في احدى الليالي اتصل بي محمود درويش و كان ..

ليلة أمس, اتصل بي محمود درويش, قال لي ” كيف ريتا يا صديقتي “, قلت له ” اطمئن, ما تزال عيونها عسلية “, ضحك و قال ” مزاجكِ خفيف, و أنا اشتقتُ لخفة الحياة على يديْ صبيّة فلسطينية “, قلتُ ” أنا زعلانة كتير”, قال ” ممن؟ “, قلتُ ” منكَ و من كل فلسطين ” قال ” لماذا ” , قلتُ ” لأنكَ تسكن أشجار فلسطين, و الاحتلال يقطع و يحرق أشجارنا, و فلسطين لا تكترث لذلك “, سمعتُ دهشة غريبة تصلني من محمود درويش, صمتَ ثم قال ” يا الهي كم أنتِ بريئة.. ما أجملكِ ” , تابعتُ ” أنا قلقة جدا يا عمو “,
كانت الساعة الثالثة منتصف الليل, السكون يخدّر الرياح, عاصفة ثلجية تنهار على السطوح و الشبابيك, الكلاب نائمة, لا نباح لا عواء, ساعة اليد تدق باب الفجر, لا وقت, تكتكة العقارب على رسغي تبكي أو تغني, أو لا أعرف, هل سقطتَ عن الأرض؟, فالزمن يختفي بدون المكان,
” كوووثر؟!”, ” معكَ لكن صوتكَ يخفت و أكاد لا أسمعه”, ” الخط مشوش أتسمعين كلامي؟ “, ” غير أنفاسك لا أسمع “,
نِسر القصيدة يجرح صوتي, كنتُ سأقول لمحمود درويش أنني كبرتُ موته بعامين, و أصبحتُ أكتب أشياء جميلة..

رسائل عروس من غزة إلى 2010


غزة تنظر إلى قدميها, تسعل روحها, تتذكّر يداها أن من الواجب رفع القبعة للعام الجديد, و وضع أكاليل ورد الأمل على رأس 2010, بابا نويل سيلملم ورد غزة و يقرأ الأمنيات السائلة في لحاء الأوراق الخضراء.. عجوز سيلتقط كومة ثلج سويدية هرّبها مهاجرٌ غزّي عبر الأنفاق, الكومة موجودة الآن في حلم أبيض ترتديه عروس صهرها الانتظار, أقول الانتظار لأن حفل زفاف العروس سيكون في دبي حيث العائلة هناك, و معبر رفح مغلق, و التسجيل للسفر يحتاج إلى واسطة, و يحتاج إلى مال كثير كي يرضى المرتشون عنا و نجتاز الحدود..
في الليلة الأولى كتبت العروس إلى 2010:
” أنا امرأة صغيرة, في فجر شبقي, خائفة أن أكبر في غزة, أريد أن أسافر إلى حبيبي, و نتزوّج قبل أن نهرم و يشيخ حبنا, الحصار يتكاثر على مدينتي و الزمن يسرق مني أجمل اللحظات “.
كانت غزة تشرب البحر, المياه ملوثة بفضلات الحيوانات و المخيمات, مَعدة مدينتي أضحت جمّاعة قمامة, جارنا العاطل عن العمل يصطاد الأحذية و يحرث البحر بحثا عن قطعة ذهب ضائعة بالخطأ بين الموج, غزة معلومة الهوية, على الخارطة تبدو ندبة فلسطين, مثل وشم فرعوني لا يزول, كوب شاي ليبتون, قطع بسكويت, غزة طفلة يتيمة, تبكي, يُطعمها العابرون كي تسكت..
حين تأتون إلى غزة سأدلُّكم على مقهى ديليس, أو مقهى مزاج, هناك ستجدون شعراء عابسين يرتشفون قهوة الحصار, و يدخنون سجائر رخيصة لم يدفع أحد جمركها لأنها مهرّبة, القوافل تمشي اتجاه عزلتنا, سيخترق العالم ثقوبنا و يضحكون على تمزقاتنا, نحن هنا نضمن الأمان للقادمين عبر المحيطات إلى جزيرة الكنز المحتل..
في الليلة الثانية كتبت العروس إلى 2010:
” قصة بعد قصة تتحرر أختي من الحصار, فهي قاصّة و تجد في ذلك متنفسا واسعا, أحيانا يُخيّل إليّ أن أجنحة جامحة تنمو على أطراف جسدها فتطير و تتجوّل في العالم ثم تعود إلى غزة, أتمنى يا 2010 أن تتحول حنجرتي إلى محبرة لأكتب إلى العالم صوتي الحزين.. “
سيقرأ العالم صوت العروس و يؤلفون مظاهرات تضامنية معها, سيخترعون مكبرات صوت أغبى من الضمير, ما الذي يجمد أصابعي؟, لا أستطيع أن أمسك القلم, ثمة صقيع يخثر دمي, أفكاري تتجمد, سأكمل بقية ما أكتب حين أتأكد من أن معبر رفح سيفتح يوم الأحد القادم, سأكتب بعد أن تجتاز العروس المعبر و أوزّع على الطيور أغنية زفاف من الحرية

لوركا الذي رافقني أثناء الحرب

الآن أنا على رصيف من أرصفة غزة, من هنا بالضبط جاءت سيارة الهلال الأحمر و أنقذتنا, كانت الطائرات الحربية تقصف المنطقة, لم نصدق المناشير التي حذفتها علينا من الجو, كنا نبحث عن أي منقذ بسيط و تافه, كذّبنا المناشير التي أمرتنا باخلاء المنطقة, لكنهم رمونا بالنيران, صارت السماء تمطر رصاصا, و تحوّل البحر المقابل لبيتنا إلى نار جحيم القيامة.. التم أهل المنطقة عند دوار الأبراج و بدأت سيارات الاسعافات تهرّبنا, كنتُ خائفة و مرعوبة, ليس من الانفجار الذي دوى قربي, بل من كتابي الذي رأيته يقرأ شعرا.. لوركا لوركا لوركا, من الجندي الذي قتلتني نظرته آنذاكْ؟ كانت قبلة أو وردة أو نظرة تعمل عمل البندقية..

مقام الخلود

الشمس تتكوّر في فمي,
أفتح شفتي ,
يتحوّل صوتي إلى ذهب..

أريد أن ألصقَ قلبي
على حائط الغرفة
و أعلق صورتك حيث نبضي
كلّما تأملتُ شيئا
قلتُ: هذا هوُ
أنتَ هذا

عيناي موبوءتان بالعمى
القصائد
الرسائل
الهذيان
عتمة
ع
ت م
ة
لمن أقرأ بعد هذا الشاعر ؟!

ليل الذكريات
يلعق قلبي

رماد من يوم اسمه " حرب "

أين يعيش, و كيف يأكل, و ما هي لغته, ما اسم ذاك الكائن البحري و المائي و البري و الجوي؟, لا أستطيع كيف أصل إليه, بأي طريقة أتعرف عليه؟, بصماته عبارة عن أشكال طبيعية استنائية, ما تزال آثارها موقّعة على حواف فنجان قهوتي, بالمناسبة أنا لا أحب القهوة, و لا أطلبها من النادل إلا احتراما للمقهى الذي أضيع فيه. في ذلك اليوم اكتشفتُ أنني امرأة طفولية أكثر مما يجب. جلست هالة الرماد قبالتي, و الرماد غموض يلون روحي و فكري, قال: علينا أن نحطّم علب الألوان الموجودة في الكون, لم يفلح أي رسّام في رسم البخار المتصاعد من جسد الميت, أتظنين أن لوحة الذكريات لسيلفادور دالي سترجع الزمن إلى الوراء كي نفرح و لا نندم؟, الرسامون و الشعراء و الروائيون, كذبوا كثيرا, و زيّفوا الحقيقة, الآن فقط أتفق مع أفلاطون في نظرية المحاكاة, من استطاع أن يحمل حرب غزة على كتفه غير الذي عاش الحرب؟, يكتبون عن الحرب و كانوا ينقلون صور القصف عبر الأقمار الصناعية إلى شاشات البشر القاطنين في السلام, كانوا يذيعون دوي الانفجارات, لكن هل حقا سمعوا قلوبنا و هي تتحطم؟ أم هل رأوا الجنين و هو خائف في رحم أمه؟..
تعالي نتنصل من الواقع و نذهب بعيدا, ما الحياة إلا عبر و عبرات, دعكِ من إما و إما, كيركغارد له نظرياته مثله مثل فرويد و مثل روسو و مثل ديكارت و مثلنا أيضا, لكل انسان فكر خاص به و نختلف عن غيرنا بأننا لم نعلن عن أفكارنا و لم ننظرها, ذهابنا إلى تلة الشمس, يتطلب الاتحاد و التجلي في ماء الوضوح, لكنكِ متشبثة بقلقكِ و بحزنكِ, على ماذا؟ الفرح لن يحرمكِ الفرح, نحن موجودون فلماذا لا نحترم وجودنا؟, على الأقل إكراما لأسمائنا!!.
المرأة الطفولية تحمل كتبها و تغادر المقهى, قليلا من الوقت تمشي في شارع عمر المختار, قليلا من الندى يلتصق على أصابعها, قليلا من الرماد يرهقها.. متخمة بالطفولة, ما علاقة الطفولة بكل هذا الرماد يا غزة؟

شتاء ريتّا الطويل / محمود درويش


● ● ●

ريتا ترتب ليل غرفتنا : قليل هذا النبيذ

وهذه الأزهار أكبر من سريري

فافتح لها الشباك كي يتعطر الليل الجميل

ضع ههُنا قمراً على الكرسيَّ

ضع فوق البحيرةَ

حول منديلي ليرتفع النخيل أعلى وأعلى

هل لبست سواي ؟ هل سكنتك إمرأةٌ

لتجهش كلما التفّت على جذعي فُروعُكَ ؟

حُكَّ لي قدمي وحُكَّ دَمي لنعرف ما

تخلفه العواصفُ والسُّيولُ

منِّي ومنك …

تنامُ ريتا في حديقةِ جسمها

توتُ السياجِ على أظافرها يُضيءُ

الملحَ في جسدي . أُ حبُّكِ .

نام عصفوران تحت يديَّ…

نامت موجةُ القمح النبيل على تنفسها البطيء

و وردةُ حمراء نامت في الممر

ونام ليلُ لا يطول

والبحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتا

يعلو ويهبط في أشعة صدرها العاري

فنامي بيني وبينك

لا تغطي عَتمَة الذهب العميقة بيننا

نامي يداً حول الصدى

ويداً تبعثرُ عزلة الغابات

نامي بين القميص الفستقي ومقعد الليمون

نامي فرساً على رايات ليلة عرسها …

هدأ الصهيلُ

هدأت خلايا النحل في دمنا

فهل كانت هنا ريتا

وهل كنا معا ؟

… ريتا سترحلُ بعد ساعاتٍ وتتركُ ظلها

زنزانةٌ بيضاء . أين سنلتقي ؟

سألَت يديها ، فالتَفَتُّ إلى البعيد

البحر خلف الباب ، والصحراء خلف البحر

قبلني على شفتي قالت .

قُلتَ : يا ريتا أأرحلُ من جديد

مادام لي عنبٌ وذاكرةٌ ، وتتركني الفصول

بين الإشارة والعبارة هاجسا ً ؟

ماذا تقول ؟

لا شيء يا ريتا ، أقلدُ فارساً في أُغنية

عن لعنة الحب المحاصر بالمرايا …

عَنّي ؟

وعن حلمين فوق وسادةٍ يتقاطعان ويهربان

فواحدٌ يستل سكيناً وآخرُ يُودعُ الناي الوصايا

لا أدرك المعنى ، تقول

و لا أنا ، لغتي شظايا

كغياب إمرأةٍ عن المعنى ،

وتنتحرُ الخيولُ في آخر الميدان …

ريتا تحتسي شاي الصباح

وتقشر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ

وتقول لي :

لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبول

والحرب ليست مهنتي . وأنا أنا . هل أنتَ أنتْ ؟

أنا هو

هو من رآكِ غزالةً ترمي لآلئها عليه

هو من رأى شهواتهِ تجري وراءكِ كالغدير

هو من رآنا تائهين توحدا فوق السرير

وتباعدا كتحية الغرباء في الميناء

يأخذنا الرحيل في ريحه ورقاً

أمام فنادق الغرباء

مثل رسائلٍ قرئت على عجل

أتأخُذني معك ؟

فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخُذني معك

فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك … لتصرعك

وأكون تابوتا من النعناع يحمل مصرعك

وتكون لي حياً وميتاً

ضاع يا ريتا الدليل

والحب مثل الموت وعدٌ لا يرد .. ولا يزولُ

… ريتا تُعدُّ لي النهار

حجلاً تجمع حول كعب حذائها العالي :

صباحُ الخير يا ريتا

وغيماً أزرقاً للياسمينة تحت إبطيها :

صباحُ الخير يا ريتا

وفاكهةً لضوء الفجر : يا ريتا صباح الخير

يا ريتا أعيديني إلى جسدي لتهدأ لحظةً

إبرُ الصنوبر في دمي المهجور بعدك ِ .

كلما عانقتُ برجَ العاجِ فرت من يديَّ يمامتان ..

قالت : سأرجع عندما تتبدل الأيام والأحلام

يا ريتا طويل هذا الشتاء ، ونحن نحن

فلا تقولي ما أقول أنا هي

هيَ من رأتكَ معلقاً فوق السياج ، فأنزلتك وضمدتك

وبدمعها غسلتك ، انتشرت بسوسنها عليك

ومررت بين سيوف اخوتها ولعنة أمها وأنا هيَ

هل أنتَ أنتْ ؟

.. تقوم ريتا عن ركبتي

تزور زينتها ، وتربط شعرها بفراشةٍ فضيةٍ .

ذيل الحصان يُداعبُ النمش المبعثر

كرذاذ ضوءٍ فوق الرخام الأنثوي

تعيد ريتا زر القميص إلى القميص الخردلي … أأنتَ لي ؟

لَكِ ، لو تركت الباب مفتوحاً على ماضيَّ ،

لي ماضٍ أراه الآن يولدُ في غيابك

من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب

لي ماض أراه الآن يجلس قربنا كالطاولة

لي رغوة الصابون

والعسل المملح

والندى

والزنجبيل

ولكَ الأيائل ،إن أردت ، لك الأيائل والسهول

ولك الأغاني ،إن أردت، لك الأغاني والذهول

إني ولدت لكي أحبك

فرساً تُرقِّصُ غابةً ، وتشق في المرجان غيابك

ووُلدتُ سيدةً لسيدها ، فخذني كي أصبك

خمراً نهائياً لأشفي منك فيك ، وهات قلبك

إني ولدت لكي أحبك

وتركت أمي في المزامير القديمة تلعن الدنيا وشعبك

ووجدت حراس المدينة يُطعمون النار حُبك

وإني ولدت لكي أحبك

ريتا تكسر جوز أيامي ، فتتسع الحقول

لي هذه الأرض الصغيرة في غرفة في شارعٍ

في الطابق الأرضي من مبنى على جبلٍ

يطل على هواء البحر . لي قمرٌ نبيذيٌ ولي حجر صقيل

لي حصة من مشهد الموج المسافر في الغيوم ، وحصة

من سِفرِ تكوين البداية و سِفرِ أيوب ، ومن عيد الحصاد

وحصة مما ملكتُ ، وحصة من خبز أمي

لي حصة من سوسن الوديان في أشعار عشاق قدامى

لي حصة من حكمة العشاق : يعشقُ وجهَ قاتلهِ القتيلُ

لو تعبرين النهر يا ريتا

وأين النهر ، قالت …

قُلتُ فيكِ وفيَّ نهرٌ واحد

وأنا أسيل دماً وذاكرةً أسيلُ

لم يترك الحراس لي باباً لأدخل فاتكأت على الأفق

ونظرت تحت

نظرت فوق

نظرت حول

فلم أجد

أفقاً لأنظر ، لم أجد في الضوء إلا نظرتي

ترتد نحوي . قلت عودي مرةً أخرى إلي ، فقد أرى

أحداً يحاول أن يرى أفقاً يرممه رسول

برسالة من لفظتين صغيرتين : أنا ، وأنتِ

فرحٌ صغيرٌ في سريرٍ ضيقٍ … فرحٌ ضئيل

لم يقتلونا بعد ، يا ريتا ، ويا ريتا .. ثقيل

هذا الشتاء وبارد

… ريتا تغني وحدها

لبريد غربتها الشمالي البعيد : تركتُ أمي وحدها

قرب البحيرة وحدها ، تبكي طفولتي البعيدة بعدها

في كل أمسية تنام ضفيرتي الصغيرة عندها

أمي ، كسرت طفولتي وخرجت إمرأةً تُربِّي نهدها

بفم الحبيب . تدور ريتا حول ريتا وحدها :

لا أرض للجسدين في جسد ، ولا منفى لمنفى

في هذه الغرف الصغيرة ، والخروج هو الدخول

عبثا نغني بين هاويتين ، فلنرحل ليتضح السبيل

لا أستطيع ، ولا أنا ، كانت تقول ولا تقول

وتهدئ الأفراس في دمها : أمن أرض بعيدة

تأتي السنونو ، يا غريب ويا حبيب ، إلى حديقتك الوحيدة ؟

خذني إلى أرض البعيدة

خذني إلى الأرض البعيدة ، أجهشت ريتا : طويل هذا الشتاء

وكسرت خزف النهار على حديد النافذة

وضعت مسدسها الصغير على مسودة القصيدة

ورمت جواربها على الكرسي فانكسر الهديل

ومضت إلى المجهول حافيةً ، وأدركني الرحيل