المحظوظون

كل الأغاني السعيدة و الحزينة

التي يسمعها الناس في بيوتهم

في الشوارع

في محال الملابس

في السيارات

كل تلك الأغاني تكون هناك

من أجلنا

نحن المحظوظون بالضياع

فقدنا أوطاننا

و وجدنا أوطانا أكبر بكثير

أعطتنا حرية

و أطلقت جمالنا

و دفعتنا بأيدٍ ضخمة نحو الخوف

لم نعد نخاف من ظلالنا

كما كنا من قبل

ظلالنا التي كانت تمتد تحت شجر الظلام

أيتها الأغاني

انتشري أكثر

في كل الأماكن

و انتظرينا

لأننا أتينا من دون خطط

غير النجاة.

شارع اسمه طويل جدا

مرّة قطنت في شارع قصير
لكن اسمه كان طويلا جدا
أطول من أي كلمة يمكنكم تصوّرها
حتى انني لم أستطيع كتابة اسم الشارع
كلما سألني أحدهم عن عنواني
قلت لا أعرف
و ظنوا أنني بلهاء
لكنني حقا لم أعرف حتى كيف ألفظ أول حروف من الاسم
لو كان لدي وقت كاف
لتدربت على اسم الشارع
كان وقتي محدودا جدا
كنت أزجه في العمل
و ارتياد مقاه أحببت ديكورها أكثر من القهوة
و لأن النهار كان طويلا في ذلك الوقت
كاد أن يكون أطول من اسم الشارع نفسه
كنت أفضل أن أمشي من محطة القطار
إلى بيتي ببطء شديد
إلى أن تختفي خطوط الضوء البرتقالية المرمية من جهة ما من السماء
لم يكن ضوء الشمس كما قال جيراني
كان ضوء فقط
لم يوجد ما هو حقيقي و معقد أكثر من اسم ذلك الشارع
المهم، منذ أن انتقلت للعيش في شارع آخر
صارت كل الأسامي طويلة
و لا يمكنني أبدا لفظها من فمي أو من ذاكرتي.

بدون أوصاف

مرة

ذهبت إلى موعد

كنت جميلة جدا

انتظرت الشاب دقائق قصيرة

واقفة إلى جانب الطاولة

مرتبكة و مترددة

حتى ظهر الشاب مثل ذلك الضوء الذي نراه كلنا آخر النفق

كان أجمل مني بكثير

أصبت بالاحباط الشديد

أو ربما بالفخر

طلبنا كأسي نبيذ

و جلسنا نشاهد بعضنا البعض!

سفر الثلج

Forest in Timrå, Sweden © Kawther Abu Hani
Forest in Timrå, Sweden © Kawther Abu Hani

في القطار إلى آخر العالم حيث تنتظرني الجبال البيضاء و الدببة و الأيائل.. كنت قد حجزت التذكرة ليكون مقعدي إلى جانب النافذة، و عندما جلست و بدأ القطار بالتحرك، اكتشفت بأن مقعدي معاكس لاتجاه القطار، شعرت بالضيق و بدأت بالبحث عن مقعد فارغ في الاتجاه الصحيح، و بالفعل وجدت واحدا مقابل مقعدي فنقلت حقائبي و جلست برضا تام عن رحلتي الطويلة. بعد ساعة توقف القطار ليقل ركابا قادمين لتو من مطار آرلاندا، جاء شاب طويل أشقر و نظر إلي، عرفت أنه صاحب المقعد الذي أخذته، قلت له وأنا أشير إلى مقعد رقم ٦٦ آسفة أنا أجلس هناك، ابتسم بشكل غير مفهوم و ذهب إلى المقعد، تنفست بعمق لأنني لم أضطر للعودة.. عندما تحرك القطار من جديد، نظرت إلى الشاب فوجدته ينظر إليّ أيضا، و لكن نظراته هذه المرة كانت مفهومة، كانت تبدو الدهشة على وجهه، كما و لو أنه قد خدع، كان ممتعضا لأنه يجلس بعكس الاتجاه، أملت برأسي نحو النافذة و فكرت بأنني أمتلك الحق في الدفاع عن متعة رحلتي، لن تكون رحلة إذا لم أجلس في المقعد الصحيح.
كانت المزارع البيضاء تلمع ذهبا في عيوني، يوم ثلجي مشمس، يا لروعة المشهد. أمعن التأمل في كل شيء يمر عنه القطار السريع، يمكنني رؤية خطوات الخنازير البرية و تمييز خطوات الغزلان عن الثعالب، تعلمت ذلك من مكوثي في الكوخ الصيفي في جولو.. تظلم النافذة لوهلة حين يمر القطار في نفق صغير، فتصطدم عيوني بعيون الشاب في مقعد ٦٦، ترعبني نظرات عيونه الموغلة في الأزرق، و لكن سرعان ما أدير رأسي و تضرب الشمس وجهي. أجزم أن الشاب لن يسامحني للأبد.

 

December 28, 2016 at 11:28am

مقطع من بارات ليالي السبت/3

Bar in Stockholm
Bar in Stockholm© Kawther Abu Hani

البار رقم 1
لم يسمح الحارس لنا بالدخول لأن أحد الأصدقاء كان يرتدي حذاء بدون رباط. البار كان للأشخاص الذين يرتدون أحذية سوداء برباط.

البار رقم 2
لم نتمكن من الدخول لأن أحدنا كانت وجنته حمراء، فظنوا أنه ثمل و ذلك غير مقبول.

البار رقم 3
أوقفنا الحارس و سألنا واحدا تلو الآخر: كم علبة بيرة شربت؟ و كانت كل الاجابات: علبتين. و حين وصل دوري، قلت: عشرين علبة. طبعا كنت أمزح و لكن الحارس لم يصدق و ظن بأنني ثملة، فغادرنا المكان بسرعة و الكل غاضب مني.

البار رقم 4
بسرعة قال الحارس ‘اذهبوا إلى بار آخر’.
الشاب الافريقي قال ‘عنصري و تافه..لم يحبنا لأنني أسود’. الفتاة السويدية قالت ‘لا، لأن معنا أمريكي.. الأمريكي لا يتصرف بلباقة عندما يدخل البار و يشرب’. و هنا بدأ شجارا طويلا..

البار رقم 5
تفحصنا الحارس بدقة و قال ‘ملابسكم غير مكتملة، انها تخالف كود البار’. كان من المتوجب على الشبان أن يرتدوا ياقات، و لكن أسعفنا الحارس و قال ‘بامكانكم استعارة ياقات من بارنا مقابل عشرين كرون’. كنا متعبون و المهم أن ندخل الآن.

المنتحرون الشجعان

في السويد تحدث حالات انتحار هائلة، و لكن لا أحد يعرف عنها شيئا، لأن الصحف لا تتكلم عنها، و لأن الشرطة لا تعطي أية تفاصيل عن تلك الحوادث المروعة و الحزينة. يمكن لأي شخص أن يدرك أن أحدا ما انتحر في هذا أو ذلك المكان عندما يمر من فوق الجسر و يجد بأن البلدية قد وضعت على جوانبه أسلاكا شائكة طويلة، السبب واضح، أكثر من شخص ألقى بنفسه من فوق ذلك الجسر، لقد أنهوا حياتهم بالسقوط في بحر البلطيق، في البحيرات المتجمدة أو على السيارات و القطارات..

قبل أيام مررت من على جسر في فليمنغاتان، رأيت شابا يتأمل القطارات بغرابة، بسرعة فكرت بأنه ربما يخطط بالانتحار، شعرت بالخوف، و لكن جوانب الجسر كانت مسيجة، آه شعرت بالارتياح.. في نفس اليوم مررت من على جسر آخر فوق بحيرة، لم يكن مسيجا، نظرت إلى الماء و كان بامكاني رؤية نهاية العمق، حيث الرمل و الحصى، إذن تلك البحيرة ليست مكانا جيدا للانتحار، إنها تحفظ الحياة بعمقها الضئيل، الأعماق التي بلا نهاية هي التي تغري المنتحرين..

أمس كانت الأخبار من الجانب الآخر من العالم، هناك، من غزة أتت، من المدينة التي نشأت فيها بكل تدهور الأيام و بؤس الحياة.. شاب جميل كان يكتب القصص و ينتحر بفشل بشع، و لكن فقط أمس نجح في الانتحار و ذهب إلى تلك الأعماق التي تشبه بحيرات السويد في ظلمة الشتاء. نعم، لا أريد أن أضيف شاعريتي لوصف انتحار ذلك الشاب، لأنني أبتعد عن الرومانسية عند الكتابة، كي أكون أكثر صدقا و اقناعا. المهم، الشرطة و الجيران و الصحافة و ناس المدينة و الفيس بوك و الكل ضجّ بقصص و أخبار انتحار الشاب، كيف انتحر، و انتشرت التفاصيل و الكل عرف بالضبط كيف و لماذا و متى..

الفرق بين الانتحار هنا و هناك، أن الشرطة و الصحافة تتمنع عن الادلاء بأي انتحار حدث، حتى أنهم لا يفصحون عن أعداد المنتحرين، أسماءهم، أو أي شيء آخر.. السبب بكل بساطة، إنهم لا يريدون أن يلهموا اليائسين و البؤساء الشجعان بطريقة لانهاء حياتهم. يجب أن لا تؤثر قصص المنتحرين على بقية الناس الذين يعانون من كآبة أو أزمات حياتية. احتفظوا بقصصهم الحزينة و حاولوا تنظيف المدينة من أسباب الانتحار.

مقطع من بارات ليالي السبت/2

Midnight in Stockholm

Midnight in Stockholm© Kawther Abu Hani

خرجنا من البار متعبين من الصخب و من ثرثرات النبيذ و البيرة. اقترح فريدريك أن ندهب إلى بار في المدينة القديمة، لم يعجبني اقتراحه، لأنه أصلا لا يعرف استكهولم و يحاول أن لا يبدو بمظهر السويدي القادم من ريف تيمرو. منتصف الليل، برد، نمشي، نبحث عن مكان دافئ، المقاهي و البارات تعج بالناس، آخر أيام الأسبوع، يصاب السويدي بالهوس، أقصد الشباب، مشينا حتى منتصف الليل، وصلنا مكان لا أعرفه حتى اللحظة، كنا فقط نمشي، نتكلم عن أي شيء، نحذف أوراق شجر في الشارع فتطير نحونا. قادنا توماس إلى غابة مجهولة، معظمنا كان من تيمرو، و أنا من استكهولم، و لكنني لا أعرف، كنا نتبعه، نتسلق الصخور، العتمة ترشدنا إلى رأس التلة السوداء، كانوا يغنون كلمات سويدية بدت تافهة، لكنها جميلة، كل شيء كان جميلا جيدا، من فوق الأرض، المدينة و البحيرة و الشوارع كانت تحتنا، البرد قارص، الريح تتكون في الأعلى، نجلس هناك، على قمة غابة قطبية مجهولة، نفكر بلاشيء. العالم كله يحتاج إلى كأس و غابة و جلسة بذهن خالٍ.