سأبدأ يوميتي هذه بشكل كلاسيكي، لأنني على عجلة و أريد أن أذهب لأتمدد في الصوفا أمام مسلسل المكتب الأمريكي. أيقظني تيغَي، قطي غريب الأطوار، الساعة التاسعة، كان تيغي في مزاج نشط بحيث يقفز فوقي و يضرب رأسي بيده الصغيرة في محاولة لأن أحرك جسدي، خصوصا قدمي، فيهجم عليها و يتعارك مع أصابعي.. أزحت الستائر، أسعدني منظر الشارع العاري من الثلج، و أخيرا ذاب البياض و ظهرت الأعشاب الخضراء و اسفلت الشارع. كنت متحمسة جدا لهذا اليوم.
ذهبت إلى مكتبي الذي انتقل إلى الغرفة المجاورة لجارنا الضفدع، سميناه ضفدع لأنه يستحم ليليلا لساعات طويلة تصل الصباح. قررت أن لا أعمل، اليوم يوم الرواتب و نهاية العمل الشهري (حسب روتين عملي الحر في المحاسبة). إنه يوم أهم من كل ذلك.
أخذت القطار المؤدي إلى هورنشتول، المنطقة التي عشت فيها لسنوات و سرقت قلبي للأبد، فهناك بدأت حيايتي الحقيقية كما لو أنني ولدت في العشرينيات من عمري. كنت مرتبكة و متحمسة، دخلت كلانج، المطعم و البار المفضل عندي. كان ناشري السويدي ينتظرني بابتسامة عريضة. ثم جاء مترجمي السويدي أيضا.. طلبنا بيتزا و نبيذ و بيرة، كان ناشري يعرض خطته بعناية جميلة، و مترجمي يطرح الاقتراحات باستمرار.. خططنا لنوعية الورق و حجمه و نوع الخط و تسلسل النصوص و عنوان الكتاب و التصاميم و كل شيء يتعلق بكتابي الشعري الأول.
سوف أنتهي من تعديل كتابي مع المترجم في عطلة الأسبوع، ثم نرسل الكتاب إلى الناشر الذي بدوره سوف يطبع بضع نسخ تجريبة لأوافق عليها.
هل لديكم اقتراحات أو أي شيء لتقولونه بخصوص الكتاب؟ اكتبوا لي : )
هذه اليومية للاحتفال بيوم سويدي في مكان دافئ لأجل خطة صاخبة.
Category: Arabic
Arabic Texts
بار الرجال الخرائيين

انتقلنا إلى هذا الحي الجديد منذ سنة و نصف. حي أسميه ‘أوفي’، لأنه يشبه إلى حد ما أحد الأفلام السويدية في السبعينيات، البيوت واطئة مكونة من ثلاثة طوابق و بدون مصاعد كهربائية، يفصل البيوت أو العمارات حدائق صغيرة فيها مراجيح و مكان مخصص للشواء.
الحي يختلف تماما عن الحي الذي قطنت فيه مسبقا، لا وجه شبه بينهما. فمثلا الحي السابق كان يصخب بحياة الهبسترز و كنت الوحيدة التي أحمل بشرة ملونة لدرجة أن الجيران الشقر جميعهم حفظوني، لم أميزهم لأنهم كانوا كلهم بلون واحد و صمت و خجل متشابه.
لطالما مررت عن بار ‘هانكس هيفين’ ذهابا و ايابا من محطة القطار. البار يقابلني خروجا من جهة اليسار، أمشي إلى البيت و أحمل في مخيلتي شكل البار كما أتوقع من روّاده المتقاعدين و المدمنين الذين نسميهم ‘خيت غوبّار’ (رجال خرائيّون). لا بد و أنه مكان مثل زريبة الخنازير.
في بداية الصيف الماضي، و في طريقي إلى العمل باكرا، رأيت مجموعة من الخيت غوبّار يستندون إلى جدار محطة القطار و عيونهم المتعبة تنظر بتلهف إلى باب البار، بالطبع كانوا ينتظرون الباب ليُفتح لهم بعد ساعة!
لقد استكشفت الحي بأكمله: المقاهي، المطاعم، الدكاكين، المتاجر الصغيرة، القطط البيتية المسموح لها بالتجول في الشوارع… إلخ. و اليوم حان موعد استكشاف بار هانكس هيفين! لقد فكرت بذلك عدّة مرات، الأمر يحتاج التجريب، لم لا؟ ذهبت مع شريكي لتناول العشاء هناك، بضع دقائق حتى وصلنا و دخلنا. كان البار يعج بالغرباء. شاب بشعر أحمر و صديقته بشعر بنفسجي و كلاهما بقصة شعر تشبه ذيل الفرس، يجلسان على نفس المقعد الطويل و يتبادلان القبل، قرب الشباك كان يجلس مجموعة خيت غوبّار يكرعون البيرة و يثرثرون بصوت عال… جيد أننا وجدنا طاولة فارغة، طلبنا بيرة و بدأنا نشربها بينما كنا نتفرج حولنا بذهول! الطاولات قديمة جدا و جلد الكراسي متقشر، صور بعض شخصيات مسلسل فريندز معلقة على الجدران، صورة مارلين مونرو، صورة كبيرة تجمع أول رجال خرائيون ارتادوا البار، صورة أسد…
وصل العشاء، كان سيئا بشكل متوقع. بدا و كأن الطباخ اشترى صوص النبيذ الأحمر من مكان رخيص و سكبه على قطعة الانتركوت الجافة ثم قدمه لي بكسل، لأن ذلك المكان فقط للبيرة الرخيصة و الحياة السريعة المتقلبة بلا مبالاة، تماما مثل أولئك الرجال.. كان المكان يستحق المحاولة، مكان بعيون فاغرة في الفراغ. أمسك شريكي يدي، كان سعيدا جدا، نظر إليّ بعينيه الزرقاوين و قال ‘يجب أن نأتي إلى هنا مرة أخرى، لكن في الصيف، و نجلس في الخارج و نثرثر مثل خيت غوبّار، إنها فرصة للتخلص من الأفكار المهمة’.
كوب غونّار
كيف يفكر الزملاء الذين يحضرون أكوابهم الخاصة إلى العمل؟ يكتبون أسماءهم على أكوابهم، يضعونها في رفّ خاص في المطبخ و يعتنون بها مثل شيء عزيز جدا… مرّة بالخطأ أخذت كوبا يخص أحدهم، في الواقع كان اسمه ‘غونّار’ مكتوبا في الجهة الخلفية للقاع، كان عليّ أن أقلب الكوب لأتأكد من أنه مسموح لي باستخدامه… في ذلك اليوم شربت قهوتي بقلق و لم أستمتع بها لأن صاحب الكوب كان يرمقني (أو يرمق كوبه) طيلة الوقت. بعدها بأيام قررت أن أحضر كويي الخاص و كتبت عليه اسمي بخط كبير، و فكرت بأنه ربما كل تلك الأكواب المخصصة أتت بعد قلق استخدام كوب غونّار، ذلك الشخص الساذج.
مقهى سينامون
لما العجلة
و الصباح في أوله
كنت أخطط لفطور بطيء
في مقهى سينامون
هل تعرفه؟
يقع في هورنشتول.
هنالك يقدمون قهوة عادية
و شطائر محشوة بالجبن و رقائق الخنزير المدخن
كلانا يحفظ الأغاني النازلة من الشرفة العلوية للمقهى
نفس الأغاني منذ بدأنا حبنا
يجب أن نكتشف الشخص القاطن
وراء تلك الشرفة
و يترك قائمة الأغاني مشغلة
لمرتادي المقهى
لا بد و أنه شخص يشبهنا؟
ألسنا بحاجة إلى صديق
نعرض عليه الذهاب معنا
إلى بار أو أي مكان آخر
و نجد له حبا
لنثبت أن لدينا خبرة جيدة
و نجني أصدقاء أكثر؟
بعد السادسة
سيفتح النادل الباسم باب المقهى
لنذهب قبل الجميع
نطلب الشطائر قبل أن يخرج الخبز من الفرن
فيما نجلس متلاصقين
نفرك يدي بعضنا من البرد
نفرك حبنا المستعجل…
قط المزارعين الكئيب
قبل خمسة شهور وجدت قطا على موقع سويدي للبيع و الشراء، فورا تواصلت مع صاحبة القط و كنت على عجلة من أمري، أردت أي قط، المهم قط. رفض كل البياعين بيعي لأنهم اشترطوا أن القط يحي أن تكون له حرية دخول و خروج البيت متى شاء، بينما أنا أعيش في شقة في الطابق الأخير و من المستحيل حتى أن أضع خشبة طويلة جدا تصل بين البرندة و الأرض تعمل عمل السلم لقط المستقبل.
وافقت صاحبة القط بيعي، تبادلنا أرقام هواتفنا و بدأنا التواصل و الاطمئنان على القط، أرسلت لي صورا و فيديوهات للقط و هو يلعب و هو نائم و هو يأكل…
اتفقنا لزيارة القط بعد أسبوعين، حتى ألقي التحية و التعرف عليه. و بالفعل ذهبت مع روبين شريكي. كانت ليسا صاحبة القط تعيش في لامكان، أعني أن بيتها يقع بعيدا جدا، غيرنا أرقام باصات كثيرة حتى وصلنا العنوان المحدد. جاءت ليسا إلى حديقة الحارة التي تعيش فيها، كانت تحمل القط بذراعين مغطيان بالوشوم، كانت حريصة على تباعد المسافات بيننا، وضعت القط على الأرض، كان القط خجولا جدا لدرجة أنه زحف و خبأ رأسه في جاكيت روبين… كنت أود لو بامكاننا مقابلة أم القط أيضا و اخوته الصغار، و لكن ليسا منعت ذلك لاحتياطات الكورونا.
بعد أسابيع قليلة، اتصلت علي ليسا حزينة جدا و أخبرتني أنه بامكاننا الذهاب لأخذ القط في أقرب وقت، لأن أمه قضت في حادث سير. يا للمسكين، قطي فقد أمه في شهره الثاني… ذهبت مع روبين و أبيه لأخذ القط، و فور وصولنا بيتنا، أطلقنا القط… ركض القط الذي سميناه قبل ساعات ‘تيغّي’، ركض مذعورا و اختبأ في حذائي. كان صغيرا جدا، بامكاني وضعه في حقيبة اليد.
لم يغاد تيغي حذائي حتى حلول الليل، كنت قلقة عليه، لم يأكل و لم يشرب، و ربما بال في حذائي؟. لكنه ترك مكانه في الليل و بدأ يتمشى في الشقة و يشم كل شيء حتى أنه شم الجدران. عندما ذهبنا إلى النوم، بدأ يماوي بصوت عال، ظننت أنه لم يعرف أين وضعت له الأكل، فنقلت الصحن و وضعته أمامه، لكنه أطلق مواء مرتفعا كالغضب و فرّ مني…
في منتصف الليل، اقتحم تيغي غرفة النوم، قفز بسرعة على الستارة و تسلقها و وقف في الأعلى و بدأ يماوي بصوت أكبر من حجمه!
كانت تلك أول ليلة مع قط المزارعين، تيغي. صياح و تسلق ستائر! و هكذا لمدة أسبوع… أصبت بالكآبة من سماع صوته و اختبائه في الأحذية و خلف الوسائد. مسكين، فقد أمه و فوق ذلك قمنا بأخذه من بين اخوته.
فكرت بأنه من الأفضل أن أجد حلا لقطي الكئيب الخائف، سألت البيطري عن المشكلة، فقال بأن القط سيتعود على بيته و أصحابه الجدد، ربما سيأخذ حوالي سنة. يا إلهي، سنة؟ القطط أكثر ألفة من أن تمر سنة و هم خائفون من أصحابهم.
اقترح صديق بأن آخذ تيغي إلى طبيب نفساني، قلت له بجدية ‘دلني على أحدهم’. تحمس الصديق و قال بأن له صديقة متخصصة بالطب النفسي للحيوانات. في اليوم التالي عاد صديقي و قال ‘للأسف، صديقتي متخصصة بالكلاب فقط’.
الآن مر خمسة أشهر و قطي لم يتغير. حسنا، تغير قليلا، صار يرفع ذيله عندما نضع له الطعام! كأنه يقول ‘شكرا’.
في صباح الخميس الماضي، استيقظ قطي على فاجعة اختفاء صحونه، نظر إلي مصدوما ‘أين خبأتم صحوني؟ أين الطعام؟’. كان ذلك من أجل عملية الاخصاء التي ستتم بعد الظهيرة.
عاد قطي الصغير إلى البيت مخصيا، ما زال كئيبا و خائفا. كنت بالمقابل أكثر كآبة منه. كأنني جلبت لنفسي المتاعب. بدأت ألقي اللوم على ليسا، تلك المرأة الغبية التي لم تسمح لي بلقاء عائلة قطي. ليس لدي أدنى معرفة كيف كان قطي مع عائلته، هل كان سعيدا
و اجتماعيا؟ هل كان منبوذا و وحيدا؟ هل عاملته ليسا معاملة سيئة؟ لم يعتنِ به أحد جيدا؟
الآن قطي، قط المزارعين، يجلس على الكرسي في المطبخ، ينظر إلى تحركات أقدامنا و يستعد لمهاجمة أي أحد يقترب منه.

تعب الأشجار
يمكنك البقاء ليوم آخر
لا تتردد في تغيير ملابسك
لديك بيجامة رمادية
طويتها و وضعتها في خرانتك كما المعتاد
كانت متسخة قليلا
من قدمي قطي الخجول…
في عمق النهار
تغرق أنفاسك
أعرف أنك تريد البقاء
فاتورة الكحول
يداك المرتجفتان
عيناك الغائبتين عن وجهي
كل شيء يفصح عن رغبتك.
سأترك الشقة حتى المساء
سأتمشى حتى تتعب الأشجار مني
و خلال ذلك
لا تفكّر بي
أخرج الصحون من الجلاية
تذكّر كم من وجبة أعددتها
كل عشاء جمعة
كنت بارعا في الطبخ و تزيين الصحون.
يمكنك البقاء
ليوم آخر
يمكنني التمشي
حتى تتعب الأشجار مني..
استراحة الشياطين المجانين
في أحد الليالي السويدية، في عز دين الشتاء، ثلج ذائب و تشعر أنك بجرد أن تخطو فوقه يتحول إلى جليد و تكاد تنزلق و تقع على الأرض البيضاء اللامعة…
كنت أمر بحالة الاحباط الشتوي و الملل و التذمر من عملي. قررت في ذلك اليوم أن أذهب إلى أمسية شعرية نظمها شبان سويديين. قلت لنرى كيف يقيمون الأمسيات الشعرية، أولئك المغمورين الشقر. حتما سأحبهم، دائما أحب الذين لا يعرفهم أحد و يكونوا بعيدين عن الشلل و المعارك. أيامها كنت أشعر بالوحدة و ربما تكون تلك فرصة لايجاد شاب شاعر مغمور أخرج معه إلى موعد و يخفف وحدتي قليلا حتى قدوم الصيف.
كانت الأمسية في يوم السبت الصغير، و هو يوم منتصف الأسبوع، حيث يحتفل السويديين بانقضاء الشوط الأول من الأسبوع.. كان القطار المتجه إلى محطة الأمسية يعج بالمراهقين الذين اشتروا علب البيرة أو زجاجات النبيذ أو حتى أكياس الشيبس.. شعرت بأنني الوحيدة المتجهة إلى مكان جدّي.
كان المكان يبعد عن المحطة بضعة دقائق. في الممر المؤدي إلى قاعة الأمسية كان يوجد ماكينة بألوان زاهية لشراء الكوندومز. ابتسمت، يا له من ترحيب!. كان صوت الشبان يصلني من الداخل مليئا بالحماس، كنت متأخرة قليلا، لم أعرف متى بدأت الأمسية. وجدت كرسيا قرب مجموعة شباب يتوسطهم رجل في الخمسين بلحية مجدولة و مصبوغة باللون الأسود.
ألقى الشاعر الأول قصيدته الرومانسية، لم أحبها أبدا، لكن في الخلف كان يشجعه أصدقاءه عند نهاية كل قصيدة. أما الشاعر التالي فكان يبكي و هو يقرأ قصيدته التي كانت عن أمه التي تقاعدت قبل شهر عن العمل و الحياة. شاعر تلو الآخر حتى جاء دور فتاة بشعر طويل مربوط على جهة اليمين و ترتدي بنطلون مصنوع من جلد مزيف.. كانت قصيدتها عن الرجال، لقد مسحت الأرض بالرجال و صرخت فيهم جميعا بنفس واحد. كنت مصدومة و لم أعِ ما حدث!. يا فتاة، عودي إلى بيتك مع أصدقائك… يا شعراء عودوا كلكم إلى بيوتكم و احتفلوا بالسبت الصغير، أفضل من تضييع وقتكم في القاء قصائدكم التافهة.
كنت أنتظر أحدهم يصعد إلى خشبة المسرح، آه لقد صعد ذلك الأحد و أعلن عن استراحة لمدة عشرين دقيقة. نظرت حولي لأستكشف القاعة و الحضور و الشعراء الشبان الحمقى المتحمسين الشقر الذين أفسدو احباطي الشتوي أكثر و أكثر. كانوا منشغلين بتشجيع بعضهم البعض. أما الرجل الخمسيني و مجموعته التي بدا و كأنه يرأسها و كان واضح عليهم أنهم مهتمون بالموسيقى الالكترونية، كانوا جميعا صامتين و ينظرون حولهم مثلي.
قبل انتهاء الاستراحة، جاء إلي شاب من تلك المجموعة، سألني إن كنت سألقي قصيدة، أجبته بالنفي، أشار إلى مجموعته باصبعه ‘لا’. شهقوا و حركوا أيديهم بأن أنضم إليهم، ذهبت و بدأوا بالضحك العال جدا.. ضحكت معهم بهستيرية و أنا أقول ‘jävla galningar’ (اللعنة مجانين).