انتحار شخصي جدًا

( لأنني متورطة بخطايا الآخرين )

● ● ●

(1)

أريد أن أحب رجلا يُطارد الشوارع

ينام على الأرصفة

ويسرق من الباعة رزقه..

(2)

لا أريد أن أبكي على كتفكَ

و أترك العالم خلفي؛

أريدكَ أنتَ و بكامل تشردكَ

لنتقيأ العالم معا

و نرحل تجاه خطيئتنا

(3)

أبحث عمّن يشاركني قضم ثمرة زرقاء

نقترف إثم الغواية

ونمضي في عتمتنا

(4)

زيِّنْ الخيانة بضفادع الفضيلة

ليتقافز نقيق العالم بين الحفر

هل جنيت حبها؟

أرى الورد ارتوى من الندى

و كلما جفّ الصباح تنادي باسمها

فتمطر الأشجار حروفا و تتندى الشرفات

(5)

ستحبها

و ستمشي في الطرقات الرملية

لتعفر وجه العدم

و تصرخ “أنا موجود”

(6)

لا أحتج على منظركَ الملبد بالغبار

تتسوّل من عينيّ نظرات ؟!

فلتحرثها بأحزانك

قلبي مأوى للاجئين

(7)

رأسي مسكون بالحزن

لا أحد يشبه بكائي

و لا حكمة تمسح دمعي

وحدها الوسادة تجفف وحدتي

(8)

سنتخلى عن أي شيء

حتى عن الذكريات

و إن كانت طوابق العمارة

غير كافية للانتحار

سقوطنا سيكون طويلا

كما لو كنا آخر ناطحة سحاب

(9)

سأكون آخر اسم للموت

و آخر تجربة حب لكَ


من أجمل ما قرأت عن " الابنة",,

ابراهيم جابر ابراهيم *
● ● ●
«بَسْ إنت»!
للطفلة سحرٌ آخر… ضحكتها، بكاؤها، حردها، دلعها، نومها على ركبة الأب، دفاترها الملونة، نقش أساورها، وحنان قلبها الذي حين أحتضنها…. يا إلهي كم يشبه رفيف فراشات ملونة على قميصي!

يكون البيت موحشاً من دون ضحكات البنات، وتخفت رائحة الياسمين المتعربش على الحيطان، ويصير الشاي مُرّاً، وتبرد ألوان الستائر، وكم أشعر بالوحدة حين لا أسمع موسيقى خطواتهن الصاعدة الدرج!

ترتبك أيامي إن ما بدأت بصباحاتهن المتثائبة، وإن ما نفضن شعرهن المبلل في وجهي، وعبأن جيوبي بالأمل. تبقى قبلاتهن على وجهي عطراً خفيفاً، وعناقاتي لهن أظلّ أحملها كالتميمة، تحفظني من وحشة المدن البعيدة، وأصابعهن تربت على كتفي أنىّ ابتعدت. للبنات في البيت رائحة الأمومة، طعم الرضى، دلع الصديقات المدللات، وطيش النساء اللواتي يثقن بكيدهن.

فساتينهن الملونة، أحذيتهن، خواتمهن، مشابك شعرهن، عطورهن، ألعابهن ودببتهن،… وكأس الشاي الذي من يد طفلتي «يعادل كل خصور النساء وكل العواصم»!

ضحكات الصغرى تتساقط على سريري كالخرز الملون، والوسطى تعدّ بأصابعها شعراتي البيضاء، والكبرى تحاول استدراجي: تعال نغسل مزاجك الملول برحلة للبحر؟.. وأنا بينهن كملك!

***

بناتي كبرن.. صرن صبايا صغيرات، وأشعر بمتعة خرافية وأنا أحادثهن على الهاتف!

كأن ضحكاتهن الصغيرة تخمش قلبي.

لكنها متعة دامعة، حين أسأل واحدة من سيداتي الأميرات الثلاث: اطلبي مني أي شيء، ماذا ينقصك؟ فتقول بحسرة: «بس إنت»!!

ثلاثُ بنات كالأغنيات، كالأساور، كثلاثة أسماء للبهجة، يشبهن ورداً ينهض من نومه، أو ثلاث عرائس يرقصن على غيم خفيف، فيتركن ما يترك الندى على ورق شجرة الدراق. أو ربما أنهن موسيقى خفيفة لا تشبه أكثر من خفق القلب.

للطفلة في البيت وقعُ الطائر، خفة النحلات، مرحُ التلميذات على درج المدرسة، لضحكاتها ما يجعل حتى طعم النهار أحلى!

ولما تمدّ يدك تدفعها على «الأرجوحة»، فتصيح بك أن تدفعها أكثر.. لترتفع في الهواء أكثر، يطير قلبك خلفها ويعود معها، ويعود يطير معها، «كأن هذه البنت روحي»… تقول لنفسك!

وتجيء الصغرى تمد وجهها تقبّلك وتركض، وتلوّح بشعرها قبل أن تنعف في حِجرك ضحكاتها الحنونة، وتقطف من شجرة قريبة بعض فتات الياسمين، تفركه بوجهك، وترميه في عبّ قميصك، تعود تقول «يا الله.. هذه البنت أجمل ما صنعتُ في عمري»!! وإذ ترتبك الكبرى الصموتة، تودّ لو تمازحك وتتهيب، وتتوق أن تتركض معك وتلاعبك وتحضنك، لكنها خجلى، وقليلة الكلام، تقول في نفسك «يا اسمي، ويا قهوتي، ويا خيوط قميصي، ويا تفاصيل دمي تعالي أقبّلك كثيراً. لم يبق لي في هذه الأرض الكثير»!

……

أيتها الصبايا الصاعدات إلى أعمارهن على الدرج المقابل لنزولي، تمهلن قليلاً؛ أريد أن أراكن أكثر!!

* ابراهيم جابر ابراهيم:

قاص فلسطيني مقيم في الامارات

شيخوخة الليل

المرأة التي تموتُ أكثر مما تكتب
المرأة التي أحبها ذئبٌ و كتبَ فيها/إليها آخر الأشعار
المرأة التي يُوجع الرجال ذاكرتها و يمضون
المرأة التي تُحب سيّد الخواتم
المرأة المُحتَلّة التي يفرغ الجنود رصاص بنادقهم في كأسها
المرأة التي تمل من الأمسيات
المرأة التي تُسافر إلى الأرض كل ليل
المرأة التي تكبُر مثل أسطورة
المرأة التي انتبذت من عينيكَ محرابا لغموضها
المرأة التي تشتهي أكل البحر
المرأة التي تتهجى حبات المطر
المرأة التي كل شيء
المرأة التي تموء و تُرضع الأرصفة حليب الحنين
المرأة التي لا تعرف “الطبخ” و “الجلي”
المرأة التي يُحرك الحزن يديها لترقص
المرأة المحاصرة بلهب الانتظار
المرأة التي تلعق الموسيقى بضفائر شعرها
المرأة التي تُسدل وجهها على نوافذ البيوت
المرأة التي تتحول إلى فراشات
المرأة التي تتبدّل من زهور إلى فاكهة
المرأة التي تشبه تجارب الكيمياء
المرأة التي تختصر التاريخ في ضحكتها
المرأة التي تعدّ النجوم كي لا تنام
المرأة التي يتقمّصُ شخصيتَها الليلُ
المرأة التي كتبتْ كل ما سبق
هِيَ ليست أنا !

عن قُدس وصلتني هديّة من القدس !

و أخيرا اجتمعت فلسطين في علبة زجاجية صغيرة, في الأصل مصنوعة لتعبئة صلصة الفلفل الأحمر, تمسح أصابعي على العلبة كأنها مصباح علاء الدين, تفتح الغطاء, يخرج من العلبة تاريخ طويل من القتال و الدفاع عن الأرض, تفوح رائحة قديمة جدا, كأنها رائحة تراب القدس؟!, هل قلتُ القدس؟..آه أنتشي و أصاب بدوخة لذيذة تطيح بحضارات الشوق الموجعة, أذوب أمام العلبة مثل سُكّرة في فنجان قهوة. يرتخي الوقت على سريري, أتكئ على الوسادة, العلبة بين يديّ, قبل أن أنام أكمش حفنة رمل من العلبة كالياسمين, أرش الغرفة بها, أتنفس الصعداء, بفخر أنسلّ إلى أحلامي, فالقدس في هذه اللحظات بين يديّ, أينما ولّيتُ وجهي أجد القدس أمامي, أمشي في شوارع غزة, القدس تمشي معي, تأكل معي, تتنزه معي, نذهب إلى البحر معا, و نضحك بصوت عالٍ حين نتذكر أننا في غزة..
شكرا للقاص المقدسي جمال القواسمي الذي أرسل إليّ حفنة تراب من تراب القدس, و التي وصلتني عن طريق الشاعر باسم النبريصي الذي رافق أخيه المريض من غزة إلى القدس للعلاج!, حملتُ العلبة و شعرتُ بأنني حتما سأظل ضائعة في متاهة أبواب عتيقة, و كان ذلك, حدث اختلال في توازني الجغرافي, صارت كل بقعة في غزة تمثّل إليّ معلما من معالم القدس, عمارة جارنا تحوّلت إلى جبل الطور, وادي غزة تدفقت فيه مياه سلوان, متأكدة من أنني رأيت النبي داود يفتح باب بيتنا و يدخل فيه !.. لقد زرعتُ رملة مقدسية في اصيص شرفتي فانبثقت نبتة خرشوف القدس, ولجت فيّ فكرة بأن أخلق قدسا في غزة, غرستُ في كل مكان حبة رمل مقدسية, شارع عمر المختار, شارع الجلاء, شارع النصر, شارع المجدل, و باقي شوارع المدينة و أزقة المخيمات صارت تضج بالقدس, لقحتُ أرض غزة برمل القدس فأنجبت ترابا مقدسيا, و شكّلتُ رجالا و نساءً و أطفالا و شيوخا مقدسيين..
بعدَ ستة أيام من تقديس الأمكنة, استراح القلب الظمآن على عرش محفوف بعناية الرحمن. (أنا لم أهجّن غزة) , فقط فعلتُ بها ما تفعله يد بوردة.. صدقوني إنني اقتطفتُ غزة من عنقها و غرستها في علبة الرمل المقدسي التي جاءتني كأجمل هدية .

في احدى الليالي اتصل بي محمود درويش و كان ..

ليلة أمس, اتصل بي محمود درويش, قال لي ” كيف ريتا يا صديقتي “, قلت له ” اطمئن, ما تزال عيونها عسلية “, ضحك و قال ” مزاجكِ خفيف, و أنا اشتقتُ لخفة الحياة على يديْ صبيّة فلسطينية “, قلتُ ” أنا زعلانة كتير”, قال ” ممن؟ “, قلتُ ” منكَ و من كل فلسطين ” قال ” لماذا ” , قلتُ ” لأنكَ تسكن أشجار فلسطين, و الاحتلال يقطع و يحرق أشجارنا, و فلسطين لا تكترث لذلك “, سمعتُ دهشة غريبة تصلني من محمود درويش, صمتَ ثم قال ” يا الهي كم أنتِ بريئة.. ما أجملكِ ” , تابعتُ ” أنا قلقة جدا يا عمو “,
كانت الساعة الثالثة منتصف الليل, السكون يخدّر الرياح, عاصفة ثلجية تنهار على السطوح و الشبابيك, الكلاب نائمة, لا نباح لا عواء, ساعة اليد تدق باب الفجر, لا وقت, تكتكة العقارب على رسغي تبكي أو تغني, أو لا أعرف, هل سقطتَ عن الأرض؟, فالزمن يختفي بدون المكان,
” كوووثر؟!”, ” معكَ لكن صوتكَ يخفت و أكاد لا أسمعه”, ” الخط مشوش أتسمعين كلامي؟ “, ” غير أنفاسك لا أسمع “,
نِسر القصيدة يجرح صوتي, كنتُ سأقول لمحمود درويش أنني كبرتُ موته بعامين, و أصبحتُ أكتب أشياء جميلة..

رسائل عروس من غزة إلى 2010


غزة تنظر إلى قدميها, تسعل روحها, تتذكّر يداها أن من الواجب رفع القبعة للعام الجديد, و وضع أكاليل ورد الأمل على رأس 2010, بابا نويل سيلملم ورد غزة و يقرأ الأمنيات السائلة في لحاء الأوراق الخضراء.. عجوز سيلتقط كومة ثلج سويدية هرّبها مهاجرٌ غزّي عبر الأنفاق, الكومة موجودة الآن في حلم أبيض ترتديه عروس صهرها الانتظار, أقول الانتظار لأن حفل زفاف العروس سيكون في دبي حيث العائلة هناك, و معبر رفح مغلق, و التسجيل للسفر يحتاج إلى واسطة, و يحتاج إلى مال كثير كي يرضى المرتشون عنا و نجتاز الحدود..
في الليلة الأولى كتبت العروس إلى 2010:
” أنا امرأة صغيرة, في فجر شبقي, خائفة أن أكبر في غزة, أريد أن أسافر إلى حبيبي, و نتزوّج قبل أن نهرم و يشيخ حبنا, الحصار يتكاثر على مدينتي و الزمن يسرق مني أجمل اللحظات “.
كانت غزة تشرب البحر, المياه ملوثة بفضلات الحيوانات و المخيمات, مَعدة مدينتي أضحت جمّاعة قمامة, جارنا العاطل عن العمل يصطاد الأحذية و يحرث البحر بحثا عن قطعة ذهب ضائعة بالخطأ بين الموج, غزة معلومة الهوية, على الخارطة تبدو ندبة فلسطين, مثل وشم فرعوني لا يزول, كوب شاي ليبتون, قطع بسكويت, غزة طفلة يتيمة, تبكي, يُطعمها العابرون كي تسكت..
حين تأتون إلى غزة سأدلُّكم على مقهى ديليس, أو مقهى مزاج, هناك ستجدون شعراء عابسين يرتشفون قهوة الحصار, و يدخنون سجائر رخيصة لم يدفع أحد جمركها لأنها مهرّبة, القوافل تمشي اتجاه عزلتنا, سيخترق العالم ثقوبنا و يضحكون على تمزقاتنا, نحن هنا نضمن الأمان للقادمين عبر المحيطات إلى جزيرة الكنز المحتل..
في الليلة الثانية كتبت العروس إلى 2010:
” قصة بعد قصة تتحرر أختي من الحصار, فهي قاصّة و تجد في ذلك متنفسا واسعا, أحيانا يُخيّل إليّ أن أجنحة جامحة تنمو على أطراف جسدها فتطير و تتجوّل في العالم ثم تعود إلى غزة, أتمنى يا 2010 أن تتحول حنجرتي إلى محبرة لأكتب إلى العالم صوتي الحزين.. “
سيقرأ العالم صوت العروس و يؤلفون مظاهرات تضامنية معها, سيخترعون مكبرات صوت أغبى من الضمير, ما الذي يجمد أصابعي؟, لا أستطيع أن أمسك القلم, ثمة صقيع يخثر دمي, أفكاري تتجمد, سأكمل بقية ما أكتب حين أتأكد من أن معبر رفح سيفتح يوم الأحد القادم, سأكتب بعد أن تجتاز العروس المعبر و أوزّع على الطيور أغنية زفاف من الحرية

لوركا الذي رافقني أثناء الحرب

الآن أنا على رصيف من أرصفة غزة, من هنا بالضبط جاءت سيارة الهلال الأحمر و أنقذتنا, كانت الطائرات الحربية تقصف المنطقة, لم نصدق المناشير التي حذفتها علينا من الجو, كنا نبحث عن أي منقذ بسيط و تافه, كذّبنا المناشير التي أمرتنا باخلاء المنطقة, لكنهم رمونا بالنيران, صارت السماء تمطر رصاصا, و تحوّل البحر المقابل لبيتنا إلى نار جحيم القيامة.. التم أهل المنطقة عند دوار الأبراج و بدأت سيارات الاسعافات تهرّبنا, كنتُ خائفة و مرعوبة, ليس من الانفجار الذي دوى قربي, بل من كتابي الذي رأيته يقرأ شعرا.. لوركا لوركا لوركا, من الجندي الذي قتلتني نظرته آنذاكْ؟ كانت قبلة أو وردة أو نظرة تعمل عمل البندقية..