أرض مذعورة

في هذه الليلة الأطول من أي ليلة مضت بدون أي موت, أتابع سهري الحزين, أكتب مذكراتي الخالدة , أكتبها لأجل احساس غريب ينمو بداخلي, يكبر مثل فسائل مشتعلة بنار أرض مذعورة.. يتراكم دمع في حنجرتي, أكاد أختنق, أتظاهر بالثبات, أسعل.. يوما سأذبل و أعاني من الفيء, سأكون غيري لأن الشمس نماذجي الباهتة عن الحياة.. أبكي ببطء, و ببطء أحوّل قلبي إلى ليمونة, غدا سيعتصرها رجل ما, أنا لا أحبكَ لأنكَ قريب من غربتي, أشم ياسمينكَ و قد فاحت رائحته بين ممرات شهقتي, أقول.. ابتعدْ, مغامراتي مع لهاثكَ انتهتْ, كنتُ صغيرة و ما زلتُ, هكذا فتيّة لن أفهم ما توشوشه جارتي عن أول ليلة من عرسها.. فاعذرني إذا ما اندفعتَ لموجي, فأغرقكَ حتى الندم..

الواحدة منتصف الليل!

عابر على الذاكرة




ترتجف أكرة الباب ,من أصابعٍ اعتادت التواري خلف جيوب المعطف, من شيء أو جسد مختبئ خلفها..
كنت وحيدة, أنا و البرد في الغرفة, و المطر في الخارج يصهل؛ بل ينوح مثل سماء الصيف..
كنتََ الحادي عشر بين أصابع الغياب,
لم تكن سوى رجل عابر على الذاكرة
فالعابر..ون يتساوون مع الخالد…ون
في : التكدّس على أرصفة المدن المزدحمة
بالأغنياء ..بالفقراء..بالمدمنين ..
..الخ !!




2006

… بعدد أصابع يَدان


1
من شرفة الذهول أراه: يمشي ببطء, على كتفيه حمامتين, الشوارع التي يمرّ عنها تتحوّل إلى هديل !

2
يا إلهي, عن ماذا أحدثكم؟ أقسم أنني رأيتُ زوبعة تشق قميصه, الأزرار تساقطت على الأرض و تحوّلت إلى ألف عين زرقاء, ما زالت تلاحقني حتى هذه اللحظة.. صباحا حين خرجَ عامل النظافة إلى الشارع, وجدَ ألف وردة متناثرة على الأرض بين الرصيف و الشارع و تحت شرفتي التي اقتحمها ذاك الرجل.

3
كانت معك مجرد قصة قصيرة تستحق القراءة بمتعة و لا داعي لأي حزن أو ندم أو صلاة!

4
في حبة الفستق: وجد شفتيها !

5
الذكريات الجميلة تجلب لي التعاسة

6
فتحتُ نافذتي فرأيتُ الناس يتبخرون, لم يكن الجو حارا, كنتُ مصابة بالحمى !

7
امرأة كالمغارة, تفتح بابا على شفتيها, تقول للظلام سرّها, تدوِّر أصابعها على سُرة الأرض, تلاعب ترابها, تزرع كلاما و ربيعا أصفرا للماضي..

8
ماذا لو سميتُ البحر سماء و طارت الأسماك في الأعلى حيثُ حوّلتُ السماء إلى بحر.. هل يتغيّر موطن الغيم و يصير الموج فراشة بيضاء تشع في وهج الكون!

9

ليلة أمس غفوت على يد أمي, حلمتُ أن رأسي الناعس على يدها قد تحول إلى كمنجة, و حين صحوتُ وجدتُ تحت رأسي خمس نغمات بعدد أصابع يدها..

10
المزيد من الليل كي أسهر.. المزيد.. المزيد.. المزيد كي لا أنام, أنا امرأة فقط لليل.

أسنان تعيسة


في عيادة الأسنان, استرخى في مقعده كالمخدّر, معلّمة مادة الأحياء كانت تنتظر دورها مثله, كانا يجلسان مقابل بعضهما, يفصلهما باب غرفة الطبيب الخاصة بالفحص, وضعت يدها المتوترة على فكّها الأيسر, فكّه الأيمن كان يبدو منتفخا و مترهلا مثل حبة خوخ طرية جدا, لم يكن في العيادة أحد ما سواهما, مرّت ساعة على انتظار دور أحدهما, حركاتهما على المقعد متعَبة, الملل وجد خصوبته فيهما, تكاثر الضجر, همّت بالخروج, الرجل يتلفت حوله, رآها تجر قدميها الثقيلتين ببراعة امرأة اعتادت على ألم الأسنان, تبعها.. اقترض القدر صدفة أن يركبا نفس سيارة الأجرة, لم يتعرّفا على بعضهما, ريح خفيفة تقتحم أنفاسهما المهملة, قبل أن ينزلا لمح وجهها في المرآة الأمامية للسيّارة, أحسّ بحقل مطر يحصده الندم, لماذا لم يسألها عن أي شيء يتعلّق بها؟, على الأقل اسمها!. . عاد إلى بيته, دلف إلى المرآة, سأل وجهه: أي فهرس سيدلني على اسم تلك المرأة.
صار الرجل يذهب إلى عيادة الأسنان كل يوم, حتى بعد أن خلع آخر سنّ من فمه, في آخر عمره أخبره الطبيب أن المرأة التي يبحث عنها(الرجل) كانت تأتي إلى العيادة كل يوم و تأخذ أسنانه التي يخلعها, لتزرعها في فمها, دائما كانت تقول: فقط لو أعرف من صاحب هذه الأسنان التعيسة . !

بينهما جدار

جدار بين مدينتين
يرسم على الجدار سماء
ترسم على الجهة الأخرى من الجدار نفسه شمسا
يرسم غيمة
ترسم مطرا
يرسم شفاها
ترسم قبلات و ضحكات
يرسم شارعا
ترسم سيارة
يرسم كلمات
ترسم سطورا
يرسم رسائلا
ترسم ساع بريد
يرسم دمعة
ترسم منديلا
يرسم حقدا
ترسم ثورة
يرسم بندقية
ترسم قلبا,
يطلق قلبها نبضاته كالرصاص
يتحطم الجدار.. تتفتت الدبابة, يتعانقان!

رسم طفولته و مضى

جدول دم خشن يسيل من نهاية خليج العقبة, يصبّ في بقعة غامضة رسمها الفنان على لوحة جدارية مطعّمة بالدموع و المآسي, كان الجدار مطليّا بالألوان و الرسوم الساكنة عمدا, فلا أوجع من أن يكون السكون/الصمت سفير الأحزان عبر الزمن, و فلسطين على ذاك الجدار صامتة و تغني مع ابراهيم طوقان: صامت لو تكلما..
كانت اللوحات على جدران مدارس الغوث في مخيم الشاطئ, تشارك الأطفال ضحكاتهم, طلاب الصفوف الابتدائية, يحملون الفرشاة و علبة الألوان, يضع أحدهم الفرشاة على بداية الجدار و يركض ببراءة حتى يصل نهاية الجدار, أستاذه يصفق له و يقول مبتهجا: لقد رسمت خطا أزرقا طويلا, يصيح الطلاب من بعيد: أوووه, يبدو الخط الأزرق مثل بحر غزة اللاوي. أطلب من سائق السيارة الخاصة أن يصفّ سيارتنا في مكان خال, أنزل من السيارة و أهرول إلى الطالب الذي سمعته يقول”بحر غزة اللاوي”, أسأله “شو يعني بحر غزة اللاوي”, يقطب الطالب حاجبيه و يذهب إلى أصدقائه !, حين يصلهم يضحك بصوت عال و يقول “الأستاز علمنا إياها”, تقدمت نحو أستاذهم و سألته عن معني اسم بحرهم؟, انزلقت نظارته حتى أرنبة أنفه و نظر إليَّ من أعلى النظارة كما و لو أن عينيه صعدتا سلما للشمس, قال: اتفقنا مع طلاب رام الله أن نرسم رسائلنا إليهم على جدران المدارس, طلابي يرسمون البحر لهم و طلابهم يرسمون الجبل لنا, في الليل تطير الرسومات و تتحول إلى غابات و بحار..
أطفال تجاوزا الواقع ليتحدوا مرارته بحلاوة أحلامهم و براءتها, من بعيد يصفق الطلاب لزميلهم الذي رسم سفينة, تركت الأستاذ و ذهبتُ أشاركم الرسم, رسمت في سفينتهم صندوقا كبيرا و قفلا يغلقه, التم الطلاب حولي مذهولين و سألوني: شو يعني؟, قلتُ: في الصندوق كنز خطير سوف نهرّبه إلى طلاب رام الله, ما عليهم سوى أن يكسروا القفل. قال طالب يربط حول معصمه قطعة مطاط ملونة: ليش خطير؟, قلت: لأنه ممنوع و يهدد أمن الاحتلال. تنقلت عيون الطلاب فيما بينهم, أحدهم وضع يده على ذقنه محتارا, سألني و هو يرسم في الهواء شيئا ما: أين المفتاح؟, قلتُ: مع طالب في رام الله, قال: هذه أول مرة نتراسل مع طلاب رام الله, ضحك صديقه: ها ها ها أصلا نحن لم نتراسل مع غيرهم من قبل, استدركه صديق و قال: لكننا تراسلنا مع الله, صفّر أستاذهم له و قال: لم يخطر ببالي, ثم صفّق و قال: رائع.. أنتم رائعون. رنّ جرس المدرسة معلنا انتهاء حصة الرسم حسب الجدول المخطط لفعالياتهم الصيفية, اتفقوا مع بعضهم البعض أن يراسلوا الله هذه الليلة, في لحظة اختفوا من حولي و سمعت ضجتهم في الصفوف..
صباحا, ذهبت إلى جدار المدرسة, فوجئتُ بأن أحدهم رسم للقفل مفتاحا, و من الصندوق ينهمر شلال ورد, طالب ما رسم طفولته و مضى..

صباح فراشية


هذا الصباح كئيب
جدا أسود و أجنحته مهيضة..
سجع الحمام يبعث بي الشؤم مثل البوم
قطتي تبحث عن جرذ
هواء المدينة أصفر
رؤوس الناس يتوهج منها لون أصفر
تعاستي صفراء
السماء و العصافير صفراء
من كل شيء يشع لون تعبي الأصفر
شاحب وجه الصبية
مرهقة
جدا مرهقة..