حرب و شوق و اكتشافات أخرى..

الرياح جريئة.. لأن العصافير توقّفت عن الطيران..
أبعثر يدي في العش..تقرصني حشرة أيقظتها أصابعي..
أبعد يدي و أنفض قشا عالقا و أضمها إلى صدري..
هل يمكنك تصور حالتي بدون يديكَ ؟!
سأتابع التفتيش عنك بدونهما
و أظل أبكي حبا بلا انتظار..

12/2/2009/الخميس
6:32 مساء

الحرب ضد السلام,مثلما الحب ضد الكره و مثلما أنا ضد الحياة..أيْ:ميتةْ
أنتَ ضدي..و لو كنتَ على قيد الحياة لقلتُ كلانا مرادف الآخر, اثنان في واحد..
الواحد لا ينقسم إلا على نفسه..
النفس تشتاق إليك كثيرا..
و لأنني أؤمن بالبعث سأبقى أنتظرك حتى ذلك اليوم..
يوم ينشق القمر..

12/2/2009/الخميس
7 مساء

لم أعد بحاجة إلى الليل
سهري يحتضر
و أنا لستُ صالحة للنوم..
بابي مشوّه..مثل شحاذ مجدور
و رائحة هذا الشتاء كريهة
ورودك التي بيننا داس عليها الجنود
كل شيء في غيابك قد تغيّر
حتى مكان المتاريس
و مناطق الاجتياح
و الحدود و الجدار الفاصل
أوقات منع التجول تغيّرت
الدبابات
البنادق
آه
الاحتلال تغيّر
تماما مثل مرضي و أنا على هذا السرير أتوجع
سرير الرسالة الأخيرة إليكَ

12/2/2009/الخميس
7 مساء

أجمل ما في الحب هو لحظة اكتشافه
12/2/2009/الخميس
7 مساء

جدا بيضاء

الحالمة التي تبتل بأحلام يقظتها
تشبه شعرتي الشائبة.. جدا بيضاء!
النائمة على سرير النار
غير عينيكَ تشبه فجر الحكايات
العجوز الشريرة التي تمتطي عصا المكنسة
تطير نحو الفناء..حيث أفنيتُ عمري بدونك!
الساحرات يسحبن الغيم إلى شفاهي
هيا..أمطرني بحضوركَ
و لا تغيب أطول من المسافات
شيء يشبه الجرس
أو حبل طويل يتدلى من نهايته كرة حديدية
ربما أشياء كثيرة تتحوّل إلى أول هدية منك
هناك شيء واحد يتضاعف في ذاته مرات عديدة
ليقول لي ” أنا هُوَ “
أنتَ كثير بي
لكنك بعيد
أبعد من نور الله..
لو أني أستطيع أن أقطف النجوم
أصنع منها سلالم متحركة تأخذني نحوكْ
أصعد إلى مكان العصفور
و أعطيه عشك
ثم أنتظر قدومك كأنك المسيح
عليك السلام يا مرضات ليلي
يا مرض قلبي
عليكَ سفن المرأة المحملة بالاشتياق
يا بحرا يُغرق الأموات في قبورهم
و لا يروي أرضا عطشى تستغيثك
ألا من يبعث الميت مثلما يحيي العظام و هي رميم
إلهي..أعده إلي .
7/2/2009/السبت
1:21 مساء

لمن لا يهمه الأمر

لمن لا يهمه الأمر
إلى الذين ينامون و لا يحلمون
إلى من أقدّم لهم الكون في فنجان قهوة..كل صباح مع الجريدة و علبة التبغ
إلى الذين يكتبون عن كل شيء في أعمدتهم اليومية
(عمودي لا يشبه أعمدتهم..إنه ليس للكتابة..صممته ليكون للاضاءة!)
إلى الهاربين من زوجاتهم و أطفالهم إلى نساء يعرفن البداية و كيف الختام
إلى الصغيرات اللاتي يتعثرن بخطوات من أحببن
إلى امرأة بعد موت زوجها اكتشفت الخيانة,لا..ليس زوجها,الموت وفي والحياة هي الخائنة!
إلى أمي التي تنسج من الصوف الأخضر قفازات و أحذية لأخوتي الجياع
إلى الطاهية و النادل المسكين
إلى أفلام الكرتون المتحركة
إلى معارك الخلود الدامية
إلى جميع من استحقوا الحياة مثلي عقابا كي يموتوا أكثر من مرة
إليهم..جميعا..
أقدم استقالتي من روحي و جسدي.
صدقوني لقد عذّبني ذاك القبر
الأرض حفظتني عن ظهر قلب
تلك المقبرة أصبحت تخشاني
و ضريح حبيبي ما عاد يكرهني!
لن أقوى على تنفس الرجال
سيختنقوا من رائحة حبيبي الملتصقة بي
لحمي ينز ياسمينا
من بين أصابعي تنبت شجيرات و أزهارا
أريد التنقيب عن حديقة كانت مهد حبي
آه
يا لوجهي المحروق من كثرة النوم تحت شمس الظهيرة
عظامي تكاد تصير كالطحين
سريري رخام هذا الضريح
يا قبره ارحمني
اتركوني الآن وحيدة على قبره: أحاول الموت
لألحقه..

6/2/2009/الجمعة
10 مساء

كان عندي عصفور

كان عندي عصفور
اسمه عصفور
يتملكني تجاهه شعور
لونه أبيض كخيط الفجر الأول
له ريش طويل مثل شعر العروس
غنى لي
دائما يغني لي..
كان يغني
لكنه الآن أخرس
سرقت الأشجار صوته الجميل
و حرمتني من البكاء عليه
لأنها سرقت عيوني
أريد أن أبكي
و أسقي الغيم من دمعي
كي نمطر معا
و أطير مع عصفوري بلا صوت

عشرون ليلة

عشرون ليلة عدّتها على أصابع يديها و رجليها..
و لم تفكر بشيء مطلقا..
الكل منشغل بالحرب و أنا منشغلة بالحبْ.
جنتي تعطّلتْ,
الرجل الذي أقفل قلبي عليه ذهب مع الريح إلى الريح..
و بابي الوحيد
يدق الجنود عليه فلا يفتح.
المفتاح في جيب البزّة العسكرية
البزة..يرتديها الرجل
الرجل في الحرب
الحرب في كل مكان..
و الموت ينتظر إشارة ضوئية من صاروخ أو رصاصة.

البيت الآخر

في مدرسة الوكالة التي اتخذناها كملجأ رسمي لنا, كن النسوة يمارسن حياتهن الطبيعيّة في وقت غير طبيعي.. ينشرن الغسيل على حبل السارية الذي قطعته الشظية, و أحيانا يغلين الشاي على الحطب في ساحة الملعب, و يرتشفنه مع أزواجهن وقت الصباح كلما شدّهن الحنين إلى صباحات السلام و الأمان.. أما أنا فلأن حياتي كانت غير معقولة, كنتُ في سجن تصطفق جدرانه الأربعة عليّ و لا أتنفس غير رائحة الموت, علاقتي بالأشياء كانت بالنظر,أنظر إليها بعينين أدماهما السهر..تعبت من الحربْ. فشلتُ في ابتكار احساس جديد مؤقت يساعدني على التعايش مع الحربْ.. و يئست من العودة إلى بيتنا الذي يعاني من وقوعه في منطقة الخطر, حتى البيت يعاني من الحرب!.
أتذكر ذلك الفجر الحزين الذي تركنا فيه بيتنا و نزحنا إلى بيتٍ آخر في منطقة أكثر أمانا, كان بيتنا في تلك اللحظة مثل حديقة خضراء تغتسل بماء الخريف, لم أتجرأ أن أستدير خلفي و أودع البيت, صعدت سيارة ابن عمتي أيمن الذي سيجازف بحياته معنا و يُهرّبنا إلى “البيت الآخر”.. كانت الطرق تعج بركام البيوت المنهارة على الجنبات, حجارة و زجاج و أعمدة كهرباء و خشب ينفث دخانا بنيا و وديان دماء تجري في منتصف الطريق كأنها الموت الأحمر.. كنا مستعدين لأي صاروخ يقصفنا.. استسلمتُ للبكاء و بكيتْ. كنتُ أموت ببطئ شديد.. ورائي تركتُ بيت الذكريات و مرتع الأحلام و سرير الدفء يوم لا دفء فيه إلاه..
كرهتُ ذلك البيت أكثر من كرهي للمدرسة, و منذ أن وطأته قدماي صرتُ أمقت البحر و العشب الأخضر.. كان البيت الواقع في منطقة الشيخ عجلين في الطابع الرابع من برج طويل- يبعث البؤس و الشؤم بي رغم موقعه الذي طالما تمنيّته: أمام البحر مباشرة و محوّط بحقول العنب و الخضروات و هنا شجرة البرتقال يفوح منها شذى مسكرا..
لم يكن ذلك البيت يصلح للأمان, اختار أبي العش الخطأ لعصافيره الصغار, فالطرادات الحربية تضرب القذائف على السواحل الهاجعة أمام الشاطئ المسكون بالألغام, و الدبابات تجتاح البر و الجيش الاسرائيلي بدأ عمليته البرية المرقمة حربيا بالرقم “3”(أي المرحلة الثالثة من الحرب على غزة).. حزمنا أكياس البقول التي هي قوتنا الوحيد خلال الحرب, و حملت أمي حقيبة الكوشان و كرت التموين.. و مجموعة الأوراق الرسيمة التي تدل علينا “الهوية”, ثم هرّبتنا سيارة استأجرها أبي من أحد مكاتب المواصلات إلى الملجأ الأخير و الوحيد لنا من بعد ذلك البيت: مدرسة الزيتون الابتدائية المشتركة للاجئين. و بالرغم من أن مكان المدرسة كان الأخطر من أي مكان إلا أن ” الموت مع الجماعة أرحم “. و لم نكن هناك وحيدين.. فوجئنا بعشرات اللاجئين النازحين..

بريد ليس للمراسلة !

أيام الحرب كان عنواني البريدي:
مدرسة الفاخورة للاجئين,
الصف الأول ابتدائي”ب”.
تلقيت رسائل صاروخية كثيرة..كانت تصلني ليل نهار من طائرات “إف 16”.. لم أتوقع أن الملاجئ تخيف الجنود..و صرتُ أكرهها لأنها خدعتني و ها هم قصفوها و استشهد الأطفال في ساحة المدرسة حين كانوا يلعبون كرة القدم بعلب اللحم الفارغة.. آه,منذها فقدت شهيتي عن الطعام, و شُطب اسمي من قائمة توزيع اللحوم المعلبة التي توزعها الأونروا علينا..حتى بعد الحرب لم أتذوق لا اللحم المثلج و لا الطازج.. في المطعم ألغيتُ طلب المشويات.. وصرتُ أصاب بغيبوبة طويلة كلما رأيتُ أمي تطبخ اللحم فينقلونني إلى المشفى سريعا.. أخذوني إلى الأطباء النفسيين لأنني معقدة من “اللحم”..
اللحم
اللحم
اللحم
لا أريد أن أتذكر يوم تطايرت لحوم الأطفال في الهواء و رأيتها من بين الدخان الأسود الكثيف تحترق و تشويها النيران كالدجاجات المسكينة..تناثرت لحومهم على الأرض و ترمّلت و بعضها اختلط بلحم المعلبات..