حب في الحرب

الجندي الذي أحببته مرتين: مرة في الحرب و مرة دائما؛ زارني الليلة في غرفة رقم”5″ للاجئين بمدرسة الزيتون الابتدائية “ب”..غزة!اطمأن على قلبي.. و مضى نحو الدبابات.قال لي ” سأعود في سلام “..كان رجلا روحه متجددة, علمني نسج الأحذية الصوفية, و نسجنا معا أحذية كثيرة للأطفال اللاجئين, وزعناها بينهم قبل بدء الشتاء.. و تمنيتُ لو علمني كيف أنسج الخبز لأوزعه على الجائعين في الحرب الآن..في مدرسة اللاجئين صرنا نَصف طابورا صباحيا لنستلم رغيف الفطور.. الصغار الذين كانوا يتعلمون في هذه المدرسة يتضاحكون لأن طابورهم المدرسي تحول إلى نوع آخر يبعث السخرية في أنفسهم!.الحرب عرّفتني على حبيبي..كان حبيبي مقاوما في الجبهة الشمالية, المنطقة المركزية للحرب..منذ أن عرفني قرر الانضمام إلى المقاومة, و محاربة الاحتلال !كان قبل كل شيء لاجئا معنا في المدرسة, نزح من المنطقة الشمالية..كنتُ أجلس مع نفسي تحت شجرة الأكاسيا المزروعة في ساحة المدرسة, أكتب مذكراتي الحربية, و أردد بصوت عال مقاطع شعرية أحفظها لمحمود درويش و ابراهيم طوقان و لوركا.. فجأة شعرت بيد تدق كتفي من الخلف و أسمع صوتا هادئا كالحزن ينشد:” دعوني وحيداً مع النهار‏ ..أرجوكم دعوني أولد*.‏”, شهقت و استدرتُ لأرى من؟.. فوجئت برجل غريب يقترب مني و يستأذنني أن يشاركني وحدتي!. صمت لبرهة ثم قلتُ ” تفضل”.. سألني عن علاقتي بالشعر, فقلتُ”من بعد الحرب فقدت علاقتي بأي شيء”. فقال” لكنني سمعتك تنشدين الشعر”..قلتُ له أن ذلك مجرد تسلية لا أكثر.. فتنهد و هو يقول” الموت أهون من هالحياة”.. استدركته:” لكنك قبل قليل كنت تطلب بأن يدعوك وحيدا مع النهار لتلد!”..ضحك و التزم الصمت حتى همّ بالقيام, شكرني على رحابتي و تركني مع نفسي..الحياة في المدرسة تعيسة و اليوم طويل جدا.. كنتُ أعد الساعات ساعة بساعة و أنا أنتظر حلول الليل لأنام و أتخلص من ثقل النهار الجاثم فوق صدري.. أبعثر الوقت في مراقبة الأطفال اللاجئين و هم يلعبون كرة القدم بعلب السردين الفارغة و يصفقون للفريق الفائز كما و لو أنهم يلعبون في مبارات حقيقية.. أتحلّف للخبز و الملح اللذين يهربان منا في مثل وقت مدقع كهذا..كان مكاني المفضل هو الجلوس تحت شجرة الأكاسيا.. من هناك أدع عيني تركض مع الأطفال و تنشر الغسيل مع النساء و أطير مع العصافير بعيدا..أبعد من الطائرات.. بقيت في ذلك اليوم جالسة في مكاني حتى وقت متأخر من الليل. حذرتني أم كنعان من البقاء وحدي خارج الغرفة في الليل, و أم كنعان لاجئة طيبة تمكث معنا في نفس الغرفة, قالت لي موجهة خطابها لجميع النساء في الغرفة ” في أي وقت و في كل مكان لا بد و أن يوجد أولاد حرام” !. لم أبال بتحذيرها و بقيت هناك..من بين العتمة لمحت كائنا صغيرا يدب على أطراف أصابع قدميه.. و لم أكد أقف لأستكشف خيالا ذلك أم حقيقة,حتى فوجئت بولد يشد من يدي دفتر المذكرات و يهرب.. ركضت خلف الولد و أنا ألهث و العرق يتصبب مني.. وحين وصلت خزانات المياه البعيدة عن غرف النوم توقّفتُ و فقدتُ أثر الولد, تهدل كتفاي خيبة و انزلق رأسي إلى صدري.. حركتُ قدمي ببطء لأعود إلى الغرفة إلا أن يدا ما دقت كتفي و صوتها ينشد “وبقدر ما عشت أريد أن أعيش‏, هذه بغيتي*.‏”..استدرتُ ليفاجؤني الرجل ذاته الذي جلس معي تحت الشجرة!. مدّ إليّ دفتر مذكراتي و هو يعتذر بخجل عن فعلته المدبرة ليلتقي بي خفاء في الظلام, فهو الذي دفع الولد ليسرق مني الدفتر و يهرب خلف خزانات المياه لألحق به و يلتقيني الرجل.. أبديتُ غضبي لأجل ذلك فظل الرجل يعتذر و يتأسف لي على فعلته, شعرت بأن الرجل يحمل نوايا طيبة فابتسمت مولية ظهري له, لكنه منعني من ذلك و فجعتُ إذ شدني من يدي و احتواني بصدره..أحسست بحرارة طفيفة تنبعث من صدره و تتسلل إلى جسدي.. وضع أصابعه تحت ذقني و رفع رأسي نحو رأسه.. شاهدته يبكي بحرقة, آنذاك استسلمتُ لجنونه و أغمضت عيني..
يرعبني النوم وحيدة وقت الحرب..تبرعت أختي الصغيرة لأن تنام عندي مؤقتا لحين عودة أمي من المشفى و تنام هي عندي.. المسكينة أمي لم تتعود بعد على أكل المعلبات في الحرب !. لكنني هذه الليلة سحبت فرشتي من عند أختي و نمت وحدي. الرجل بثّ فيّ الدفء و الأمان.. إحساس غامض اجتاحني.. رجفة لذيذة تهز مكانا ما في صدري.. مكانا غير قلبي.. رجفة تغيّبني كلما تذكرت الرجل أو التقت عيوننا في طابور الخبز..منذ تلك الليلة امتلأت أيامي بالورد و البرتقال و رائحة الياسمين.. لم يعد نهاري طويل, هناك من يملؤه و هناك من يزرع الريحان في صدري ويمطر الوديان في أوردتي و شراييني..صارحني الرجل بحبه لي,كذلك أنا.. و صرنا نتبادل الحب تحت شجرة الأكاسيا في النهار و نتعاطاه وراء خزانات المياه ليلا.. أقسم أن الشجرة كانت تتلصص على قبلاتنا و ضبطتُ جدران المدرسة و هي تختلس نظراتها نحونا أثناء انشاد الشعر..في منتصف الليل, و بينما الجميع نائم..حتى العجوز التي تخاف من القصف و دوي الانفجارات كانت نائمة, سمعت صوت حبيبي يناديني من الشباك!. خامرني ظن أنني أتوهم.. إلا أن صوته ظل يناديني ويصدح في أذني بالحاح غريب, نهضت و تلقفت معطفي و وثبتُ إلى الخارج.. تلفّتُ حولي فلم أجد حبيبي!. فركتُ عيني لأتأكد فلم أرَ سوى العتمة.. عدتُ إلى فراشي كأنني منومة مغناطيسيا.. اندسست تحت الغطاء..لامست ساقي لحما طريا ذي رائحة مألوفة ليست غريبة علي!..ارتبكتُ و خيل إليّ أنني أهلوس!.. إلا أنني فوجئت بحبيبي ينام إلى جانبي!.. كدت أصرخ من شدة الهلع لولا أنه وضع يده على فمي و تأكدتُ من أن ذلك ليس من ضرب الخيال و الهلوسات.. وشوشته”كيف..لماذا..ألم تخف أن يراك أحد؟؟!”..فوشوشني” كنت أناديك و لما طلعتِ دخلت بسرعة من دون أن تنتبهي”..قلت” يا ملعون”, فقال” كيف المفاجأة”.. ضربته على صدره و أنا أقول”خوفتني كتير”.. تشابكت أصابع قدميه بأصابع قدمي كذلك أصابع يدينا, و قبل أن يخرج قال لي بحزن و هو يحاول أن يتصنع الحزم “أنا رايح ع الشمال”, فتحت فمي مندهشة بشهقة ذات نفس مختنق و قلت ُ” بدك تروح للموت برجليك..لا لا.. “..أمسك بيدي و سار معي بصمت حتى توقف عند شجرة الأكاسيا.. نظر إلى غصن مرتفع يغرق في ضوء القمر, كانت عيناه تبتسمان.. و قبل أن تبتلعه الظلمة خلف بوابة المدرسة, قبلني و ذهب
• نيرودا

فِيْ قَمِيْصِكَ رَاْئِحَةُ يُوْسُفْ

فِيْ قَمِيْصِكَ رَاْئِحَةُ يُوْسُفْ ,
وَ عَلَيْهِ آثَاْرُ يَدَيْنِ.. يَدَاْيْ.
إنِّيْ أَرَىْ عِنْدَ الأزَاْرِ مَزْقَ مِخْلَبٍ ,
وَ إنِّيْ أُنْصِتُ إلَىْ شَهْقَةِ النَّبْضِ فِيْ حَشْرَجَةِ الرُّوْحْ .
” كَالإسْلامِ أَسْلَمْتُُ بِبِئْرِكََ البَعِيْدْ
وَ جُدْرَاْنِهِ المُلَطَّخَةِ بِدَمِ الحَكَاْيَةْ “

أَشُمُّ بَيْنَ الخُيُوْطِ
طِيْنَ يُوْسُفْ.
خَفْقَةُ الأَرْضِ تُرَتِّلُ انْبِجَاْسَ مَوْتْ,
وَ خُرَاْفَةً مَاْكِرَةْ
تُشِيْعُ بَيْنَنَاْ بُدَّ هُرُوْبْ
نَهْرُبُ إِلَىْ قَمِيْصِنَاْ؟
نَتَشَرَّدُ مِنْ جَدِيْدْ !
..لِنَنَاْمْ؛ قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ فيِْنَاْ القَمَرْ
وَ لا نَجِدُ مَنْ يَصِفَ لَنَاْ لَيْلا دُوْنَ سَهَرْ.

بُقَعُ الدَّمِ تُطَهِّرُنِيْ..
تَعَاْلَ يَاْ ذِئْبَ أَوْغِلْ النَّهْشْ
حَتَّىْ الوَحْشِيَّةِ وَ حَدَّ النَّزْفِ
بِيْ بُحَيْرَةُ الدَّمِ تَتَّسِعُ المَدَىْ
أَرِيْقَ مَاْ لَمْ يَجِفُّ بَعْدْ
لِيَكْتُبَ ذَلْكَ الرِّيْحُ الصَّحْرَاْوِيِّ خُرَاْفَةً أُخْرَىْ:
– لَيْسَتْ يُوْسُفَ –
لأَكْثَرِ مِنْ آخِرَةٍ
خُرَاْفَتِيْ مَعَكْ.

وَ حِيْنَ يَعُوْدُ اخْوَتِيْ
يَقُوْلُوْاْ أَنَّكَ قَتَلْتَنِيْ
فَتَكُوْنُ أَنْتََ حَقِيْقَةً وَ حَكَاْيَةً لَيْسَتْ اسْمَهَاْ يُوْسُفْ
أَنْتََ يَاْ الذِيْ أَبْعَدَ مِنَ التَّارِيْخِ وَ الأَسَاْطِيْرْ..


أظافر القطط


شعرتُ أن هذه اللحظة ستكون قَدَر عيني, و أنني سأتابع الحياة بعين واحدة.. أرى ما أرى من جانب واحد و النصف الآخر من معالم الأشياء يختفي في عتمة عيني الأخرى.. وضعتُ يدي على عيني فإذا بالدم يتدفق بغزارة من بين أصابعي كينبوع حار تفجّر من باطن أرض بعيدة.. سحبتُ من جيب معطفي قطعة قماش صغيرة و غطّيتُ بها عيني, إلا أن الدم أغرقها وأحال لونها الأبيض إلى لون أحمر قان, أبعدتها و قذفتها بعصبية من نافذة السيارة, و فضلت أن أضع يدي بدلا عنها حتى و إن سال الدم على المعطف و بقّعه..
كان الجو ما يزال باردا, لا سيما و أن عقارب الساعة تلدغ منتصف الليل.. بدأت الأمطار تهطل, و تصدر مع حبات البَرَد حين ترتطم بسقف السيارة صوتَ قرقعة مزعجا.. نظرتُ بطرف العين الأخرى إلى أمي, كانت تقاوم النعاس بأي طريقة لإلا غفت عني, و بدوري لم أبدِ أي علامة وجع أو قلق على حالتي, فكنت أبتسم لها بين الفينة و الأخرى و خلف شفتاي يختفي وجع الدم..
أضاء السائق ضوء السيارة البارز في مقدمتها, كان النور مشتتا مثل رشات ماء, خافتا متأرجحا لا يعين العين على تفحص الطريق, فلم أستطِع رؤية شيء, كل ما كنت أستطيع أن أراه هو ظلال المارة و الرجال الخارجين من المقاهي-ترتمي بطولها على الرصيف و تنكسر على الأجساد حين تحتك بأكتاف بعضها..
تمنيت لو تنفرش النجوم على الأرض, لأرى ما أريد.. المدينة معتمة و عيني مدمية.. ربما كل الطرق التي مرت بها السيارة مررت بها من قبل, لقد ميّزتُ معظمها من رائحتها الأليفة.. رائحة الهال المتصاعد من فناجين القهوة.. رائحة العطور المتنقلة بين ثياب العاشقين.. و حفيف الأحذية و طقطقة كعوب النساء..
توقفت السيارة. نزلتُ مع دوار خفيف برأسي.. نَقَدت أمي السائق و أسرعت لتمسك بيدي.. ابتعدنا إلى الرصيف و سارت السيارة إلى أن اختفت وراء جدار أسود من حلكة الليل..
دخلنا بوابة المستشفى, كان على عتبتها الكبيرة ينتشر باعة الورود و باعة الجرائد التي طالما اشتراها المهتمون بقراءة الوفيّات و تهاني الخروج بالسلامة من المستشفى!.. تنمّل بداخلي نبض أحمق حين اقترب مني مراهق يمد بيده الجريدة إليّ كي أشتريها, قلتُ” لربما كان اسمي من بين الوفيّات “.. تسمّرتُ أمامه, فإذا بيد أمي تشدني و وجدتني في غرفة الطوارئ الليلية..
جلستُ على المقعد أمام موظف الاستقبال, حكت له أمي المشكلة بايجاز و صوتها يرتجف يتدحرج من حنجرة تراكم الدمع فيها.. بعد دقائق جاء طبيب العيون و أخذني إلى غرفة الفحص, جلستُ أمام الجهاز الدقيق فيما جلس(الطبيب)خلفه و أشار إلى أن أضع عيني قبالة العدسة الزجاجية, وضعتها و سلط الضوء عليها فيما شرع يفحصها(عيني)بنظراته المخبرية..
انتهى الفحص. قال الطبيب ببساطة “اطمئنوا.. الجرح بسيط “, تنهدت أمي و قالت بامتنان ” شكرا “. أعطاني الطبيب مرهم و قطرة خاصة لتسمم العين, نظر إليّ بعينيه الخضراوين نظرة صارمة و قال ” أظافر القطط خطيرة..انتبهي”, ثم مسح الدم عن عيني بمنديل أبيض مُعقَّم, و غادرنا المستشفى..
كانت الطرق تغطُ في عتمة عميقة, تخترقها عيون و اشارات المرور..و ما أن وصلت الدار؛ غسلتُ يدايَ من دم عيني. و نمتْ.

سأعلّق قمرا على الجدار

” سأفرش تحت وسادتي فروك
و أدفن بين شفتيّ عواءك
البعيد الذي يتنفس حلمي في اختناق الانتظار..
سأعلّق قمرا على الجدار
و أبث العتمة في المصابيح
و أطلب من العسس أن يطفئوا القناديل
سأرش الأرض أرزا
و أقول هذه نجومي
أسقيها من ساقية الطيور
و أنت الرزق..الرزق
حين لا أملك أو أكون “

كل شمسٍ غضبْ

سقطتُ مع المطر كأني أكثر من المطر
كأني أعنفُ من أيّ شيء برق
جرح تكدس بين القصيد على الورق
فانثال هم ينثر الأرق
تحت الجفون
في العيون
فوق الأرض انطلق
على حافة الهدب تعلّق الوطن
لم أشأ البكاء
لئلا غسل الدمع وطني
فتنهار حيفا و الرام على وجهي
و القدس بين شفتايَ تتحطم
و المدن و آخر القُرى
يُفتتها الملح .
يا شوق
إني أصبح لأجل انكسار الوطن
قصرًا من ذهب
بيتًا من طين
برجًا ساسه الأنا
أُعبّق الكون ثوره
تُفوّح الغضب ..
تشمُّ النار غضبي
فتشتعل
و تصير كل شمسٍ غضبْ .

قطة الياسمين


كان عقلي ذاهبا إلى خدر مجهول..و روحي تبحر عبر زورق صغير نحو شاطئ تغمره الأصداف و آثار أقدام أميرات صغيرات حافيات يبحثن عن خواتمهنّ و زينتهنّ الضائعة.. و كان جسدي مستلقٍ على سرير النار,مثل حطب,لا يتحرك أو يتكلم..لكنه كان يحتفظ بحرارة الشمس و يُشع دفئا عاطفيا يمنحك شعلة خفية ,تدفعك للهوس والجنون..كنت مشحوذة بالاوعي..لا أفكر..لا أشعر..لا أرى ..لا أسمع..كنت أشبه قطة الياسمين التي نامت في هدايا القصور,ولم تداعبها يدا غير يد واحدة بقيت وفيّة اللمس لا تلمس أي كائن إلا فرو قطة الياسمين..
قبل أن أغيب عن الوعي..لا أعرف ! بل ربما قبل أن أمرض و أصاب بالحمى و أغوص في غيبوبة..لا أعرف !..كنت امرأة عادية,طبيعية.. و كانت العتمة تهبط الأدراج الأولى من سلم الليل..خلا الكون من أي صوت..فُتِح باب غرفتي..ثم أُغلِقَ ببطئ شديد صدر عنه أزيز صدِئ..لحظتذاك:كنتُ أعد النجوم في محاولة فاشلة للنوم..نهضتُ مذعورة..اقترب من حواف السرير رجل يعتمر قمرا على رأسه, و تتدلى من رقبته ياقة خضراء مثل غصن شجيرة..و كان الرجل يحمل بين ذراعيه ذئبا ذي فروٍ ناصع البياض..تخثر الدم في عروقي من الهلع, و أحسستُ أن أوداجي تصلبت, و تجمد شيء ما في نخاعي و عمودي الفقري,فأصبحت كما و لو أنني تمثال حجري منحوت..صفعتُ وجهي بالوسادة كي لا أرى..لا أريد أن أرى ما يحدث و ما سيحدث..إلا أن الرجل سحب عن وجهي الوسادة..كانت له أظافرا طويلة, مطلية بدهان أحمر قان..أمسك الوسادة و وضعها في مكانها على السرير..ثم وضع رأسي فوقها..
كان الذئب ما يزال يبن ذراعيه..
أطفأ الرجل المصباح و تأكد من أن الباب مغلق..و أزاح الستائر إلى بعضها,حتى تحولت الغرفة إلى صندوق معتم..ثم رفع القمر عن رأسه و حطه فوق خزانة الملابس..كان ضوء القمر كافيا و كفيلا بأن ينير الغرفة..
بعد ذلك..
جلس الرجل على الكرسي القريب من النافذة..و صار يمسد فرو الذئب..لم أفُهْ بشيء..ماذا عساي أفعل و أشباح تتحكم بي و تتحرك في غرفتي بخفيّة مثل لاعب سيرك ؟!
التفتُ إلى القمر,كان مكتملا. كأنني لمحته يتقلص, و ينشطر إلى نصفين!..حدقت به..فإذا به يقفز و يستقر على شكل دائرتين متوهجتين في عيني الذئب..لمعت شرارة فيهما و عوى..رفع الرجل يديه عن الذئب و هجم (الذئب) عليّ..
حدث كل شيء بسرعة لا تصدق! دقائق و اختفى الرجل..بينما كان الذئب يلهث و ينهشني بلذة لعينة..كنتُ أصرخ و أتأوه..
عوى الذئب و شهقتُ شهقة مبطنة بأنفاس لا نهائية..
في الصباح ..
فتحتُ عينيّ و كأنني أفتح مغارتين..كانت الغرفة على ما هي دائما عليه..لم يتغيّر فيها شيئا ما, و لم يكن أحدٌ غيري..الرجل؟الذئب؟!..هلوسة..كاابووس !!..يا لهذا الغموض..
نظرتُ إلى وجهي في المرآة..كان يتدفق منه البياض..و على كتفي فرو أبيض مثل وجهي..
بكيتُ لأن الذئب لا يزورني بعد ذلك إلا في الليل..

كل يوم يحتفل بأحزاني رجل

بين شفتيَّ,

يتمرّغ ملح .



في فمي طين,


و كلام جريح .



كل يوم يحتفل بأحزاني رجل

ثمّة موعد يلقيه عليّ عابر رصيف

ثم يذهب مع الأقدام إلى يومه

و أذهب مع الأحلام

نحو بقية موعد طوته الذاكرة

و ذاب في وحل النسيان..




أمضي مع الريح

في حذائي صحاري سندباد

أجوب خارطة الليل

لا أبحث عن شيء

لقد رأيتُ روحي تستأجر الموت

فأي رجل سيحتفل بموتي ؟