تراب و شجر في جسد امرأة

كانت البنت الصغيرة تفكر في كيفيّة زرع جسدها في التراب, هل بامكانها فعل ذلك؟ و لو حدث أن زرعت جسدها في التراب و أمطرت عليها الدنيا كي تنمو فهل سينبت من جسدها شجر بشري كثير من بنت واحدة ؟. تبدو الفكرة سهلة جدا بالنسبة للبنت المستلقية على سريرها تحت نافذة ضيقة و قمر مصغّر يطل من بين الغيوم المضيئة في السماء.. صباحا؛ تظاهرت بالمرض و لم تذهب إلى مدرستها, بررت لمعلّمتها سبب تغيبها عن المدرسة في ذلك اليوم, قالت بحزن ذكي ان الزقاق المقابل لبيتها قد امتلأ بالمطر و لم تستطع الخروج من باب البيت, المعلمة لم تقتنع بحجة طالبتها الغبيّة, فهي بنت غبية و ترسب في الامتحانات و تقترح على زميلاتها في الصف اقتراحات غير معقولة و لا يفهمها أحد سواها.
سألت نفسي بشفقة ” هل تعاني أختي الصغيرة من عقدة نفسية تتفاقم دون أن ننتبه إليها؟ “. كنتُ الوحيدة التي أتماشى مع حياتها الغامضة و عالمها الخاص المشتعل بالجنون. أحيانا تأتيني في منتصف الليل عارية و تتوسلني بأن أُلبسها قمصان النوم التي اشتريتها ضمن مشتريات أي عروس تخطط مع حبيبها لموعد الزفاف, و في كل مرّة أشعر بلغم ضحك سينفجر في فمي و أضحك حتى تدمير جدران الغرفة, و أحيانا أنهض من نومي فأفاجأ بها جالسة قبالة إصيص الورد في شرفة البيت و أصابعها مغروسة في السماد !.
أخذها أبي إلى طبيب نفساني و عرض عليه مشكلة ابنته الصغيرة, فحص الطبيب جسدها و صوّر دماغها أكثر من صورة فلم يجد أي خلل فيه, و لكي يثبت جدارته في طب النفس أعطى أبي أدوية مهدأة و دعا للبنت بالشفاء العاجل. صارت أمي نحيلة من كثرة البكاء على ابنتها, و تكاد تموت حزنا عليها, يا إلهي ماذا أصاب هذه البنت؟, منذ عقد قراني على ذلك الرجل البعيد و هي تتدهور عقليا!.
جاءت إليّ أمي و طلبت مني أن أترك زوج المستقبل!, لربما تتحسّن أختي و تشفى, تسمّرت أمام أمي و الذهول يلجمني عن الكلام, حسنا, سأفكر بالموضوع, فأنا أحبه و قرار تركه لأجل استرداد عقل أختي قرار صعب و قاس, فكري على مهل و لكن لا تنسي أختكِ, قالت أمي و الدموع تسيل من عينيها الغائرتين في الأمومة و الخوف, أغلقت باب غرفتي خلفها و صوت دقّات قلبها تقترب من مسمعيّ كلما ابتعد جسدها عني..
ليالٍ طويلة لم أنم, أتقلّب على سريري دون جدوى, من الأهم؟ الحبيب أم الأخت؟ لماذا جميع احتمالات سبب مرض أختي تُصبّ في حبيبي؟ ربما يكون السبب في غيره؟ لكن المرض بدأ يظهر عليها منذ عقد قراني عليه!!.
في عطلة يوم الاستقلال, أخذت أختي نزهة إلى البحر, جلسنا بالقرب من الشاطئ على صخرة ضخمة تتخلل الطحالب شقوقها, كانت صامتة صمت المجانين و كان التفكير يغرقني في عمق البحر. أمسكت بيدها و قلت لها بحنان ” ماذا بك يا أختي؟ تكلمي معي “, بانت أسنانها من بين شفتيها كأنها تتهيّأ لضحكة طويلة, لكنها رمت رأسها بين ذراعي و انخرطت تبكي بعنف, ربّت على ظهرها المرتعش, و بعدما حبست دموعها قالت بصوت متهدّج ” لا أصدق كيف ستسافرين بعد أيام قليلة إلى ما وراء البحر, إلى بلد آخر, إلى مخيم آخر.. لماذا لا يسافر خطيبكِ إلى هنا و تعيشين معنا “. ربما في تلك اللحظة بدأت الأمور تتضح, هي حزينة لأنني سوف أسافر إلى مدينة أخرى, و لجوء آخر, مرّ على خطوبتنا أشهر مريرة, و كان المعبر يؤجل زواجنا, فيزة وراء فيزة و في كل مرة لا يحالفني حظ السفر, المعبر يغلق, و رقم الباص الذي من المفترض أن أغادر غزة عبره متأخر, رقم 30, أمامي 29 باص محمل بعشرات المسافرين.. حين أصعد الباص, أتقوقع مع حقيبتي و جواز السفر قرب النافذة, أودّع عيون أهلي, و أمسح عن وجهي غبار غزة, آخر مرة صعدت فيها الباص, أذكر أن رجلا غريبا رمى إليّ من النافذة خاتما ذهبيا و هو يصيح ” ارميه في مصر.. لربما فكّ الحصار عنا”, لم أجتز الحدود و بقي أمامي عشر باصات حتى الآن لم يسافر ركابها المنتظِرين, الباص الأول هو بؤرة السوء عند جميع المسافرين, لأنه محاط بعناية شرطة الحدود و توصيات الوسطاء من ذوي النفوذ في البلدين!, كانت اللعنات و الشتائم تتجه كالسهام على ركاب الباص الأوّل, أما السائق فقد كان ينظر إلى ركاب الباصات المصطفة خلفه عبر المرآة المعلقة في سقف الباص و يحني ظهره اتجاه المقود كأنه يعتذر للمسافرين عن كل الظلم و قهر الانتظار..
امتزجت تناهيدي بماء البحر, قلتُ لها ” قضاء و قدر “, قالت بطفولة ” لازم تتزوج البنت؟ ” قلت ” حسب!”, قالت ” ليش يعني؟, بدها أولاد و تصير أم “, ضحكتُ و شردَ ذهني نحو موجة طائشة على الصخرة التي نجلس عليها.. بعد تلك النزهة عرفت سر جنون أختي, و بقيت أختي تزرع نفسها روحا و جسدا في التراب, كانت قد تزّوجت الأرض

" أوقات جميلة لأخطائنا النضرة " لزياد خداش

عن مؤسسة عبد المحسن القطان صدر مؤخرا للكاتب و القاص الفلسطيني زياد خداش كتابه الموسوم ” أوقات جميلة لأخطائنا النضرة “. يقع الكتاب في 143 صفحة من القطع المتوسط, موزعا عليها ستة عشر نصا يتحدثّ فيها عن تجربته في تدريس الكتابة الإبداعية في مدرسة أمين الحسيني برام الله, قدّم الشاعر و التربوي وسيم الكردي الكتاب نافيًا في بداية مقدمته ذواء ” جذوة الشغب القصصي لدى القاص زياد خداش حين يكتب بعضا من تجاربه في مهنة التدريس من موقعه كمعلم “.
جاء إهداء الكتاب إلى ” هيفاء ” بطلة قصة ” شتاء في قميص رجل “* و التي ترمز إلى الطفولة و الوطن و الذكريات و الحلم المستمر.

و لأن غلاف الكتاب هو العتبة الأولى للنص فانه رُسم على شكل ورطة بريشة الفنان الفلسطيني الشاب جاد سلمان, الورطة يفسرها الكاتب في أضاءته قائلا : ” أنا لستُ رجلا تربويا أبدا, و لم أحلم يوما أن أكون مدرسا, تورطُت في المهنة, و ما زلت بسبب انعدام الخيارات…” ( إضاءات: ص 7).

عنوان الكتاب و معظم عناوين النصوص نجدها عبارة عن جمل اسمية, و قد أراد الكاتب أن تكون عناوينه على هذا النحو لقوة الدلالة الاسمية* من ناحية و لأنها أشد تمكنا و اخف على الذوق السليم من الدلالة الفعلية من ناحية أخرى. أما من الناحية الدلالية فالكاتب أراد بهذا العنوان أن يتلاءم مع القضية الأساسية التي يطرحها و يعالجها في الكتاب و التي تدور أحداثها و مشاكلها في المدرسة و أبطالها هم أستاذ مادة اللغة العربية (و هو الكاتب نفسه) و طلابه الانتحاريون(كما يصفهم الكاتب في كتابه).
و الأوقات الجميلة هي تلك الأوقات التي يقضيها الأستاذ مع طلابه في المدرسة أو خارج أسوارها حين يتمردون و يقفزون عن السور طائرين إلى الجبل المجاور لها كي يتناقشون مع بعضهم البعض و يحللون أخطاءهم النضرة و إيجاد الحلول الحداثية لها كما حدث مع الطالب أيمن في ( حكاية أيمن الطالب المذعور الذي ضبط في الصف يتحسس جسده : ص79)

المعلّم المغامر و انقلاب طلابه
في كتابه ” الرواة على بيدر الحكمة ” اعتبر الناقد إبراهيم السعافين أن زياد خدّاش من جيل المغامرات المفتوحة الذين انطلقوا من واقع التجريب, حيث إنه كتب عن الحياة السيئة و الواقع المرير الذي يعاني منه الفلسطيني بشكل خاص و العربي بشكل عام. و تتجلى شخصية زياد المغامر في زياد المعلّم الذي يرفض بشدّة القوانين المدرسية الصارمة و التي تكتم أنفاس الطلاب الأبرياء و تحطّ من قدرهم بطريقة و بأخرى, مما يدفعهم إلى أن يقترحوا على أستاذهم ” احتلال المدرسة ” و السيطرة على كل ممتلكاتها, بداية من الميكرفون و الطباشير و المقاعد المرصوصة في الصفوف و الكتب المقررة حتى العنف المتمثل في البرابيج !, من هنا ينقلب الطلاب على مدير المدرسة و يسجنونه مع بقية الأساتذة في مكتبه خلال اجتماع إداري مع هيئة التدريس في المدرسة ( طلابي الانتحاريون يحتلون المدرسة: ص 105 ).

الطيران و القفز عن سور المدرسة
تتكرر كلمات و ألفاظ التمرد في نصوص الكتاب بشكل متعمد و أحيانا عفوي يفيض من روح المعلم المتذمر الذي” تورط في مهنة التدريس بسبب انعدام الخيارات” (ص7). كان القفز و الطيران من أهم الألفاظ الفعلية المتمردة: حرب, جنون,كسر, خيال, عصيان, تخريب,إطاحة, جنود,.. إلخ. و كلها ألفاظ تدل بوضوح على الإرادة القوية و العصيان ضد القوانين المدرسية الإلزامية :
” يا أعزائي إنها حرب أخرى سنخوضها هذا العام ” ( ص23)
” قررت أن أبدا بشن أول المعارك بالتعاون مع جنودي ” ( ص 31 )
” انصرفت متأبطا حربي إلى غرفة المعلمين ” ( ص 42)
” قلت لهم: اقفزوا ورائي واحدا تلو الآخر, مع صيحة يطلقها كل قافز تعبر عن فرحه بالتحرر من الجدران,
قفزت أمامهم, مع صيحة فرح وحشية, قفزوا ورائي, مالئين الدنيا صياحا..” ( جماليات التخريب و سحر اللامتحقق: ص 39 )
” سنطيح بطريقة التفكير القديمة ” ( ص 51)
” هيا نرتكب خروجا عن العادي و اليومي” ( ص 63)
” قال سعيد: سنقفز عن السور كما فعلنا في السابق..” ( ص 84 )

مشروع الرؤية المجنونة للعالم.. و الحلم بالمستحيل
مشروع الرؤية المجنونة للعالم هو مشروع تربوي حديث أكثر مما هو فنتازي ابتكره المعلم/الكاتب ليتعامل مع طلابه بطريقة رائعة يملؤها الحلم و الخيال, يخترعون مع بعضهم البعض العالم المدرسي الحر فيحضرون أقفاص العصافير إلى الصف ليطلقوا سراحها من نوافذه المحفورة في جدران تشبه السجن المرعب ( ص 100).. و يرسمون على السبورة غابة فيها اسود و فيلة و نمور و غزلا ( ص 64): ” قلت لهم رائع جدا يا أصدقائي” , ” شرع الطلاب بحماس شديد بتغيير معالم الصف, اخرجوا المقاعد من الصف, بدأو يقصقصون الأوراق و يشكلونها على شكل أزهار و سناسل و صخور و أشجار و نمور و أسود ” “و هكذا لم يعد الصف صفا..”.
هذه المدرسة كثير من الطلاب يحلمون بها, و لكن تظل أحلامهم مستحيلة لا تتجاوز حدود الخيال. تكمن متعة الحلم في استحالة تحوله إلى واقع متحقق, لأنها لو ” تحققت هذه الأحلام لفقدت كونها أحلاما, لفقدت جمالها و غرائبيتها الخاصة, لأصبحت واقعا مملا..”( ص 45).. المعلّم يفك أسر طلابه من الصف و من الضجر , فيتنصّل من شخصيّة الأستاذ المتعجرف و لأول مرة يحلق مع طلابه في سماء الحلم و لعبة الخيال و تكوين الكلمات, يبدأ معهم بتعريف الكتابة الإبداعية, ثم يكون ذلك سلم الصعود إلى الكذب و القفز خلف سور الكتابة/المدرسة ( انظر نص: تجربتي في تدريس الكتابة الإبداعية للصف السابع, الكتابة كبحث خلف السور: ص 15 ),(ص32),( ص 57)..

مجزرة الخيال و إعدام المخيّلة في منهاج اللغة العربية الفلسطيني
لا يغفل زياد خداش المعلّمُ الكتابَ المدرسي المقرر عليه و على طلابه, فينقد منهاجه و عقل من صاغه: ” فالعقل الذي صاغ هذا المنهاج هو العقل نفسه الذي صاغ منهاج السابع و السادس, فليس من المعقول أن يتطور العقل فجأة ليصبح منهاجا مختلفا, يعتذر عن سطحيته السابقة ” ( حرب ضد اليباب, حرب ضد السطح: ص 23 ), و يسخر من واضعي المنهاج: ” نحن شاكرون لكم جدا إعطائنا المعلومات القيمة حول قواعد اللغة العربية, و قواعد الإملاء و الخط, هذه مهارات نحن ملتزمون بها تماما. و لكننا لن ننصاع لتوجيهاتكم بخصوص طرق التفكير, و آليات مناقشة الدروس, و في مضامين التعبير الخاوية و المملة و القاتلة للمخيلة ” ” لن نقول لهم ذلك بصوت عالٍ, سنهمس ذلك همسا حتى لا يسمعوا. ها ها ها ها ” ( ص 25 ). و يؤكّد ضرورة وجود الخيال و قابلية التخيّل و التأويل و التفكير في دروس كتاب اللغة العربية, فأسئلة الكتاب لا تثير التفكير في ذهن الطالب, دائما هي مكررة و روتينية : ” أين هي الأسئلة التي تدفع إلى جو ذهني يثير التفكير, هل سؤال من نوع ( أُذكر و لمن و بيّن ) يثير تفكيري. و حتى لو اعتبرنا أن هذا النوع من الأسئلة يثير التفكير, كيف يمكن أن يثار تفكير شخص ما لا يمتلك مخيلة, و إن امتلكها فهي كسيحة و عاجزة ؟ فكلمة المخيلة أو الخيال لم ترد في مقدمة المنهاج أبدا, هذه الكلمة الضائعة و المغيبة يفترض فيها أن تشكل فضاء العملية التعليمية كلها ” ( ص 27). و يعتبر الكاتب أن غياب هذه الكلمة ” مجزرة “, إذ يلقي بسبب المشكلة في ذلك على عاتق صائغي المنهاج و هي: ” غياب إيمانهم بأهمية تقديم نصوص تحتمل تأويلات متعددة ” ( ص 29 ) كما في قصة زائر المساء لخليل السواحري. و الكاتب لا يلومهم في ذلك بل يعذرهم : ” فهم ضحايا تربية عقيمة و أساليب بالية و رؤى قديمة ” (ص 31).

هيّا نطارد الدهشة !
الكتاب يعجُّ بالأحلام الصاخبة, و الشغب و الطلاب و المعلمون. نقرأ فيه التمرد على القوانين و الانقلاب على القديم, و لا ننسى فيروز, سنقرأ صوتها مكتوبا بلغة زياد خداش.. هذا الساحر المجنون!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* شتاء في قميص رجل: عنوان قصة من مجموعته القصصية خذيني إلى موتي
* محمد عويس محمد : العنوان في الأدب العربي, النشأة و التطور

زياد خداش:
قاص و كاتب فلسطيني مقيم في مدينة رام الله, و يعمل مدرسا في مدرسة أمين الحسيني, و له العديد من المجموعات القصصية المنشورة.

رسالة رقم " 19 "

زوجتي السمراء و الخضراء والبيضاء و الحمراء: ” سامية ” ..
ها قد نجا الموت مني مرة أخرى, منذ تلك الليلة الطويلة و أنا أفكر ببهاء المقاوم الذي يأكل الرمل قبل أن يضيع, دائما أفكر ” هل ما زلتُ أمتلك شهوة الحياة؟ ” . رفاقي هنا لا يعرفون أنني متزوج و أن لي ابنة و ولد لم يأتِ بعد.. آه كم أشعر بالشوق و الألم كلما تذكرتُ ابني النائم في زمن مجهول من المكان.. المكان نفسه الذي انبلج منه فجر ابنتنا. كيف هي؟ هل كبرت و صارت تحكي ” بابا ” ؟. سوف تضحكين يا سامية إن قلت لكِ أنني ما زلتُ أحسب عمر ابنتنا بعمر الحصار !. لا تجادلينني في ذلك, فأنا متأكد أنها ولدت في أول يوم من أيام الحصار, جارتنا أم رامي كانت عند أهلها حينما نقلناكِ إلى المشفى, و كنتِ في صبيحة ذلك اليوم قد وضعتِ ابنتنا في مهد الحياة.. كم أتذوق مرارة السخرية حين أربط ميلاد ابنة بحصار مدينة! .
لا أستطيع أن أبوح بكِ و بابنتنا لرفاقي, لا لشيء ما.. فقط لأنهم منشغلون في الحرب, لا وقت لديهم لسماع أحاديثي التافهة. قبل قليل أخلوا المكان و انتقلوا إلى أطراف المدينة ليصدّوا عدوّنا, و ها أنذا بقيتُ وحدي هنا أكتبُ إليكِ و أطمئن. المقبرة في أشدّ شبحيّتها و سكونها المدوّي.. أكتب إليكِ على ضوء القنابل الفسفورية.. أكتبُ إليكِ متكئا على رخام قبر جدّي, يا للصدفة التي أتت بي إلى حيثُ يعيش جدّي موتَه بكامل البطولة و الحكايات القديمة عن حيفا..أسمع صوته يمشي إليّ من بين مسامات الحجارة و يُقدّم إليّ خذلانه من العالم في هذه اللحظات الحربية..لم يعُد يقص عليّ قصص ” أيام البلادْ ” !.
ثمّة كوفيّة تطير من جهة ما و تحطّ على كتفيّ! , وقفتُ بسرعة متأهبا للقتال, إلا أنها كانت حقا كوفية, و قد طارت عن حبل غسيل ربطته امرأة بين غصن شجرة و حافة قبر, لثمتُ الكوفية و عانقتها كأنها أنتِ.. أحبكِ يا سامية, و بقدر هذا الحب المرتجف أنا أشتاقكِ.. و خائف من تيتّم ابنتنا .. الآن بالذات أريد أن أبكي على كتفيكِ, يسيل شلال دموع عليهما, يغسل جسدكِ من عرق اللجوء و رائحة البارود, كي تمسحين بيديكِ دموعي و تربتينَ على حسراتي بعطف..
– تعال فورا إلى منطقة السمُّوني فورا فوراااااااااا
ساميتي.. يجب عليَّ أن أغادر المقبرة, المنطقة التي بنينا بيتنا فيها ها هي تقصف, سأضع خوذتي على رخام قبر جدي و أذهب.. هل سينجو الموت مني هذه المرة؟

أجرة

هنالكَ امرأة تهيل على طفلها بالقبلات ثم تتشابك أصابعها مع أصابع زوجها.. تهرول بعيدا عنهما, تصعد السيارة و لا تنظر إلى الوراء, سحبتُ كتبي و أخليتُ لها المقعد, التصقَ وجهي بالنافذة, كدتُ أرى يد طفلها المرتعشة و هي تلوّح لها مثل فالس الزهور في آخر أيام الخريف.
كانت المسافة بيني و بين السيّدة قصيرة جدا, مسافة حقيبة يد و دموعٍ تكابد الكتمان, لمحتُ في عينيها بريقا غامضا يتموّج و ينطفئ فجأة. أعطيتُ السائق أجرته, في منتصف الطريق أعاد النقود إليَّ و قال ” النقود مزيّفة “, دُهشتُ و قلتُ ” كيف, هذه نقود حقيقيّة “, قال ” مرّ عليها سنة, لقد تغيّرت العملة “. قفزَت إليّ الأفكار سريعا قبل أن أتفوّه معه بكلمة, تساءلت ” هل غبتُ عن زمن المدينة سنة لدرجة أن العملة تغيّرت و أنا لا أعرف ؟ “.. سوف أنتظر دفع أجرته بعد أن تدفع السيّدة. وصلنا معبر رفح و السيّدة لم تدفع الأجرة بعدْ. توّقفت السيّارة, لم أنزل, كنتُ في حيرة من أمري, العملة التي بحوزتي مختلفة عن عملة المدينة.. لا لا ربما عن عملة هذا السائق فقط؟ و من يدري؟! لماذا لم تدفع السيّدة الأجرة؟ ربما هي مثلي محتارة؟. نظرتُ إليها بذهول صاعق, التقت عيوننا مع بعضها, لم نتكلّم, دوّرت كفها في الهواء الموازي لصدرها, فحرّكتُ حاجبيّ إلى الأعلى كتعبير عن تعجّب كبير !! . قالت السيّدة بعد صمت الذهول ” لا يمكننا ترك السائق بدون أجرة “, قلتُ ” و ماذا نفعل.. المعبر أمامنا مفتوح و هذه الساعة الأخيرة من مدّة فتحهِ ! “, قالت ” لنعود من حيثُ أتينا “

القميص المسروق

[ القميص المسروق ]
غسّان كنفاني

رفع رأسه إلى السماء المظلمة وهو يقاوم شتيمة كفر صغيرة أوشكت أن تنزلق عن لسانه، واستطاع أن يحس الغيوم السوداء تتزاحم كقطع البازلت، وتندمج ثم تتمزق.
إن هذا المطر لن ينتهي الليلة، هذا يعني انه لن ينام، بل سيظل منكبا على رفشه، يحفر طريقا تجر المياه الموحلة بعيدا عن أوتاد الخيمة، لقد أوشك ظهره أن يعتاد ضرب المطر البارد.. بل إن هذا البرد يعطيه شعورا لذيذا بالخدر.
انه يشم رائحة الدخان، لقد أشعلت زوجه النار لتخبز الطحين، كم يود لو انه ينتهي من هذا الخندق، فيدخل الخيمة، ويدس كفيه الباردتين في النار حتى الاحتراق، لا شك انه يستطيع ان يقبض على الشعلة بأصابعه، وان ينقلها من يد إلى أخرى حتى يذهب هذا الجليد عنهما.
. ولكنه يخاف ان يدخل هذه الخيمة، ان في محاجر زوجه سؤالا رهيبا ما زال يقرع فيهما منذ زمن بعيد، لا، ان البرد اقل قسوة من السؤال الرهيب.ستقول له اذا ما دخل وهي تغرس كفيها في العجين، وتغرس عينيها في عيونه:هل وجدت عملا؟ماذا سنأكل اذن؟ كيف استطاع(ابو فلان) ان يشتغل هنا وكيف استطاع(ابو علنتان) ان يشتغل هناك؟ثم ستشير الى عبد الرحمن المكور في زاوية الخيمة كالقط الكبول، و ستهز رأسها بصمت ابلغ من الف الف عتاب.. ماذا عنده الليلة ليقول لها سوى ما يقوله في كل ليلة..
-هل تريدينني ان اسرق لا حل مشاكل عبد الرحمن؟

ونصب قامته بهدوء لاهث، ثم ما لبث ان عاد، فاتكأ على الرفش المكسور، وانشأ يحدق بالخيمة الداكنة مستشعرا قلقا عظيماوهو يسأل نفسه:
– وماذا لو سرقت؟
ان مخازن وكالة الغوث الدولية تقع على مقربة من الخيام، ان قرر ان يبدأ فهو يستطيع بالتأكيد ان ينزلق الى حيث يتكدس الطحين والرز، من ثقب ما سيجده هنا او هناك، ثم ان المال ليس حلال احد، لقد اتى من هناك، من عند ناس قال عنهم استاذ المدرسة لعبد الرحمن انهم ” يقتلون القتيل ويمشون في جنازته” فماذا يضر الناس لو انه سرق كيس طحين.. كيسين.. عشرة؟وماذا لو باع شيئا من هذا الطحين الى واحد من اولئك الذين يتمتعون بقدرة عظيمة على استنشاق روائح مسروقات، وبقدرة اعظم في المساومة على ثمنها؟
ولذت له الفكرة، فدأب بعزم اشد على اتمام حفر الخندق فيما حول الخيمة و اخذ يسأل نفسه من جديد ان لماذا لا يبدأ مغامرته منذ الآن؟ان المطر شديد والحارس مشغول بأمر البرد اكثر من انشغاله بمصلحة وكالة الغوث الدولية، فلماذا لا يبدأ الآن؟ لماذا؟
– ماذا تعمل يا أبا العبد؟
ورفع رأسه الى جهة الصوت، وميز شبح ابي سمير قادما من بين صفي الخيام المغروسة الى ما لا نهاية الظلمة..
-انني احفر طحينا..
– تحفر ماذا؟
– احفر.. احفر.. خندقا..
وسمع ضحكة ابي سمير الرفيعة التي سرعان ما تلاشت في ثرثرته:
– يبدو انك تفكر بالطحين، ان التوزيع سيتأخر الى ما بعد العشرة الايام الاولى من الشهر القادم، اي بعد خمسة عشر يوما تقريبا، فلا تفكر منذ الآن الا اذا كنت تنوي ان تستعير كيسا او كيسين من المخزن..
ورأى ذراع ابي سمير تشير باتجاه المخازن، ولمح على شفتيه السميكتين ظلا لابتسامة خبيثة، وشعر بصعوبة الموقف، فعاد يضرب الارض برفشه المكسور.
– خد هذه السيكارة.. ولكن لا، انك لن تستفيد منها فالمطر مزعج.. لقد نسيت ان السماء تمطر، عقل من الطحين.. مثل الحجر..
واحس بضيق يأخذ بخناقه، انه يكره ابا سمير منذ زمن بعيد، هذا الثرثار الخبيث:
– ما الذي اخرجك في هذا المطر؟
– خرجت.. خرجت لاسألك ان كنت تريد المساعدة.
– لا.. شكرا..
-هل ستحفر طويلا؟
– معظم الليل..
– لم اقل لك ان تحفر خندقك في النهار؟انك دائما تذهب الى حيث لا ادري وتترك الخيمة.. هل تذهب للبحث عن خاتم سليمان؟
– لا.. عن شغل..
ورفع رأسه عن الرفش وهو يلهث..
– لماذا لا تذهب لتنام وتتركني وحدي؟
واقترب منه ابو سمير بهدوء جم ووضع كفّه يهزها ببطء وهو يقول بصوت مخنوق:
– اسمع يا ابا العبد، ان رأيت الآن كيس طحين يمشي من امامك فلا تذع الخبر لاحد!
– كيف؟
قالها ابو العبد وصدره ينبض بعنف، وشم رائحة التبغ من فم ابي سمير وهو يهمس وقد فتح عيونه على سعها:
– هناك اكياس طحين تمشي في الليل وتذهب الى هناك..
– الى اين؟
– الى هناك..
حاول ابو العبد ان يرى الى اين يشير ابو سمير ولكنه وجد ذراعيه مسدلتين على جنبيه، بينما سمع صوته يهمس ببحة عميقة:
– ستأخذ نصيبك.
– هل هناك ثقب تدخلون منه؟
ورفع ابو سمير رأسه نافيا ومفرقعا لسانه بمرح، ثم همس بصوت نصف مبحوح:
– ان اكياس الطحين تخرج لوحدها.. انها تمشي!
-انك مجنون ..
– لا، بل انت مسكين.. اسمع، ولندخل في الموضوع مباشرة، ان ما علينا هو ان نخرج اكياس الطحين من المخزن ونذهب بها هناك، ان الحارس سيمهد لنا كل شيء كما يفعل دائما، ان الذي سيتولى البيع ليس انا، ولا انت، انه الموظف الامريكي الاشقر في الوكالة.. لا، لا تعجب، كل شيء يصبح جائزا ومعقولا بعد الاتفاق.الأمريكي يبيع، وأنا اقبض، والحارس يقبض.. وأنت تقبض، وكله بالاتفاق، فما رأيك؟
وشعر ابو العبد ان القضية اشد تعقيدا من سرقة كيس اوكيسين، اوعشرة، ورواده شعور لزج بالقرف من المعاملة مع هذا الانسان.. ثقيل الدم كما تعارفوا عليه في المخيم كله.. ولكنه في الوقت ذاته راقه ان يعود يوما الى خيمته وفي يده قميص جديد لعبد الرحمن، واغراض صغيرة لام العبد بعد هذا الحرمان الطويل، كم ستكون ابتسامتاهما جميلتين، ان ابتسامة عبد الرحمن، لوحدها، تستحق المغامرة لا شك، ولكنه لو فشل.. اي مصير اسود ينتظر ام العبد وولدها.. يومها سيحمل عبدالرحمن صندوق مسح الاحذية ليتكور في الشارع هازا رأسه الصغير فوق الاحذية الانيقة، يا للمصير الاسود، ولكنه لو نجح فسيبدو عبد الرحمن انسانا جديدا، وسيقتلع من عيون زوجه ذلك السؤال المخيف. لو نجح، فستنتهي مأساة الخندق في كل ليلة ممطرة، وسيعيش حيث لا يستطيع ان يتصور الآن..
– لماذا لا تترك هذا الخندق الملعون، لبدأ قبل ان تشرق الشمس؟
نعم لماذا لا يترك الخندق.. ان عبد الرحمن يلهث من البرد في طرف الخيمة، ويكاد يحس انفاسه تلفح جبينه البارد.. كم يود لو انه ينتشل عبد الرحمن من هزاله وخوفه، لقد اوشك المطر ان ينقطع، وبدأ القمر في السماء يمزق طريقا وعرا..
وابوسمير، ما زال واقفا امامه كالشبح الاسود، غارسا قدميه الكبيرتين في الوحل، رافعا ياقة معطفه العتيق الى ما فوق اذنيه، انه ما زال واقفا ينتظر، هذا الانسان الواقف امامه، يحمل معه قدرا جديدا غامضا، يساومه ليرفع معه الاكياس من المخزن، الى مكان ما، يأتيه الامريكي كل شهر ويقف امام اكوام الطحين يفرك راحتيه النظيفتين، ويضحك بعيون زرقاء كعيون قط يتحفز امام جحر فأر مسكين.
– منذ متى وانت تتعامل مع هذا الحارس وذلك الموظف؟
– هل تريد ان تحقق معي ام تأخذ ثمن الطحين وتذهب لتشتري الشياطين؟اسمع ان هذا الامريكي صديقي، وهو انسان يحب العمل المنظم، انه يطلب مني دائما ان اضع الوقت بالمقدمة. وهو لا يحب التأخير في المواعيد.. علينا ان نبدأ الآن. اسرع.
و عاد يتصور الامريكي واقفا امام اكياس الطحين، يضحك بعيون زرقاء ضيقة ويفرك راحتيه النظيفتين بحبور وطمأنينة، فشعر بضيق غريب، وخطر له ان ذلك الامريكي كان يبيع الطحين في الوقت الذي كان يقول فيه لرجال المخيم ولنسائه ان توزيع الاغاثة سيتأجل الى نهاية الايام العشرة الاولى من الشهر، واحس بنقمة طاغية، هي صدى لاحساساته يوم كان يرجع من المخازن ليقول لزوجته بصوت كسير انهم اجلوا توزيع الطحين عشرة ايام، كم هي مؤلمة خيبة الامل التي كانت ترتسم في وجهها الاسمر المجهد، لقد كان يحس الغصة تتعلق بالف ذراع في حنجرته وهي تنظر بصمت مريع الى كيس الطحين الفارغ يتأرجح على ذراعه كالمشنوق.. لقد كانت تعني في نظرتها تلك ان عشرة ايام ستمضي قبل ان يجدوا طحينا للاكل. كان يبدو له ايضا ان عبد الرحمن يفهم الموقف تماما، لقد كان يكف عن طلب الاكل بالحاح..
في كل خيام قريةالنازحين كانت العيون المتلهفة تقع في خيبة الامل ذاتها، كان على كل طفل في المخيم ان ينتظر عشرة ايام ليأكل خبزا. هذا اذن هو سبب التأجيل، ابو سمير الواقف امامه كالشبح الاسود، غارسا قدميه في الطين قلقا لمصير مساوماته، هو والامريكي الذي يفرك راحتيه النظيفتين امام اكوام الطحين وهويضحك بعيون زرقاء ضيقة..
لم يدر كيف رفع الرفش الى ما فوق رأسه وكيف هوى به بعنف رهيب على رأس ابي سمير، وهويصيح في وجهها ان الطحين لن يتأجل توزيعه هذا الشهر..
كان لا يزال راغبا في ان يراه يبتسم لقميص جديد..
فأخذ يبكي..

صلاة بتول


ابنة أختي لم تعُد تحب الله لأن أباها لم يشترِ لها لعبة!, تعتقد أن الأب هو الله, و من حقِّها الغضب منه إن ضربها أو لم يأخذها نزهة إلى البحر..
– بتول هيّا أعلِّمكِ الصلاة
رفضت بتول ذلك و قالت بمكر طفولي بريء ” إن اشترى بابا لي لعبة سأصلّي “.
اشترى لها لعبة و فوجئت أنها تصلي.. صلاة فطرية رائعة.. قلتُ لها ” لمن تصلّين؟ ” , قالت ” لله “, قلتُ ” و من هوَ؟ ” , قالت ” الله هو الذي جعل بابا يشتري لعبة لي “.
و صارت بتول تُحبُّ أباها أكثر لأنه يُطيع الله الذي جعل أباها يشتري لها لعبة .