ذاكرتها في خاصرة الليل

يتجادلون عن البنت التي تغيّرت و لم تعد طبيعية, يلزمها طبيب أو سفر طويل إلى مدينة لا شحوب يُلوّن أرصفتها..
البنت تتحدّث مع شخصيات وهمية, تضحك للفراغ و تتشاجر مع صديقة مدّت إليها يدها من الخيال و اتهمتها بسرقة ديوان الغجرية للوركا..
البنت تقول ” أنا بخير “
يضعون على جبينها الذابل كيس ثلج, لعلّ حرارتها تنخفض, لكنها ترتفع و تزداد سوءا..
وصَفت امرأة خبيرة في ” أمراض النساء ” دواء و أعشابا غريبة,
البنت تنهض من غابتها على سماء زرقاء, و شمس تجدّل في صباحها حلما جديدا..
يفرحون لأجلها
البنت لم تُشفى من كل شيء
خاصرة الليل مطعونة بالأسرار
ثمّة خيول متعبة ينام فرسانها تحت شجر الليمون
يتساقط عليهم برد عينيها
في المدينة بنادق جفّت في فوّهتها أرواح
بائع ورد يبحث عمّن يهديه وردة
و بنت ما تزال في طور المدى
….. إلخ

زياد و آرثر !

لا أؤمن أن ليل الصيف أقصر من نهاره, بالنسبة إليّ فالليل الصيفي أطول بكثير من أي ليل غيره في الفصول الأخرى, لا سيّما حينما يكون حارا و مملا و ذا رطوبة لزجة تشبع جسدك بالخمول و روحك بالفتور..
كنتُ أخطط لجدول ليلي- صيفي بارد أقضي فيه فراغي و ضجري, كتب الدراسة لا تعني تفكيري و مستبعدة من كل مخططاتي, التقطتُ من بين فوضى غرفتي كتابا, فوجئتُ بالكتاب الذي ضاع كاتبه !:
لدي هاجس غريب أن لزياد خداش يد في رواية ” ماذا لو كانت واقعية ” للكاتب الفرنسي مارك ليفي؛ رواية تقترب من الخيال أكثر من أن نصدق حقيقتها, تتحدث عن رجل يعود إلى بيته فيجد فيه امرأة غريبة تصر على أنها شبح امرأة تعاني من الغيبوبة التامة و جسدها ممدا في أحد مستشفيات سان فرانسيسكو , هذا الرجل هو الوحيد في العالم الذي يستطيع رؤية هذه المرأة و سماعها و لمسها و لا أحد غيره يشعر بوجودها ! . شخصية آرثر تجرنا إلى موكب الواهمين الطيبين الذين يٌصدقون الغياب أكثر من الحضور.. إنها النفس الدافئة و العاطفة الهشة,
الغياب ملاذ الهاربين من الوحدة..
ماذا تريد يا زياد من غيابها !!

كابوس السائل الأزرق

ما هذا ؟ لا أستطيع النوم, فبيتنا قريب جدا من البحر, يفاجؤني الموج مجرد أن أفتح النافذة!, علاقتي بالبحر صارت كالكابوس, ما أن أغمض عيني لأخطف حلما حتى يسرقني هدير البحر الذي يختلط بضجة الأساطيل و سفن المساعدات و الرصاص.. أصبحتُ أكره هذا السائل الأزرق أكثر من ذي قبل, منذ أن ارتوى شاطؤنا بدم عائلة هدى غالية.. وصولا بدم القادمين من خلف البحر.. هل الدم مشروب الحرية!!

الحلوى لا تغرق

أنا خائفة جدا من البحر
مرة قتلوا هدى غالية على الشاطئ و مرة أصيب جارنا الصياد برصاصة قطعت ذراعه فأكلتها الأسماك..
أمي
هذه المرة أنا أكثر خوفا و قلقا من البحر
و أصبحت حذرة من الماء
حتى ماء الصنبور أنا خائفة منه
أمس استهدفوا طيارتي الورقية المحلقة في سماء البحر
و في الصباح اغتالوا أسطول الحرية
أعلن المخيم أن المساعدات تأجلت
يا إلهي
كم يصدّق الصغار أبسط المبررات
لكنني لا أصدق أن الحلوى التي على متن الأسطول قد نجت من الغرق, حتى و إن لم تغرق فإنها قد اعتقلت و ربما صودرت إلى أطفال يهود..
لماذا الأطفال اليهود محظوظون أكثر منا؟
أووه
تلك المستوطنة التي ترتفع برأسها و عيونها إلى مخيمنا.. تبدو أبشع من غول حكاية جدتي, أعتقد أن الحلوى ذهبت إليهم, يا خسارة.. كان مذاقها سيكون حلوا في فمي و سيذيب مرارة الحصار العالقة في حلقي.. كنتُ أنا و أصدقائي نخطط لجمع قطع الحلوى التي تبحر إلينا و نصنع منها بيتا صغيرا لننتقم به من الخيم, أتظنين يا أمي أنهم سيُرجعون الحلوى إلينا؟ المعلمة أخبرتنا أن الأمهات اليهوديات لا يرضين لأطفالهن بأن يأكلوا حلوى ملوثة, استغربتُ من ذلك و قفزت من مقعدي أسأل المعلمة ” و هل الحلوى التي يحملها الأسطول ملوثة”, لم تجبني المعلمة و راحت تكمل شرح درس الاحتمالات..
صديقي قال لنا أن الحلوى حقا ملوثة, لقد تلوّثت بالرصاص و بالغاز المسيل للدموع, ثم سكت قليلا و قال بفرح ” لكن الدم طهرها “, صديقتنا أمل تقيّأت عندما سمعته يقول ذلك, لم تحتمل تخيل مشهد قطع حلوى مبللة بدم الكبار, أما أنا فابتهجت و اطمأننتُ بشأن الحلوى.. حلوى بطعم الدم و البحر و البلاد الحرة.

سأبيع فراشاتي

ما بين أثر الفراشة لمحمود درويش, و الفراشة لهنري شاريير, ثمّة أجنحة تقترح على السماء فتح ذراعيها لسرب من فراشات أفكّر في بيعها لأشتري بثمنها حريتي الضائعة!
حقًّا؛ إنني أتصوّر نفسي بعد أيام و أنا جالسة على الرصيف و أنادي ” من يشتري فراش.. الفراشة بشيكل “, و إن لم يشترِ المارة مني فَراشا, فإنني سأخفض سعر الفراشة إلى وردة, خذوا فراشة و أعطوني مقابلها وردة.. حتى و إن كانت بشتيمة !
هل بيع الفراشات سيكون مشروعا ناجحا في سبيل الحرية؟
صديقتي تصفّق لأجل أفكاري المعتوهة و تصيح ” أخيرا سنقيم في غزة عنبرا للمجانين”

و لماذا؟
قبل فترة اقترحت على الشاعر إبراهيم نصر الله أن يأتي إلى غزة عبر الأنفاق.. لإقامة أمسية شعرية, كذلك يوسف عبد العزيز.. و محمد نصر الله.. كلما تعرفت على شاعر أو رسام, أنهي حديثي معه بدعوة إلى المجيء إلى غزة عبر الأنفاق!, قلتُ لإبراهيم جابر إبراهيم أن يأتي, لكنه يتصوّر غزة مثل غيمة زرقاء بعيدة..
ثم اختفت أصوات شعرائي و تلاشت في هواء غربتهم و لجوئهم.

بقيت صديقتي حزينة على فراشاتي المسجونة, يا كوثر الحرية حمراء و ليست فَراش, لكنني مصممة على فكرتي, و سوف أطوّرها إلى افتتاح شركات و مراكز خاصة لبيع فراشات الحرية.
بذلك؛ من الممكن أن أسيطر على العالم بطريقة مبتكرة و بريئة جدا, لا أعتقد أن محاولات بنكي و برين أفضل مني حينما فكّرا بالاستيلاء على العالم بمختلف الطرق المجنونة و الذكية و الغبية أيضا !

لن أتراجع عن فراشاتي.

ترابك يا وطن

ليلة أمس تركتُ شباك الغرفة مفتوحا لتسللكَ, فأصبتُ بضربة قمر..
ربطتُ جديلتي الطويلة بطرف الشباك كي تأتي بطريقة قصصية لكنّ الريح قصّت شعري..
و بقيتُ أنتظركَ مثل شُرفة في كُم المخيم, أعدّ النجوم كي لا أنام, أقول هذه العتمة وحيدة مثل كوخ بعيد, و أنام في ضوء دمعتي..
أعطِني عينيكَ, أريد أن أرى زقاقا غير الذي يعود منه أبي آخر النهار برغيف خبز و قطعة جبن من حليب ماعز ليس من أرضنا..
أو
دلني على رصيف يديك, حتى أمشي بثوبي المطرز إلى نبعة صغيرة تتجمع قطراتها الأخيرة بين أصابعك.. أغسل بها وجهي من آثار غيابك, و أواسي حضوري بفجر بارد يحمل اسمك..
….
أعرف أن الله واحد, و أنّكَ كثير بي, و أن السماء بطبقاتها السبع فيها ألف ليلة و أنتَ..
تخيّل إذا النجم هوى؟.. إذا لم أتعثر بالمخيّم.. أحلى ما في اللجوء أن الحب فيه وطنا لا يلغي فلسطين.. تخيّل.. أيضا تخيّل كيف يتعطّل بحر غزة إذا سرقَ حنيني إليكَ منه موجة!, أنفاسي تنفخ الريح في أشرعة السفن, يبحر الصيادون إلى جهة رسالتي مع زجاجة تتمزّق فيها ورقة و تبهت ملامح الحروف الأولى من اسمي..
….
أتذكر ذات لقاء عند نقطة التفتيش, قلتَ أنّ عنقي قد تغيّر, و صار يُشبه سلما وحيدا في قصر أميرة مهجور, لم أخبركَ بأنني صنعتُ من كريات دمي عقدا حول عنقي… أقول ” هذه أسماء اخوتي الشهداء”..
كنتَ تنقّي صوتكَ من الحزن, و تعلّمني بضحكاتك الحالمة دروسا في المحسنات الترابية..
….
منذكَ, صارت ضحكتي كرم عنب و الكلام عنك زيتا في مشكاة المخيم .