ترابك يا وطن

ليلة أمس تركتُ شباك الغرفة مفتوحا لتسللكَ, فأصبتُ بضربة قمر..
ربطتُ جديلتي الطويلة بطرف الشباك كي تأتي بطريقة قصصية لكنّ الريح قصّت شعري..
و بقيتُ أنتظركَ مثل شُرفة في كُم المخيم, أعدّ النجوم كي لا أنام, أقول هذه العتمة وحيدة مثل كوخ بعيد, و أنام في ضوء دمعتي..
أعطِني عينيكَ, أريد أن أرى زقاقا غير الذي يعود منه أبي آخر النهار برغيف خبز و قطعة جبن من حليب ماعز ليس من أرضنا..
أو
دلني على رصيف يديك, حتى أمشي بثوبي المطرز إلى نبعة صغيرة تتجمع قطراتها الأخيرة بين أصابعك.. أغسل بها وجهي من آثار غيابك, و أواسي حضوري بفجر بارد يحمل اسمك..
….
أعرف أن الله واحد, و أنّكَ كثير بي, و أن السماء بطبقاتها السبع فيها ألف ليلة و أنتَ..
تخيّل إذا النجم هوى؟.. إذا لم أتعثر بالمخيّم.. أحلى ما في اللجوء أن الحب فيه وطنا لا يلغي فلسطين.. تخيّل.. أيضا تخيّل كيف يتعطّل بحر غزة إذا سرقَ حنيني إليكَ منه موجة!, أنفاسي تنفخ الريح في أشرعة السفن, يبحر الصيادون إلى جهة رسالتي مع زجاجة تتمزّق فيها ورقة و تبهت ملامح الحروف الأولى من اسمي..
….
أتذكر ذات لقاء عند نقطة التفتيش, قلتَ أنّ عنقي قد تغيّر, و صار يُشبه سلما وحيدا في قصر أميرة مهجور, لم أخبركَ بأنني صنعتُ من كريات دمي عقدا حول عنقي… أقول ” هذه أسماء اخوتي الشهداء”..
كنتَ تنقّي صوتكَ من الحزن, و تعلّمني بضحكاتك الحالمة دروسا في المحسنات الترابية..
….
منذكَ, صارت ضحكتي كرم عنب و الكلام عنك زيتا في مشكاة المخيم .

حين أستيقظ ينام العالم

الليل كائن مجهول تقمّص شخصيتي,
أكلتني النجوم
الآن أنا ضوء يرى كل العالم
الجنود و البنادق
البحر
السلام
الحرب
حتى إنني أسمع حكايات الجدّات
إنها تصلني مزدحمة بنعاس الأطفال
حسنا,
سأروي لكم قصة تحوّلي
في الأصل كنتُ نهارا جميلا
( كان من الممكن أن أكون الآن عشبة تنبت في مكان بعيد..
حيث لا شياطين)
لكنّ الشمس خبّأتني وراء ظلها
اختفيتُ كالغياب في اسم وردة
و حين أستيقظ ينام العالم
ليلي طويل
منذ الأزل
انهضوا أو لا تنهضوا !

القدّيسة النائمة في بنفسجة متعبة

اشتقتُ إلى هذه المساحة الضيقة من الفرح, تنحشر بين شهقاتها حبات لعاب مز, تلطخ أصابعكِ و تسيل حتى سجادة صلاتكِ..
اشتقتُ إليكِ, تخربشين زجاجات العطر بأنفاسكِ, ترسمين بعينيكِ وجوها كثيرة للشمس, أجملها سعادتي بالسمكة التي تسبح في مكان ما من جسدكِ..
البحر في صخبكِ لا ينطفئ, يُشعل فتيل الموج فتلتهب مراجل الكون إذا ما لامس ماؤكِ شاطئ الصحراء في رجالهم.. أنتِ يا القدّيسة النائمة في بنفسجة متعبة..
أهلكتِ ظِلّ العمارة بخطواتكِ, كل صباح تمرين عن الباب, ابتسامتكِ الطفلة تُقاس بتهوّركِ في تحيّات الصباح للعصافير, كلمات غير مرتبة, ترمينها للطيور, و لا تلتفتين إلى العمارة..
يركض الشاب مسرعا, الدرجتان يختصرهما في درجة, حتى آخر الدرج, يتذكّر أنه لن يجدكِ.. أينَ تختفين؟ أي منعطف يبتلعكِ؟
اشتقتُ إلى باقة رمل من أرض جسدكِ, مثقال ذرة منكِ تحيي الفرح و هو رميم..
شجرات الحي, نحلات الخريف, سيّدات الصيف, شعراء الغيب, أنتِ.. أي شيءٍ تشبهين؟, الشعراء في مرض مزمن في وصف عزلتكِ.. أي شاعر أو مجنون يستطيع انتشالكِ من بين جثث الفراغ و ركام العتمة؟
اشتقتُ..

كعبة الأحزان و البلاد

● ● ●

لا تخلعوا أكتافكم لبكائي, أنا حزينة جدا, و أريد أن أبكي على كتف الله فقط..
ففي 15 أيار تصير دموعي عناقيد عنب, و وجهي كروما خضراء, و يدا حبيبي على يديّ تدُقّان باب القيامة..
جدّتي تحوّط الدار بذراع الذكريات, كان لنا حقل و نبع و مختار, و بين الأحراش ثمة فلاحة فلسطينية تموّل لشاب ظريف الطول..
و أنا هنا لا أقول ” تعالوا أحكي لكم عن فلسطين” !
فلسطين كعبة الأحزان و البلاد, كل يوم يحج إلينا شهيد.. قوارير الورود مهددة بالقصف و عصف غضبنا يهز جذوع النخيل, فيثمر الحجر في يد الطفل تمرا و يولد من نار أجسادنا ألف قتيل..
على سور عكّا ارتاح الموج, البحر مشغول بكتابة رسالة إلى ميناء غزة, مثل الرُسل كانوا, يا ويل الليل من عشق يضخّ الدم في أوردة الأرض..
عندنا بين الليل و النهار اختلاف الروح حول جسدٍ و مدينة مزيّنة بضحكات النساء.. هذا يعدّ أصابع يديه قبل مصافحة الشمس و هذه تتفقّد ساقيها بعد رقصة الوداع.. ربما سوف تغني العصافير و يرجع لون الصباح إلى فناجين القهوة..
قليلا من البرد و كثيرا من أمي.. النعناع ينبت في جدائلها, و الريحان يفوح من حضنها, أمي التي ترعرعت في عمرها ستون نكبة و كوكبان من الأمل و الحلم المتعربش في وتد الخيمة.. الأم التي تذهب كل خميس إلى قبر أخي الشهيد, و تسلّم على أصدقائه الشهداء و توزّع الآيات و الياسمين على كل القبور.. تقرأ الفاتحة نفسها التي ننطقها مثل الشهادة.. نتعلّم فلسطين في كل حين و قبل الحبو إلى زهر الحياة..
قفوا نبكِ من ذكرى حبيبٍ و موطنِ..
من ذاك الزقاق عرجتُ إلى صخرة الحياة و حملتُ الوطن حبا على وجع,
كان لي شمس و وطن, و الآن لي ليل و مخيم.. و غدا لي كل شمس و وطن .

حمّالة الياسمين

و قبيل الفجر يعود إليها ثملا من الشوارع !

1
من حقِّ السماء أن تتأملني, فلا تمنعوها من الهبوط إلى كفي .
و كي تنهضوا من نومي,
عليكم برفع الشمس عن كتفي..

2
أما أنتَ
فاغرق في سبات المدينة
و اصنع من الحلم عقدا لعنق الليل..

3
ذهابُكَ رجوع
حنجرتي عقيمة من الغناء
حتّى تلمس طاقة انتظاري
كُن بردا
لتتقلّص المسافات
مثل سكّة حديد تتوّغل في الضباب..

3
فلسفتي كلها تنتهي على يديك
لكنك حين تَعُدّ أصابعي
أشعر بفيلسوف مجنون
يقفز من تحت أظافري
و يطلي المكان ألوانا خرافية

4
بعض الحب له تاريخ ميلاد
و تاريخ وفاة
إلا الأوطان

5
عند كل ياسمينة تتفتح على قبر شهيد
ثمة أم تنشر ربيع شوقها
بين بساتين الليل

6
حمّالة الياسمين
التي تأتيكَ كل يوم
ها هي تأتيك !
في يدها سلّة الرغبات
فاقطف ما شئت من التفاح
لتعرف كم من الخطايا
جاءت دون ذنب

7
عيناه سرقتا السماء
يداه أعادتا البحر إلى موجي ..
أزرق,
أزرق,
أزرق,

8
و عند الظهيرة,
تدحرجت الشمس على ركبتي..
هكذا تحوّلتُ إلى صيف طويل و حار لصحرائك !

9,10,11,12… إلخ
المزيد من الليل

سيكون العالم بدوني أجمل

( قالت:
أنت ما أريد و ليذهب العالم في فنائه
قال:
حين يحين موت النيازك ! )



1
حين يتحوّل موت الشعراء إلى قصيدة
و القصيدة إذ تتكوّر في فم النسيان
ما حاجتك إلى الوصية؟
سوف يتلاشى جسدك في الفناء
و تأكل الديدان عقلك
أما روحك.. فالكون واسع
و ستظل ترفرف جريحة !

2
سترتاحون مني
سأغادر
و سيكون العالم بدوني أجمل
في طريقي إلى الجحيم
تعثرت بعدن
هناك توقّفتُ
تخلّصتُ من بقايا الأرض
تزيّنتُ بهلاكي
و أكملتُ الطريق الأخير

3
وضعتُ قلبي على سرير
في الطابق الرابع,
فيما مضى
كنتُ أنسى الحب
على درج العمارة
و أصعد إلى البيت
تاركة نبضاتي تتدحرج
حتى تصل العتبة و تضيع في شوارعك

4
أعترف بأنني خائنة
لقد خنتُ السماء أكثر من مرة
و تأخرتُ في وصولي إليها
خوفا من شمس تنصهر على جبهتي
و تسيل نارها من بين أصابعي

5
مقهى مكتظ بجثث الهاربين
رائحة القهوة مفعمة بالموت و الملل
ينزلق صوتك عن الطاولة
يتلوّث بأحذية آخر موتى هذا الليل
أنت ..

6
تطلّعتُ إلى الغيب
فوجدتُ عمري على متن غيمة
يمطر وصايا لأشياء غير موجودة

7
لستُ امرأة العزيز كي أغويكَ
و لا ” نبي” كي تصدق رؤايَ
لستُ سوى خبرا حزينا
جيء به من أقصى السماء

8
كل دمعة تسقط على صدر أمي
تتحوّل إلى بحيرة حليب
آمنتُ بكل الأمهات
و أسلمتُ برجل واحد
غير أبي

9
و مع ذلك
فأنا مُشبعة بفواجع الخلود
أكتب نهايتي ببخار فمي
على زجاج نوافذ السيارات..
شتائم شرطي المرور على المخالفين يمحو نهايتي
ألم تقل لي أن شرطي المرور طيب؟

10
متّهمة بالجنون

حب من غزة

” يا إلهي.. بأي حرية سألتقي حبيبي في الأنفاق ؟ “


(1)
في فمي أمنية أرهقها الحنين :
أيها الموت اعطس ياسمينة الروح ..

(2)
يجتاحني الرصيف بكل ما يحتويه من وحدة
و تيه
ظلّك مطليُّ بالغبار
ترشّ بائعة النعناع ندى الشرفات على خطواتك
تغرس في كل خطوة شتلة
يتحوّل أثر حذائك إلى اصيص,
من بين أصابعك تنبت بوصلة..
و تجرُّ بيديكَ عربة الآثام

(3)
لسنا أصدقاء, كي نقول آخر الكلام..
حبيبان في نطفة اللغة
و الكلام لم يُقال بعدْ

(4)
و أنا أحبك..
أعتذر عن انقطاع الكهرباء,
و أنا أكرهك..
أعتذر عن عطل في شبكة الاتصال,
و أنا أنتظرك..
أعتذر عن سوء المواصلات,
و أنا أشتاقك..
أعتذر عن كل هذا الحصار

(5)
سأجدّف بكل وردة سقطت في دمك
و أنتظر البياض
الوقت القليل الذي ينتظره ليلنا
من أول الطريق إلى ما لا نهاية

(6)
كان عليّ أن أخترع حياة أخرى
قبل أن أفقد أحدهم
لكنه الموت لا يمهلنا الوداع
أحب الرحيل المريض
لأسباب صحية
و أكره علّة الدموع فيما بعد

(7)
رأسكَ ينتعل غيمة
كلما مررتُ بخاطرك
تمطر فكرة
تكتب امرأة و ليل طويل
كن رغبتي في البكاء
و انتعل ملحي

(8)
كل من أعرفهم
يتحوّلون إلى أطفال حين يعرفونني
أبحث عن شيخوخة قلبي
في عيونهم
فلا أرى إلاكْ