ساحرتان تفتعلان المشاكل

الساحرتان الشيطانيتان تعزفان موسيقى جميلة جدا، موسيقى تجلب الذكريات و الحب. كنت مستعدة لمعركة صغيرة كادت تبدؤها جدة شريكي، معركة ضد الساحرتين، فقد عرفنا مبكرا بأنهما ستقيمان حفلة صاخبة لن تسمح لنا بالنوم الهادئ، لكن الوقت أتى و ها نحن كل منا يستريح في كوخه الصيفي الدافئ.

عانقت الجد و الجدة، أحد عادات العائلة قبل الخلود إلى النوم، قبلتني الجدة ماري و شكرتني على خَبز بسكويت كهف التوت لها.

قبل صيفين، انتقلت الساحرة الأم و ابنتها للعيش في الفيلا المقابلة لأكواخ عائلة شريكي، و منذ ذلك الوقت فقدت الأكواخ أمانها.

تفتعل الساحرتان المشاكل، مرة قصت الساحرة الابنة حبل قارب كالي، الجد، و ربطت قاربها بدلا منه، و لولا أحد الجيران الذي رأى تلك الجريمة، لضاع القارب للأبد. حدث ذلك في صيف انتشار الكورونا، عندكا ذهب الجدان إلى مرسى القارب الخاص، وجدا الساحرتان تجرسان قاربهما، وصلت مع شريكي بعد دقائق، رأينا بدهشة كيف وقفتا و لم تتوقفا عن الكلام، كانت الساحرة الصغيرة ترشق الكلمات بسرعة مجنونة بينما كانت أمها تنظر إليها بفخر أحمق، تدعي الابنة أن ملكية المرسى لهما، قال كالي ‘لا’، كان هادئا جدا، التحق بالمشهد كريستفور ابن كاللي، كان يحمل مخروط بوظة و لوهلة نسي أنه في موقف جدّي و صوب مخروطه نحو الساحرة الأم و هو يقول ‘أنتما لا تعرفان عن الأخلاق شيئا’ و توعد بارسال تقرير للشرطة عما حدث. ثم غادر الجميع المكان. عند الظهيرة، رن جرس بيت الجدة و الجد، فتحت ماري الباب، و اذا بالساحرة الأم ترمي ورقة ألف كرونة و هي تقول بحقد ‘سعر الحبل الذي قصته ابنتي’ و حاولت الاقتراب من ماري لتصافحها، لكن ماري أصيبت بالهلع و صاحت ‘كالي، تعال أزح الساحرة عني.. كورونا’ و رمت ورقة النقود على الأرض و صفقت الباب في وجه الساحرة الأم.

حتى اليوم تتوالى مشاكل الساحرتان و نكتشف أفعالا غريبة تصدر منهما، الأسبوع الماضي قامتا بحشي أقفال مفاتيح أبوابنا بالرمل و الحصى الصغير، و مع أن ذلك جنوني و أغضب الجميع، إلا أن كالي تحمس جدا للبدء بشراء أقفال جديدة و القيام بأعمال صيانة لأشياء أخرى تم تخريبها.

الآن أجلس في هذا الكوخ الذي تفوح منه رائحة خشب قوية، صوت الجنادب يمتزج مع صوت أوراق الشجر، و أشعر بأمان لأن كاميرا المراقبة معلقة فوق أبوابنا و لأن الساحرتان منشغلتان هذه الليلة بعزف الموسيقى.

زر اخفاء

أكتب عن الحرب و أنا جالسة في مقهى نيرو وسط استكهولم.

منذ سنة أصبحت كيس بطاطا يتنقل من صوفا إلى أخرى، حتى في مقهى نيرو وجدت صوفا و صرت من رواده المعروفين.

طلبت كوبا عملاقا من الكابتشينو بحليب الشوفان،

لا أعاني من حساسية الحليب

أحب الشوفان لأنني اكتشفت أنني أفضل طعمه.

هنا يمكنني تجربة أشياء جديدة و استبدالها بما اعتدت عليه. لدي فرص كثيرة، على عكسكم في غزة.

أقضم كعكة القرفة بالهيل، طعمها يشبه قِدرة أمي.

يستخدمون الهيل مع الحلوى و ليس مع الأكلات مثلكم.

لقد انتهت الحرب

نسيت متى

فأنا أتابع الأخبار من خلال اتصالاتي بأمي

من جهتها لم يكن هنالك أي حرب

دائما تطمئنني ‘الحرب مستمرة، عن أي هدنة يتحدثون؟ هناك حرب واحدة بدأت منذ زمن بعيد و لم تنتهِ و لم يحدث غيرها حروب..’

أنتم الآن تأكلون قلوبكم من الوجع

و أنا أكتب عنكم بكل سلام

لقد نملت مشاعري كي أستطيع الكتابة عنكم

هل جميعكم مصاب مثلي ب PTSD ؟

الطائرات تذكر صديقي السويدي بعطلة الصيف و السفر إلى مايوركا

بينما تذكرني الطائرات بموعد القتل و التشريد

لقد مسحت صوركم من هاتفي

و ضغطت على زر الاخفاء في فيسبوك كي لا أرى الدم يوميا..

أعرف يمكنكم فعل ذلك

لكنكم لن تستطيعوا مسح الدم و البيوت المدمرة من على جنبات الطرق التي تمرون عنها يوميا..

استراحة من الحرب

أعلنوا ايقاف النار،
أما الناس فيقولون ‘انتهت الحرب’
نعدّ الحروب واحدة وراء الأخرى
هي حروب طالما هنالك قتلى
بيولوجيا و فيزيائيا

يعطونا استراحة
لنلملم أشلاء أحبتنا
و نضمد جراح أجسادنا و عقولنا
نفكر باليوم فقط
استيقظنا من النوم
هل حقا مرّت ليلة بدون صواريخ؟
كأنه حلم أو كابوس
أن تستيقظ و يختلط الواقع بالخيال
هل أنت في غرفتك و على سريريك؟
هل صوت الطناجر التي تعد أمك فيها المقلوبة
هي صوت طناجر أم قنابل؟

غدا سوف نبدأ من جديدة
رحلة علاج الذاكرة و الصدمات
هنالك عشرات الكدمات الزرقاء في رؤوسنا
الدم محتبس عند أطراف الأكتاف
توجعنا الأكتاف كثيرا
حملناها رعبنا
و أغرقناها بدموع أطفالنا
و فوق ذلك أتعبناها بحقائب الهروب
في كل مرة هددوا بالاخلاء و القصف.

أنتم تأخذون جولة تفقّد الأماكن
كأنكم نزلتم من كوكب آخر
أليس هذا الركام بيت صديقنا؟
لا هذا ركام قلب صديقنا..
أما أنا
فأفتح جوجل مابس
أتجول في الخطوط المرسومة
إنها نفس الخطوط في الحرب و السلم
كأنها خريطة تجريدية
لعالم آخر
أتتبع الخطوط حتى أصل بيتي الذي نجا..

حرب بعد حرب

…في كل حرب تحدث أدرك ما تغيّر في شخصياتنا فيزيائيا و عقليا

.. في الحرب الأولى 2008 كان أبي قويا بكل الأوجه، يقرر كيف و أين يحمينا، يصرخ فينا “بسرعة سيبوا كل شي و اركضوا”، قام بتقسيمنا في سيارتين حتى تكون احتمالية النجاة ممكنة، وضعني أنا و أختي و أخي الأصغر و أمي في سيارة و ذهب هو و بقية اخوتي في سيارة أخرى.. كان القصف حولنا بشدة بينما كنا ننظر خلفنا طوال الوقت لنتأكد أن أبي و اخوتي لم ينفجروا بعد.
في تلك الحرب كان همي الوحيد هو نجاة بيتنا لأنني تركت ذكرياتي المفضلة في غرفتي. لم أكن أفكر بشيء آخر غير البيت.


في حرب 2012 أصبت بردة فعل عكسية و صرت أضحك بهستيرية على الدمار، لم أفكر في نجاة بيتنا، كنت أفكر فقط في غرفتي و أحلم بليلة ساكنة و نوم عميق جدا بدون تقطع.. كان أبي متعبا إلى حد ما من التفكير بطريقة لحمايتنا من الصواريخ و القذائف.


في حرب 2014 كنت خائفة من كل شيء، لم أعد أفكر في البيت على الاطلاق، نسيت البيت. فكرت في جسدي، اكتشفت أن جسدي هو بيتي و لم أطق تخيل فقدان ساقاي أو عين أو أي جزء من جسدي.
أبي كان يتقدم في العمر، كان يركض بعكازه و كان قد قرر حمايتنا في أماكن اللجوء في مدارس الوكالة.


في حرب 2021 أنا خائفة من صوت طائرات الرحلات السياحية في استكهولم، أضع اصابعي في أذناي كي لا أسمع صوت القطارات، خائفة على أهلي في غزة..
أبي فقد قدرته على حمايتنا، اخوتي يقررون كيف يحمونه و يحمون ما تبقى من ذاكرته.


في الحرب القادمة لا أعرف حقا ما سيحصل، لا أعرف بتاتا.. لا أريد أن أعرف..

الألم مجرد روتين سيء

Zinkensdamm


استمر ألم رقبتي لشهر، خمنت أن سبب الألم هو طاولة المكتب، فغيرتها، ثم غيرت الكرسي إلى كرسي مخصص للعب لأن حجمه ك يناسبني، ثم غيرت وسادتي، كدت أغير العالم من أجل رقبتي.

حدث نفس الألم العام الماضي، ذهبت إلى الطبيب، قام بفحصي و استنتج أن الألم مجرد روتين سيء و أعطاني حبلا مطاطيا مع بعض التعليمات كي أستخدمه في تمرين و تحريك رقبتي و ظهري. ذهبت إلى الطبيب ثلاث مرات حتى شعرت بالسخافة و توقفت، لم يعجبني أسلوبه بتاتا، قلت لشريكي ‘كان الأجدى أن يرسلني ذلك الطبيب الرقيق إلى فحوصات بدل تمارين المطاط، الأطباء في غزة يقررون المشكلة و العلاج من الجلسة الأولى، لا أحب الأطباء السويديين البطيئين القاتلين’. ضحك شريكي و قال ‘هل أردت الطبيب أن يخترع لك مرضا كي ترتاحي؟’.

أمس قررت أن أحجز بنفسي موعدا مع طبيب خاص ليحل مشكلة رقبتي، قرأت آراء المرضى على صفحة العيادة في جوجل مابس، كانت كلها ايجابية و كل المرضى قيّموا العيادة بخمس نجوم. و بالفعل ذهبت و في طريقي تمشيت تحت المطر مثل تحضير رومانسي، كانت محطة زنكنسدام مملة كالعادة و ما أن خرجت منها حتى تلقفني الشارع المشغول ببعض العجائز، ففي وقت ما بين الصباح و الظهيرة، يكون الناس في العمل أو المدارس، بينما تخرج العجائز للتسوق أو أي شيء…

دخلت العيادة و انتظرت لدقائق حتى أتى الطبيب سيامون، كان يرتدي الكمامة، جيد، نسيت أن آخذ كمامة من صندوق الكمامات الموضوع على طاولة الانتظار، مع ذلك لم يهتم الطبيب. دلفت وراءه مثل قطة، أغلق الباب و بدأ يستجوبني عن تاريخ رقبتي، سردت عليه كل التفاصيل، لم أكن مرتاحة و هو يحدثني من خلف الكمامة، و بينما كنت أشير له عن أماكن الألم في ظهري أيضا، تذكرت أن بثرة صغيرة ظهرت قبل أيام بجانب فمي، كدت أضحك، ربما تذكرت بثرتي البشعة لأنني لو ارتديت كمامة لاختفت، تلك البثرة تشاركني مؤخرا في أفعال كثيرة، إنها تأكل معي و تتحدث مع الناس معي و تعمل معي، حتى أنها تغضب مثلي و تكبر أكثر اذا لمستها… ضحكت أكثر حين تخيلت أن الطبيب يخاطب بثرتي حين قال ‘اخلعي البلوزة و تمددي’.

بدأت يدا سيامون تضغطان على كتفي و رقبتي، قال ‘سوف أستعير ذراعك قليلا.. هل يؤلمك الضغط هنا؟’ قلت ‘لا’، ثم ضغط على رقبتي و كل مكان في ظهري و هو يعيد نفس السؤال و أنا أنفي. قال ‘لا يوجد أي شيء لتقلقي، مجرد تصلب و تحتاجين إلى الراحة و بعض المساج (التدليك)’. ثم فجأة ضغط على جناحي ظهري بقوة حتى سمعت صوت عظامي تطقطق، شهقت بصوت عال، لم يحدث ذلك أي ألم، مجرد سماع عظامي أحدث الرعب في داخلي، لكن سيامون طمأنني و قال ‘الآن ستسمعين صوت عظام رقبتك، هل تسمحين لي بمعاقبتها’. قلت ‘أجل أجل’. كان رأسي متدلٍّ في فتحة مخصصة في نهاية السرير مثل غطاء برميل، تابع سيامون ‘هل التدليك هنا يحدث ألما’. قلت من عمق البرميل ‘نعم، لكن لا يهم’. كرر سيامون السؤال عدة مرات و هو يضغط و يطقطق عظامي، شعرت بأنني يجب أن أوقفه عن ذلك و عليه فقط أن يتابع عمله، قلت ‘أتيت إلى هنا لأنني كنت أريد يدان تدلكان رقبتي بقوة و تعاملانها مثل عجينة’.

كنتُ أريدُ أن لا ننام – قصيدة ل داليا طه

كنتُ أريدُ أن لا ننام
أن تفتحَ البابَ وتضعَ حقيبةَ ظهرِكَ الحمراءَ
على الأرض
أن تخلعَ حذاءَك القاسي
وتُعَلِّقَ مِعطَفَك
بعدَ ذلك نستطيعُ أن نبدأ
بما تبقّى مِنك
ويَمشي في العتمةِ بعيداً عن مِقْبَضِ الباب
مادّاً ذِراعَيْهِ أمامَه
مُتَحَسِّساً الجدرانَ والأثاث.
حتى الآن الكلماتُ لا تخرجُ من فَمِك
ولكنَّني أسْمَعُك
وقد أضأْتَ مِصباحاً
وكلُّ هذه التُّحَفُ الصغيرة
التي لا تعرفُ ماذا ستفعلُ بها
ستملأُ الغرفةَ مرةً واحدةً بالظلال
وبينما تزدادُ العتمةُ في الخارج
ستعْبُرُ أمام النافذةَ الواسعة
التي تُطلُّ على صفٍّ من الأَشجار
ثم تشعُرُ للحظةٍ بغرابةٍ أننا نتَشاركُ مع هذه الكائناتِ الغامضةِ نفْسَ العالَم
هذا سَببٌ كافٍ لأنْ نُخْفِضَ أصواتَنا
ونتحركُ بلا ضجَّة
بِبُطْءٍ
كما لو أن أحداً ما أعارَنا أجسادَنا لِلَيْلَة.
كلُّ شيءٍ حَيّ
حتى لو لم يكنُ يملكُ قلْباً
حتى المركباتُ القليلةُ التي تعبرُ الشارعَ الآنَ
تبدو كَذِكْرى
والمتظاهرون الذين كانوا هنا في الصباح
لقد تفرَّقوا منذُ ساعات
والساحاتُ خاليةٌ منهم
ولكنهم تركوا وراءَهم شيئاً: كما لو أنهم قد غادروا للتَّوّ
نحنُ نعرفُ الآنَ أن ابتساماتِهِمُ
تنزلُ عن أعمدةِ الكهرُباءِ حيثُ علَّقوا أجْسادَهم
انظر معي
الليلُ انتشرَ في كُلِّ مكانٍ
حتى النباتات تبدو كأنها تعرف ذلك
وبدأت تُنصت
ويكفي أن تجلسَ هنا
دون أن تفعلَ شيئاً لتبدو
جميلاً
ولكنكَ تحاولُ أن تجد سبباً للخروج
على الرُّغم من أن الليلَ طويل
أيها المطرُ اهطُل على هذه المدينة
هناك حواجزُ كثيرة
وجنودٌ على مداخلِ المدينة
ومَن يدري
إذا خرجنا قد لا نعرفُ كيف نعودُ إلى بيوتِنا
ولكنَّنا وُلِدنا للتَّوّ
ولا نعرفُ أين نحنُ بالضَّبط
وفي الليل نحن والأشجارُ نصبح
عائلةً
وهذا سببٌ وحيدٌ وكافٍ
لأَنْ نُسمّي هذا العالَم
الشاسعَ والغامضَ

Dalia Taha داليا طه

مقلوبة – نص ل مايا أبو الحيات

النص و الصورة لِلشاعرة مايا أبو الحيات

أطلب لأولادي بيتزا بأطراف محشوة بالجبنة
واعرف أنني سآكل مقلوبتي وحدي لثلاثة أيام متتالية
ورغم الأسطورة التي تقول أن المقلوبة أطيب عندما “تبات”
إلا أن الأسطورة لم تثبت جدارتها معي
فالشكل يصنع للمقلوبة طعمها
حين تتحقق الرغبة بالانقلاب
ثم تتبادلان
الرغبة والشكل
المهام
في صناعة طعم محروق
يلتصق بقاع الوعاء.
● ● ● ●
صديقتي الفلاحة تصنع مقلوبة لا يحبها أصحاب المدن
هل المقلوبة مدنية؟ أم من القرية؟ نسأل بعضنا على استحياء
الفلاحة تعرف أن الزهرة البلدية يتم صبغها باللون الأصفر في أسواق رام الله
لهذا المقلوبة لا طعم لها في المدينة
بينما لا يطيق أهل المدينة طعم الدجاج الذي يتمشى في حدائق القرية الواسعة
فهو لا يشبه طعم الذي يفرم في “المعاطات”
وحين تتحول المقلوبة إلى حدث مجتمعي يستدعي الأسئلة الإنسانية الكبيرة،
نملأ فمنا بالأرز ونتوقف عن الكلام
فلا أحد يريد أن تفقد الأكلة
طعمها
● ● ● ●
مقلوبة المغتربين
مقلوبة وطنية
تصنع في الأعياد والمناسبات الخاصة
من الممكن جدا أن ترى علما يُرفع فوقها
ورقصات جماعية وموسيقى ودعوات للجيران الأجانب
فالجميع يعرف أنه من المستحيل
حتى في الغربة
أن تصنع مقلوبة
لشخص واحد

كمن يرى حبيبته عارية لأول مرة
تسقط المقلوبة من القدر محرجة
إنها أكلة معقدة
وتحتاج لبحوث على أكثر من طبقة
فهي الصنعة التي عليك أن تنزل فيها إلى القاع
قبل أن تصل إلى القمة.
ورغم أنها تبدو واحدة لدى الجميع
إلا أن لكل واحد منا مقلوبته الخاصة
فهناك من يكتفي بالزهرة أو الباذنجان
ببساطة الأشياء التي تثق بما لديها
وبعضهم يعقد الأمر بشرحات من الجزر والفلفل،
أو البندورة وفصوص الثوم
هذا النوع من التعقيد غير مستحب،
لمن يعرف أن المقلوبة لا تكون إلا بالزهرة والدجاج “للفقراء”
والباذنجان واللحمة “للطبقة المتوسطة”
وطبعا لأنها مدورة
فلا بد من مشكلة تدور حولها
فهي أكلة يوم الجمعة
بعد حمام الأخوة الذكور
ومشاكلهم الأسبوعية
وتعزيل البنات البيوت لأمهاتهن
أنها أكلة الجمعات المشوبة بالحذر والتوقعات والتشنجات
والاختبارات الصغيرة.
وحين يعبر النهر صالة الجلوس
تصبح أكلة للحنين
تقلب فيها الذكريات الحقائق
وتصنع الحب
● ● ● ●
لم أعرف كيف أطبخ المقلوبة كما تفعل الأمهات،
الفلسطينيات منهن على الأقل
وبعد مرات متعددة من صنعها وفشلها
لا زالت مقلوبتي بيضاء
وطعمها محايد
وحتى حين عرفت سر صنعها
“ألسمنة المضافة على وجه مرق اللحم، التي لا يباح بأمرها لمرضى القلب وتصلب الشرايين”
ظلت مقلوبتي صافية
بلا شوائب
أكلتها في بيت عمتي، فكانت حبات الأرز مرصوصة فوق بعضها بكبرياء
وفي بيت صديقتي أرتخت حبات الأرز ملتصقة باللحم والباذنجان
وفي بيت حبيبي مزينة باللوز والشعيرية
كنت أراقب هبوطها على صينية الستيليستين، كمن يراقب حدثا سيحدد شكل الساعات القادمة
فهي إما ستنزل كقالب كعك العروسة، فنصفق لها
أو ستنفرط كحبات العدس من كيس مثقوب، فنكتفي بالمزحات المشجعة
لكنني أحببتها في كل حالاتها،
وحين بدأت بتحليل نفسي، كما تفعل الطبقة المتوسطة الجديدة
فهمت أنني لم أملك مواصفات محددة للحب
وأنني أحببت ما كان يقدم لي، مهما كان شكله وطعمه
وأنا أعود إلى مقلوبتي البيضاء وأتذمر
● ● ● ●