لمن لا يهمه الأمر

لمن لا يهمه الأمر
إلى الذين ينامون و لا يحلمون
إلى من أقدّم لهم الكون في فنجان قهوة..كل صباح مع الجريدة و علبة التبغ
إلى الذين يكتبون عن كل شيء في أعمدتهم اليومية
(عمودي لا يشبه أعمدتهم..إنه ليس للكتابة..صممته ليكون للاضاءة!)
إلى الهاربين من زوجاتهم و أطفالهم إلى نساء يعرفن البداية و كيف الختام
إلى الصغيرات اللاتي يتعثرن بخطوات من أحببن
إلى امرأة بعد موت زوجها اكتشفت الخيانة,لا..ليس زوجها,الموت وفي والحياة هي الخائنة!
إلى أمي التي تنسج من الصوف الأخضر قفازات و أحذية لأخوتي الجياع
إلى الطاهية و النادل المسكين
إلى أفلام الكرتون المتحركة
إلى معارك الخلود الدامية
إلى جميع من استحقوا الحياة مثلي عقابا كي يموتوا أكثر من مرة
إليهم..جميعا..
أقدم استقالتي من روحي و جسدي.
صدقوني لقد عذّبني ذاك القبر
الأرض حفظتني عن ظهر قلب
تلك المقبرة أصبحت تخشاني
و ضريح حبيبي ما عاد يكرهني!
لن أقوى على تنفس الرجال
سيختنقوا من رائحة حبيبي الملتصقة بي
لحمي ينز ياسمينا
من بين أصابعي تنبت شجيرات و أزهارا
أريد التنقيب عن حديقة كانت مهد حبي
آه
يا لوجهي المحروق من كثرة النوم تحت شمس الظهيرة
عظامي تكاد تصير كالطحين
سريري رخام هذا الضريح
يا قبره ارحمني
اتركوني الآن وحيدة على قبره: أحاول الموت
لألحقه..

6/2/2009/الجمعة
10 مساء

كان عندي عصفور

كان عندي عصفور
اسمه عصفور
يتملكني تجاهه شعور
لونه أبيض كخيط الفجر الأول
له ريش طويل مثل شعر العروس
غنى لي
دائما يغني لي..
كان يغني
لكنه الآن أخرس
سرقت الأشجار صوته الجميل
و حرمتني من البكاء عليه
لأنها سرقت عيوني
أريد أن أبكي
و أسقي الغيم من دمعي
كي نمطر معا
و أطير مع عصفوري بلا صوت

عشرون ليلة

عشرون ليلة عدّتها على أصابع يديها و رجليها..
و لم تفكر بشيء مطلقا..
الكل منشغل بالحرب و أنا منشغلة بالحبْ.
جنتي تعطّلتْ,
الرجل الذي أقفل قلبي عليه ذهب مع الريح إلى الريح..
و بابي الوحيد
يدق الجنود عليه فلا يفتح.
المفتاح في جيب البزّة العسكرية
البزة..يرتديها الرجل
الرجل في الحرب
الحرب في كل مكان..
و الموت ينتظر إشارة ضوئية من صاروخ أو رصاصة.

البيت الآخر

في مدرسة الوكالة التي اتخذناها كملجأ رسمي لنا, كن النسوة يمارسن حياتهن الطبيعيّة في وقت غير طبيعي.. ينشرن الغسيل على حبل السارية الذي قطعته الشظية, و أحيانا يغلين الشاي على الحطب في ساحة الملعب, و يرتشفنه مع أزواجهن وقت الصباح كلما شدّهن الحنين إلى صباحات السلام و الأمان.. أما أنا فلأن حياتي كانت غير معقولة, كنتُ في سجن تصطفق جدرانه الأربعة عليّ و لا أتنفس غير رائحة الموت, علاقتي بالأشياء كانت بالنظر,أنظر إليها بعينين أدماهما السهر..تعبت من الحربْ. فشلتُ في ابتكار احساس جديد مؤقت يساعدني على التعايش مع الحربْ.. و يئست من العودة إلى بيتنا الذي يعاني من وقوعه في منطقة الخطر, حتى البيت يعاني من الحرب!.
أتذكر ذلك الفجر الحزين الذي تركنا فيه بيتنا و نزحنا إلى بيتٍ آخر في منطقة أكثر أمانا, كان بيتنا في تلك اللحظة مثل حديقة خضراء تغتسل بماء الخريف, لم أتجرأ أن أستدير خلفي و أودع البيت, صعدت سيارة ابن عمتي أيمن الذي سيجازف بحياته معنا و يُهرّبنا إلى “البيت الآخر”.. كانت الطرق تعج بركام البيوت المنهارة على الجنبات, حجارة و زجاج و أعمدة كهرباء و خشب ينفث دخانا بنيا و وديان دماء تجري في منتصف الطريق كأنها الموت الأحمر.. كنا مستعدين لأي صاروخ يقصفنا.. استسلمتُ للبكاء و بكيتْ. كنتُ أموت ببطئ شديد.. ورائي تركتُ بيت الذكريات و مرتع الأحلام و سرير الدفء يوم لا دفء فيه إلاه..
كرهتُ ذلك البيت أكثر من كرهي للمدرسة, و منذ أن وطأته قدماي صرتُ أمقت البحر و العشب الأخضر.. كان البيت الواقع في منطقة الشيخ عجلين في الطابع الرابع من برج طويل- يبعث البؤس و الشؤم بي رغم موقعه الذي طالما تمنيّته: أمام البحر مباشرة و محوّط بحقول العنب و الخضروات و هنا شجرة البرتقال يفوح منها شذى مسكرا..
لم يكن ذلك البيت يصلح للأمان, اختار أبي العش الخطأ لعصافيره الصغار, فالطرادات الحربية تضرب القذائف على السواحل الهاجعة أمام الشاطئ المسكون بالألغام, و الدبابات تجتاح البر و الجيش الاسرائيلي بدأ عمليته البرية المرقمة حربيا بالرقم “3”(أي المرحلة الثالثة من الحرب على غزة).. حزمنا أكياس البقول التي هي قوتنا الوحيد خلال الحرب, و حملت أمي حقيبة الكوشان و كرت التموين.. و مجموعة الأوراق الرسيمة التي تدل علينا “الهوية”, ثم هرّبتنا سيارة استأجرها أبي من أحد مكاتب المواصلات إلى الملجأ الأخير و الوحيد لنا من بعد ذلك البيت: مدرسة الزيتون الابتدائية المشتركة للاجئين. و بالرغم من أن مكان المدرسة كان الأخطر من أي مكان إلا أن ” الموت مع الجماعة أرحم “. و لم نكن هناك وحيدين.. فوجئنا بعشرات اللاجئين النازحين..

بريد ليس للمراسلة !

أيام الحرب كان عنواني البريدي:
مدرسة الفاخورة للاجئين,
الصف الأول ابتدائي”ب”.
تلقيت رسائل صاروخية كثيرة..كانت تصلني ليل نهار من طائرات “إف 16”.. لم أتوقع أن الملاجئ تخيف الجنود..و صرتُ أكرهها لأنها خدعتني و ها هم قصفوها و استشهد الأطفال في ساحة المدرسة حين كانوا يلعبون كرة القدم بعلب اللحم الفارغة.. آه,منذها فقدت شهيتي عن الطعام, و شُطب اسمي من قائمة توزيع اللحوم المعلبة التي توزعها الأونروا علينا..حتى بعد الحرب لم أتذوق لا اللحم المثلج و لا الطازج.. في المطعم ألغيتُ طلب المشويات.. وصرتُ أصاب بغيبوبة طويلة كلما رأيتُ أمي تطبخ اللحم فينقلونني إلى المشفى سريعا.. أخذوني إلى الأطباء النفسيين لأنني معقدة من “اللحم”..
اللحم
اللحم
اللحم
لا أريد أن أتذكر يوم تطايرت لحوم الأطفال في الهواء و رأيتها من بين الدخان الأسود الكثيف تحترق و تشويها النيران كالدجاجات المسكينة..تناثرت لحومهم على الأرض و ترمّلت و بعضها اختلط بلحم المعلبات..

من يوميات امرأة نارية

كنتُ امرأة نارية..أو قذيفة صاروخية..
كنتُ امرأة خالية الذهن..
شياطين ذكية غنّت في أذني و بعد ليلة فسفورية قررتْ الاعتكاف بعيدا عني..
و أصبحتُ وحيدة أمام وحدتي أتعثّر..
شعرتُ بتجمُّد أطرافي و ذهول الثلج من حرارة لحمي..تحوّلتُ إلى بندقية,إلا أنني حين شممتُ رائحة البارود خارت قواي و تهالكت عظامي ملوثة بدم فاسد..تكوّمت قطرات غاز في حلقي و اختنقتُ..كثيرا اختنقتُ.. أكثر من ذي قبل..ليس مؤكدًا !
كمثل حجر صغير ألقي في بركة ماء كبيرة : وقعت البندقية بين الركام..
كانت بي رغبة الغيوم..لكن الأرض بعيدة..و المطر هذا الفصل انتحر قبل أن يبلل غزة..خبيث هذا الشتاء..لم يُخبرني أن حربا في طريقها إلينا.. هرّب المطر عبر الملائكة.. و النفق الوحيد الذي أمتلكه استشهد..
عشرون ليلة لم أفكر بشيء..
نسيتُ التفكير و كيفية التعامل مع الحياة.. تصالحتُ مع الموت.. ورسمتُ أحلامي الأخيرة في نوم مفترض رتّبته في ضوء الشمعة المتبقية منذ انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة..حلمتُ أن أمي تحتضنني و وجه أبي في العراء يبكي..و أخوتي يضربون صدري..أطفال يعدون أصابعي و يهتفون”إنها عشرة أصابع”..صبيّة تسرق من شعري الضفيرة الشقراء التي صبغتها خالتي..مراهق يختلس النظر إلى نهدي المدلوق عبر تمزقات بلوزتي..بائع الحلوى يدس حلوة في فمي و يطبق شفتاي على بعضهما ثم يبتعد عني و هو يصفر..يصفر بصوت عال..صفيره ما يزال يدوّي في أذني مثل الانفجار الذي انتشلني من هذا الحلم العادي!..
ذابت الشمعة و تذكرتُ شموع الميلاد و احتفالات رأس السنة..انطفأت السنة و قنبلة فسفورية أضاءت البيوت و أحرقت حقيبة المدرسة و أثاث العمر..يا رب أوقِف الحرب كي نعود إلى بيوتنا و نتفقّدها..لا أريد أن يصلني خبر قصف دارنا من المذياع أو من صديق في رام الله يتصل بي على الجوال ليقول”داركم انقصفت..شفتها بتهيل من التلفزيون”!..
البيت الذي ولدتُ فيه و شهدت فيه ميلاد أخوتي و عشتُ في كنفه أجمل لحظات الحياة و أتعسها و أقربها إلى الجنة و أبعدها عن النار..الجدران التي كتبنا عليها الحروف الأولى و رموز البراءة,الأوراق التي تعج بتمارين املائية عن قطعة تتحدث عن بلادنا الجميلة!..حجرة النوم و كل الأماكن نشتاق إليها..
لقد اشتقتُ إليكِ يا دار..فيا أرض ابلعي دموعنا و فيضي بأرواح من استشهدوا لأجل السلام..

ستكون له يدان

بعيدا عن حروبي الداخلية مع عاطفة البكاء, و أقرب من معركتي الخارجية مع تشوهاتي و غبائي في التعامل مع أيدي الرجال حين تصبح في يدي كنوع من التحية..
طارق..
الرجل الأول قبل أن أتعرف على يده الخشنة ذات الأصابع الطويلة التي يطل من رؤوسها الحمق, كلمني سبع مكالمات هاتفية بعدد أيام الأسبوع المنصرم على تلك اليد الشريرة التي ضغطت على يدي بعنف حتى سمعتُ صوت تكسّر عظام أصابعي.. كانت مكالماته الليلية أجمل من التي تكون في النهار -بالرغم من عدم تقبّلي لأي منهما-, فكأن للعتمة همسها الدافء في روحه !. يرنّ هاتفي الساعةَ الثانية منتصف الليل.. ليل الشتاء الطويل, ليقول لي صوتا مطعما بالجنون “غدا.. قررتُ أن يكون غدا”, أتنهد و أقول “أريد أن أنام”, يسارع في الرجاء خوفا من أن أغلق الخط في وجهه ” لا.. أرجوكِ أمهليني دقيقة واحدة كي لا أموت..”. أوبخ نفسي على فظاظتي معه فأقول ” ماذا؟”.. أتصوّر ارتياحه لحظتذاك فأراه يمسح بذراعه العرق عن جبينه و يضغط سماعة الهاتف على أذنه ليتأكد من اتصالي و يكمل لهاثه, يقول دون أن أخمّن كيف حال شفتاه و هما تحدثاني “تعالي غدا..نلتقي في المكتبة..”.

لا بد و أن رجال الأصفهاني الذين عشقوا نساءهم بأي طريقة و مصادفة..لا بد و أنهم سينفروا من صاحب هذه اليد العاشقة!. أول مرة رأيته فيها كانت في المكتبة العامة, كنتُ أمد يدي لسحب كتابا انتقته عيناي, ففوجئت بيد رجل تختطف الكتاب قبل أن تصله يدي.. يتلعثم الرجل و يعتذر متعمدا رغبة منه أن أردّ عليه و يكلمني, لكنني بقيتُ صامتة, شعرتُ بأنه يتهيأ ليقول شيئا ما, رفع الكتاب و وضعه على رأسه كمن يتظلل من الشمس و قال ” يحيرني اختيار الكتب حين تكون كثيرة”.. اقترحت ساخرة أن يقرأها كلها ليتخلص من حيرته و غادرت المكتبة..
كنتُ في ذلك اليوم ألامس اشتياقي لخالد..الرجل الذي انقطعت يداه أثناء الحرب.. كانت يداه تنتشلان جسد صديقه الجريح من بين الأجساد التي فقدت صلتها بالحياة و لم تستطع مقاومة الموت, إلا أن شظايا متطايرة من صاروخ قطعت يديه فأفلت الجسد منهما, و دفنت يداه فيما بعد مع جسد صديقه.. كان رجلا طيبا يفيض حنانا و يمطر حبا.. دائما أشتاق إليه و أفكر فيه, أين اختفى و ماذا حلّ به؟..هل غيّرته الحرب و قتلت حبنا و سهر الليالي التي أكبر من عمر الأرض ؟!..
حين وصلتُ باب شقتي القريبة من المكتبة, تذكّرتُ بأنني لن أستطيع دخول الشقة, لأن المفتاح في الحقيبة, و الحقيبة نسيتها في المكتبة!. أقفلتُ خائبة إلى المكتبة.. سألتُ موظفة الأمانات عن حقيبتي فبحثت عنها و لم تجدها, فكّرتُ وقلتُ ربما نسيتها في مكان غير المكتبة, إلا أنني أبعدتُ احتمال ذلك و شككتُ بأنني في الأصل لم أحمل حقيبة!.. وقفتُ على باب المكتبة متحيرة فيما سأفعله؟, ما الذي يحدث معي منذ الصباح؟ أنا حزينة لأن ذاكرتي هرمت.. يا للبؤس على امرأة صغيرة تحمل في رأسها الصغير ذاكرة عجوز..
هل أبات الليلة في الشارع و أكون وجبة عشاء شهية للمتسكعين و الكلاب الضالة!.. و زبال البلدية! مؤخرا شاعت عليه حكايا مخيفة تناقلتها العذراوات و ما زالن يؤمن بصدق الحكايا المخترعة عنه و لم أكن أصدق كلمة من ذلك الهراء.. ذرعت الشارع ذهابا و إيابا, طولا و عرضا كالبلهاء لا أدري بما يدور برأسي.. تحولت الحكايا في لحظة إلى أشباح تتقافز أمامي كالجنون الزرقاء.. تلبد فيّ الخوف, عليّ أن أجد طريقة لفتح باب شقتي و إن كانت بكسر الباب.
كان الزبال يمارس مهنته بكامل كرامته و حبه للحياة, يجمع القمامة التي تنتظره على عتبات البيوت و العمارات, يحمل الأكياس التي تنز قرفا و تتسرب منها روائح تثير الاشمئزاز.. يحملها كأن علاقة خفية ارتبطت بينه و بينها(الأكياس) منذ زمن مستعد لأن يُغيّر حدود العالم لأجل التقاء اللامعقول!. حمدتُ الله أن لم تكن قمامة ما تنتظره على باب شقتي, تنهدتُ و ارتحتُ إذ لن يقترب من بابي.. كنتُ أراقبه من بعيد.. ها هو ينصرف إلى البيوت المجاورة, هرولت إلى شقتي.. يا للغباء!, من يساعدني في دخول بيتي؟..
وقفتُ على بابي مثل ناطور البستان, الشمس تزحف نحو الغرب.. خوفي يزداد و اضطراب ينتابني كلما تسللت إلي حكاياهن عن الزبال.. أتذكر شكل الزبال حين رأيته و هو يجمع القمامة, فأقنع نفسي بأنه رجل طيب, سميح و عفيف!.. لم ألحظ ثمة ما يخيف و يقلق.. دائما الناس يخترعون الأكاذيب عن الضعفاء و الفقراء.
اقترحتُ على نفسي أن أقضي ليلتي عند صديقة, و أشكو مشكلتي لها لتساعدني!.
ذراعه تمتد أمامي, تعترض طريقي.. إنه نفس الرجل الذي التقيته في المكتبة صباح اليوم!. ارتفع حاجباي و جحظت عيناي, فوجئتُ بحقيبتي معه!, أخذتها مدهوشة و ممتنة!. شهقتُ ” أهذا أنت..شكرا..كنت أبحث عنها”. قال” و أنا بحثتُ عنكِ كثيرا لأعطيك اياها”. شكرته مرة أخرى و في الثالثة قبل أن أذهب صافحني بحرارة لم يكن لها داعٍ!.
.
قلتُ ” غدا..في المكتبة؟”, قال بلهفة” نعم..نعم..الساعة..آ..أنتِ حددي”, قلتُ “العاشرة صباحا”, صمت لبرهة ثم قال ” طيب. اسمعي. أريدكِ بهية و أنثى استثنائية..”..”اتفقنا”,”نعم”.
بعد أن انتهت المكالمة, سحبت سلك الهاتف من منبته في الجدار.. و رحتُ أحاول أن أنام بعد أن تلاشى النوم من عيوني.. كنتُ أفهم همس نبضاتي, و أشفق على قلبي من مضاضة الشوق.. مُر, طعمه مُرْ.. ماذا لو كان المتصل خالد؟.. يهاتفني ليليا و في الصباح يهاتفني على عجلة مثل أنشودة وطنية يجب انشادها كل صباح.. يتفق معي على موعد لقاء.. في أي مكان نلتقي فيه.. الحديقة العامة.. المكتبة.. على سطح العمارة.. مطعم بالميرا.. شارع الجندي المجهول.. الأمكنة تتحول إلى ساحرات صغيرات يلعبن مع الملائكة و يضحكن عشقا أبديا ينقشنه على جذوع الشجر..
في الصباح, أعددتُ نفسي للقاء طارق..
وقفتُ طويلا أمام المرآة, متأكدة من أن جمالي كان شاحبا و مريضا.. ارتديتُ قفازاتي و ذهبت إلى شوارع المدينة أجوسها بصخب كما و لو كانت هزائم العالم تتحطم على كتفي و تدفن في صدري.
سألتقيه ذات صدفة,يوما.. لن يكون نهرا أو حلما. سيكون أنهارا و أرضا خضراء و سماء زرقاء و ستكون له يدان و سنكون معا مثل فرخيْ حمامْ.