شتاء ريتّا الطويل / محمود درويش


● ● ●

ريتا ترتب ليل غرفتنا : قليل هذا النبيذ

وهذه الأزهار أكبر من سريري

فافتح لها الشباك كي يتعطر الليل الجميل

ضع ههُنا قمراً على الكرسيَّ

ضع فوق البحيرةَ

حول منديلي ليرتفع النخيل أعلى وأعلى

هل لبست سواي ؟ هل سكنتك إمرأةٌ

لتجهش كلما التفّت على جذعي فُروعُكَ ؟

حُكَّ لي قدمي وحُكَّ دَمي لنعرف ما

تخلفه العواصفُ والسُّيولُ

منِّي ومنك …

تنامُ ريتا في حديقةِ جسمها

توتُ السياجِ على أظافرها يُضيءُ

الملحَ في جسدي . أُ حبُّكِ .

نام عصفوران تحت يديَّ…

نامت موجةُ القمح النبيل على تنفسها البطيء

و وردةُ حمراء نامت في الممر

ونام ليلُ لا يطول

والبحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتا

يعلو ويهبط في أشعة صدرها العاري

فنامي بيني وبينك

لا تغطي عَتمَة الذهب العميقة بيننا

نامي يداً حول الصدى

ويداً تبعثرُ عزلة الغابات

نامي بين القميص الفستقي ومقعد الليمون

نامي فرساً على رايات ليلة عرسها …

هدأ الصهيلُ

هدأت خلايا النحل في دمنا

فهل كانت هنا ريتا

وهل كنا معا ؟

… ريتا سترحلُ بعد ساعاتٍ وتتركُ ظلها

زنزانةٌ بيضاء . أين سنلتقي ؟

سألَت يديها ، فالتَفَتُّ إلى البعيد

البحر خلف الباب ، والصحراء خلف البحر

قبلني على شفتي قالت .

قُلتَ : يا ريتا أأرحلُ من جديد

مادام لي عنبٌ وذاكرةٌ ، وتتركني الفصول

بين الإشارة والعبارة هاجسا ً ؟

ماذا تقول ؟

لا شيء يا ريتا ، أقلدُ فارساً في أُغنية

عن لعنة الحب المحاصر بالمرايا …

عَنّي ؟

وعن حلمين فوق وسادةٍ يتقاطعان ويهربان

فواحدٌ يستل سكيناً وآخرُ يُودعُ الناي الوصايا

لا أدرك المعنى ، تقول

و لا أنا ، لغتي شظايا

كغياب إمرأةٍ عن المعنى ،

وتنتحرُ الخيولُ في آخر الميدان …

ريتا تحتسي شاي الصباح

وتقشر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ

وتقول لي :

لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبول

والحرب ليست مهنتي . وأنا أنا . هل أنتَ أنتْ ؟

أنا هو

هو من رآكِ غزالةً ترمي لآلئها عليه

هو من رأى شهواتهِ تجري وراءكِ كالغدير

هو من رآنا تائهين توحدا فوق السرير

وتباعدا كتحية الغرباء في الميناء

يأخذنا الرحيل في ريحه ورقاً

أمام فنادق الغرباء

مثل رسائلٍ قرئت على عجل

أتأخُذني معك ؟

فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخُذني معك

فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك … لتصرعك

وأكون تابوتا من النعناع يحمل مصرعك

وتكون لي حياً وميتاً

ضاع يا ريتا الدليل

والحب مثل الموت وعدٌ لا يرد .. ولا يزولُ

… ريتا تُعدُّ لي النهار

حجلاً تجمع حول كعب حذائها العالي :

صباحُ الخير يا ريتا

وغيماً أزرقاً للياسمينة تحت إبطيها :

صباحُ الخير يا ريتا

وفاكهةً لضوء الفجر : يا ريتا صباح الخير

يا ريتا أعيديني إلى جسدي لتهدأ لحظةً

إبرُ الصنوبر في دمي المهجور بعدك ِ .

كلما عانقتُ برجَ العاجِ فرت من يديَّ يمامتان ..

قالت : سأرجع عندما تتبدل الأيام والأحلام

يا ريتا طويل هذا الشتاء ، ونحن نحن

فلا تقولي ما أقول أنا هي

هيَ من رأتكَ معلقاً فوق السياج ، فأنزلتك وضمدتك

وبدمعها غسلتك ، انتشرت بسوسنها عليك

ومررت بين سيوف اخوتها ولعنة أمها وأنا هيَ

هل أنتَ أنتْ ؟

.. تقوم ريتا عن ركبتي

تزور زينتها ، وتربط شعرها بفراشةٍ فضيةٍ .

ذيل الحصان يُداعبُ النمش المبعثر

كرذاذ ضوءٍ فوق الرخام الأنثوي

تعيد ريتا زر القميص إلى القميص الخردلي … أأنتَ لي ؟

لَكِ ، لو تركت الباب مفتوحاً على ماضيَّ ،

لي ماضٍ أراه الآن يولدُ في غيابك

من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب

لي ماض أراه الآن يجلس قربنا كالطاولة

لي رغوة الصابون

والعسل المملح

والندى

والزنجبيل

ولكَ الأيائل ،إن أردت ، لك الأيائل والسهول

ولك الأغاني ،إن أردت، لك الأغاني والذهول

إني ولدت لكي أحبك

فرساً تُرقِّصُ غابةً ، وتشق في المرجان غيابك

ووُلدتُ سيدةً لسيدها ، فخذني كي أصبك

خمراً نهائياً لأشفي منك فيك ، وهات قلبك

إني ولدت لكي أحبك

وتركت أمي في المزامير القديمة تلعن الدنيا وشعبك

ووجدت حراس المدينة يُطعمون النار حُبك

وإني ولدت لكي أحبك

ريتا تكسر جوز أيامي ، فتتسع الحقول

لي هذه الأرض الصغيرة في غرفة في شارعٍ

في الطابق الأرضي من مبنى على جبلٍ

يطل على هواء البحر . لي قمرٌ نبيذيٌ ولي حجر صقيل

لي حصة من مشهد الموج المسافر في الغيوم ، وحصة

من سِفرِ تكوين البداية و سِفرِ أيوب ، ومن عيد الحصاد

وحصة مما ملكتُ ، وحصة من خبز أمي

لي حصة من سوسن الوديان في أشعار عشاق قدامى

لي حصة من حكمة العشاق : يعشقُ وجهَ قاتلهِ القتيلُ

لو تعبرين النهر يا ريتا

وأين النهر ، قالت …

قُلتُ فيكِ وفيَّ نهرٌ واحد

وأنا أسيل دماً وذاكرةً أسيلُ

لم يترك الحراس لي باباً لأدخل فاتكأت على الأفق

ونظرت تحت

نظرت فوق

نظرت حول

فلم أجد

أفقاً لأنظر ، لم أجد في الضوء إلا نظرتي

ترتد نحوي . قلت عودي مرةً أخرى إلي ، فقد أرى

أحداً يحاول أن يرى أفقاً يرممه رسول

برسالة من لفظتين صغيرتين : أنا ، وأنتِ

فرحٌ صغيرٌ في سريرٍ ضيقٍ … فرحٌ ضئيل

لم يقتلونا بعد ، يا ريتا ، ويا ريتا .. ثقيل

هذا الشتاء وبارد

… ريتا تغني وحدها

لبريد غربتها الشمالي البعيد : تركتُ أمي وحدها

قرب البحيرة وحدها ، تبكي طفولتي البعيدة بعدها

في كل أمسية تنام ضفيرتي الصغيرة عندها

أمي ، كسرت طفولتي وخرجت إمرأةً تُربِّي نهدها

بفم الحبيب . تدور ريتا حول ريتا وحدها :

لا أرض للجسدين في جسد ، ولا منفى لمنفى

في هذه الغرف الصغيرة ، والخروج هو الدخول

عبثا نغني بين هاويتين ، فلنرحل ليتضح السبيل

لا أستطيع ، ولا أنا ، كانت تقول ولا تقول

وتهدئ الأفراس في دمها : أمن أرض بعيدة

تأتي السنونو ، يا غريب ويا حبيب ، إلى حديقتك الوحيدة ؟

خذني إلى أرض البعيدة

خذني إلى الأرض البعيدة ، أجهشت ريتا : طويل هذا الشتاء

وكسرت خزف النهار على حديد النافذة

وضعت مسدسها الصغير على مسودة القصيدة

ورمت جواربها على الكرسي فانكسر الهديل

ومضت إلى المجهول حافيةً ، وأدركني الرحيل

أرض البرتقال السعيد

غسّان لا يعرفني, لا يعرف أنني طالبة في الجامعة, أتسرّب من المحاضرات لأجل اكمال قراءة قصته للمرة العاشرة و أكثر.. دائما أبعث إليه مراسيلي البريئة, أكتب له أنني أعيش على موت الجندي الذي أحببته في الحرب, أتساءل: هل أستطيع أن أضحك؟. غسّان يفهمني جيدا و يحترم وطنيتي العاشقة, هو لا يعرف اسمي و لا شكلي و لا من أكون, فقط كان يعرف أن امرأة فلسطينية ستنجب ذات يوم بنتا هي ” أنا “, المهم أن هذه البنت ستعود إلى حيفا و تزرع الأرض برتقالا سعيدا .

ألياف/ نص لرشا حلوة



● ● ●
لا أحب النهايات
كان لي شأنٌ بها أم لا.
لا نهاية المخيم الصيفي ولا رحلة دامت أسبوع أو نصف عامٍ في مكان يبعد مسافة 4 ساعات جوًا عن هُنا.
لا أحب النزول من الطيارة أثناء إيابها، ولا أن ينتظرني أحد خارج المطار كي يعيدني إلى البيت.
لا أحب أن لا يتعمد أحد انتظاري، فلن تكن لي عندها تلك الفرصة الوحيدة لبعثرة كلّ تفاصيل رحلتي بغير مراقبة ذاتية.
لا أحب نهايات الروايات؛ مات أو لم يمت البطل، هي نهاية تساؤل دام 340 صفحة وفضول.
لا أحب لكأس النبيذ أن ينتهي
ولا لليل اجتمع فيه الأصدقاء في بيت أحدهم
لا أحب للنهار أن ينتهي من دورتيه
ولا للشمس أن تُعلن انتهاء الساعات المحسوبة عليها صيفًا أو شتاءً
ولا لقمر ينتهي من مهمته،
في تجميل ليل العاشقين
لا أحب نهايات الحُب
قاتلة كانت، أم سعيدة
لا أحب نهاية زيارة أمٍ لابنها الأسير
لا نهاية فترة النوم أثر ساعة إيقاظ، صوت ديك الجيران أو تسرب أشعة شمس من شباك نسيتُ أن أغلق ستائره..
ولا صحن يعرق من حرّ ورق العنب المطبوخ.
لا أحب انتهاء عمل بطارية هاتفي النقّال
حين أنسى شاحنه في البيت/ الغرفة/ الفندق
ولا انتهاء الحياة.
//
لكني أحب انتهاء الحرب
وانتهاء فترة زمنية محددة كي يأتي ذاك الموعد
وأحب نهايات تفتح بابًا آخر لبدايات جديدة
كانتهاء النصّ.

* رشا حلوة:
كاتبة من عكا
مواليد 1984

لا أحد، وصورتك / نص لأسماء عزايزة



● ● ●
لا أحد يحتاجك الآن
لا القطارات المسرعة الضاجّة على يومياتك
تطلب منك تلميع الحديد.
لا الصيادون في آخر ساعات الصيد
لتضيء لهم موجةً وتمضي.
لا أحد يحتاجك اللحظة
وأنت تتأنّق لاستقبال نهاياتك،
وأنت تدسّ ذكرياتك في جيبك
وتظهر نرجسةً على فتحتها.
لا أحد سيلتفت إليك إن صرخت
بأعلى صوتك: “مرحى بالفصول المنتهية
مرحى بي أنا المتجدّد وأنا أضرب رأس الماضي وأغميه”.
أو حتى إن قلت: “سأتنازل عن دور البطل حتى لا تلتهمني النهاية،
وإن أجبرتُ على التفرج، سأقتل الراوي”.

لا أحد يحتاجك الآن
سوى صورتك القاتمة.

* أسماء عزايزة:
شاعرة من حيفا
مواليد 1985

سبع نصوص لنصر جميل شعث



● ● ●
لاءات
لا تَضحكْ أمامَ المِرآة.
لا تَصرخْ، ولسانُـك داخلَ فمِكَ، في ليلةٍ بلا شمعة أو أمّك.
لا تَرشقِ الماءَ، مِن دَلوِكَ الأسودِ، على هُدوء الريح تحتَ شَجَرة.
لا تَتّخذْ باطنَ كفِّكَ سَماءً لفوّهة.
لا تَدعسْ بحذائِكَ المَدَنِيّ، على علبةٍ فارغة.
لا تَقطعْ من رأسِك شعرةً، وتَعْقدها مَرّتين.
لا تَشترِ الشّموعَ مِنَ العُميان.
مَسافة
مَسافةٌ ليدٍ تَقضم الهواءَ،
وخُطىً بين البيوت التي خفَّفَتْ مِن إناراتها فرحةً بالقمر.
مَسافةٌ لصغارٍ:
بدلاً من الدُّمَى، يُداعبونَ ظلالَهم.
بدلاً من النهود، يَنفخون البالوناتِ بماءِ الصنابير…
ويَهربون من جُرعةِ الدواءِ،
إلى انفجار القمر!

حَمْلٌ ثابت
كلُّ شيءٍ في مكانِه:
زُجاجةٌ على فَمِها،
رسالةٌ على منحنى السلحفاء،
جَرَسُ الساعةِ في جدار الصباح،
طابةٌ تَصْعدُ السُّلَّمَ،
فَراغٌ في الجردل،
انقطاعُ الوحْي والكهرباء،
وحَصْوةٌ في النعلِ،
تَجْرَحُ السِيراميك.

غبارُ الجنرال
عندما يَمرّ العالَمُ مِن بينِ يديكَ
لا تقبضْ عليه،
لا تكتبْ رِوايةً،
ولا تقل الفلاسفةُ مَرّوا مِن بين يديّ.
إنَّهُ غبارُ الجنرالِ العابر؛
طاحنًا القمحَ في عينيكَ لِتعمى،
ولِيَجُوعَ صوتـُك للهواء وللرؤى.
……………………………
……………………………
وعندما يَمرّ العالَمُ من بين قدميْكَ
لا تنظرْ إليه،
إنَّهُ في مَرمَى البول!

يَرفعُ للأفُق تُرابَه
شَخصٌ بلا مرْكز،
بين شَراسةِ الأمل وقداسة السكينِ
أعلنَ الحربَ على نفسِه،
وفي الطريق إلى السِّلاحِ اعْترَضَهُ نهرٌ
بلا مَجرى وذاكرةٍ؛
فاستأذنَ الشَّجَرةَ ليصنعَ
من بنْتِها قاربًا للضفة الأخرى.
ماتَ الشيءُ الكبيرُ على قلبه؛
قالوا على القلب ضَريحٌ،
وقالوا على البابِ غابةٌ.
وحدَه الشخصُ قال:
شاعرٌ يَرفعُ للأفُقِ تُرابَه!

حِوارٌ وطَني
ـ مِن أينَ ليدِكَ الجرحُ الحُلْو؟
مِن قدمِ حمامة.
ـ وهذا العِرْقُ الواضح؟
مِن تجرِبةِ النهر.
ـ وبماذا تَحلُمُ في الليل؟
بالليل.. ومُختلَفِ الأشياء.
ـ وإذا ما فاجأتك المرآةُ بنقصٍ؟
يدِيْ قطَعَتْ يدِيْ.
خمسَةُ شَواهِد
(١)
افتَحِ الشُّبَّاكَ،
أعْطِ ساعةَ الغُرفَةِ ظَهْرَكَ،
وقُلْ لسائلِكَ عنِ الوقتِ:
ليس لي عينان، في الخلفِ، يا أعمى!
(٢)
افتحِ المُوسيقى،
أعْطِها ظهْرَكَ،
وقلْ للمرآةِ:
لي خلفيّةٌ مُوسيقية!
(٣)
ما اللمْبةُ إلا:
وَرَمُ الضوء في عينيكَ،
يا أيها الشاعر!
(٤)
الشعرُ لا تزنُه يدٌ؛
الشعرُ شاهدُك الذي يـُقيمُ وزْنـًا
لحركةِ اليَدِ في الهَواء!
(٥)
افتَحِ الخَزانةَ،
وَرّطِ الحَيرةَ في ألوانِ قُمصانِكَ.
أغْلقِ الخَزانةَ،
واخْرُجْ عارِيًا إلى النسيان!

* نصر جميل شعث:
شاعر و ناقد من غزة هاجر مؤخرا إلى النرويج !
مواليد 1979

غزة تشبهك../ نص لكرمل العباسي



● ● ●
تماماً مثل غزة أنتمي إليك
لا تاريخ مشترك ولاذكريات طفولة…
ولكنني أنتمي إلي ك/ها
أخبز عمري من غبار شوارعها
أعانقها وألعنها آلاف المرات
أشكيها لبحرها فأجده يبكي نفسه من قسوتها
تتسربل في مياهه وتبني جدران لتفرق القطرات عن بعضها البعض
تأمر بهجرة حورياته
تزرع طحالباً
وترحل …
الشمس تطلي أظفارها بملح البحر
وتجدل خصلاتها بحجارة تقصف الأمل
غزة أهدت بحرها لأبي مصعب…
ظنت أن خصرها الساحلي يغريه
وأنوثة الشمس المتفجرة في جلدها ستعلقه بها
ظنت غزة أن ضحكات الكمنجات في أمواجها
ستحول حياته لحناً يغنيه الأطفال في حصص التاريخ
ظنت أن بؤسها سيحوله إلى كحل في عينيها
نسيت غزة أن أبا مصعب عابرسبيل
أن عطر البحر لا يناسب رئتيه الصحراويتين
أن ترجمة بؤسه هي زيادة معدل الرطوبة!!
أن جنوده يخافون صبغة النبيذ الأحمر
غزة تشبهك …
صدى كلماتك يشتهي جناحا طائرٍ يذوب في التيه
شرفاتك تشرِّع حقيقة اللوعة
نبيك يحرق غزتي/ نبيي يشعل حرائقك
ألملم حلم قهوتك وأطحنه بهيلي
صدأ الانتظار ألتهم ركوتنا!!
غزة تشبهك…
تهزمني وتُمَتِعُكَ هزيمتي!!
تشبهك…
أغوص لأجمع طينها فتعلن الغياب
آتي بحلي التاريخ وأعطرها بماء الزهر
تقبُلُني ومن ثم توزعها لغمامات تغتصب بدرها
آتيها بنثري فتعصره فوق حساء جندها ليختلفوا حول لغة الله
كفيها يصفقان لتهز خاصرتي
وتشعل خلخالاً في قصة قديمة

* كرمل العباسي:
شاعرة من غزة
مواليد 1985

حيرة/ نص لداليا طه



● ● ●

حين أقول
تعال
تتأمل جرح الهواء
كمن يحدق
في وردة تتبخر، ثم تغيب
في مراياك
كمن يمُدّ ظلاله
في سورةِ الرحمن

حين تقول
تعالي،
أضيءُ ثلاث شموع
ولا أرى في
رجفة الماء
الذي يتسلل منك
سوى النوافذ التي
تشلحها قرب
ظلِّي

الهواء الرطب
وخشوع الراهبة التي
لا تتوقف
عن تأملي وأنا أعيد إلى
الجدران صلاة الغائب
يجعلاني أتحسس
من أشعة
الشمس وهي تغسل ظهري.

يرفعني الحب
ينزلني، درجتين
ثلاث
نحو ظلّك الذي
ينحُل فيَّ ثم
يكبر وهو يصعد سلما
من غبار.

حين تقول تعالي
آتي، كمن
يدخلُ جوقةَ ليستضيفه
الناي
ثم أخجل من ما
يظلِّل ساعدي قرب
صمتك.
مساءات من فضة
وغيمٌ يسيرُ في النهر
ويحمل الضفاف
إلى موجة
تتشكل.

حين تقول تعالي
تختفي فيّ
الطريق إليك.
وتغفو خلف خطاي
الساحات
حين تقول تعالي
أنسى
الطريق وأجرح معصمي
لأظل خلف
الباب أجفف ما
يسيل من
دمي.

* داليا طه:
شاعرة من رام الله
مواليد 1986