السهر لأجل قراءة كتاب مُهرّب !

الساعة الواحدة منتصف الليل..
تذكّر أن هنالك في البعيد.. وراء الحدود.. رغم القصف و الخوف و البكاء: ثمة صبية من غزة وصلها كتابك مهربا عبر الأنفاق, الآن تفتح الكتاب على شتاء طويل يزخ في قميص رجل مجنون..
أمي أبي جدتي مريم ساجدة عادل كلهم نائمون..
المصابيح مطفأة, لماذا يحبون النوم في العتمة؟ و دائما لا ينامون إلا حين يعود التيار الكهربائي بعد انقطاعه لساعات طويلة و مملة جدا !!.. قططنا تركض في سكون البيت, تبعثر كرات الصوف و تدحرجها بين أقدامها الصغيرة.. حشرات لطيفة تطفو على سقف الغرفة..
تأكدت من نوم الجميع.. اطمأن قلبي و حملت كتابك لأدهشه بمفاجأتي المخبأة له.. وقفتُ و مشيت بخفة نحو باب البيت.. عندما وضعت المفتاح في ثقبه و فتحت الباب صدر صوت أزيز صدئ لا يُسمع, لكن أمي نهضت عليه و هرولت إلى الباب.. بسرعة دسست كتابكَ في معطفي و تظاهرتُ باللاشيء.. بسملت أمي و حوقلت ثم وضعت يدها على رأسي و هي تقول” مالها بنتي بتهلوس” و قرأت عليّ آية الكرسي و آيات أخرى لا أحفظها.. تنهدتُ و أبعدت يدها عني, قلتُ بحنق” ولاشي.. أردت أن أغلق باب البيت لأنكم نسيم أغلاقه بالمفتاح”. ابتسمت أمي آآهااا, و عادت إلى نومها..
تسللت إلى سطح الدار..
ياااااه لأول مرة أرى الغول.. و ضحكتُ حين تحول برميل الماء إلى غول!. السخانات الشمسية بدت و كأنها زلاجات و الحنفيات كرات ثلج.. الليل على سطح الدار ليس قويا كما في البيت من الداخل, هنا ليل مضيء حنون طيب دافئ.. جدا دافئ مثل قصصك و شبقها الصاخب..
أشعلت الشمعة و أخرجتُ كتابك من معطفي.. شعرت بأن الأوراق ترتعش بين أصابعي. لم يكن الصيف على سطح الدار باردا, ربما يكون ذلك لهفي و اشتياقي..

الساعة الواحدة منتصف الليل.. ليل غزة التعيس..
كانت صبية اسمها أنا, تسللت إلى سطح الدار لتقرأ كتابا جميلا تحب حكاياه التي يكرهها أبوها, فأبوها الذي على عتبات الستين يخاف على ابنته الصغيرة من الضياع و فسوق الروايات و صحبة الكتّاب الذين سيودوون بالصبية إلى الجحيم و سيهيمون بها في كل واد..
الصبية كانت عند الساعة الواحدة قد بدأت بقراءة القصص و هي تنتظر من صاحب الكتاب أن يرسل لها رسالة تصلها في بداية قصة ” خذيني إلى موتي” و تنتهي الصبية من قراءة الرسالة عندما تنتهي من قراءة الكتاب و تغلقه و تضعه تحت وسادتها..كما وعدته!

( إنتَ معي ولا ايش ؟)

1:18 صباح الثلاثاء
2/6/2009

الوحيدون كذّابون !

حين تسألونها عن الوحدة, ستقول لكم عندي أخوات كثيرات..
لا تصدقوها فهي وحيدة, لا أخ و لا أخت لها.. تنام وحدها في غرفتها, ترقص وحدها تغني وحدها تمارس الحياة وحدها..
إنها شقيّة و مشاغبة و تتحلى بالأخلاق و المحاسن الصفيّة, لكنها كذابة..
لا تصدقوها.. ليس لها أختْ.
سامحها لأنها لا ترد على اتصالاتك ليلا بحجة أنها تخاف من أختها الكبيرة؛ لإلا أخبرت أباها بأن أختها تتصل مع رجل في “نصاص الليالي”..
هي وحيدة.. هل كل الكائنات الوحيدة تكذب!
1:18 صباح الثلاثاء
2/6/2009

الصبية التي ستقول…

الآن..

الليل يمشي إليّ صامتا حزينا يطفح على وجهه سر غريب.. يلقي على سريري ظل رجل غريب.. و أنا امرأة غريبة.. خبيثة و طيبة و لا تعرف كيف تحب أو تعطي قبلا أكثر مما تأخذ من الآخرين شفاها..

كلامي غريب.. أكتب مذكرتي.. لأول مرّة أكتبها و أنا أضحك أقهقه.. الكل نائم.. بعضهم حالم و بعضهم يصرخ في كابوسه..

يفصلني عن أمي المطبخ و باب الغرفة.. هي أيضا نائمة, لو تعلم ما أكتب.. لو يقرأ أبي هذه المذكرة.. لو يسرق أخي أوراقي و يضعها على مكتب أبي.. لو يخبرون أهلي ماذا كتبت ابنتهم الصبية و عن ماذا كتبت.. من يا إلهي سيفضح مذكراتي؟..

رأسي ثقيل.. وزن النعاس يساوي كمية سهري التعيس.. كيلو تفاح و حبة كرز على لسان رجل خفيف العقل طائش يمشي أثناء نومه!..

قولوا لي:

ماذا أنا أكتب الآن؟

هل أنا حقا صبية ستقول…

دائما أنا ساكنة و هادئة و صامتة..

ثرثروا معي..

ربما يتحرك لسان الصبية قليلا فتسمعوا صوتها.. ربما تكتشفوا محيطاتها و بحارها و غاباتها..

ليلي يحرضكم على اختراقي.. ثمة أطلنطا يربض في مكان ما داخل الصبية.. خذوا عنها فكرة الحب.. فكرة الصمت اللذيذ.. فكرة الانتحار السريع..

ها أنذا أمزق كتبي الجامعية.. المنهج المقرر لا أحبه.. كتاب البلاغة لم أشتريه و سأرسب في الامتحان إن لم أدرس.. فلا كتاب معي ولا ملخص و لا أي علم بالمادة؟.. تلميذة راسبة تكره الدراسة و تحب قراءة القصص و الروايات و الشعر.. أساتذتي لن يرحمونني, و سأهلك أبي في دفع رسوم الجامعة مضعفة..

هسسسسسسس

أنا أهلوس

الحروف تتداخل و السطور تتشابك.. كلام غريب يتكون هنا.. من يقرأ الآن كلامي هذا؟

لا بد و أن صديقاتي سيقرأن مذكرتي, و سيسألنني غدا عن ظل ذلك الرجل, يتغامزن لبعضهن و يحاولن الحصول على معلومات خاصة بقلبي..

وفاء ستقول عني “معتوهة”

نور ستصيح بي “يا الله شو انتي مطنشة العالم”

و أنتَ.. أنتَ.. سأتصل بك غدا و سأقول لكَ ” شو رأيك بهاي المزكرة؟ ”

هل قرأتها؟

 

 

 

27/5/2009

الواحدة صباح الأربعاء

 

 

تفاصيل الحلم

كنت أحلم.. حلما طويلا يشبه اليوم الصيفي الحار الذي لا ينتهي.
أنا على شاطئ البحر, أرى أمامي غسان ابن خالتي و ابنة عمي صفاء مع أصدقاءهما يلعبون بالرمل المبلل و يبنون قصورا رملية جميلة.. السفن مثل السلاحف تزحف إلى المياه القوية, تنفخ الريح في أشرعتها فينتشي الصيادون لذلك.. يبحرون حتى يختفون خلف زرقة هائلة من السماء و البحر و أعماق السمك..
جدتي لاحظت شرودي, جاءت إليّ و حوطت عنقي بخيط رفيع تتدلي من نهايته صدفة كبيرة لونها أحمر و مخططة باللون البرتقالي. ابتسمتُ لها و وقفت ثم سرت ببطئ لأبتعد عنها بشكل مهذب. تبعتُ خطوات سلطعون يتجه نحو حفرة صغيرة.. كان يحمل على ظهره فتات”خبز قمح”.
ناداني عمي خليل ” تعالي.. يلا شوينا السمك”. نظرتُ إليه, كانت المسافة بيننا بعيدة مما دفعه ذلك إلى أن يكرر نداءه و هو يكور يديه حول فمه مثل ” المايكريفون”. لوّحت له بيدي, ففهم أنني سمعته. ذهب و انضم إلى حلقة الأهل حول السمك المشوي..
كانت رائحة السمك المشوي حادة. لقد أغوتني..
ركضتُ نحو الرائحة بنهم..
فركتُ عيني, مرة.. مرتين.. ثلاث.. كثيرا !!
أين هم؟! عمي خليل؟ غسان و جدتي و صفاء؟؟.. لا أحد هنا غير السمك المشوي!!
التفت حولي, هززت رأسي يمينا و يسارا كمن ينفض عن رأسه وسواسا.. فقط أنا و هذا السمك؟!
فإذا بكَ تفاجؤني من الخلف, تغمض عيني بيديك و أنت تقول ” حزري مين أنا”. ضحكتُ بصوت عال و قلتُ “اممم.. انتَ”. و هنا انتقل الحلم و تحوَل إلى قصة أخرى!.
و أنا أسرد لكَ حلمي هذا, أتخيل كل الأحداث و التفاصيل.. تماما أذكرها, كانت مثل فيلم سينمائي تعرض حلقاته متقطعة.. غريبة و غير مترابطة مع بعضها البعض.
ثم وضعتَ ذراعك على ظهري, و الذراع الأخرى في بطن ركبتي, حملتني كالمنومة و مددتني على الرمل قريبا من الأمواج, لكنها لم تصلني و لم أبتل..
كانت السحب تبدو فوقي كالبلالين الزرقاء..
و أنتَ جلست إلى جانبي و صرت تقص أوراقا و تلصقها.. تصنع طائرات ورقية و تغني.. تغني.. تغني أغنيات خرافية بدون لغة أو نهاية!
هنا انتهي الحلم.
صحوت من نومي فوجدت حديقة ورد فوقي.

12/4/2009
1:12 مساء الأحد

بعثرني الشتات على الرصيف

بعثرني الشتات على الرصيف
يبعثرني..كم أجهل الطريق !
السابلة يدوسون على ورودي
أحذيتهم بلون ظلي

ساقية غبار تجدد الحزن
لم أجدك في ازدحام الوجوه
و لم يمسح الليل آثار يومي التعيس
أدري أن النجوم بعيدة
و هذه الخمر تعتقت من تفاح يديكَ
أدري أنني أبعد من أي شيء
و أنّ الانتظار قريبي
و أغنية المتسولين على العتبات غريبة
كأنها اللغة إذْ تنهل الموت
كأنها أنا..لاا تسأل كيف دونك!!

2008

لا تحاول

أستشعر الرحيل بجانبي.. قلبكَ يُقبّله.. ولا يكفر به..
وإذا مرّ سرب من السديم.. بـ (عالمك)..
تهجع للفراق.. وتؤمن بتلويح اليد..
مللت رؤيتك.. وسَلوت هواكَ حين السهاد..
تعبت من الصّب والصدّ..
جفوتني ليالي وحُججاً.. وقلبي يضيع هنا، وهناك..
حيث لا ضوء ولا قنديل..
ورُميت بالملال في بيت العزاء..
– وجدّي الحداد –
والعذيب فاض من دمعي.. والظلّ استقى منه وملّحه..
حتى ضلّ البدر عني.. ومات السمر على شفتيّ..
وأشاع اليأس والبؤس ليلك..
يا مُعمر الغدر في القلوب..
لا تحاول… واهاً!!..
وكيف تروم الغفران مني لخطاياك؟!!..
وخطاياكَ ألا… تنقشع!
ذنوب العاشقين في الكون.. قد نهلتها
وفي قرارة قلبك.. تطلب كؤوساً من نبيذ الصبابة
لتشرب… وتشرب..
وتروي ظمأ فيافي فؤادك الكاذب
سريت وطعنتني.. ولم تفكر بالوداع..
جعلت العتمة في دجن وعودك.. نُسكاً للظالمين..
فبأيّ لسانٍ تُحدثني؟!! وبأيّ حديثٍ تُراضيني؟….
فلا تحاول…
إني نأيت عنك منذ سنين.. وفجرت من فجر البُعد
انتفاضات الرحيل..
لأضمد كلومي التي فتحتها.. وأخثّر دماء اليأس
وأفتح لبوابات الصّب
أوطان الطهر
في وجدي.. أنا وحدي
فلا تحاول…
قد سئمت العتب وتعبت.. فانسني كما نسيتك
ذات مساء مدْلهم
زدته سواداً بخداعك
ورحلت
فلا تحاول…
لا
ت ح ا و ل


2007

قصص قصيرة جدا

وردة الزقاق
أول الزقاق؛دسَ الوردة في جيب معطفها.لَمْ يكن أحدٌ ما غيرهما.و حين وصل نهاية الزقاق فوجئ بطفل صغير يُصفق ويغني بصوتٍ فاضح:الله معك يا هوانا !.

المغادر
يومها اعترفتَ بحبكَ.حلفت.لكنكَ كذبتَ.ها أنتَ لم تقل “سأعودْ”.
و غادرتَ المخيم.

حزن جميل
انكسرت درجة واحدة من سلم البناية..
تذكر جيدا: درجة واحدة..فقطْ.
أيضا قدم واحدة..قدمي الصغيرة التي قلت يوما عنها مداعبا ” مثل كرة الثلج “..فاستثرتني وانبثقنا في مشاكسة قصيرة عن الفرق بيننا والأطفال..أوصلتنا في النهاية إلى حزن جميل..رق على شفاهنا ممتزجا بملح الذكرياتْ.

بطاقة دعوة
يأتيكَ ساعِ البريد برسالة في غير موعدها..تفتحها بلهفة,و بعدما تقرأها,تُفاجأ أنكَ مدعو لزيارة صديقكَ المقيم في بلدٍ بعيد..صديقكَ الذي لم تلقه منذ سنين طويلة..
تحمل حقائبكَ الصغيرة,و تُعد نفسكَ للسفر..و حين تصل المطار وتظهر بطاقة الدعوة للموظفة الأنيقة,الجالسة خلف شباك التذاكر,تصدمكَ وتقول ببساطة “تاريخ الزيارة انتهى”,تنظر إلى التاريخ المدموغ على الورقة,فتجد أنه قد مضى عليه دقيقة واحدة..فقطْ !

زائرٌ ثقيل
ترتدي ملابسكَ الجديدة,تتعطر برائحة باريسية شاعرة وثمينة أيضا..تلف أصابعكَ حول عنق الوردة الحمراء,تتأكد من أن بتلاتها ما تزال تحتفظ بملمسها الناعم ونضارتها,فتقربها إلى وجهكَ,يُلامسه..ناعم مثل زغب نبت خلف أذن موسيقية..ترمي ترتيباتكَ الاضافية على الغرفة,مع آخر لمسات ونظرات..تُغير مكان المقعدين,فتضعهما بجانب النافذة,تأتي بأجمل فنجاني قهوة تقتنيهما..المرأة الجميلة التي تنتظرها ها هي تقترب من باب غرفتك مع اقتراب عقارب الساعة من الموعد..تطرق باب غرفتكَ بدفءْ..تدلف لفتحه..يهتف صديقكَ مندهشا:ما أروعكَ..
تُطأطئ رأسَكَ.يا لها من خيبة ويا لها من زيارة ثقيلة أتت في غير موعدها !.

جثة حارة
تسللت وشوشاتهم من وراء الباب.لم يحتمل أكثر..دفع الباب بقبضته وقال بحنق:”ماتْ ؟!”.طأطأت الممرضة رأسها دون أن تنبس ببنت شفة.قال الطبيب:”العمر لكْ”.بكى الرجل ونزع الغطاء الأبيض عن بطن زوجته.بانَ رحمها مثل كفن..كان الوليد جثة حارة,عيونه مفتوحه.لونها أخضر..و فمه يبتسم..لكنه أبدا لم يصرخ أو يتحركْ.

2008