سبع نصوص لنصر جميل شعث



● ● ●
لاءات
لا تَضحكْ أمامَ المِرآة.
لا تَصرخْ، ولسانُـك داخلَ فمِكَ، في ليلةٍ بلا شمعة أو أمّك.
لا تَرشقِ الماءَ، مِن دَلوِكَ الأسودِ، على هُدوء الريح تحتَ شَجَرة.
لا تَتّخذْ باطنَ كفِّكَ سَماءً لفوّهة.
لا تَدعسْ بحذائِكَ المَدَنِيّ، على علبةٍ فارغة.
لا تَقطعْ من رأسِك شعرةً، وتَعْقدها مَرّتين.
لا تَشترِ الشّموعَ مِنَ العُميان.
مَسافة
مَسافةٌ ليدٍ تَقضم الهواءَ،
وخُطىً بين البيوت التي خفَّفَتْ مِن إناراتها فرحةً بالقمر.
مَسافةٌ لصغارٍ:
بدلاً من الدُّمَى، يُداعبونَ ظلالَهم.
بدلاً من النهود، يَنفخون البالوناتِ بماءِ الصنابير…
ويَهربون من جُرعةِ الدواءِ،
إلى انفجار القمر!

حَمْلٌ ثابت
كلُّ شيءٍ في مكانِه:
زُجاجةٌ على فَمِها،
رسالةٌ على منحنى السلحفاء،
جَرَسُ الساعةِ في جدار الصباح،
طابةٌ تَصْعدُ السُّلَّمَ،
فَراغٌ في الجردل،
انقطاعُ الوحْي والكهرباء،
وحَصْوةٌ في النعلِ،
تَجْرَحُ السِيراميك.

غبارُ الجنرال
عندما يَمرّ العالَمُ مِن بينِ يديكَ
لا تقبضْ عليه،
لا تكتبْ رِوايةً،
ولا تقل الفلاسفةُ مَرّوا مِن بين يديّ.
إنَّهُ غبارُ الجنرالِ العابر؛
طاحنًا القمحَ في عينيكَ لِتعمى،
ولِيَجُوعَ صوتـُك للهواء وللرؤى.
……………………………
……………………………
وعندما يَمرّ العالَمُ من بين قدميْكَ
لا تنظرْ إليه،
إنَّهُ في مَرمَى البول!

يَرفعُ للأفُق تُرابَه
شَخصٌ بلا مرْكز،
بين شَراسةِ الأمل وقداسة السكينِ
أعلنَ الحربَ على نفسِه،
وفي الطريق إلى السِّلاحِ اعْترَضَهُ نهرٌ
بلا مَجرى وذاكرةٍ؛
فاستأذنَ الشَّجَرةَ ليصنعَ
من بنْتِها قاربًا للضفة الأخرى.
ماتَ الشيءُ الكبيرُ على قلبه؛
قالوا على القلب ضَريحٌ،
وقالوا على البابِ غابةٌ.
وحدَه الشخصُ قال:
شاعرٌ يَرفعُ للأفُقِ تُرابَه!

حِوارٌ وطَني
ـ مِن أينَ ليدِكَ الجرحُ الحُلْو؟
مِن قدمِ حمامة.
ـ وهذا العِرْقُ الواضح؟
مِن تجرِبةِ النهر.
ـ وبماذا تَحلُمُ في الليل؟
بالليل.. ومُختلَفِ الأشياء.
ـ وإذا ما فاجأتك المرآةُ بنقصٍ؟
يدِيْ قطَعَتْ يدِيْ.
خمسَةُ شَواهِد
(١)
افتَحِ الشُّبَّاكَ،
أعْطِ ساعةَ الغُرفَةِ ظَهْرَكَ،
وقُلْ لسائلِكَ عنِ الوقتِ:
ليس لي عينان، في الخلفِ، يا أعمى!
(٢)
افتحِ المُوسيقى،
أعْطِها ظهْرَكَ،
وقلْ للمرآةِ:
لي خلفيّةٌ مُوسيقية!
(٣)
ما اللمْبةُ إلا:
وَرَمُ الضوء في عينيكَ،
يا أيها الشاعر!
(٤)
الشعرُ لا تزنُه يدٌ؛
الشعرُ شاهدُك الذي يـُقيمُ وزْنـًا
لحركةِ اليَدِ في الهَواء!
(٥)
افتَحِ الخَزانةَ،
وَرّطِ الحَيرةَ في ألوانِ قُمصانِكَ.
أغْلقِ الخَزانةَ،
واخْرُجْ عارِيًا إلى النسيان!

* نصر جميل شعث:
شاعر و ناقد من غزة هاجر مؤخرا إلى النرويج !
مواليد 1979

غزة تشبهك../ نص لكرمل العباسي



● ● ●
تماماً مثل غزة أنتمي إليك
لا تاريخ مشترك ولاذكريات طفولة…
ولكنني أنتمي إلي ك/ها
أخبز عمري من غبار شوارعها
أعانقها وألعنها آلاف المرات
أشكيها لبحرها فأجده يبكي نفسه من قسوتها
تتسربل في مياهه وتبني جدران لتفرق القطرات عن بعضها البعض
تأمر بهجرة حورياته
تزرع طحالباً
وترحل …
الشمس تطلي أظفارها بملح البحر
وتجدل خصلاتها بحجارة تقصف الأمل
غزة أهدت بحرها لأبي مصعب…
ظنت أن خصرها الساحلي يغريه
وأنوثة الشمس المتفجرة في جلدها ستعلقه بها
ظنت غزة أن ضحكات الكمنجات في أمواجها
ستحول حياته لحناً يغنيه الأطفال في حصص التاريخ
ظنت أن بؤسها سيحوله إلى كحل في عينيها
نسيت غزة أن أبا مصعب عابرسبيل
أن عطر البحر لا يناسب رئتيه الصحراويتين
أن ترجمة بؤسه هي زيادة معدل الرطوبة!!
أن جنوده يخافون صبغة النبيذ الأحمر
غزة تشبهك …
صدى كلماتك يشتهي جناحا طائرٍ يذوب في التيه
شرفاتك تشرِّع حقيقة اللوعة
نبيك يحرق غزتي/ نبيي يشعل حرائقك
ألملم حلم قهوتك وأطحنه بهيلي
صدأ الانتظار ألتهم ركوتنا!!
غزة تشبهك…
تهزمني وتُمَتِعُكَ هزيمتي!!
تشبهك…
أغوص لأجمع طينها فتعلن الغياب
آتي بحلي التاريخ وأعطرها بماء الزهر
تقبُلُني ومن ثم توزعها لغمامات تغتصب بدرها
آتيها بنثري فتعصره فوق حساء جندها ليختلفوا حول لغة الله
كفيها يصفقان لتهز خاصرتي
وتشعل خلخالاً في قصة قديمة

* كرمل العباسي:
شاعرة من غزة
مواليد 1985

حيرة/ نص لداليا طه



● ● ●

حين أقول
تعال
تتأمل جرح الهواء
كمن يحدق
في وردة تتبخر، ثم تغيب
في مراياك
كمن يمُدّ ظلاله
في سورةِ الرحمن

حين تقول
تعالي،
أضيءُ ثلاث شموع
ولا أرى في
رجفة الماء
الذي يتسلل منك
سوى النوافذ التي
تشلحها قرب
ظلِّي

الهواء الرطب
وخشوع الراهبة التي
لا تتوقف
عن تأملي وأنا أعيد إلى
الجدران صلاة الغائب
يجعلاني أتحسس
من أشعة
الشمس وهي تغسل ظهري.

يرفعني الحب
ينزلني، درجتين
ثلاث
نحو ظلّك الذي
ينحُل فيَّ ثم
يكبر وهو يصعد سلما
من غبار.

حين تقول تعالي
آتي، كمن
يدخلُ جوقةَ ليستضيفه
الناي
ثم أخجل من ما
يظلِّل ساعدي قرب
صمتك.
مساءات من فضة
وغيمٌ يسيرُ في النهر
ويحمل الضفاف
إلى موجة
تتشكل.

حين تقول تعالي
تختفي فيّ
الطريق إليك.
وتغفو خلف خطاي
الساحات
حين تقول تعالي
أنسى
الطريق وأجرح معصمي
لأظل خلف
الباب أجفف ما
يسيل من
دمي.

* داليا طه:
شاعرة من رام الله
مواليد 1986

خطايا القلب / نص لمعن سمارة



● ● ●
1
في فضائك
أنشئ مأواي
وفي مساحة
المكان
لا أجد نفسي.

2
أكاد
اصرخ فيك
لكن الفراغ
يملأ فمي…
فاصرخ
في نفسي…

3

اشباح،
تأتيني ليلا،
رياح عشقك،
تاخذني اليك
وقبل ان نصل
تعيدني مكاني

4
أعدو تجاهك
وكلما اقتربت
أتساءل:
من يقرر المسافة
انا ام انت؟؟

5
صعدت فيك
طريق المطر…
لم اعلم
ان النهاية
مشنقة!!

6
بكيت…
ضحكت
على امتداد
البكاء
ومت
على امتداد
الضحك!!

7
امرأة
بخرت
ماء الروح
واخرى
فجرت
ينابيع جديدة!!

من المجموعة الشعرية ما روي عن المجنون (2002) دار البيرق العربي

* معن سمارة:
شاعر من رام الله

مواليد 1979

في البدءِ والخاتِمةْ / نص لخالد جمعة

● ● ●
حينَ يخدعُني قلبي، أقولُ للموسيقى الوحيدةِ في فراغِ الإنتباه: روحي فوضى مساءاتٍ لا تُفهَمُ، تنسابُ الموسيقى في شقوقِ الروحِ كما تنسابُ امرأةٌ ترقصُ في خلايا عاشقِها الذي يغرفُ حزنَهُ من بحرِ عينيها، متمزّقاً وحيداً مُجْهَداً على شفا السقوطِ دونَ صوتٍ، خالقاً قامَتَهُ تحتَ جلدِه، مبتدئاً حربَهُ التي يعرفُ نتيجتَها وتفاصيلَها: هزيمتَهُ في البدء والخاتمةْ.
“أيُّ وجعٍ ينمو في تفاصيلِ الجسدِ حينَ تشدُّه المأساةُ وتفتِّتُهُ إلى شبقٍ وجفافٍ كثيرينِ ومعنى للماءِ أكثرَ من الماءْ؟”

سوفَ أُحِبُّكَ حتى يتغيَّرَ لونُ السّماءِ وتنفَتِحُ الأناشيدُ في قلوبِ الحالمينَ ورداً وسلالمَ من نورٍ يرتقي الخلودَ على مهلٍ، قالتْ، حدّقَ في كلامِ يديها منتبهاً إلى ورودِ النار تلقيها على الحقلِ الواسعِ جوارَ الموتْ، لم يُجِبْها بأيّةِ لغةٍ لكنّهُ قال كلَّ ما أرادَتْ سماعَهُ، لماذا أتيتِ والنارُ في حرش الكلامْ؟
“تتمدَّدُ على طاولةِ المتحفِ محاطةً بزجاجٍ سميكٍ ومشاهدين من أعراقٍ بالجملةِ، محدثي نعمةٍ وصائدي ذكرياتٍ مُهمَلونَ، نسِيَتْ أنهارَها وأوتارَها وأشجارَها حينَ لم يعُدْ معنى الحنينِ إلى الحنين، تصحو من الموتِ لتبحثَ عن شاهدٍ على الحياةِ، وتموتُ كما تنامُ”

قلتُ: عليكِ أن تفهمي وحوشي وغاباتِها، أن تلتقطي شعرةً من خواطري الغامضةِ كي تلفّي موتي ككائنٍ منفردٍ وحزينْ، احتاجُ إلى حُبِّكِ كي أميّزَ بينَ حزني وانكساري، أحتاجُ عينيكِ كي أرسمَ رؤيةَ العالمِ من أدراجٍ لم يصعدْها أحدٌ ولم يغنِّ على ظلالِها أحدْ،
قالت: وقتُكَ لكْ، ووقتي للتفاصيلِ الأنثويّةِ الخارجةِ من أفرانِ الكروم التي تُنضِجُ عِنباً على مهلٍ حالمٍ، يقفُ على جانبيه حُرّاسُ الكلام.
“قالتْ كلاماً من لؤلؤٍ مثقوبٍ وجاهزٍ للقلادةِ، ولم تقُلْ أنها لوَّنَتْ روحَها في صندوقِ النارِ كي تخدعَ رجلاً محتَملاً لحُلمٍ محتملٍ، لم يفهمْها ولم تكترث”

قالتْ: فقدتُ سريرَ ذاكرَتي حينَ سقطَ الموتُ من سقفِ الغرفةِ، حين عَرّيتُ صوتي أمامَ مرآةِ الهواءِ لأقلّدَ عصفوراً على شبّاكِ النومْ، أسَّستُ شعائرَ تعيدُ الأمكنةَ إلى ذكرياتِها…
“ينفصلُ البيتُ عن ذكرياتِهِ كمولودٍ عن أمِّهِ، كصوتٍ عن فمِهِ”

ذائبةً في مواعيدَ لم يأتِ إليها أحَدْ، تشقّقَتْ لغةُ انتظارِها، أكملَتْ طقوسَ انتقامِها كسيدةِ مقامٍ عريقةٍ، ورودٌ في الجوارِ، بخورٌ يجلِّدُ الهواءَ، كتبٌ عن الحبِّ على الرفِّ القديم، موسيقى أكثرُ من خافتةٍ تنبعُ من الحائطِ، أوراقٌ معبّأةٌ بخططٍ للحياةِ، صرختان في الثلاجةِ، كلماتُ عشقٍ لم تقلها لأحدْ، لوحةٌ من خشبٍ وطباشيرٌ ملوّنةٌ، وجسدٌ مكتنزٌ بالغيمِ ينتحرُ بالمطرْ.
“ينتحرُ ناقلُ المشهدِ قبلَ انتحارِها”

21 تشرين أول 2009

* خالد جمعة:
شاعر و كاتب من غزة
مواليد 1965

أرملة السراب

[ من نصوص غارقة في الهذيان و اللهفة و الموْت ! ]

” يأتي و لا يأتي
ذئب الليل
و لأن نجوم يوسف قريبة من الأرض
فإن الدم مضيء “

(1)
كان ليله مسكونا بالوجع و الشبق.. كان يحبُّ أكثر من مرّة, و في كل مرّة كان ينكسر أكثر من امرأة, عوى من شرفته ” تعالي أنتِ وحدكِ عارية من أسمالهنّ “, من بعيد جاء لاهثا إلى ثلوجي, اتفقنا على لون واحد للثلج و هو ” الليل “, و صغنا معا آخر المواعيد.. صاغ من النجوم موته الجائع, و ألقى عليّ وصيته بأن أكبر بدونه مثل الحياة.

(2)
يمشي في الضباب الصباحي, على كتفه معطف الشتاء, أمامه ماضيه و خلفه مستقبل حدّثني أنه سوف يكون ” مثيرْ ” لو أنفعل مع جنونه و نوبات خياله.. قلتُ ” لا “. تبعني حتى اختنق وعيي, استسلمتُ و أكملنا المشي معا في ضباب سرمدي..

(3)
عرضَ عليّ أن آكل من لحمه, سرتْ قشعريرة طويلة امتدت في عمودي الفقري, أرعبني كلامه. الآن, بعد كل الأيام التي مضتْ, ندمتُ, كيف تركتُ لحم قلبي يأكله الفراغ؟.. ليتني أكلتكَ يا أنتَ ( )

(4)
هي منامات البحر, هي عشب الغيوم, أو أو أو هي شهوة العواء, تبتلع الخراطيم الصغيرة قرقعة النراجيل, بدأت الفوضى تتخلى عن المقهى, يبقى الرجل في مكانه قرب النافذة, يتهيّأ لاحتواء جزيرة عوائه, النادل يستعدّ للدهشة و الخوف.. كأنها هيَ, سيّدة الحواس, تدخل المقهى, أحيانا طفلة و أحيانا امراة و أحيانا كهلة و أحيانا شجرة و أحيانا ارض و أحيانا ليل و أحيانا ليل و ليل و ليل

(5)
قالت: لا حزن يعوّضني عن الذي فقدت. كانت محاطة برائحة الماضي و عويل الرياح, يكفيها وردة لتتذكّر أن المقابر تحتوي أسرارا كثيرة من بينها ” الحب “.

(6)
كنّا كلّما اقتربنا من الحلم؛ ينكسر الليل و ننام على غصن لا يشبه الشجر.

(7)
في الطابق الخامس.. كانت السماء قلقة, و أنتَ مطمئن, لأنني أحبكَ كثيرا و لا أعترض على طريقتكَ الغامضة و المدهشة في الحب!..

(8)
الذي أفتقده, جاءني اليوم على هيأة غبار ناعس, مدّ إليّ يديه من بين الفراغ, ابتسم لي ابتسامته الخفيفة كالطيف, لمستُ أنفاسه, تحسّسَ اشتياقي, عدّ أصابع غيابه و عاد إلى مكانه البعيد.. عوْ

(9)
أحتاج إلى قتل.. إلى قليل من الموت, حتى أنهض من عواءٍ يأتيني مطعونا بالغياب, يقول لي: الريح حول قبري باردة و جافة فاحرقي النصوص و أسرار الليل !!

(10)
عَوْ

إجاصة اللاجئ الرائع

لن ينسى لون قمصانهم الزرقاء, و سيظل حاقدا على السماء مهما عاش, صار الأزرق ركام ذاكرته الذي لا يردمه النسيان. كانوا حوالي خمسين ولدا من أولاد صفّه, الصف الخامس الابتدائي “ج”, تحلّقوا حوله في ساحة المدرسة و ضحكاتهم تخنقه, سعيد يترأسهم و يهتف ” رائع “, يصفق الأولاد و يهتفون بعده ” راااائع “, يزلزلون كيان الطفل الصغير, يطأطئ رأسه و يودّ لو تبتلعه الأرض قبل أن تهزم عينيه الدموع, إلا أنه يستسلم لضعفه الطفولي البريء و يبكي بصوت عال, يلتم طلاب المدرسة حول الطفل ” الرائع” و يزفونه زفة الجحيم !.. رائع, رائع, رائع !!
ألبسته المدرسة اسم ” محيي الرائع”, المدرسون و الطلاب و المدير و آذن المدرسة.. ” يا رائع ليش ما حليت واجبك؟”, يا رائع جيب من عند المدير دفتر التحضير, رائع تعال نلعب, رائع رائع رائع.. أي كابوس هذا الذي يلاحقه منذ الصف الخامس؟. كره الكتب و الدفاتر, و أصابته حالة كآبة تستولي عليه صباحا, في الوقت نفسه الذي كانت تنطلق منه جوقة “رائع” منذ خروجه من البيت و حتى وصوله إلى المدرسة و انتهاء الدوام.
سنة كاملة من ال “رائع”, سنة كاملة من البكاء, سنة كاملة من البحث عن جحر الاختفاء و الهروب من طبول طلاب المدرسة. يا إلهي لماذا جعلتني “رائع”؟..
يستيقظ في آخر الليل من نومه فزعا, غارقا في بحر عرق أشد ملوحة من دموعه, يقفز عن سريره, ينظر إلى القمر و يتوسّله بأن لا يغيب حتى يطول الليل و لا يأتي نهار المآسي, و شمس رائع..
كان يتمنى أن يخبر أمه عن كابوسه اليومي, لكنه في كل مرة يقرر أن يخبرها كان يتراجع خوفا من أن تُشيع الخبر بين اخوته فتنتقل عدوى الطبول إليهم و يفعلون مثلما يفعل طلاب المدرسة معه, يكفيه ما يلاقيه في المدرسة, لا ينقصه أن يلقبوه في البيت بِـ “رائع”, فضيحة, وجع, دموع عملاقة, أكبر من طفل تقزّمت مشاعره بسبب أنفه المشوّه.
مخطوفا بالهلع, تسلل من بين أصدقائه في الطابور المدرسي, هرول إلى الصف متخفيّا قبل أن يلتقطه المدير, كم كان الطفل خائفا من الرجل الأجنبي الذي بدأ يصوّر الطلاب فرادا و جماعات, تشاجر الطلاب على الوقوف في الصف الأول من الطابور, انتشر المصورون الأجانب و شرعوا يلتقطون الصور الكثيرة لأخذها معهم إلى بلادهم الشقراء البعيدة, كدليل على بهجة الطلاب اللاجئين في مدارس وكالة الغوث و حقهم في الحياة و التعليم. أغلق محيي خلفه باب الصف, لا يدري كيف يتصرف و ماذا سيفعل؟, استرق نظرات سريعة إلى أصدقائه و هم يتعاركون على الكاميرا, كان سعيد الملعون يربح أكثر من صورة, لم تكن لسعيد ملامح الطفل, كان جسده يحمل جثة شاب سيكون ملاكما, و بالرغم من أنه طالب راسب إلا أن الأساتذة يعاملوه مثلما يعاملون الأوّل على الصف, روحه الحيوية و فكاهته اللطيفة كانت كفيلة بأن تُبرزه أمام الأساتذة بمظهر الطالب الذكي الذي يسلب لهوه علاماته في الامتحانات.
أحيانا يتحوّل المدح إلى ذم, ” رائع ” أقسى ذم يتقاذفه الطلاب, أمسك محيي إصبع الطباشير و هو يرتجف و كتب كلمة “رائع” ثم محا الكلمة و شعر بانتصار ساذج على أنفه!, تحسس بيديه أنفه, ضغط عليه بعنف, تأوّه بصوت خفيض, راح إلى لوح الألمنيوم المعلّق قرب السبورة, تأمل أنفه, يا لها من مأساة أن ينبت على أنفكَ دملا متقيحا يشبه حبة أجاص فاسدة, غضب من شكله البشع و خربش اللوح بأظافره. جلس على طاولة الأستاذ, و سرح بأفكاره إلى البعيد.. إلى مدرسة في مخيم لا يعرف لاجئوه قصة أنفه و لا يلتفتون إلى دمله و لا يعيرون تشوّه وجهه اهتماما أو تقززا.. حلم بمدرسة جميع طلابها يملكون ثمرة أجاص فاسدة تنمو على أنوفهم..
– محيي
ثمة صوت أجش يناديه من ساحة المدرسة.. نهض الطفل من أفكاره و أحلامه, إنه سعيد, يطارده حيثما هرب و اختبأ, تظاهر بعدم سماعه و لم يردّ أو ينظر إليه من نافذة الصف, لكن المسكين لم ينجُ من شر سعيد, دفع باب الصف بقبضته, و شدّ محيي من كم قميصه.. التصق الطفل بطاولة الأستاذ, سعيد يشده و هو متشبث بحواف الطاولة, ساقاه ترتعدان و لا يتخيّل نفسه واقفا أمام عدسة الكاميرا لتطلع صورة أنفه في أقبح صورة, حتما سوف يتكاثر جمهور “رائع” في كل البلاد, و سيضحك الطلاب الأجانب على شكله بسخرية بذيئة.. انفلتت يداه من الطاولة, وقع على الأرض, ارتطم أنفه بقدم الطاولة, تدحرجت الاجاصة الفاسدة بين المقاعد, سال نهر عديم اللون, تلطّخت أصابع سعيد بالنهر الرائع !