كالكهوف و الآبار

الآن هي جالسة على عتبة دارها ..تضع يدها على ذقنها مثل المتسولين أو العجائز اللاتي ينتظرن الموت بطريقة أخرى, و برحابة..يمرّ جارها عليها,يلقي تحية الصباح بمكر,و قبل أن يبتعد عنها قليلا يعود مترددا إليها..يحملق في وجهها بعينين يملؤهما الذهول و فمه فاغر ..
تنقبض خطوط وجهها التي ارتسمت مبكرا,تبدو كامرأة مجنونة يلاحقها الصغار بالضحكات و يرشقونها بالحجارة..لا ليس من ارتباكها من جارها الذي عرف بمصيبتها بل من زوجته التي تراقبهما من شباك غرفتها,ربما تقول الآن في نفسها”و أخيرا انكشفت ألاعيبكَ يا خائن”..
يرفع جارها عينيه إلى حيث نظرها متعلق, يلمح زوجته و يتمتم بملل ” حمقاء كلكنّ واحدة”..
يستعيد حالته البدائية التي كان عليها قبل رؤيتها..تضمر عيناه و تصبحا بحجم حبة الزيتون..يسير إلى نهاية الطريق و يبتلعه ضباب الصباح الباكر..يتركها مع مصيبتها التي تسببها ذات لقاء جهري..النطفة انبثقت في رحمها ,لقد اكتشفها الطبيب و عرف سرّها..وحدهم الأطباء طيبون كالكهوف و الآبار..صامتون كمصيبة ملعونة !

مدينتي..

مدينتي مثل باقي المدن المهجورة
خالية من تكنولوجيا تقريب الصوت لِـ الصوتْ !
خالية من مضخات الماء
و مروحات الهواء
انها مثل كل المدن التعيسة
مثل كل الجمال القبيح !

ما قد ذَهَبَ

حينَ رأت القمر قالت :
هذهِ شمسنا ..
وحين رأت الشمس قالت :
هذه قمرنا..
و حين رأت الفضة (أو أنها لَمْ ترَ شيئا) قالت:
هذا ما قد ذّهّبَ من انصهار عمرنا في اللذة !

سخرية الاقدار

لم أكن أتوقع أن كلمة صغيرة خرجت على غفلة مني ستغير مجرى حياتي و تقلبني رأسا على عقب,قال كأي سائل مثل أستاذ لتلميذته ” بماذا تحلمين ؟”,صمتُ قليلا و قلت ” بكَ “..
زم شفتيه بفتور و قال ” بي “..
هكذا حكمت على نفسي بنفسي ,و تورطت في قدر غامض..
جس بأصابعه يدي و قال ” كيف يعني بي ؟” .كان يبرق في عينيه ضوء حالم,و بالرغم من أنني شممت رائحة لا بد من تعطيل الحواس عنها إلا أنني سحبت يدي من تحت أصابعه و نقرت بابهامي على أرنبة أنفه فيما أقول ” يعني بك “..
بعد عدة أيام عاد و سألني ذات السؤال ” بماذا تحلمين”..قرأت أثناء سؤاله شفتين تستنطقان حبا ما !..لكنه متردد و في غاية الحيرة في أن يعترف أحدنا به أو يبوح و لو بذرة منه..
شعرتُ بأنني بين لحظة و لحظة لم أعد أنا أنا,شيء ما اغتالني,قلتُ بلا وعي ” بكَ”..
و في اليوم التالي..حين التقى بي الرجل في المكان المعتاد ,عند بائع الجرائد ,كرر السؤال عليّ و كررت الجواب عليه..فأدلى عليّ بموعد في مقهى قريب يكون في المساء..
(في المساء) جلسنا إلى طاولة معدة لشخصين فقط..مرّت نصف ساعة و كلانا لم ينبس ببنت شفة,لم نسمع غير الموسيقى الهادئة و أنفاسا صاخبة تنطلق من رئات منقبضة ..
قلتُ في نفسي”لأكسر الصمت و لو بكلمة”:
– تكلّم
ارتعش الرجل و عرفتُ أنه كان سارحا متعمقا في التفكير بشيء جاد يشغله
– لماذا لا تنثالين بالبوح ( قال)
تفاجأتُ من كلامه.قلتُ:بوح؟!
أتى النادل بفنجانيْ قهوة,مدهما إلينا ,و قبل أن يذهب قال بذكاء”أنا كل ليلة أحلم بامرأة أخرى تختلف عن السابقة التي أعجبُ بها هنا في المقهى و هي مع حبيبها”,سكتَ للحظة و حين رآني منشدهة إليه تابع متشجعا ” أنتما كأنكما واحد,فاحلما ببعضيكما تجدا الكمال..في الحب”..و انصرف.
تأثرتُ بكلام النادل و استرجعتُ أول مرة سألني وقتها الرجل عمّا أحلم, و لم أكن أحلم بشيء بعد..
– انثالي بالبوح..كلانا مشتعل
مددتُ يدي و تناولتُ فنجان القهوة,بقيتُ صامتة,أصطنع الصمت بمهارة ,و بدا على أرجحة السائل البني في الفنجان ارتباكي و اضطرابي,فقال:
لا تتهربي..طيب قولي لي بماذا تحلمين؟
و بلا وعي انفلتت الكلمة من بين شفتاي ” بكَ “
ضحكَ الرجل و قال ” يكفي هذا لأن يكون بوحا “
حزنتُ..أجهل لماذا؟ ربما لسخرية الأقدار!
قال ” كم أحبكِ..ما أصغركِ إنكِ مثل ابنتي “
ثم غادرنا المقهى و لم أذهب لشراء الجريدة بعد ذلك المساء ..

من مذكرات الملل

“العمر قصير..لكن النهار طويل”
..غوته

الساعة الرابعة صباحا:
ارتجف تحت وسادتي شيء ما,كنتُ مرهقة من السهر على مذاكرةٍ لأول امتحان من امتحاناتي في كلية الآداب/عربي..حاولت أن أفتح جفوني,لكن أبدا النعاس يسيطر عليّ و النوم يخدرني,مددت يدي تحت الوسادة,سحبت القطعة الصغيرة التي ترتجف,وضغطتُ بكسل شديد على أيّ زر فيها..ثم عدتُ أغط في نوم عميق..بلا قاع!
بعد وقت,لا أعرف بعد ماذا بالضبط,فوجئتُ بيدي تتسلل تحت وسادتي,سحبتْ القطعة الصغيرة من جديد,كانت شاشتها الزجاجية معتمة,ضغطتُ على الزر الأحمر و نزعت الشرشف عن جسدي..
إذنْ؛كان منبه الساعة يرتجف لأنهض!..لأفتح الكتاب و أكمل المذاكرة اللعينة..قلّبتُ الصفحات,مائتي ورقة تعج بكلام لن يقدم لي شيء مفيد في الحياة..عليَّ أن أدرس و أحفظ و أحشو رأسي هراء يجر المتاعب لي..
و حين يئستُ,قررتُ أنني انتهيتُ من حفظ أول كتاب,صفقتُ دفتيه بعنف, و تمددتُ على الفراش..الدائرتان السوداوتان في عيني تتحركان بلا اتجاه محدد,
– كأنني جسد بلا روح
اقترب موعد الامتحان,شعور آسن بالخذلان يتفشى سمه فيّ,كدتُ أغفو و أنسى الامتحان لولا ذلك الصوت..صوت خشخشة ينبعث من فوقي,رفعتُ رأسي و نظرتُ إلى مصدره,فإذا بصرصار ذي أجنحة يرفرف…قفزتُ مذعورة و هرولت خارج الغرفة..ارتديتُ ملابسي و زحفتُ نحو الجامعة..
الطرقات خالية من السيارات,فالاحتلال منع تزويد محطات البترول بالبنزين و السولار..و غاز البوتجاز,و كم أحمد الله أنّ غاز الأوكسجين خلق حرا غير قابل للاحتلال و الحصار..والمنع!
قطعتُ نصف المسافة مشيا حتى وجدتُ أخيرا سيارة قذرة انتشلتني و قذفتني إلى الجامعة..
المدينة سابته..المحال و الدكاكين ما تزال مغلقة..الريح الكمين الذي يهب بين الفينة و الفينة ينذر بموت بطيء..
وطأتُ بوابة الجامعة..صديقاتي يتسطّرنَ على الكراسي المرصوفة داخلا قرابة البوابة..ابتسمن لي من بعيد..ألقيتُ عليهن تحية الصباح بإيجاز..كنّ يتناقشن و يراجعن الدروس,يا للتعاسة..أرجعني ارتباكهن إلى الوراء..إلى اللاشيء و العدم من جديد..إلى السؤال الذي يلح علي باستمرار:”لماذا عليّ أن أدرس ما لا يفيدني و لا أحتاج إليه؟َ”..من هذا السؤال الذي أدمنته,انبثقت فكرة المستقبل في رأسي,أن أصبح محاضِرة أكاديمية و في هذه الجامعي..أخبرتُ صديقتي فاطمة بهذا الشأن -ابنة دكتور الأدب و النقد العربي الذي يحاضرني-..قالت: “التعليم في الجامعة صعب جدا..كم ينهك أبي”,ثم بعد صمت تابعت: “أنتِ هادئة يا كوثر..لا يناسبكِ التعليم,البنات(تقصد الطالبات) سيشيبن شعر رأسكِ”..أبدا لم أتأثر بكلامها,كانت تتحدث معي بشفقة!,فوجهي الطفولي ترسمه في عينيها العسليتين بصورة البنت الصغيرة المدللة الرقيقة الحساسة…وكل الصفات المسكينة المثيرة للحزن و العطف !!
أخذتُ من إسراء رقم قاعة الامتحان و انصرفت..
امتلأت القاعة..الساعة تشير إلى التاسعة تماما..دخل ثلاث مراقبين,وزّعوا الأوراق,سرى الخوف و الارتعاش في الأصابع الملتفة حول الأقلام, و على الورق..و انتشر شبح السكون بين المقاعد و على الجدران و فوق السقف..
كانت القاعة وااسعة,تتسع بحجم ارتباك الطالبات..
وصلتني ورقة الامتحان..كتبتُ اسمي و رقمي الجامعي..كنتُ عادية و لم أشعر بأي ارتباك تجاه ورقة الامتحان..بدأتُ حل السؤال الأول,خمس و عشرون سؤال”صح أو خطأ”,أجبتُ عليه..و طبعا معظم إجاباتي دونتها بطريقة”هادي بادي”!..أما الأسئلة الأخرى فأجبت عليها كيفما اتفق مع ما دسسته برأسي..
في النهاية ,بعد ساعتين من عراك ذاكرتي مع النسيان و مع الأسئلة الخبيثة,قمتُ بإجراءاتي النهائية على الورقة,مسحتُ الإجابات بنظرات جاحدة و سلمتُ الورقة للمراقب..وتحررتُ من القاعة السجن و من أول كتاب !
عند النافورة التقيتُ بوفاء – صديقة طيبة – ,تمشّينا قليلا بين ممرات العشب و كنت خلال ذلك أصطدم بأكتاف المارين, و أفاجأ برؤية صديقات قديمات,صديقات المدرسة,تشدني الواحدة منهن إلى صدرها و تضمني و تقبلني..أقبلها بحياء,فأنا كثيرا ما أتفادى لقاء صديقة تعبر عن شوقها إليّ بالقبلات!..
انحدرتُ مع وفاء إلى دائرة القبول و التسجيل في الجامعة,انحدرتُ بكامل بؤسي..كانت غرفة التسجيل كالقبو,لكي نصل إليها علينا نزول عشر درجات كبيرة تحت الأرض,ضحكت في نفسي على ذلك فكأنهم يعرفون بأن هنالك طالبة مهملة الجامعة!..
اقتربتُ من موظفة التسجيل,دفعتُ لها أربعين دينار, و سجلت للفصل القادم من الدراسة الجامعية..

12/5/2008
الساعة الثامنة مساء الاثنين