بينهما جدار

جدار بين مدينتين
يرسم على الجدار سماء
ترسم على الجهة الأخرى من الجدار نفسه شمسا
يرسم غيمة
ترسم مطرا
يرسم شفاها
ترسم قبلات و ضحكات
يرسم شارعا
ترسم سيارة
يرسم كلمات
ترسم سطورا
يرسم رسائلا
ترسم ساع بريد
يرسم دمعة
ترسم منديلا
يرسم حقدا
ترسم ثورة
يرسم بندقية
ترسم قلبا,
يطلق قلبها نبضاته كالرصاص
يتحطم الجدار.. تتفتت الدبابة, يتعانقان!

رسم طفولته و مضى

جدول دم خشن يسيل من نهاية خليج العقبة, يصبّ في بقعة غامضة رسمها الفنان على لوحة جدارية مطعّمة بالدموع و المآسي, كان الجدار مطليّا بالألوان و الرسوم الساكنة عمدا, فلا أوجع من أن يكون السكون/الصمت سفير الأحزان عبر الزمن, و فلسطين على ذاك الجدار صامتة و تغني مع ابراهيم طوقان: صامت لو تكلما..
كانت اللوحات على جدران مدارس الغوث في مخيم الشاطئ, تشارك الأطفال ضحكاتهم, طلاب الصفوف الابتدائية, يحملون الفرشاة و علبة الألوان, يضع أحدهم الفرشاة على بداية الجدار و يركض ببراءة حتى يصل نهاية الجدار, أستاذه يصفق له و يقول مبتهجا: لقد رسمت خطا أزرقا طويلا, يصيح الطلاب من بعيد: أوووه, يبدو الخط الأزرق مثل بحر غزة اللاوي. أطلب من سائق السيارة الخاصة أن يصفّ سيارتنا في مكان خال, أنزل من السيارة و أهرول إلى الطالب الذي سمعته يقول”بحر غزة اللاوي”, أسأله “شو يعني بحر غزة اللاوي”, يقطب الطالب حاجبيه و يذهب إلى أصدقائه !, حين يصلهم يضحك بصوت عال و يقول “الأستاز علمنا إياها”, تقدمت نحو أستاذهم و سألته عن معني اسم بحرهم؟, انزلقت نظارته حتى أرنبة أنفه و نظر إليَّ من أعلى النظارة كما و لو أن عينيه صعدتا سلما للشمس, قال: اتفقنا مع طلاب رام الله أن نرسم رسائلنا إليهم على جدران المدارس, طلابي يرسمون البحر لهم و طلابهم يرسمون الجبل لنا, في الليل تطير الرسومات و تتحول إلى غابات و بحار..
أطفال تجاوزا الواقع ليتحدوا مرارته بحلاوة أحلامهم و براءتها, من بعيد يصفق الطلاب لزميلهم الذي رسم سفينة, تركت الأستاذ و ذهبتُ أشاركم الرسم, رسمت في سفينتهم صندوقا كبيرا و قفلا يغلقه, التم الطلاب حولي مذهولين و سألوني: شو يعني؟, قلتُ: في الصندوق كنز خطير سوف نهرّبه إلى طلاب رام الله, ما عليهم سوى أن يكسروا القفل. قال طالب يربط حول معصمه قطعة مطاط ملونة: ليش خطير؟, قلت: لأنه ممنوع و يهدد أمن الاحتلال. تنقلت عيون الطلاب فيما بينهم, أحدهم وضع يده على ذقنه محتارا, سألني و هو يرسم في الهواء شيئا ما: أين المفتاح؟, قلتُ: مع طالب في رام الله, قال: هذه أول مرة نتراسل مع طلاب رام الله, ضحك صديقه: ها ها ها أصلا نحن لم نتراسل مع غيرهم من قبل, استدركه صديق و قال: لكننا تراسلنا مع الله, صفّر أستاذهم له و قال: لم يخطر ببالي, ثم صفّق و قال: رائع.. أنتم رائعون. رنّ جرس المدرسة معلنا انتهاء حصة الرسم حسب الجدول المخطط لفعالياتهم الصيفية, اتفقوا مع بعضهم البعض أن يراسلوا الله هذه الليلة, في لحظة اختفوا من حولي و سمعت ضجتهم في الصفوف..
صباحا, ذهبت إلى جدار المدرسة, فوجئتُ بأن أحدهم رسم للقفل مفتاحا, و من الصندوق ينهمر شلال ورد, طالب ما رسم طفولته و مضى..

صباح فراشية


هذا الصباح كئيب
جدا أسود و أجنحته مهيضة..
سجع الحمام يبعث بي الشؤم مثل البوم
قطتي تبحث عن جرذ
هواء المدينة أصفر
رؤوس الناس يتوهج منها لون أصفر
تعاستي صفراء
السماء و العصافير صفراء
من كل شيء يشع لون تعبي الأصفر
شاحب وجه الصبية
مرهقة
جدا مرهقة..

كتب تفتح عينيّ لأحلم

لقد تعبت من القراءة, و بالرغم من ذلك لن أندم على عزلتي لساعات في مغارة كتاب سيقدّم لي الحياة برفق. أمس اكتشفتُ أن نصوص”ترابها زعفران”(لادوار الخراط) كان أجملا حين قرأته في طفولتي, لكنني الآن أعيد قراءة النصوص بفتور و ملل, أتأكد من وعيي بما أقرأ, فأكتشف أيضا أنني لا أحب أدونيس, و أن طفولتي القارئة كانت أشبه بمسرح دمى. كنتُ أجوب المكتبات: الهاشمية, رشاد الشوا, الهلال, اليازجي, الشروق.. وراء زجاج مكتبة الشروق أتسمّر, صديقاتي لا يجرؤن على الاحتجاج لأنني أستوقف طريق عودتهن إلى البيت, أسحبهن معي كالسحابات إلى جوف المكتبة, أظل لوقت طويل, أتنقل بين أقسام المكتبة, أتصفح رواية, أستلطف غلاف كتاب, يجذبني عنوان, ألتقط اسم كاتب أحب كتبه, في النهاية أذهب إلى صاحب المكتبة, أمطر أسئلتي عليه, هل تدخل الكتب في هذا الوقت؟ اغلاق المعابر يؤثر؟ فتحي البس؟ ماله؟ الشروق فرع لرام الله و عمّان؟.. الرجل يضيق ذرعا مني, أجفف أسئلتي و أطلب منه أن يبحث لي عن كتاب لفلان و عن الكتب التي تتوفر للكاتب الفلاني, ينكب على جهاز الحاسوب أمامه و يبحث لي عن أسماء لن أجد أي كتاب لها في “الشروق”, أغرب عن المكتبة لأشهر و أشتاق إلى مشاكسة مكتبة أخرى..
معي الكثير من الكتب التي لم أقرأها: امرأة في الثلاثين, إذا جاء الشتاء, غراميات مضحكة, شتاء في يوليو, الحب عند العرب, سيكولوجية المرأة…. إلخ, أمدّ يدي في درج المكتب, أغرف ذاكرتي, ذاكرتي ممتلئة بالفراغ, مخرمة و تنهشها الثقوب, ألتقط رسالة من أحدهم, قديمة جدا, أقرأ فيها قائمة وصايا من كاتب لقمانيْ إلى ابنته التي ستكون يوما كاتبة ذات شأن!!. هل حقا سأكون كاتبة عظيمة بعد خمس سنوات كما قال و تنبأ الصديق الشاعر عثمان حسين!.
ليلة أمس, أطفأتُ ضوء الغرفة, كان الليل يدلف إلى هزيعه, و كنتُ أغرقُ في ظلّي المقمر شيئا فشيئا, أفكّر في ” العتمة ” ( رواية لجوزيه ساراماغو ), تخيّلتُ أنني فجأة أصاب بالعمى, و أنا أبتسم لطفل أو حين أصحو من نوم لذيذ, بلا سبب أفقد بصري !, مسني الخوف و قررتُ أن أتدرب على العمى, في الصباح, قفز قرص الشمس إلى عينيّ, غطيتهما بيديّ و حجبت الشمس عنهما, يجب أن أعتاد على ” العتمة ” بدون شمس أو مصباح.. ما زلتُ في بداية ” العمى “, أقرؤها كأنني أستقبل أحزانا و هموما غير متوقعة, من سيصاب غدا بالعمى؟ آ.. اليوم في سياة الأجرة التي أقلتني إلى بريد ” أرامكس” جلس إلى جانبي رجل طاعن في العمى, وخز كتفي بقطعة النقود, و قال ” ادفعي الأجرة عني “, تقلصت ملامح وجهي متسعة البهجة و الابتسام, أخذت من يده البيضاء قطعة النقود الحديدية, كان الحديد ساخنا, ألهب أصابعي وجعا, دفعتُ للسائق أجرته عني و عن الأعمى, و قبل أن أنزل من السيارة دسستُ قطعة نقود أخرى في جيب قميص الأعمى!, إنها أجرة التعرف شخصيا على “العمى”..
استلمتُ البريد من الموظفة بعدما تأكّدت من هويتي و وقّعت على ورقة ثبوتية!. كان صباح غزة في مهده, الشوارع نقيّة و لم يتلوث الهواء بزفرات المتذمرين و تناهيد الحالمين بعدْ. تمشّيتُ في شارع ” فلسطين “, لوقتٍ طويل بقيتُ أتمشى, فلسطين فوانيس رمضان, حلوى عيد, طفولة, امرأة, رجل في الأربعين, طيش مراهق, “فلسطين” شارع أفتح فيه بريدا مليئا بقصص الحب و الموت و الجنون.. جنون زياد خداش, سأوزعه على صبايا و أطفال يكبرون بصخب و أمل, يصعدون تلالا و يزرعون لوزا و فستقا و خروبا. في الشارع الطويل يصدح صوت الكتب ” خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي “, أرعبني الصوت و صرت أركض في الشارع وحدي, لم تكن البيوت قد نهضت بعد!. فجأة يوقفني صوت هاتفي الخلوي, أنزوي تحت شجرة, أقرأ رسالة من صديقتي المقدسية ” صباحك فلسطين كوثر “, أبتلع هواء و نفسا عميقا, أسير بهدوء.. بهدوء أدخل القاعة, تقبّلني الدكتورة مي نايف, دائما تقبلني!, أهديها نسخة من كتاب” خذيني إلى موتي” و كتاب ” كأن شخصا ثالثا كان بيننا”, تشكرني و تبرق عيناها بالفرح, أقول لها بخجل ” اشكري زياد”.
اثنتي عشر نسخة من “خذيني إلى موتي”, نادية تنتظر نسختها, إباء و أحمد و البقية غدا سيأخذون نصيبهم من الجنون في الأمسية الشعرية في جاليري الميناء, مريم أصرت أن تأخذ نسخة, وضعتها في حقيبة السفر لتقرأها مع خطيبها في الامارات, تنازلتُ و أعطيتُ نسخة لطالبة جامعية لا أعرفها لم تتركني إلا بعد أن أخذت مني ما تحب من الجنون.. سائق سيارة أجرة سرق مني نسخة!!, عاقبته و لم أعطته أجرته, لم يبال بأجرته, و قال لي ” صدقيني إنني أقرأ أكثر منكم”, آنذاك رأيتُ من نافذة السيارة سحابا أبيضا جامحا, كان يشبه قطيع غزلان تشع نورا أبيضا… إلخ إلخ

غزة.

شرفات عالية

,, كل يوم كانت تكتب شيئا: لتُذكره أن لون الثلج مثل زهر اللوز, و أنّ ” أربعينيّة الشتاء” حارّة مثل أنفاس رجل أربعيني يكتب و يكتب و يكتب ,,


1
آه.. عيناك تحيطاني بالحزن و الياسمين, مجدكَ يتسمّر وراء الباب, مهترئ الرجولة تمشي باتجاه الوادي, تسقط التلال بين ذراعيك, لا تستطيع أن تحملها, تسيل الأشجار و الزهور و الحساسين من بين أصابعك, صامت تمشي, أنا أنتظر.. تقترب من عدمي, لا تناديني باسمي لأنه مكتوب في جواز السفر, اسمي يُكتب و لا يُنطق, ترفع الريح العجوز اصبعك, تشير إليَّ بسبابتك, أكون واقفة أنتظر.. ما زلت تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي..

2
الرجل المجنون الجريء الذي يتسلل إلى غرفتي من درج البيت, دائما يسبب لي المشاكل .. لا ليس مع أهلي, إنما مع ضجيجي و هوسي في قصص شفتيه..

3
يوم عادي جدا.. كان الرجال يتنكرون أمام الطرقات و الأرصفة و الأبواب, رجل واحد لم يتنكر للمدينة الدامية, سار معي و قال: أنتِ الغبية من بينهنّ !.

4
كل ليلة, يرمي القمر على سريري ظل رجل مجهول بعيد.. أحاول أن أقطف القمر كي أسأله: من هذا الرجل؟

5
ذات ليلة ليست بالبعيدة( هي ليست قصة), أخطأتُ طريق الحياة و متٌّ .

6
كذب عليّ و قال أنه ينتظرني في الكِتاب.. فتحت الكتاب فوجدت قصة, قرأتها و نمت.

7
لأنني اليوم تذمرتُ كثيرا, نمتُ و لم أستيقظ حتى الآن !

8
كلما أغمضتُ عيني, رأيتُ عينيكَ .

9
وجدتُ في بريدي بقايا ليلة و رائحة رجل أخطأتُ رسائلي إليهِ ..

10
أقصر القصص: المسافة بيننا

11
أنتَ الوحيد من بين الخائنين تسأل عني

تعال أيها الموت و خلصني من الحمى

وهج الظهيرة و قيظها الممل حدّ النعاس, وابل من العرق ينهمي.. أتابع كتابة المذكرات بصعوبة بالغة, ألفاظي تشتد وحشية كلما شعرتُ بمرضي يتوغل بي و يهلكُ جسدي الضعيف. خمس أيام من الحمى, إنها أشبه بِـ “سل” ساخن, ثمة جداول نارية تركض في أوردتي, لحمي ينصهر, انفجار جهنمي في رأسي, أتأوه ألما, تهرول أمي, ترشّ جسدي الحار بالثلج, يداها سماء تندف أدوية يائسة.. تحولتْ معدتي إلى مستنقع أسود لأقراص الأدوية و المسكنات. أسند ظهري على الوسائد القطنية, عنقي يرتخي و رأسي يتدلى ورائي, عينايَ تحلّقان في سقف الغرفة, أحس بأنهما انفصلتا عن باقي جسدي, تنمو رموشي و ينبتُ بينها ريشا طويلا, تصير عينايَ فراشتان, تطيران من نافذتي و ترفرفان فوق شجر الحدائق..
كانت الحياة تبدو يابسة مثل تربة صحراوية, الحمى بلا قلب, فقدتُ وزني و توازني, تقلّص جسدي, كائن آيل للانقراض, و أصبحتُ أنتظر موتي برحابة, أضع أصابعي الناحلة على عيني, و أتصوّر نفسي كيف أقابل وجهي بهذا الشكل؟ أخاف أن أراني على المرآة.. أخاف من منظر هذا الجسد الشاحب و هو يتأرجح في أوج مرضه أمام عيني..
أتقنتُ الوحدة, فشلتُ في تكوين صداقة مع الحمى, وحدهُ السرير كان صديقي, أتلوى عليه مثل دودة شريطية, ألفتُ رائحة الأدوية, و لم أعد أشعر بالغثيان لمجرد أن أشم رائحة دواء ما.. في سفن الوجع تصدر الحمى جسدي, أحترق.. مجنون هذا الحريق لا ينطفئ و لا يرحم. قلتُ ” هيا نامي حتى الموت و اختاري النار أهون من هذه النار “.. سمعتُ صوتي! بدأت الحمى تنهكني, أهلوس, أهذي و أتكلم مع لا أحد, أخي الصغير يضع كوب الماء البار و يهرب.. يهرب هلعا من حالتي المخيفة, بعد دقائق أنهض قليلا, أتساءل ” من جلب هذا الكوب إليَّ؟ “, ” من كان يتكلم قبل قليل؟”. أفاجأ بأمي متسمرة أمامي, تطمئن عليَّ و تتركني أعارك المرض..
هاتفي الخلوي يرن, هل أردّ على المتصل, لربما هلوستُ معه, لا أريد أن أتورط.. أجدني فتحتُ الخط, يأتيني صوته كأنه آتٍ من خارج الغلاف الأرضي, كأنه صدى صوت مجهول, يقول” آلو.. أنا علي”, ماذا يريد علي أبو حطاب(مترجم), عقلي لا يستوعب مكالمة كاملة, يدعوني علي إلى دورة في الكتابة الابداعية, ثم يصف لي مكان المركز الذي ستقام فيه الدورة, يؤكد لي على أهمية حضوري و إلا “سيزعل إن لم أحضر”, قال أن عثمان حسين(شاعر) و أحمد الحاج أحمد(شاعر) سيكونان من الحاضرين.. تنهدتُ و سعلتُ بكسل, قلتُ له”محمومة.. إن استطعتُ سأحضر”, قال” لا تتمارضي..دائما لا تحضرين دعواتي”, بعدها تكّلم و لم أكن أسمع أي صوت له, فقد فقدتُ تركيزي و تعبتُ. ارتمت يداي, وقع الهاتف على الأرض و سمعتُ أنين تكسره, حاولتُ الوقوف كي أذهب إلى الحمام, اتكأتُ على جدران الغرفة, جررتُ جسدي و ارتسم خط عرق طويل على الجدران المؤدية إلى الحمام, كان الكرسي مجهزا لمرضي, جلستُ تحت “الدش”, انهمر الماء البارد على جسدي بلا هوادة, لم أشعر ببرودته, كانت حرارتي المرتفعة أقوى من الماء البارد, اعتقدتُ أنني أخطأتُ في الماء, تأكدتُ من وضعه البارد, إلا أن جسدي فقد احساسه بالبرودة, كانت المياه الباردة تسخن على لحمي, تخيلتُ أنني خلال دقائق سأتحول إلى بقعة بحرية حارّة, ستنمو على كتفي الطحالب, و ستقفز من بين أصابعي الأسماك الصغيرة و الضفادع..
ارتديتُ الملابس الخفيفة جدا, استلقيتُ على السرير, المرض ممل, هكذا اتفق حسين البرغوثي مع كيركغارد, ممل..ممل. ماذا أفعل؟ بماذا أتسلى؟, الحمى تتسلى بجسدي و أنا أتأوّه, و أنا أعد النجوم من نافذتي فلا أنام.. السعال يخربش صدري, سيخ حديدي يشع اشعاعات نارية زرقاء يدخل صدغي من اليمين و يخرج من الجهة اليسرى, سكاكين و مسامير تدق ركبتيّ.. أبكي, يمتزج دمعي مع العرق و السعال و هذياني.. تهرول إليّ أمي, تلقمني المسكنات.. و أنام.
صباحا, أنهض من غيبوبتي, أتحسس جسدي, من خلال درجة حرارته المعتدلة أكتشف أنني شفيتُ, يا للمعجزة!. أحمل بشرى الشفاء إلى أمي, يفرح معها أبي.. الآن تحرر جسدي من لعنه المرض, أتذكّر علي أبو حطاب, قلتُ لن أخذله, ذهبتُ إلى المركز القومي حيث ستقام الدورة, جاءت أختي معي لأنني ” كائن ما بعد المرض” !, سلّمتُ على الحاضرين, كان الشاعر عثمان حسين هادئا و طيبا كما عرفته أول مرة, صافحني و قدّمني للدكتورة مي نايف, كانت باسمة و ذات وجه يمنحك الدفء و الطمأنينة, جلستُ أنا و أختي آخر صفوف المقاعد, كان تنفسي هادئا و نظراتي العميقة تتجول في القاعة مثل عصفور يتفقّد عشّه الأخير!, لا أعرف لماذا شعرتُ بالجبن حين وقعت عيني على المقعد الفارغ الجالس إلى جانب مقعد الدكتورة مي نايف!, أنا أتأمل القاعة التي زرتها قبل هذه المرة بدعوة من صديق ألح على أن يُعرفني على فرقة مسرحية من الشبان الواعدين, كانوا يتدربون على مسرحية شعرية من تأليفهم, يومها رحبوا بي بحرارة و بدأ كل واحد منهم بأداء دوره أمامي كما و لو أنه يمثل على خشبة المسرح, ساعة و غادرتُ القاعة بصمت ساذج, لم أعلق على أدائهم .. و لا شيء, الصديق ندم على دعوته لي لأنني لم أتكلم مع أصدقائه الرائعين, لم يكن تصرفي مكابرة أو استياء, فقط صمتُ دهشة من مجموعة من الشبان الغزيين الطموحين حدّ المجد.. من بعيد يُناديني الشاعر عثمان حسين باشارة من يده الصامتة, ذهبتُ إليهِ, فقال ” اجلسي هنا”, جلستُ على المقعد بالقرب منه, كانت فتاة معاقة تجلس على يميني, قال عثمان” هذه دورة للكتابة الابداعية”, قلتُ” آهاا” ابتسمتُ, و ساد الصمتُ بيننا. شغّل أحدهم المراوح, خفف هدير المراوح من ذاك الصمت الغامض, خرج عثمان من القاعة, عدتُ إلى مقعدي في الصف الأخير, كانت أختي تضحك, لم تكف عن الضحك, يبهجها رؤية الشعراء, منظرهم, سجائرهم, ملابسهم و أناقتهم, طريقة كلامهم, كلامهم نفسه يُضحكها ببهجة و سخرية لاذعة, جعلتني أضحك معها, تعليقاتها الساخرة أنستني نفسي و دعتني أضحك.. أضحك.. و أضحكُ على غبائي فأنا من سلالتهم!.
وقفتْ الدكتورة مي أمامنا, أعلنت بذلك بدأ المحاضرة فهي مدربتنا و لها الحق في البداية و النهاية, أشارت إليّ أن أتقدم مع أختي إلى الصفوف الأولى, تقدمنا و جلسنا إلى جانب البقية, انضممتُ إليهم, نور و جهاد و هاني و ديانا و آخرون من الكتاب الواعدين, جميعهم تقريبا بمثل عمري, سرّني ذلك كثيرا و في نفس الوقت هبّت نسمات حزن في نفسي, منذ زمن و أنا أفتقد التعامل مع أشخاص بعمري, في أغلب الأحيان أكون مع الثلاثين أو الأربعين فأكبر, وجدتُ صعوبة في الاندماج معهم, بقيتُ صامتة, كنتُ مستمعة فقط, بين الفينة و الأخرى كانت الدكتورة مي تستحثني على التكلم, فمثلا تقول” آ يكوثر” ” شو رأيك كوثر”, و كوثر إما أن تنطق كلمة واحدة أو تهز رأسها, كذلك الشاعر أحمد الحاج أحمد كان ينظر إليَّ, و كلما نظر إليَّ و اصطدمت نظراتنا ببعضها شعرتُ أن قلبي انقبض أو وقع مني, سكوني و طبيعتي الصامتة أخشى عليهما من الخدش, الحكمة تقول ” الواثقون من أنفسهم غير مجبرون على الكلام”, و لم أتكلم, أحمد الحاج أحمد يسألنا” ما الأهم: الللغة أم النص”, أصدقائي يتفقون أن النص هو الأهم, يتناقشون, يبدون آراءهم, أنا أسمع و أبقى صامتة, ينظر إليَّ أحمد و يقول”كوثر؟!!”, أقول بهدوء” اللغة”, لماذا؟, لأنها الأساس, و أصمت, لا يتكلم أحمد مع صمتي, يتابع نقاشه معهم.. في بداية المحاضرة طلبت منا الدكتورة مي أن نقرأ عليها شيئا من كتاباتنا, كلهم قرأوا لها, في نهاية المحاضرة تذكّرتْ أنني لم أقرأ, شهقت و هي تنظر إلى أحمد الحاج أحمد, قال” كوثر لم تقرأ لنا”, ابتسم و عيناه بيني و بين الدكتورة, قال” كوثر غنيّة عن ذلك, لقد قرأتِ لها في عشتار”, ابتسمنا و صمتْ. قبل أن أغادر المركز أطيتُ الدكتورة ميْ مجموعة من القصص القصيرة و طلبتُ منها قراءتها و رأيها, حملتُ حقيبتي على كتفاي و خرجتُ, قلتُ لأختي” لنحتفل بشفائي من الـ.. ما بتتسمى”(أي الحمى), كانت الساعة الحادية عشر صباحا, لم نذهب إلى مطعم بالميرا لأنه سيكون في طور فتح الأبواب!, ذهبنا إلى مطعم الشعب, مطعم شعبي يقدم “الفراشيح”, أكلتُ فرشوحة و أصررتُ على شرب العصير الطبيعي من المعصرة القريبة, خجلت أختي من منظري و أنا أشرب كأسي في الشارع!. الأماكن الشعبية أكثر قرابة مني, أحب أن أكون في قلب المدينة, في شغبها و شعبيتها و فقرها, بالميرا و اللايت هاوس و الديرة و ديليس.. إلخ, أماكن أقابلها مع صديقاتي أو أهلي, أما الأماكن البسيطة فهي الأقرب و الأحب إليَّ..
عدنا إلى البيت, عدتُ انسانة غير مريضة, حرارتها مثل حرارة أختي و أخي و أمي و أبي, قطتي الفارسية لم أعد أغار منها, صرتُ ألعب و أنط مثلها, هل كانت الحمى يوم أمس مجرد كابوس؟.. كلما تذكرتُ حالتي الرهيبة أشفقتُ على جسدي, و الآن أشفقُ عليهِ أكثر لأن الحمى عاودته!. سيل جارف من الألم الحار يتدفق بي, أسقط عضوا فعضوا على سريري, الطبيب يطمئن أبي على الهاتف و يقول له ” الفيروس سينتهي خلال أيام”, خمس أيام من الموت القبيح, خمس أيام من الشلل و الانكسار و الذّل أمام الحمى, أغيب عن الوعي, أهلوس, أنهض, ينهض الوجع, الحرارة ترتفع, أرتفع إلى تلال الموت, السماء تبتعد.. تعال أيها الموت و خلصني من الحمى.

من سرق صديقتي من الدبابة؟

هي ليست مغامرة أو فعلا خارجا عن الإرادة بسبب نوبة جنون ما أو حماقة مؤقتة, تعمدنا أن نحتفل بعيد ميلاد صديقتنا “غادة” في دبابة إسرائيلية نصطدم بها في أحد شوارع المدينة. كانت غزة بدون دموع بدون غضب بدون أمنيات, كان اسمها غزة و كانت أسماؤنا: كوثر وغادة و رنا و بهاء. وضعنا منبه ساعاتنا على الرقم”5″ صباحا, أنا و غادة من غزة و رنا من دير البلح و بهاء من رفح, عند الساعة الخامسة صباحا رنتّ منبهاتنا و صدح الرنين في سماء قطاع غزة مثل أجراس كنائس تعلن عن مولد قدّيس أو بعث المسيح.. كنت و غادة ننتظر رنا و بهاء في الطابق الأخير من أعلى برج في غزة, عند الساعة السابعة اكتمل عددنا في برج الأندلس, بهاء جلب معه ألعابا نارية اشتراها من الحدود المصرية القريبة من بيته, رنا أخرجت من جيبها كومة بلالين ملونة و شرعت بنفخها, أنا صنعت الكعكة و قلت لهم أن طعمها سيكون شهيا حين نُقطِّعها و نأكلها في الدبابة, غادة فارغة الأشياء منتشية بأغراض الأصدقاء تضحك بين الفينة و الأخرى على فكرتنا فوق الخيالية!.
قضينا نهارنا في برج الأندلس نخطط في كيفية الاستيلاء على دبابة, أخذنا قسطا من القيلولة, غنينا, تدربنا على رقصة تناسب أجسادنا حين تنحني في الدبابة لأن سقفها سيكون منخفضا, ثرثرنا و امتدت ألسنتنا إلى الغيبة و النميمة.. و أخذنا المجد إلى الجرائد و الصحافيين الذين سوف يتهافتون علينا لإجراء مقابلات صحافية عن ” حفلة ميلاد فلسطينية في دبابة إسرائيلية”..
انتظار الليل طال, غادة ضجرت, يا صديقتي بقي لليل ساعة و نحتفي بميلادكِ, انتخبنا بهاء لينزل و يشتري لنا قنينة كوكاكولا.. بعد نصف ساعة عاد إلينا بهاء لاهثا, خفتُ, اعتقدتُ أن الاجتياح قد بدأ, فإذا به يطمئنني و يسخر” المصعد الكهربائي لا يعمل..ها, انتي وجهك وجه ناس بدخلوا دبابة”. شربنا الكولا الباردة و استلقينا على ظهورنا, كل واحد منا ذهب في ذهنه إلى أحلامه الكبيرة في الدبابة الصغيرة, كانت عيوننا مثبتة على الساعة المعلقة فوق باب الغرفة مثل مشنقة, نبضات قلوبنا تدق مع حركة عقارب الساعة. بعد ساعة سيصبح عمر غادة”20″ سنة, لو كنتُ أنا غادة لسبقتهم إلى العقد الثاني من العمر, كانت أعمارنا جميعا “19”سنة, غادة الآن عمرها مثلنا “19”, لكن الشهور المتفاوتة بين يوم ولادتنا ميّزتنا عن بعضنا و جعلت لكل واحد منا يومه الخاص الذي يحتفل فيه بعيد ميلاده, ربما الآن تشعر غادة بالفخر لأنها بعد ساعة واحدة ستتحول إلى امرأة في العشرين من أنوثتها الطاغية, ستنظر إلينا بعيون كريستالية تقول”أنا أكْبَرَكم أيها الأصدقاء”..
سمعنا أصواتا غريبة كأنها أصوات الاجتياح, هرولتُ إلى النافذة و تأكدتُ, صحتُ بفرح” هيا بنا..”. حملتُ الكعكة و ركضنا جميعا على درج البرج ننزل كأننا ننزلق على لوح جليدي يؤدي إلى حدائق مشمسة دافئة, من يصدق في هذا الوقت من الليل القاتم و الاجتياح المرعب أن ثمة مخلوقات مجنونة تقف وراء باب برج عملاق تمارس حقها في الحرية و الاحتفال؟. فتح بهاء الباب و خرج زاحفا إلى الطريق الذي يعج بالجنود و البنادق البرّاقة من شدة لمعان فولاذها, زحفنا خلف بهاء, كان الجنود منشغلين في استعداداتهم الأولية لاجتياح المدينة أكثر.. انتشر الجنود تحت البيوت ممسكين بنادقهم كما لو كانوا بحارين أشرعوا سفنهم للإبحار في محيط لا قرار له, خطير و مليء بأسماك القرش و الحيتان..
ربط بهاء البالون الأول في جنزير الدبابة, زحفنا بحذر و حاصرنا الدبابة بالبلالين الملونة, كانت منتفخة و بدت في ذلك الوقت كالأشباح المريعة, لم يلحظنا أحد فقد كنا نرتدي ملابسا سوداء نتماهى معها بالليل, رأى البلالينَ جنديٌ يضع مشط الرصاص في بندقيته, صاح بصوت مرتجف ” متفجرات”, التفت الجنود إليه فوجدوه يشير إلى بلاليننا الملونة, دب الخوف و الارتباك في الجنود, هم في حيرة من هذا الكمين غير المتوقع, فتح بهاء باب الدبابة, و اقتحمها, لم نكن نُرى, حوّلنا الله إلى كائنات غير مرئية, أخرجنا الجندي و صديقته من الدبابة و أغلقنا الباب علينا.. أغلقنا الباب على الظلام و أشعلنا ضوء الدبابة, انفصلنا تماما عن العالم الخارجي و أصبحنا في كوكب آخر..
شهقت غادة و قالت بحزن ” كنت أظن أن الدبابة أجمل من غرفتي لأنها الأقوى”, قلتُ باستغراب” و هل الأقوى هو الأجمل؟”, قفز بهاء بيننا و قال” هيا ننظف الدبابة من القنابل و الرصاص…”, قاطعته رنا و قالت مشمئزة” هل يوجد ماء هنا؟”, سألتها لماذا؟, أشارت بإصبعها إلى دم ممتزج بسائل لزج و قالت “لنزيل لوثة جنسهم”.. طهّرنا الدبابة من الدنس و رائحة الجنس المختلطة برائحة الرصاص الذي يفترس لحومنا.. ثم بدأنا نحتفل بعيد ميلاد غادتنا الجميلة. أكلنا الكعكة و لم ندع شيء تمنيناه إلا و فعلناه, أخرنا الألعاب النارية حتى نهاية الحفلة. في منتصف الليل, قررنا أن نرسم على جدران الدبابة, رسمنا أشجارا و مطارات و طائرات و حلوى و ملابسا..
قبل انبلاج الفجر, تناهت إلى مسامعنا صوت فرقعة بلاليننا التي ربطناها في جنازير الدبابة, أسرعنا في تلوين سقف الدبابة باللون الأزرق السماوي, و طرنا من النافذة إلى سماء الله الواسعة..
هناك في السماء, تفقدنا بعضنا, لم نجد غادة بيننا!. متأكدون مئة بالمائة أن غادة كانت معنا في الدبابة, لكن من الذي سرقها من الدبابة حين انفجرت؟. يا إلهي…هل توجد سماء أخرى غير سمائك؟!.