الحي الذي أسكنه به امتيازات رفيعة نوعا ما، كونه يقع بجانب حديقة الملك، و بيوته جديدة و مصممة على طراز معماري حديث، حدائق مخصصة للأطفال بحسب اختلاف أعمارهم و حدائق أخرى للكلاب، أكثر من خمسمائة نبتة متنوعة و مزروعة في كل أنحاء الحي.. الناس هنا مهتمون جدا بالبيئة و تدوير النفايات، بحيث يوجد في كل مطبخ في البيوت آلة مدمجة في حوض الجلي في المطبخ تقوم بطحن بقايا الطعام و ارسالها إلى مواسير خاصة تنتهي إلى مكان ما لاستخدامها كسماد للنباتات. كل شيء هنا يبدو مثالياً… حتى قررت البلدية تقليص عدد الحافلات، بحجة أن الحي موالٍ للدراجات الهوائية والصديق للبيئة.
ثار الناس و خرجوا للاعتراض على القرار، كل يوم في صباحات الشتاء القارص، خرجت مجموعات تحتج عند مواقف الباصات، استمرت الاحتجاجات لأشهر دون جدوى حتى جاء الربيع و صارت تأتي حافلتان فقط إلى حينا الوديع..
ومع حلول الصيف، وجدت وجوهًا جديدة تطل عليّ في كل زاوية: صور انتخابية لإيبا بوش، نائبة رئيس الوزراء. أينما التفتّ، كان وجهها يراقبني بخبث ماكر. لماذا يروجون لها في هذا الحي اللطيف؟ كنت أطمئن قليلًا حين أرى علم فلسطين لا يزال ملصقًا على شباك أحد الجيران، الغريب الذي لا أعرفه
فيما بعد، نشرت عجوز على صفحة الحي بوست غاضب لأن أحدا ما ألصق لوحة مكتوب عليها ‘أوقفوا الإبادة في غزة، اسرائيل مجرمة’. ادعت العجوز بأن الملصق لا يليق بحيّنا الذي يسكنه الكثير من الأطفال و الكلاب، و أن ذلك الملصق على صندوق الكهرباء العام هو اعتداء على الملكية العام. في اليوم التالي أرسلت البلدية عاملا قام بازالة الملصق.. و ردا على ذلك قام أحد ما برسم شوارب نازية على كل صور إبا بوش.
في مايو، جاءت الصدمة الكبرى: قامت البلدية بافتتاح بيت ايواء للمدمنين على المخدرات في حيّنا. طار عقل الجيران الذين معظمهم من الطبقة الثرية، الثرية، شعورهم بالكارثة كان أقوى من أي شيء: أشد جرماً من تقليص الحافلات، أشد وقعًا من ملصق الإبادة، أشد استفزازًا من الشوارب النازية.. يوميا، تتوالى المنشورات على صفحة الحي، تندد بفتح بيت الايواء في مثل هذا الحي الهادئ. حتى أن الناس جلبوا الصحافة و التلفاز و ما زالوا يرسلون تقاريرا من أجل اغلاق المأوى. مرة ينشرون صورا لابر ملقاة في الشارع، و مرة يكتبون ‘صرنا نمنع أطفالنا من الخروج للعب’ و مرة يرسلون احصائية عن نسبة فقدان الأمان في الحي..
في صخب الحي وادّعاءاته الكبرى، أفكر بغزّة، مدينتي الأم، بينما أعيش هنا في حيٍّ مشغول بمشاكله الفارغة التي لا تقتل حتى نملة..
مبدعة كعادتك!
LikeLike