أرصفة و قتلى على الطريق

( أصيرُ كما تحتاجيني أن أكون / حجر الورد- حسين البرغوثي )

[ إلى الذي تتصفحه الشوارع.. أنكيدو؟ ]

*
و أنتَ عائد إلى بيتكَ مثقلا بالوحدة و البرد, سِر من أطول الطرقات و تذكّر تعبي..

*
الأرصفة التي تعيش في ضياعكَ, أعطني متسوّليها لأضيع فيكَ أكثر,
و تذكّر أن قليلا من المدن ترهقني..

*
مثل أمنية تجيء قبل الموت,
يطفو في خاطري مركب تتسرب إليه مياه يديكْ..

*
الغياب فاتن و قاتل
تمرّ على باب ليس لبيتي
أطرق حضورك
يُطالعني الفراغ
أقول شكرا لأنكَ كارثة لوجودي

*
الريح قصّت شَعري
يا لهول العراء
حلم
أعطني حلما واحدا فقط كي أنام
و أتراجع عن كل هذا الانتظار

*
عندما يتقدم بنا المكان
تصبح رائحة الوطن قديمة
نحنُّ إلى بدائية حبنا
و نزوة ذاكرة
وقعت في غفوة القلب

*
أمسح عن تعبي وجهك,
تماما يُشبه الشبابيك.

*
نهضتُ قبل الموت بقليل و قلتُ ” هاتووه إليّ.. أريده أن يكون معي آخر قتيل “

صباح بارد

البرد يجتاحني من كل شيء, من الشتاء و من المقعد الخشبي و من صوت عصافير هذا الصباح و من الدفاتر و الكتب و الذكريات.. من أشياء كثيرة أعرفها و لا أعرفها, ألتحف بردي و أكتب مذكراتي, ماذا سأكتب بعد أن تلاشى الدفء؟, ألتقط أوراق شعر لناظم حكمت, أقرأ موته في المنفى و حياة باردة تشعل الظلال نارا, أتململ و أتسلى بقصائد ليوجين غليلفك, خبزه و موتاه أكثر من أشيائه..
يرن هاتفي النقال, أشعر بسعادة هدوء يخترقه الصخب, أزداد بردا, كانت مجرد رسالة وصلتني من إدارة الجامعة التي أدرس فيها, ينبهونني برصد علامتي في مادة الأدب, برد..برد.. أقع في القاع, علامتي أقل من النجاح بكثير, لستُ حزينة على رسوبي, لستُ مبالية بفشل دراسي, صوت الشيخ إمام يرتفع مع قصيدة أحمد فؤاد نجم ” هما مين و احنا مين”؟..
يتصاعد من فنجان فمي بخار بارد, كلماتي تتحوّل إلى عشب ينبثق من بين جروح الأشجار, تنبت في ذاكرتي ليلة بعيدة, قضاها قلب بعيد في الطابق الخامس, وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان, وحدن بيقطفوا ورد الزمان..
كان قلبا مريضا و لكن لم يُغلق الغابة.. انتشر الأطباء حول السرير و أعلنوا موت آخر نبضة, أتى نبأ من غريب أن احملوا القلب إلى مخيم آخر و قدر أخير.. كانت الساعة الواحدة و كانت غرفة رقم 207 تلعق نبضات قلبي, هل تذوّق أحدكم طعم ليل لا يعني ليل الكائنات؟ .
تلتف الطرقات حول رأسي,
فيروز تغني و أنا أدعي الدفء
بارد هذا الصباح ..

صباح الاثنين
8/2/2010

لن ترو حلمي/ لمهيب البرغوثي


● ● ●

لن ترو حلمي

1

لن ترو حلمي
فرأسي
فارغ
والنهر يمر منة
وعلى ضفافه تعيش
الخرافات
بالامس فقط
مر الجنود
على بقاياه

2
ايمكن تحويل الاهناك
الى فراغ من اللا شي

3
بقداسة بوذي
اجلس امام المقبرة
احتسي البيرة البارده
واحلم متى سيجلسون
قربي
لاحرس حلمهم

4
مسرعا نحو ماضي
لاسقط الذنوب
عن كتفي كنت
ككلب صيد يستيقظ
فجأة
فيرى المدينة
مطفئة ابدوا
احيانا

5
الناس احذية العيون

ـــــ

أنا لا احد

لا ظلاً أساوره الشكوك ،
ويتبعني منزعجا ،
لا تاريخا احمله أسباب فشلي

أنا لا احد
لا أما
تتحسس صباي وترفع غرتي حين يداهمني الحلم
أما ، ترثي أخطائي

أنا لا احد
لا أبا
اخجل من نظراته حين أعود ثملا
لا أبا اسرق منه سرا مصروفي اليومي
وسر الرجولة ،وتعويذة المساء

أنا لا احد
لا أخا اسر أليه أسرار الصبايا وابكي بين كفيه

أنا لا احد
لا أختا
أراقبها حين يهديها حبيبها وردة

أنا لا احد
لا عائلة احمل عنها أعباء الطريق
واحملها دمي

أنا لا احد
لا قبيلة أدافع عن شرفها وأتاجر باسمها

أنا لا أحد
أنا لست سوى موتٍ يجمع ضجيج الكلمات
حين أمر كغيمة بين السحب

* مهيب البرغوثي:
شاعر و مصوّر فلسطيني

يوم ربيعي/ لحافظ البرغوثي

● ● ●
كان نهارا مشمسا في ذروة الربيع الأخضر.. لا تتثاءب وناظرك يتدحرج فوق البساط الأخضر.. هذا اللون الملائكي يطرد بقايا النعاس عن عينيك.. وثغاء الاغنام وهي تطارد الاعشاب الغضة يختلط بأغاريد الطيور.. يا له من من يوم ربيعي يفرش ساحته الزمنية أمامك لكي تستوعبك لا أن تضيعها داخل حجرة عملك في المدينة المشبعة بالنفاق والدجل.. تقول في قرارة نفسك إنه يوم أثمن من شهر فكيف أحرق مساحته الزمنية في الطرقات من وإلى المدينة وفي تداول الاوراق والمعاملات والمقالات والصفحات.. اهبط الى الحقول.. استلق على الاخضر غير الرنان.. ذاك المخملي الملمس ذي الرائحة الانثوية الشبقة رائحة الارض وعشبها.. اطلق اغنامك لكي ترعى.. وأرع معها.. تناول اغصان السيسعة واوراق العليتش والمر والمرير والقوص.. ففيها فائدة للجسم لعلها تنقي الدم وتنشط المعدة.. تأمل دورة الحياة لدى النبات وتفكر في خلق الله.. كل الأنبياء تداولوا الطبيعة وأفضت بهم الى يقين الايمان.. كل الانبياء حملوا عصا الرعي ورعوا أغنامهم وذاقوا مرارة العشب.. قبل ان يحملوا مشعل الايمان ويذوقوا مرارة الانسان الكافر.
النهار الربيعي الجميل يجب ان نضن به على العمل.. فلننطلق فيه الى الطبيعة تطهر نفوسنا من ملوثات العصرنة والعولمة والمجتمع المدفوع الى موبقات النفاق.. ولهذا اختار القدماء اعيادا لهم في ذروة الربيع.. كشم النسيم لدى المصريين والنيروز لدى الفرس والاكراد.. وخميس طلعة البنات وخميس صباغ البيض لدينا.. إنها أعياد للاحتفال بالطبيعة وهي في ابهى زينتها..
في الليل الربيعي المتألق يتزامن اكتمال البدر والسماء صافية الا من نسيم طازج.. يا له من ليل فضي صاف يليه نهار مشمس.. تستطيع ان تتفكر في الافاق.. وان تستلهم العلم من السماء وعندما تنام يسكب القمر اشعته عليك وأنت مستلق على سريرك.. وكأنه يدعوك الى إكمال السهر والتدبر في ملكوت الله.. ففي مثل هذه الليالي عثر المفكرون على الحقيقة.. وانتشى الانبياء وفرح الفلاسفة.. وغنى العشاق.. وتهجد المتهجدون وفتح النساك قلوبهم بالايمان.

* حافظ البرغوثي:
كاتب فلسطيني
رئيس تحرير جريدة الحياة الجديدة

أحيانا أحب العالم

(لا أحد يمنع الموت)

● ● ●

اليوم أنا مدانة بالكثير:

بالمهرج الذي يستفزّ بكائي،

بالضحكات العالية الصادرة من عقول متخمّرة،

بسماعي لكلام يؤذي صمتي،

بشاعر بشع وقاص نكد،

بالأغبياء الذين مروا بي،

باللابتوب والهاتف النقال،

بتكنولوجيا الاتصال،

بعلوم الأحياء والفيزياء والكيمياء،

بنساء صغيرات يشتكين همومهن لرجال ليسوا في مدنهنّ..

بأسماء معانيها أقل من حروفها

ببنت تخربش على شجرة عريضة

بأطفال يلعبون تحت شرفتي وينتزعون ذكرياتي

بسطح العمارة والأقمار الصناعية

بأمومة أصابعي

بفشلي في كمش الأوكسجين

بأبواق السيارات ونقيق البائعين

بأصوات الحيوانات (العواء خصوصا)

بأفكار ضيقة

بقصائد وبيوت وأسرار

اليوم أنا مدانة بوجودي في هذا العالم!


اللامؤدب !

المزيد من الليل..
المزيد من الشوارع أيتها المدينة
صوتي غير موجود
الكلاب تتكلم عني
أتسمعين أيتها المنعطفات نباحي؟
وهل تعرفين لماذا عليّ أن ألقي التحية على هذه الحظيرة؟:
أصدقائي طواويس وثعالب.. وأحيانا بشر
يجتمعون في نفس المقهى
يَشبع الهواء من ثرثراتهم الفارغة
غيبة أشد لعنة من نميمة النساء
في لحظات يأكلون لحوم الآخرين
ويتركون لي عظامهم
أكون وحيدا
أعود إلى بيتي
أو لا أعود
بيوتي كثيرة
من بينها الأرصفة
أصنع من خطوات المارة وسادة
ومن البرد غطاء
أركل الكرة الأرضية
أعوي للعالم
وأنام.

قصص ونسيانْ

أمّهات
في الوقت نفسه الذي كنتُ أحلـم فيه بأمي، كان الجندي يحلـم بأمهِ. حين صحوتُ رفعتُ رأسي الذابل عن ضريح أمي، الجندي كان متيقظاً لغفوتي الـمطاردة، كان يراقبني بمكر وينتظر خروجي من الـمقبرة ليستجوب رخامَ القبر، كان الصمتُ مسلحاً في تلك اللحظة… وددتُ لو أسأل الجندي: في أية مستعمرة تحيا أمكَ؟.

بندقية
اعتقدتُ أن الجندي يُقبّلني؛ لكنها كانت فوهة البندقيّة تستقر على صدري.

ثقب
النافذة التي ضاعت في بيتنا القديم، وجدتها اليوم في ثقب مفتاح خزانتي، كانت عمياء وتحتاج إلى غرفة لا أعرفها.

عروس حيفا
لـمّا أكبر بدّي أحب شبْ يكون اسمه غسّان، نتجوز ونرجع مع بعض ع حيفا.

قصص
الرجل الـمجنون الجريء الذي يتسلل من درج البيت إلى غرفتي، يسبب لي الـمشاكل، لا، ليس مع أهلي، بل مع ضجيجي وهوسي بقصص شفتيه…

تذْكِرة نسيان
قبل أن أطأ بوابة الجامعة، تذكّرتُ أنني لـم أنتعل حذائي، نظرتُ إلى قدميّ بشفقة، كانتا متسختين وقذرتين. أساتذتي يدخلون الجامعة و لا ينظرون إليّ، الطالبات يلتفتن نحوي بغرور أبله، لـم أخجل من عريي وشعرت بفخر غريب لـمجرد أنني قررت دخول الجامعة حافية القدمين… عندما عدتُ إلى البيت وجدتني أخلع من قدميّ حذائي، كأنني سمعتُ أخي الصغير يصرخ “إنها تقطع قدميها”!.