لماذا هِيَ حزينة ؟

هذه الليلة أنا بنت حزينة جدا..
أود لو أفتح شباك الغرفة لأقول للقمر ” أنا أحبكَ أكثر من أمي “,
لكن أمي أغلقت عليّ كل شيء و قالت و هي تبكي “ن اااااااا م ي..”.
– هل أنا حقا بنت عاقة لأنني أسهر؟
أنا لا أعرف النوم في الليل, خلقتُ امرأة ليليّة, و هذا شأني, ولا شأن لأحد بطبيعتي و غرابتي, دعوني وحدي مع الليل..
أريد يا أمي أن أنام و أن أكون ابنة مطيعة لكِ و لو لليلة واحدة, و لكن ماذا أفعل و أنا أحاول النوم و عيناي أبدا لا تغمضان؟!. إن كان هنالك دروسا في النوم فعلميني النوم.. لقد تعبت من السهر,
السهر يا أمي انتهك بصري و صرت أرى رجلا ينام على سريري كل ليلة.
صدقيني لا أعرفه..
و لأن القمر هذه الليلة هو الوحيد الذي يفهمني, فإنني ” أحبه أكثر منكِ “.
اعذريني
فإنني غاضبة منك لأنك منعتني من السهر على الكتب و الروايات و كتابة مذكراتي على الكمبيوتر في الليل..
غاضبة و حزينة جدا..جدا..
أرغب أن أبكي طويلا في حضنكِ حتى تعرفين لماذا لا أعرف النوم.
إنني أحبه كثيرا
الرجل الذي يرمي القمرُ ظلَّه على سريري
كل ليلة.
أحبه يا أمي
افهميني
أرجووووكِ

12:47 صباح الجمعة
19-6-2009

دوائر أختي الناقصة

لا تستطيع اختي منال ان تعيش دون قلم حبر سائل، وورق ابيض كثير، اختي منال في اواخر العقد الثاني من عمرها، لو كتب لها ان تكون عادية، لبدت جميلة، ففي ملامح وجهها مشروع ملغي او غير مكتمل لجمال خاص، يجمع بين براءة وسلام ونعومة النظرة وبين كبريائها وشراستها، اختي تعيش بيننا في البيت،
تأكل معنا، تستخدم اشياءها الخاصة من صابون ومنشفة، ومعجون وفرشاة اسنان، وحين نضحك على موقف لاخ او ابن اخ، تضحك معنا، حين تبكي امي على لقطة حزينة في مساسل عربي، تبكي مع امي، حين تظهر صورة صدام حسين قبل اعتقاله على الشاشة، تصرخ منال فرحة وفخورة احيانا تقفز وتجرنا من ثيابنا الى التلفاز، بعد اعتقال صدام، وظهوره بهيئته التعيسة و المحزنة، كانت منال تشد شعرها وتطلق صيحات استنكار وحسرة، وتدفن راسها تحت اللحفاف احتجاجا، مغمغمة بلغة لا نعرفها نحن البشر،، لا يمر يوم دون ان تتنفس منال فيه دوائرها، وخطوطها الحزينة و الغريبة، محملا باوراق بيضاء كثيرة واقلام حبر زرقاء سائلة، اعود الى البيت مساء كل يوم، تنتظرني منال على الباب، تصفق او ترقص، اسلمها خبزها اليومي، تتلقفه، تسرع الى غرفتها، هناك على سريرها، يمشي قلم منال على الورق، مشية كائن يعرف من اين اتى، و الى اين هو ذاهب، مشية بنت كانت ستصير امراة سمراء وطويلة، جميلة ومثقفة، لو لم يتوقف فجأة مشروع الجمال الخاص المقرر، في سنة من السنوات فرض منع تجول على المخيم، وانقطع الورق، وجفت الاقلام، جن جنون اختي، راحت تمزق ثيابها، وتكسر اواني المطبخ وتنهض في الليل فزعة، وتهذي بكلمات غير مفهومة كأنها تخاطب احدا غير مرئي، فاهتديت الى طريقة مبتكرة لتهدئتها، اعطيتها سطل فحم، واشرت لها بيدي على الحيطان، ابتسمت و راحت ترسم دوائرها المجنونة هناك بخط اسود كبير وثقيل، كنت احيانا اجلس قبالتها، اراقب يدها القوية وعينيها المشغولتين الضائعتين في متاهات عالم غريب، من صنعها، من نسيج روحها، قالت لي مرة صديقة : ان هذه الكائنات الرائعة لا تنتمي لعالمنا، هي متورطة بوجودها على الارض نتيجة خطأ ما، ولها عالمها الخاص ولغاتها وحضارتها، وتقاليدها، صدقت صديقتي، صرت اتصرف مع اختي منال، وكأنها ضيفة عزيزة على عالمنا، اتحمل نزقها ومزاجها، ومطالبها، واعتقدت انها ذات ليل هاديء، ستتسلل من فراشها ودوائرها الى وطنها البعيد، لماذا ترسم اختي دوائرها ناقصة ؟؟ لماذا تترك ثغرة ما، في الدائرة؟ ارقني هذا السؤال طويلا، وما زلت منشغلا به، حتى اللحظة .
مرة من المرات، وضعت يدي فوق يدها، ومشيت بيدها في منحنيات دائرة كبيرة، وحين اوشكت الدائرة على الانغلاق، شعرت بيد اختي توقف يدي بقوة مجنونة، وندت عنها صرخة مرعبة اطاحت بي بعيدا عنها، خرج من فمها زبد، واشتعل في عينيها حريق كبير، وصلت السنته الى وجهي، لم استطع ان اكمل الدائرة، بقيت ثغرة ضيقة جدا، مشت يدها الى دائرة اخرى، ستتركها ناقصة، وهكذا امتلات غرف بيتنا باوراق بيضاء مرسوم عليها هذه الدوائر الغامضة، في احدى الليالي، حلمت بدائرة مرعبة و ضخمة مرسومة بالنار، مترافقة مع اصوات حيوانات بشعة، تقترب من سريري، فجأة تذكرت الثغرة قفزت من فراشي، وانا اصيح : الثغرة، الثغرة، اين الثغرة يا منال، اخرجيني من النار يا اختي، اخرجيني، اخرجيني،
ماذا تريد منال من الثغرات ؟ التتسلل منها الى وطنها ؟؟ ام لتحتج على المشروع الناقص لجمالها؟؟؟ ام لانها عرفت ان الاكتمال موت ونهاية، والنقصان حياة ؟ ؟؟، ام لمعنى اخر لا ادركه بذهني البشري المحدود،
ارسمي دوائرك يا اختي – الضيفة، ارسميها ايتها الحرة الجميلة، المشاغبة، يا اختي، يا دائرتي الناقصة .
فالاكتمال موت موت موت،

* من المجموعة القصصية”خذيني إلى موتي”
زياد خداش/2005

أغنية زفاف *



وانتقلت إليك و كما انتقل الفلكيون
من كوكب نحو آخرَ.روحي تطلُّ
على جسدي من أصابعك العشر.
خذني إليك , انطلق باليمامة حتى
أقاصي الهديل على جانبيك :المدى
والصدى .
و دَع الخيل تركض ورائي
سدى .فأنا لا أرى صورتي , بعدُ
في مائها …لا أرى أحدا

لا أرى أحدا ، لا أراكَ . فماذا
صنعت بحريتي ؟ من أنا خلف
سور المدينة ؟ لا أمّ تعجن َ شعري
الطويل بحّنائها الأبديّ ، ولا أخت
تضفره . من أنا خارج السور بين
حقول حيادية و سماء رمادية . فلتكن
أنت أُمي في بلد الغرباء . و خذني
برفق إلى من أكون غدا

من أكون غدا ؟ هل سأولد من
ضلعك امرأة لا هموم لها غير زينة
دنياك .أم سوف ابكي هناك على
جرح كان يرشد غيمي إلى ماء بئرك ؟ .
خذني إلى آخر
الأرض
قبل طلوع الصباح على قمرٍ كان
يبكي دما في السرير,وخذني برفق
كما النجمة الحالمين إليها سدى
وسدى

وسدى , أتطلع خلف جبال مؤاب,
فلا ريح ُترجِع ثوب العروس.أحبك ,
لكن قلبي يرن برجع الصدى ويحن
إلى سوسن آخر .هل هنالك حزن أشد
التباسا على النفس من فرح البنت
في عرسها ؟واحبك مهما تذكرت
أني نسيت الصدى في الصدى

ألصدى في الصدى,وانتقلت إليكَ
كما انتقل الاسم من كائنٍ نحو آخر.
كنا غريبين في بلدين بعيدين قبل قليل,
فماذا أكون غداة غدٍ عندما أصبحُ
اثنين ؟ماذا صنعت بحريتي ؟ كلما
ازداد خوفي منك اندفعت إليك ,
ولا فضل لي يا حبيبي الغريب سوى
ولعي ,فلتكن ثعلبا طيبا في كرومي,
وحدق بخضرة عينيك في وجعي.لن
أعود إلى اسمي وبريتي,أبدا
أبدا
أبدا.

* من ديوان سرير الغريبة
محمود درويش/1999

سيقول"كنتُ أعرفها"

اضحكوا اضحكوا عليّ
أيها الناس في كل مكان
وخصوصاً يا من أنتم هنا
لأن لديّ أشياء كثيرة لا أجرؤ
على قولها لكم
أشياء كثيرة لا تدعوني أقولها لكم
فرحمة بي


غيّوم أبولينير
Apollinaire


كم أنا سعيدة لأجل ذلك..
فرحة كما و لو أن شيئا جميلا ينتظرني في مكان ما و زمان محدد.. وردة حمراء مخبأة في كراسة مراهقة.. سيارة أجرة صفراء تقف مخذولة تحت عمود الضوء.. قطار بطيء يمر ولا يمر.. غيوم تتعرى عن شمس تتقطر عسلا..
يسيل من جسدي سائل فضي يشبه الماء..
سأكون لعشر سنين, سأكون بين اللوز مثل حسين البرغوثي, عشر سنين فقط..
لستُ عرافة و لا دراية لي بعلم النجوم..
ثمة قدر تكتبه روحي و تترجمه يداي لنقرأه معا, ستقرئين يا أمي دموع القدّيسة, لن تعرفي لماذا, سأقول لكِ بأمل أن الحياة لكِ و لكم جميعا.. يكفي, هذا يكفيني وكثير عليّ ثلاثون عاما بلياليه و جنونه و حماقاته..
بعد عشر سنين سيفتقدني الليل, لكنني بالرغم من ذلك سأترك للعتمة عتمتي, الخيوط السوداء التي نسجها السهر حول عيوني..
بعد عشر سنين سيمر أحدكم عن قبري و يقول بأسى غير مفيد ” كنت أعرفها”.
لن تكون القدّيسة و لن تكون هنالك أسرار تشغل صديقاتها و سأتوقف للأبد عن الكتابة بحب وصخب..
معي عشر سنين,
الصبيّة ستكتب مذكراتها كل ليلة حتى آخر ليلة من عمرها. إلى أن أنتهي سأقول أشياء كثيرة تخصني و ربما لا تعنيكم لكنها ستؤذيكم..لأنها فاضحة و جريئة و مجنونة.
احذروني إني أخاف الله!

أشياء كثيرة متروكة

سبحة بألف حبة خرز مرمية على سجادة جدتي, تلمع الحبات مثل شعاع أزرق يؤدي إلى الموت..
كتب الجامعة مبعثرة على الأرض و فوق المكتب..
أقلام الحبر الأسود السائل و الألوان الخشبية مرصوصة في الأدراج بترتيب مدهش لكنه غبي..
رواية” أنا وهو” لألبرتو مورافيا نائمة تحت وسادتي بصخب.. قصص لم أقرأها تسهر تحت ضوء الأباجورة, تنتظرني بحزن..
أشرطة الفيديو و ال CD و لوحة المفاتيح القديمة و الراديو و اسطوانات الموسيقى..جميعها مكسو بالغبار, ترمقني من بين الأغراض المهملة بلؤم و خبث ضعيف..
صندوق الأحذية و الجوارب الملونة موقعه يؤذيني و يسبب لي التشاؤم.. اللون البرتقالي سيء جدا لأنه يذكرني بحب غسان كنفاني لغادة التي أكرهها بالرغم من أنني أحب قصصها..
قصائد مكتوبة على ورق يشبه السولفان, أبيات لنيرودا و لوركا و المتنبي.. موسيقى باخ و بيتهوفن..
الفراغ الغليل تحت سرير..
امتلاء سقف الغرفة بعيوني المفتوحة للسهر..
تنورتي القصيرة و قميصي المورّد و قفازات الشتاء و ملابس أخرى مطوية في الخزانة مثل رسائل لا تخصني..
المدفأة المطفأة التي لا تشتعل إلا من نار جسدي..
احتراق الشبابيك من أنفاسي..
لوحات غوغو فان المصلوبة على جدران الغرفة..
رائحة البحر القادمة مع الأمواج و الأصداف و الطحالب.. الأسماك و الحلزونات البحرية.. أتقوقع في صدفة مثل أذن طفل ينصت بتركيز إلى صوت البحر في صدفة أصغر من كفيه..
أشياااء غير هذه لم أذكرها لأنها كثيرة, لا يمكنني حفظها و لا أستطيع سردها في لحظات..
مساء الخميس
11-6-2009

الكلمات التي بقيت معي

لا أريد أن أقول كل شيء مرة واحدة, أخاف أن يأتي يوما أصبح فيه بلا “قول”.. و ينام لساني فلا تسمعون لي صوتا..
قلق الصمت يراودني منذ أن أصبحت مثل حسن ” وحيدة القلب”. لم يعد لديّ ما أتحدث عنه. كل الأحاديث التي يمكنني ثرثرتها ذهبت في جيب قميصه و رحلت إلى مدينة ليت اسمها”غزة”..
الكلمات التي بقيت معي قليلة..
سأصغي إلى البحر كي أحفظ كلامه و أقوله..
9:49 مساء الأربعاء
10-6-2009

أسرار القدّيسة

أعرف أنكَ تقرؤني و أعرف أنكن تقرأنني و أعرف أن كثيرون يمرون هنا و يقرؤون مذكراتي و تنبؤاتي و تهاويلي الغير منتهية.. تتصفّحن أوراقي الخاصة و تفكّرن في كل ما أكتبه عن الرجل الذي أدعي أنه “مجرد ظل يرميه القمر على سريري كل ليلة”.. تتركن أحزاني على الورق و تنسنَّ كل ما أكتب..كل ما أكتب, تلتهمنَ حبي و تخدشنَ خصوصياتي و تسرقن أسراري. دموعي تبلل الغيوم… تزدحم الطرقات بأنفاسي الملتهبة.. سيارات الأجرة تحترق من نار شوقي.. لماذا يا صديقاتي لا تقرأن كل هذا؟. قلتُ لكنَّ دعكن من ذاك الرجل و انتبهن إلى فجواتي و آباري العميقة..
وحدكِ يا سحر ستفتحين شبابيكا أخرى على قرميد ليلي ..
وحدكَ ستبعث رسائلا إلى سكان الأرض كي يعرفون المجهولة “أنا” و يكتشفون معك الأطلنطا الرابض في الصبية..
سأكون مغرية حدّ البكاء و ستحب أنتَ مراسلة العالم لأجل تلميذتكَ السمراءْ..
كل ليلة سينتظر القاطنون أطراف الأرض و جميع سكان العالم رسائلكَ, و في الصباح يفتحون بريدهم بلهفة ليقرأو منك ما هو أحلى من مذكراتي.. لا يهم أن تكون الرسائل عني, سأتنسّم معهم جنونك و سأقطف من قصصك فاكهة الأمنيات و شبق الأساطير..
المكاتيب ستصل و سأغرقني بكَ كأنك تسونامي عطشي..
لا تنسَ. اكتب لي و ضع في بالك أنّ رسائلك و قصصك سأوزعها على زميلاتي في الجامعة و أقول لهنّ: “من القمر”. سيتعامزن كالعادة و تقول منى باستسلام” صديقتنا جنت”.
تلغي صديقاتي كل المحاضرات ولا يحضرنها إلا بعد أن تقول لهن منار”إذن كان على سريرك ليلة أمس ظل ذاك الرجل”. يشهقن!