صمتا و حزنا و كآبة و تعاسة…

(3)
قالت لي عرفي الحمق
قلتُ لها: الحمق أنا
و أنا حزينة جدا و فارغة
ثم قالت: فسري لي أسباب الحمق
قلتُ: ألا يبدو انتظاري سببا واضحا؟
نامت الشجرة على أغصانها
و لم تعُد تسألني عن الحماقة شيئا!

(4)
على الشاشة الزجاجية مكتوب كلاما يشبه التنجيم, رجل ما كان قد أمسك ماكنة حلاقة ذقنه و كتب بالشفرة: “اشتقتلك”.
جدا محتال !

اسبرين لأجل السراب

لا أحد سوى الفراغ
ننقب فيه عن ماضينا
غير الله لا يعلم بما فينا
أكان الذي بيننا يستحق كل هذا الخلود
حقا أنا لا افهم معنى السراب
لو كان الليل رجلا
لماتت نساء الأرض في ثانية
أنت أحد بي
هذا يكفي
سيصاب النصف الآخر من عقلي بالجنون
يكفي.. حبة أسبرين
و رأس يفكر بالأحد..