استشعار

العصافير تستهدف ورود مزهريتي
أتكئ على شرفة البعيد
التي سرقتُها من غرفته ذات حلم واهن
يداي تختلسا النظر إلى أشيائه
الروايات
الوسادة
سلك التنجستون المرمي تحت جثة المصباح
أشياء كثيرة أحببناها معا
و تشاركنا في ابراز ديكور حبنا الغريق
.. قادتني تلك الليلة إلى ذكريات

.

.

.

يوم السبت.. ذات سبت


يوم السبت
يزدحم قلبي بالأحزان
في العالم الآخر يضحك آخرون
يعتقل الياسمين موج و ضباب
أذهب إلى الجامعة بتذمر
أحضر المحاضرات بكسل و أتصوّف في دعائي بأن ينهي الدكتور محاضرته المملة
صديقتي تشدّ شالتي الزرقاء بلون سماء بعيدة أو بحر قريب
سيارة الأجرة تتعطل في منتصف الطريق
أتشاجر مع الطريق الترابي المؤدي إلى بيتي
الحجارة الملقاة بين الحفر الصغيرة تحتضر
أعمدة الضوء تبدو مثل قراصنة الفراغ
لقد تعبت من يوم السبت
ففي مثل هذا اليوم مات لي الكثيرون
و توالت عليّ أرواحهم مثل شعوب وُجدتْ لتبحث عن أراضيها
أُطل من بين يومي
إلى خواء واسع
نظارتي السوداء لا تصنع لي ليلا في عيوني
الليل نائم
يفترسني شوق و هذيان أقوى من الوباء
في يوم السبت
أصابني أمر كبير
كان جميلا
كان
ك. ا. ن.

أنصاف

له عينان, لكل عين لون, العين الخضراء تضحك و تقول جملا يطفح منها نبيذ معطر, العين الرمادية دائما تبكي.. هل بكى أحدكم و أحس بأن دمعه يسيل من عين واحدة فقط؟. نظره سليم, لكنه غريب و يصنّف ضمن حالات شاذة لم يكتشفها العلم و الأطباء و لا تفسير لسرها العجيب, يرى الشيء و نصف آخر من الشيء نفسه, فمثلا الكتاب الموضوع على الطاولة, يراهُ كتابا و يرى إلى جانبه نصفه, البنت التي تنتظر تغير اشارة المرور يراها بنتا و إلى جانبها يرى نصفها: يد و رجل و نصف وجه.. و هكذا. هو يعتقد أن رؤيته للأشياء ناجمة عن حزن بعيد, لكنه لم يحزن في حياته على شيء يستحق الحزن الساحق.
الرجل يدخل باب و يخرج من آخر, يداه تفتحان نافذة و تغلقان أخرى.. يقطع شارعا و يجلس على الرصيف, يرسم بحجر الجير الأبيض على الجدران وجوها مشجّرة, يمحوها و يرسم عيونا.. عيونا عاقرة و عيونا تجهض غموضها بعسر و عيونا صامتة مثل كنيسة مهجورة.
ذات خريف ضبابي, خرج الرجل من بيته ليتزوج امرأة, أحبها بطريقته, (أنا لا أعرف قصته معها, فقط أنقل لكم ما رأيته في تلك الليلة), تحركت قدماه تجاه درج العمارة التي تسكن فيها المرأة, صعد الدرجات القليلة حتى وصل شقتها, طرق الباب, و حالما نظرت إليه المرأة من العين السحرية؛ ارتجفت يداه و صارت أعصابه ترتعش مثل أسلاك كهربائية ممسوسة, ركض على الدرج و هرب من العمارة و من المنطقة كلها, كانت يد الريح تضرب وجهه فيشعر بصفعات قوية تهزّ جسده و توقظ ذبوله, حين نظرت إليه المرأة من العين السحرية رأى عينها البنية و نصف العين, خيّل إليه أن النصف البني الآخر قفز إلى عينيه و جعله يرى في هاتيك اللحظة غابة رموش شوكية تنخز لحمه و يسيل منه دم جاف..
في تلك الليلة رأى الرجل مدينته و نصف آخر منها, كان “النصف” يبدو مثل قصر معتم, يتسلق أسواره رجالا يتقمصون شخصيات تاريخية, أغلبهم كانوا ملثمون, منهم من كان يرفع رايته الملونة التي أعلن عبرها حكمه على القصر, و منهم من هتف باسم الله و بذلك نشر الإسلام في قصره..
لم يحتمل الرجل وقوفه ساهما أمام كل ما يراه, كره عيناه الغبيتان, نظره الأبله, أحاسيسه المتلعثمة, لثغة حركاته, قبضت يداه سيفا و طعن بطن الأرض, انبلج من بطنها نورا ساطعا, رأى نصف النور يبكي عتمة, بكى الرجل و صار يجري في شوارع المدينة.. يجري و أنصاف الكون تجري وراءه.. كان لكل شيء نصف آخر, إلا “هو” لم ينتصف لأنه كان “نصفا” !.

أرض مذعورة

في هذه الليلة الأطول من أي ليلة مضت بدون أي موت, أتابع سهري الحزين, أكتب مذكراتي الخالدة , أكتبها لأجل احساس غريب ينمو بداخلي, يكبر مثل فسائل مشتعلة بنار أرض مذعورة.. يتراكم دمع في حنجرتي, أكاد أختنق, أتظاهر بالثبات, أسعل.. يوما سأذبل و أعاني من الفيء, سأكون غيري لأن الشمس نماذجي الباهتة عن الحياة.. أبكي ببطء, و ببطء أحوّل قلبي إلى ليمونة, غدا سيعتصرها رجل ما, أنا لا أحبكَ لأنكَ قريب من غربتي, أشم ياسمينكَ و قد فاحت رائحته بين ممرات شهقتي, أقول.. ابتعدْ, مغامراتي مع لهاثكَ انتهتْ, كنتُ صغيرة و ما زلتُ, هكذا فتيّة لن أفهم ما توشوشه جارتي عن أول ليلة من عرسها.. فاعذرني إذا ما اندفعتَ لموجي, فأغرقكَ حتى الندم..

الواحدة منتصف الليل!

عابر على الذاكرة




ترتجف أكرة الباب ,من أصابعٍ اعتادت التواري خلف جيوب المعطف, من شيء أو جسد مختبئ خلفها..
كنت وحيدة, أنا و البرد في الغرفة, و المطر في الخارج يصهل؛ بل ينوح مثل سماء الصيف..
كنتََ الحادي عشر بين أصابع الغياب,
لم تكن سوى رجل عابر على الذاكرة
فالعابر..ون يتساوون مع الخالد…ون
في : التكدّس على أرصفة المدن المزدحمة
بالأغنياء ..بالفقراء..بالمدمنين ..
..الخ !!




2006

… بعدد أصابع يَدان


1
من شرفة الذهول أراه: يمشي ببطء, على كتفيه حمامتين, الشوارع التي يمرّ عنها تتحوّل إلى هديل !

2
يا إلهي, عن ماذا أحدثكم؟ أقسم أنني رأيتُ زوبعة تشق قميصه, الأزرار تساقطت على الأرض و تحوّلت إلى ألف عين زرقاء, ما زالت تلاحقني حتى هذه اللحظة.. صباحا حين خرجَ عامل النظافة إلى الشارع, وجدَ ألف وردة متناثرة على الأرض بين الرصيف و الشارع و تحت شرفتي التي اقتحمها ذاك الرجل.

3
كانت معك مجرد قصة قصيرة تستحق القراءة بمتعة و لا داعي لأي حزن أو ندم أو صلاة!

4
في حبة الفستق: وجد شفتيها !

5
الذكريات الجميلة تجلب لي التعاسة

6
فتحتُ نافذتي فرأيتُ الناس يتبخرون, لم يكن الجو حارا, كنتُ مصابة بالحمى !

7
امرأة كالمغارة, تفتح بابا على شفتيها, تقول للظلام سرّها, تدوِّر أصابعها على سُرة الأرض, تلاعب ترابها, تزرع كلاما و ربيعا أصفرا للماضي..

8
ماذا لو سميتُ البحر سماء و طارت الأسماك في الأعلى حيثُ حوّلتُ السماء إلى بحر.. هل يتغيّر موطن الغيم و يصير الموج فراشة بيضاء تشع في وهج الكون!

9

ليلة أمس غفوت على يد أمي, حلمتُ أن رأسي الناعس على يدها قد تحول إلى كمنجة, و حين صحوتُ وجدتُ تحت رأسي خمس نغمات بعدد أصابع يدها..

10
المزيد من الليل كي أسهر.. المزيد.. المزيد.. المزيد كي لا أنام, أنا امرأة فقط لليل.

أسنان تعيسة


في عيادة الأسنان, استرخى في مقعده كالمخدّر, معلّمة مادة الأحياء كانت تنتظر دورها مثله, كانا يجلسان مقابل بعضهما, يفصلهما باب غرفة الطبيب الخاصة بالفحص, وضعت يدها المتوترة على فكّها الأيسر, فكّه الأيمن كان يبدو منتفخا و مترهلا مثل حبة خوخ طرية جدا, لم يكن في العيادة أحد ما سواهما, مرّت ساعة على انتظار دور أحدهما, حركاتهما على المقعد متعَبة, الملل وجد خصوبته فيهما, تكاثر الضجر, همّت بالخروج, الرجل يتلفت حوله, رآها تجر قدميها الثقيلتين ببراعة امرأة اعتادت على ألم الأسنان, تبعها.. اقترض القدر صدفة أن يركبا نفس سيارة الأجرة, لم يتعرّفا على بعضهما, ريح خفيفة تقتحم أنفاسهما المهملة, قبل أن ينزلا لمح وجهها في المرآة الأمامية للسيّارة, أحسّ بحقل مطر يحصده الندم, لماذا لم يسألها عن أي شيء يتعلّق بها؟, على الأقل اسمها!. . عاد إلى بيته, دلف إلى المرآة, سأل وجهه: أي فهرس سيدلني على اسم تلك المرأة.
صار الرجل يذهب إلى عيادة الأسنان كل يوم, حتى بعد أن خلع آخر سنّ من فمه, في آخر عمره أخبره الطبيب أن المرأة التي يبحث عنها(الرجل) كانت تأتي إلى العيادة كل يوم و تأخذ أسنانه التي يخلعها, لتزرعها في فمها, دائما كانت تقول: فقط لو أعرف من صاحب هذه الأسنان التعيسة . !