أحلم بحديقة منزلية

FOTO Summer Bedroom by Jacek Yerka
FOTO Summer Bedroom by Jacek Yerka

أحلم بحديقة منزلية
أطل عليها من غرفة خاصة بي
لا يشاركني بها أحد..
أزرع النعناع على مهل
أقلم الأشجار بمهارة بستاني قديم
أرش الماء و أتخلص من الأعشاب الزائدة
آه
متى يعطيني الله منزلا على الأقل.

حسنا
لنغير الحلم
أو لنقل, دعوني أحدق في سقف الغرفة
لأخطط بدهان لونه أزرق
سوف يتحول السقف إلى سماء
حين أرمي أحلامي عاليا
سوف يتحول كل شيء إلى طيور
و سوف أقنع نفسي
بأنني في حديقة عادية جدا
كي لا أسقط في الحقيقة البسيطة.

لماذا يحب أهل غزة الغرباء

لماذا يحب أهل غزة الغرباء؟. أي غزي يمر عنه أجنبي و لا يتركه إلا بسلام أو بابتسامة عريضة أو حتى بعناق؟. من ناحية أخرى, لماذا يحب الغرباء أهل غزة؟ فمن السهل أن يقع الغريب في حب الغزي. سوف أجيبك ببساطة؛ لأننا ( نحن الغزيين) ننتمي إلى ذلك النوع البشري الطيب و الواضح.

قبل أيام وصل صديقي طلحة غزة, الشاب الذي ينحدر من أصول افريقية ذات ثقافة ممتزجة باللون الأبيض التي ورثها عن أمه الشقراء. للوهلة الأولى ظننت أنني أصافح شابا فلسطينيا لشدة ما بدا على وجهه من ملامح فضولية تتوق إلى اكتشاف كل بقعة في غزة, كان يلف حول عنقه الكوفية, يمشي باختيال و يحاول أن يكون “غزاويّا” بكل خطوة يمشيها في الشارع.

سألته إن كانت غزة كما كان يتوقع قبل رؤيتها أم لا, هز رأسه بمكر و قال ” نعم, كما كنت أتوقع, جيدة”. و في الحقيقة هو لا يعرف عنها شيئا. التزمنا الصمت لدقائق ثم عدنا للحديث, شعرت بأنني بحاجة إلى الصمت مرة أخرى, فنحن في مكان يحرضنا على الصمت و التفكير و الوجع..

اقترحت على طلحة بأن نغادر خيمة التضامن مع الأسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال الاسرائيلي, الخيمة البائسة في وسط حديقة الجندي المجهول.. امتد بصره نحو نساء مضربات عن الطعام و قال بارتباك ” لنخرج من هنا”.

في شارع عمر المختار, غريب يمشي مع فتاة غزية, المارة يلتفتون إليه, عيونهم لا تخطئ الغرباء.. من أين أنت؟. أترجم للغريب ما يقوله الرجل الغزي, فيقول طلحة ” أنا من جنوب افريقا”.

حساء بارد

كيف لي أن أرتديك
فيما على بعد ثلاثين كيلومترا
تتعرى امرأة من زوجها و أطفالها
أفضّل الحساء باردا
في مطبخ تقليدي
يخلو من طاولة و مقاعد
لا ديكور يزيّنه
و لا طلاء يدفئه
خبز ليس طازج
حساء بارد
و على بعد كيلومترات
يطبخ  طهاة الحرب
جثثا ساخنة.

* الصورة من فيديو أغنية What He Wrote
للشابة الانجليزية Laura Marling

شجر الغواية

Picture by M. Flore

عندما أشعر بالوحدة
بالشوق إليك

أمسك جذع شجرة
كأني أقبض على ذراعك
كي نتمشّى.
و أتمشّى في مرايا حلمي.
في ساحة الليل
ليس هناك غير غبار
يتحول إلى وجهك
و عطش فضي
يرتوي من عينيك البعيدين
هل كان ذلك اليوم
حين تشكّلتَ مثل شجرة لا أعرف اسمها
كنت أخضرا
جئتَ إلي مملوءا بالغوايات
أردتك
لكنني حتى الآن لا أعرف ماذا أسميك..
أوه
شجرة غامضة
أرجوكم
ارفعوا الستائر عن اسمها
أريد أن أناديه

العمى و اللغة اللاتينية

أن يرن هاتفك الخلوي في منتصف الليل, تنهض من نومك العميق و الهادئ, تفتح هاتفك فتجد رسالة وصلتك, ليست من قريب أو بعيد, بل من إدارة الجامعة التي تدرس فيها !. إذا هذا كل ما في الأمر!, الرسالة تُعلمني برصد علامتي في مادة اللغة اللاتينية, و لا مجال للمراجعة فأنا راسبة في تلك المادة, و علي أن أعود مقدار مادة من الدراسة حتى تكتمل زخرفة شهادتي فيما بعد..
حدجت بصري في عتمة الغرفة, كأنني أبحث عمّن يواسيني في هذا الموقف المؤلم و هذه الصدمة الغير متوقعة, نسيتُ مفردات الأمل و انخرطتُ أبكي و أندب حظي مع هذه المادة, خصوصا و أنني لأول مرة أرسب و منذ دخولي الجامعة, لا أذكر يوما أنني رسبتُ إلا مرة واحدة حين كنتُ في الصف الثاني الثانوي, القسم العلمي, أذكر يومها أن رسوبي في مادة الأحياء لم يكن رسوبا بالمعنى الفاشل مقارنة بهذه المادة التي رسبت فيها بالجامعة, يومها أيضا بكيت و لكن لم يكن بكاء يائسا مثل هذا, فقد انهمرت دموعي أمام أستاذ مادة الأحياء, أخذني الأستاذ إلى خارج الصف و طمأنني بأنه سيرصد علامة الشهر الفائت بدل علامة الرسوب, و زاد على ذلك علامتين لأنني طالبة متفوقة و حرام أن يهبط معدلي بسبب خطأ عابر. كان طيبا و كان الرسوب في المدرسة أهون و يختلف عن الرسوب في الجامعة .
أغلقتُ هاتفي الخلوي و فتحت صفحتي الشخصية في الموقع الالكتروني للجامعة, تأكدتُ تماما من رسوبي في المادة, فعدتُ أبكي بحرقة, اتصلتُ بصديقتي في الدراسة و أخبرتها بكربي هذه الليلة, صارت تهوّن علي و تخفف عني.. انتهت المكالمة و بقيتُ متسمرة أمام شاشة الحاسوب, بسبب هذه المادة ضاع نومي و فقدتُ المنحة !.
اتجهتُ إلى مقر شؤون الطلبة في الجامعة كي أقدم طلب مراجعة في المادة المشئومة, فوجئت بأن الطلب أرسل إليهم الكترونيا دون علمي!, و هكذا عرفتُ أن خمس دنانير أخذوها من حسابي و لكن سدى, فقد تلقيت رسالة منهم تخبرني ” طلب المراجعة مرفوض.. لا تستحق النجاح “.
لطالما تعاطفت مع الراسبين و لطالما تدرّبت على تلقي الصدمات, و لكن الشعور بالرسوب ذاته اكتشفت أنني لم أكن أشعر به كما يجب , فأي مضاد حيوي يقتل بكتيريا انكسار حطّم القلب من أوسع صماماته!. بعد رسوبي في المادة, دخلنا فصل دراسي جديد, كانت معنوياتي منخفضة و بسمتي باهتة, جلستُ في آخر مقاعد في القاعة, لم أكن أطيق أن أرفع رأسي عن رواية العمى لساراماغو لأجل أن أرى نفس الدكتور يدرسني و الذي قال لي ” لقد رسبتِ في المادة التي أدرّسها.. ألم أقل لكِ أنني عنيد “.
اللعنة, من بعد تلك المحاضرة اختفيتُ و قررتُ أن أسحب المادة و أسجلها في فصل جديد مع دكتور يقدّر طلابه و يعاملهم بأدب و احترام.


[ – العمى و اللغة اللاتينية.
من مذكرات قديمة. ]

هنالك قمر يضيء فم تلك البنت

Girl and Moon

لم أكن أعرف أن الغيم قاس
جربت أن آكله
لكن أسناني توجعت.
ظننت أن القمر رغيف خبز
حاولت أن آكله
فأضاء فمي.
أردت أن أتناول قدحا من البحر
فتحول دمي إلى موج.
ظننت أن الوردة الحمراء
مربى
لعقتها
لقد كان طعمها حلوا مثل قبلاتك.

الابن أو Daniel

Artist: Mark Arian

عندما تلعب مع طفلك,
تذكر أن هنالك يراعات تتعربش على كتفي امرأة في البعيد.
عندما ترافقه إلى المدرسة,
قل له أن الطريق إلى تلك المرأة طويل.
عندما تطمئن عليه قبل النوم,
فكّر بالشمس التي تنام على حافة باب غرفتك.
و لا تطفئ ضوء الغرفة.
عندما تتناول الفطور مع ابنك,
تمنى أن تتناول كوب شاي مع تلك المرأة الغامضة.
عندما تشتري هدية لطفلك,
اشتري لها حذاء
و قل له ” هذا لأمك”
لكنه ليس لأحد.
عندما تقبل أميرك الصغير,
لا تنسى تلك الملكة التي تعيش في قصر خيالك.
عندما تعزف موسيقى لولدك
قل له أنها أخته..
 ( السيدة تهمس بحزن في رأسه:
آه إنني لستُ أختا, أنا جرسا خافتا
يقرع في كنيسة منسية.. )
عندما تقرأ هذه القصيدة
قل لابنك أنك أباه,
 و أنها مجرد نجمة عالقة في ليلكَ.