أحذية على سطح البحيرة

جزيرة لانغهولمن, السويد. كوثر أبو هاني
جزيرة لانغهولم, السويد. تصوير كوثر أبو هاني

عشت لفترة في شقة صغيرة تطل على بحيرة زرقاء ينعكس على سطحها لون الأشجار و لون أحذية المارة على الجسر المعلق فوقها, لم أكن أعرف وقتها أنني أعيش على جزيرة رائعة اسمها لانغهولم, اكتشفت ذلك في احدى الحفلات الباذخة في قصر قديم يمتلكه رجل من احدى العائلات النبيلة.. لم يعجبني أن أكون في مكان له تاريخ فايكنج ثري, قلت لصديقي أنني سأعود إلى البيت, ضحك و قال بأنني سوف أضيع لأن الوقت متأخر بعد منتصف الليل و دائما لا أعرف طريق العودة إلى البيت, كرهت ذلك كثيرا, و فكرت متى سيأتي الوقت الذي أعرف فيه ما اذا كان الخط الأحمر أم الأخضر هو الذي يؤدي إلى محطة القطار المعتادة؟. فيما بعد صرت أحمل خريطة في يدي و أتبعها!. شعرت بأنني طفل ذكي.. مع ذلك لم ألاحظ الخطوط العريضة التي تحمل اللون الأزرق و المنتشرة في الخريطة حول المكان الذي أعيش فيه, دققت النظر و رحت أبحث عن سر الخطوط الزرقاء, فمن المستحيل أن تكون خطوط القطارات منتشرة بهذا الازدحام حولي في مكان لا يحتمل كل تلك السكك.. اكتشفت أنني أعيش على جزيرة, و قررت أن أتغاضى عن كل الدهشة التي فاتتني خلال جهلي بذلك. بعد أيام من اكتشافي المتأخر راودني حلم بأن أصبح مصممة أحذية.. ما يزال انعكاس لون الأحذية و شكلها المتموج و هو يقع و يسير ببطء على سطح البحيرة يلمع في مخيلتي مثل ابتسامة لطيفة.. افترضت أنني أعمل في احدى شركات جيمي تشو, لا شك بأن شكل الحياة سوف يتغير بوجود مصممة أحذية ترسم خططها أمام البحيرة و تنتظر المارة أن يعبروا الجسر كي تلتقط شكل أحذيتهم و ألوانها حين تقع و تغرق في عمق الماء.. و بالطبع تأملت حلمي, و تحدثت عنه مع جارتي الاسبانية, لم تعره اهتماما, و اقترحت علي أن نتناول العشاء في جزيرة تبعد عنا ثلاث ساعات.. فكرت, يبعد عنا بثلاث ساعات بحيرة أخرى غريبة!!

الطريق إلى بلاد الفايكنج!!

كانت الساعة الثانية منتصف الليل, أجر حقيبتي خلفي و أنا أتمشى من زاوية لزاوية في قاعة الانتظار في مطار القاهرة, تعرفّت على امرأة مصرية تعيش في نيويورك و جلسنا لساعة نثرثر كأي غريبين عابرين التقيا في مكان غريب, بعد وقت قصير اكتشفت كلتانا أننا سنغادر على متن نفس الطائرة إلى أمستردام, ودّعنا بعضنا و ذهبتُ في اتجاهي إلى زاوية أخرى.. كنت مرهقة جدا, فقد وصلت المطار بعد ثمانية ساعات من سفر طويل من معبر رفح وصولا إلى القاهرة..

صعدت الطائرة و أفكار كثيرة تراودني, كنت ما أزال أشعر بالتعب الشديد, و كانت عيناي متورمتان من النعاس, لم أنم ليلة بأكملها, بحثت عن رقم مقعدي و استلقيت فيه بجانب النافذة, بعدها جاء رجل أربعيني بدين جلس في المقعد المجاور و شاب آخر جلس في المقعد الثالث الأخير..

القاهرة ليلا من نافذة الطائرة
القاهرة ليلا من نافذة الطائرة

بدأت أسمع هدير محركات الطائرة, صار قلبي يدق بسرعة, طارت الطائرة, الرجل الأربعيني لم يكف عن تصويب نظراته نحو الكتاب الذي وضعته على ركبتي, فيما كنت أراقب القاهرة  و هي تتقلص كلما ابتعدت الطائرة عن الأرض, كانت المدينة تتحول إلى لطخات مضيئة تبدو مثل نجوم صغيرة بعيدة, و لكن حين ابتعدت الطائرة أكثر فأكثر شعرت بالرهبة و لم أعد أجرؤ على النظر إلى الأسفل.. حين استقامت الطائرة و لم يعد شيء يتراءى من النافذة غير العتمة و ضباب القمر, رميت رأسي على ظهر الكرسي و أغلقت عيناي لأنام, لكنني لم أستطع, إنني من ذلك النوع من المسافرين الذين لا مقدرة لهم على النوم في الطائرات.. كانت الساعة الرابعة فجرا, يا الهي كم أصبت بالإحباط, أمامي أربع ساعات كي أصل أمستردام, و أنا أكره المكوث في مقعدي لوقت طويل بدون أن أتحرك.. أطفأت المضيفة الشقراء أنوار الطائرة و شغلت موسيقى هادئة ثم اقترحت على الرّكاب النوم!. لكنني أبدا لم أستطع النوم!, كان رأس الرجل الأربعيني يميل على كتفي فأتضايق منه و أزيح كتفي عنه, لكنه لا يستيقظ لدرجة أن شخيره بدأ يتصاعد, أزعجني ذلك لوقت حتى أرغمت نفسي على التعود على نومه و صنعت لنفسي وضعيه لأنام, ربما أنجح؟ وضعت الوسادة على النافذة و ثنيت ساقاي على المقعد كالقرفصاء و لففت جسدي بالغطاء الأزرق الرقيق, مع ذلك فشلت في النوم.. بعد نصف ساعة انتشرت المضيفات يوزّعن وجبة طعام علينا, حين جاء دورنا استيقظ الرجل و طلب أومليت بينما طلبتُ بان كيك, إضافة إلى العصير و سلطة الفواكه و البسكويت و اللبن و أشياء أخرى.. التهم الرجل وجبته بسرعة بينما أنا لم آكل غير قطعة بسكويت, لاحظ الرجل أنني لم آكل وجبتي, قال مستغربا “ايه ده؟ متاكلي يا بتّ”. ابتسمت و قلت “أكلت قبل منطلع الطيارة”, و في الحقيقة لم آكل شيئا منذ وصولي الاسماعيلة بالسيارة. كل ما كنت أريده هو النزول من الطائرة و الوصول, لأنني حقا أكره البقاء في السيارة أو القطار أو الطائرة مدة أكثر من نصف ساعة!.

عاد الرجل إلى النوم سريعا و بقيت أنا أنتظر.. مرة أخبرني صديق أنه خلال احدى رحلاته من اسبانيا الى البرازيل, و قد كان معظم المسافرين على الطائرة من أصل برازيلي, قبل أن يناموا غيروا ملابسهم و ارتدوا بيجامات, ناموا مدة خمس ساعات متواصلة و حين استيقظوا ذهبوا بالدور إلى الحمام ليفرشوا أسنانهم!. تخيّلت لو أنني أفعل ذلك لن أغير في الأمر شيئا..  شغّلت التلفاز ربما أجد فيلما جيدا يلهيني, و لكن للأسف لم أجد شيئا يلائم ذوقي, لا أعرف من اقترح وضع فيلم عمر و سلمى و أغاني نانسي عجرم في أجهزة التلفاز الخاصة بالطائرة؟ حقا إنها سخافة, مثلا سوف يكون من الأفضل لو وضعوا أغاني لأم كلثوم أو عبد الحليم, فالطائرة أجنبية و معظم الركاب أوروبيين, سوف يتعرفون و يستمعون إلى أغاني مصرية راقية و ليست هابطة كنوع من نقل صورة جميلة عن الفن المصري!!.

بدأت أشعة الشمس تضيء نوافذ الطائرة, إنه الصباح و لم نصل بعد, اتضحت الغيوم في ظل ذلك الضوء القوي, و لكنها بدت مثل سجادة قطنية بيضاء و ناعمة. استيقظ الرجل إلى جانبي, ابتسمت له, و فكّرت أن أهدر الوقت المتبقي في الحديث معه, سألته عن محطته التالية بعد أمستردام, فقال أنها المحطة الأخيرة لحضور مؤتمر طبي, و تابع بفخر “أنا دكتور عظام في جامعة القاهرة”, لم أبدِ له إعجابي في ذلك, فحاول أن يخفي غيظه و سألني عن سبب سفري, قلت له “زيارة”, رفع حاجبه الأيمن باستغراب و قال”بس؟”. بعدها غمرنا الصمت, كان الشاب قد ذهب إلى الحمام, بعد أن عاد ذهب الرجل الأربعيني أيضا, خطر في بالي أن أذهب أنا الأخرى إلى الحمام مع أنني لم أكن بحاجة إلى ذلك, و لكن على الأقل سأتحرك و أمشي قليلا في المسافة بين الحمام و مقعدي!. كان ثمة طابور مكون من خمسة أشخاص ينظرون الدور لدخول الحمام!.. كانت فتاة تقف آخر الطابور, حين رأتني أمشي مقتربة من المكان جاءت إلي, ضحكت و قالت ” فش إلا حمامين في الطيارة”.. تركت الفتاة (اسمها ريم) دورها و قالت أنها تود أن تتمشى معي بين ممرات المقاعد, رحبت بالفكرة و رحنا نتمشى طيلة الوقت المتبقي, كانت مفاجأة غير متوقعة أن ريم فلسطينية من غزة, شعرت كلتانا بالألفة و الراحة بمجرد أننا قدمنا من نفس المدينة و الوطن! و الأكثر من ذلك كلتانا مسافرتان إلى العاصمة السويدية ستوكهولم!. أخذتني ريم إلى مقعدها و قالت لي “احفظي مكاني, لما تزهقي تعالي”, و اتفقنا أن نلتقي في قاعة الهبوط حين نغادر الطائرة حتى ترشدني إلى اتجاه قاعة قلوع طائرتي إلى ستوكهولم, لا سيما و أن ريم كانت قد هولت الأمر بأن مطار سخيبول واسع جدا و ساعتين لا تكفيان كي انهي ختم جواز السفر و التوجه إلى قاعة الانتظار, فهي هبطت ترانزيت في مطار سخيبول في زيارتها السابقة للسويد و واجهت مشكلة ضيق الوقت!.

إلى اللقاء أمستردام!
إلى اللقاء أمستردام!

و بالفعل حين هبطت الطائرة الساعة الثامنة صباحا, وجدت ريم تنتظرني و ساعدتني في جر حقيبتي, قلت لها أن ساعتين تكفيان لكل الإجراءات!, فذهبنا و تناولنا القهوة, كنت أشعر بالطمأنينة كوني مع بنت بلدي!.

وصلنا نقطة ختم جوازات السفر, هناك ختمت الموظفة جواز سفر ريم و سمحت لها بالدخول, بينما أنا حوّلت جواز السفر خاصتي إلى قسم المخابرات.. وجدت نفسي محاطة بأسئلة ضبابية كثيرة, كان الشرطي الهولندي قد تأكد من لغتي الانجليزية قبل أن يبدأ برشق الأسئلة, و أصررت أنني لا أريد ولا أحتاج إلى مترجم, ثم شرع بالاستجواب الذي سيمر به كل فلسطيني, شعرت بالغضب و قلت له “لماذا تفعل هذا؟”, ابتسم و قال “لو أراد أحدنا السفر إلى بلدكم سوف تفعلون به أكثر من هذا”. جلست في قاعة الانتظار, مرت ساعة و لم أستلم جواز سفري, موعد الطائرة يقترب و الشرطي الهولندي ما زال يذهب و يعود بمزيد من الأسئلة. بعد ساعتين ذهبت إلى مكتب الشرطي و قلت له أن هذا الأسلوب غير حضاري, فرد عليّ بهدوء ” و لكن هذه مهنتي”. ابتسمت و جلست أنتظر لمدة ثلاث ساعات, كان المسافرون يمرون عني و أنا أشعر بالعقاب الذي يتلقاه المسافر الفلسطيني عند الحدود و المطارات الدولية..

خرج الهولندي إلي من غرفة مليئة بالتلفونات و الشرطة, سلمني جواز السفر مختوما مع تذكرة طائرة جديدة, ببلاهة قال لي “نعتذر عن تأخيرك, و لكنها مهنتنا الأمنية”. نظرت إليه باستغراب و سألته عن اسمه, قال لي “لماذا؟”, قلت له “أريد أن أكتب عما فعلتموه بي, بعد كل تلك الأسئلة المضايقة تعتذرون لي”. جلس و هو يغمغم “أتمنى أن لا تذكرين اسمي.. ولكن لماذا”, قلت له “مهنتي..(الكتابة)”.

حمل الشرطي الهولندي حقيبتي و أوصلني إلى قاعة انتظار الطائرة الجديدة.. كنت حزينة و غاضبة و متعبة. مع ذلك, في نفس الوقت, شعرت بالغبطة تجاه معاملة الشرطي لي, لم يقطب حاجبيه لي و لم يتكلم معي بنزق, بالعكس كان هادئا و اقترح علي الجلوس على احد المقاعد و تناول كوب شاي ريثما ينتهي من واجبه!!. أضف إلى ذلك أن الشرطي وضّح لي سبب تأخيري. في وقت لاحق حين عدت إلى غزة, تحدثت مع صديقتي الفنلندية عن الموقف الذي حصل معي, فعبّرت عن استيائها قائلة “لنكن متفقين أن الدولة لها الحق في القلق من المسافرين الذين تشك فيهم, و لكن هذا ليس عادلا أبدا حين تنشر قلقها على جميع المسافرين القادمين من فلسطين”.

أتمنى من المطارات الأوروبية أن تحسن ظنها بنا نحن الفلسطينيين, أنا لا أتوسل ذلك, بل أطالب بحق إنساني, نحن لا نسافر إلى بلادكم لنهرب و لنطلب اللجوء السياسي, بالعكس نحن نسافر لنتعلم و نرى و نتبادل الثقافات, لدي أصدقاء سافروا لحضور مؤتمرات و ندوات ثقافية و استلام جوائز عالمية.. و لكنهم لم يهربوا! اخوتي سافروا للعمل و دراسة الطب في ألمانيا و لم يفكروا يوما بالتقدم للجوء السياسي. اللعنة! الهروب و اللجوء السياسي ليسا همّ الفلسطيني, هنالك أشياء كثيرة تشغل بالنا, أيها الشرطي في المطار!.

رميت نفسي في أول مقعد صادفته, حاولت أن أتناسى الموقف الذي حدث معي قبل قليل, فاذا بريم تظهر أمامي!. نهضت من مقعدي مصدومة, عانقنا بعضنا كالبلهاء!, أخبرتها بما حدث لي, فقالت بحزن “عملوها فيي المرة اللي فاتت, هيك بعملو بالفلسطينيين لما يسافروا”. ثم قضينا وقتنا في المشي و المناكير و مقارنة حياتنا بالغرب!.. إلى أن حان موعد الطيران إلى ستوكهولم.

انتظار في مطار سخيبول- هولندا
انتظار في مطار سخيبول- هولندا

هيا نعلق رأس السنة الجيدة من شعرها

Photo by André Kertész
Photo by André Kertész

إنها ليلة السنة الجديدة

سوف نقطع رأسها

و نعلقه على عامود الكهرباء

اكسروا تلك القناديل المعتمة

اقلعوا تلك العين الفارغة

التي تسمى لمبة

هيا نعلق رأس السنة الجيدة من شعرها

هناااااك

لنضيء المدينة المرة الألف

و ندهن البيوت بلون واحد

أخضر

ثم ارقصي

رقصتك يا حبيبتي

لتشتعل قَدَم المدينة

و يتساقط المحتفلون بالأيام القادمة

حول عدمك

و تتحطم كؤوسهم بين أصابعك..

مزرعة الحيوانات التي سقطت فيها نظريات التعليم

Pic from the movie A Serious Man
Pic from the movie A Serious Man

مضى شهر على ذهابي و ايابي إلى مزرعة الحيوانات, أذهب فقط لأمرض, ولا شيء غير ذلك!!

لا أقصد طبعا مزرعة الحيوانات التي رواها جورج أوريل, انها مزرعة بشرية مقرفة و مرعبة و معتمة إلى أبعد حد..

في اليوم الأول دخلت المزرعة متفائلة, قلت في نفسي سوف أعلم الحيوانات كتابة القصص الابداعية و قراءة الشعر و التمرد على القوانين, و لكن سرعان ما تحول هدفي إلى آخر عدواني و هو التخلص من الجميع و حرق الكتب الموجودة

يا الهي سامحني, انها ليست مدرسة, انها مزرعة حيوانات, يأتي الطلاب اليها مثل قطيع أغنام, أو مثل حمار يحمل أسفارا و لا يفقه شيئا..

في ذلك المكان الفاشل المدعو “مدرسة”, لقد سقطت يا مالكوم نولز, و لقد جرجروك يا سكنر.. و أنتِ أيتها النظريات التعيسة لقد داس عليك الأساتذة و الطلاب و المدير, جميعهم داسوا على رقبتك..

قلت غدا سوف أبتكر نظرية جديدة أطبقها على هؤلاء الطلاب الذين يأتون إلى المدرسة بغير رغبة منهم, يدخلون البوابة الكبيرة بأقدام متخاذلة و نوايا سيئة جدا تجاه المنهاج الدراسي و الأساتذة.. إلا أنني لم أنجح حتى الآن في التعامل مع طلابي. أعطاني الأستاذ المشرف بضعة نصائح في كيفية التعامل مع الطلاب, جميع المعلمات و حتى المديرة كانت نصائحهن قوية جدا و تميل إلى العنف و استعمال الوسائل الحرجة لتدريس الطلاب: الاذلال, الشتم, تمزيق دفاتر المشاكسين, أن أعقد حواجبي عند دخولي الفصل و عند خروجي منه, أن أمسك عصا لارهاب الطلاب..
و بالفعل طبقت نظرية العنف مع طلابي, و لكن فشلت مرة أخرى..
ذهبت أبحث عن نظريات جديدة لا أعرفهافي الكتب و على الانترنت, و تفاجأت بأن جميعها تحتوي على لمسة عنف.. يا للغباء, أين أنت يا جون واطسون؟

سلوكيات الطلاب لا تدل على اقدامهم الى التعلم أو احترام المعلم.. أسوأ ما في الطلاب أن روحهم العلمية شبه ميتة. صدمت حين وجدت أن معظم الطلاب لا يعرفون القراءة مع أنه في مثل مستواهم الدراسي ( ما بين الصف الثامن إلى نهاية المرحلة الثانوية) يجب أن يكونوا قادرين على القراءة و الكتابة أيضا! هل يرجع السبب في ذلك الى الطالب نفسه أم الى الأستاذ؟
حسنا, مزرعة الحيوانات لا تتوقف عند الطلاب فقط, بل تمتد إلى المعلمون..

في غرفة المعلمات جلست, ما هذا الهراء؟ كل أحاديثهن تدور حول الطبخ و الغسيل و الزواج.. كنت أشعر بأنني سوف أختنق حتى الموت إن بقيت في ذلك المكان المتعفن.. اختلطت الفيزياء بالفاصولياء و الأحياء بالزواج و السعي الى الانجاب.. لم تكن أحاديث المعلمات منطقية أبدا, و لم يكن ثمة حديث يتناسب مع مستواهن الثقافي في مكان ينشر العلم!

تمنيت أن ألتقي بمعلمة تقرأ روايات لتيلير أو لوركا أو نيتشة أو حتى محمود درويش!.. إنهن لا يستمعن الى الموسيقى و لا إلى الاغاني..
المعلمات لسن مثقفات, مهمتهن الوحيدة هي تدريس الكتب للطلاب و العودة الى البيت لاستكمال مهام حياة المرأة التقليدية من طبخ و جلي و تربية الابناء..

بالمناسبة, مهنة التدريس تفسد حياة الشاعر و الكاتب، سيمضي أوقاته يتحدث عن مكائد أصدقائه الأغبياء و الثرثرة عن الطعام و انجاب الأطفال.. أسوأ مكان ممكن الذهاب إليه يوميا هو الذي توجد فيه مقاعد للتعليم و الانتحار !

هل هنالك معلمون, دكاترة و أساتذة, و مربون, سوف يقفون إلى صفي إذا ما خرجنا مسيرة ضد المدارس ( و بالطبع الجامعات, و لكن لهذا حديث آخر) من أجل المطالبة بتحسين الوضع التعليمي في بلادنا؟.. مثلا لماذا لا يتم وضع كتب موسيقية و ادخالها ضمن المنهاج الدراسي المقرر؟.
أن تشجع الحكومة بناء المدارس التي تهتم بتدريب المتعلمين على الحرف اليدوية, و بذلك سوف يقل عدد الطلاب في المدارس و بالتالي يخف العبء على المعلمين في عملية التعليم..
أن يتم استبدال النشيد الوطني بأغاني لفيروز أو موسيقى باخ أو أغاني زياد رحباني في حالة كان الطلاب و المعلمون متذمرون من الوضع المعيشي و من الحياة.. أي أن يُعين عامل مخصص للجرامافون أو أشرطة الموسيقى ليفتحها صباحا و في أوقات الفراغ حسب مزاج الطلاب و المعلمون..
فرض عقوبة على الطلاب الذين يأتون إلى المدرسة و يهملون واجباتهم و يقومون بالفوضى, و ذلك باحالتهم الى العمل في الحرف اليدوية, لأن مجرد حضورهم في المدرسة يكون بسبب رغبة أهاليهم و ارسالهم الى مكان لا يريدونه..

هذا المقال مفتوح, و قابل للتعديل و الزيادة..
فأهلا بكم في أي وقت!

شاعرة و خياطة

Foto: Eric Lohner

امرأة صغيرة, لا يعرفها الكثيرون منا, تحب القراءة. من الخطأ أن نقول “تحب القراءة”, علينا أن نكون دقيقين في وصف تلك المرأة المجنونة, إنها تلتهم الكتب, واقعة في حب ادواردو غالينو, كل ليلة ترسل قبلة إلى أمريكا اللاتينية, و تقول: تصبحون على خير يا من أفسدتموني.

عقلها و فكرها الثائر يجولا العالم مثل ثياب روبرت خواروث, ثياب الثائرة التي تبتسم بحرارة لموسكو متمنية أن يرسل الله لنا لينين آخر. هذا العالم لم يقطع أحد رأسه بعد, الرأسمالية موجودة, و نحن نتكاثر ببلاهة, و فكرة المسرح النقال لانتقاد السلطة لا تعجبني. هذه المرأة تحدق في كل شيء, تخرط أصابع النار لتحرق جلد السكون و الخمول..

تشاركني الحزن و الندم و الفرح و النميمة و الضحك و الأيام العظيمة التي نتركها على مقاعد الجامعة, هناك حيث نخطط لمستقبل الضوء, و نبني برجا ليس عاجيا, نريده على مقاس أحلامنا, هناك أيضا, أقصد بالـ “هناك”, الجامعة, في المكتبة أو قرب النافورة التي تتوسط المباني العلمية و الأدبية و المختبرات, نتبادل الأحاديث التي لا تنتهي, أنا الكاتبة المنهمكة في عزلتي, و هي الشاعرة المجهولة الغارقة في أشبار و أشبار من ماء العشق و الحكمة.

تمشي إلى جانبي مثل لبؤة حائرة في كيفية افتراس غزال سريع لأولادها الصغار, تتوقف فجأة و تقول ” لقد كان أفضل منه, كان يكلمني حين أحتاجه, مرة مرضت و لولا أنني استحلفته بالله لجاء و نام على عتبة بابي, لماذا تمنحنا الحياة الحبيب الخطأ في الأيام الجميلة و مع ذلك يبقى الحبيب الأول؟.. انها ليست تفاهة أن نآمن بالحب للحبيب الأول, انها عين الحكمة, انه الحبيب الذي عرّف لنا الحب في بداية تكوينه..”.

تحب فيروز و زياد الرحباني و ياسمين ليفي و مؤخرا سحرتها موسيقى التشيلي.. إنها خسارة كبيرة أن لا تعرفوها, سوف تأخذكم إلى ما لا تدرون, هي التي تتقن غناء الحياة, تفكر بترك الدراسة و الانضمام إلى طبقة البروليتاريين الكادحين, هناك حيث الخياطة مهنة رقيقة بالنسبة إلى امرأة شاعرة تحب الفساتين و الفلامنكو و الكعوب العالية.

صباح الخير يا, صديقتي نداء.

غرنوي يلاحظ الصباحات الجميلة

André Kertész, desde el corazón

الساعة السادسة صباحا, نتشاجر على الضوء, أختي تغادر سريرها و تترك لي الغرفة ذاهبة إلى غرفة أخرى و لكن معتمة.. الشيء الوحيد الذي أغاظني هو أن ضوء الشمس كان يتسلل عبر النافذة تدريجيا إلى غرفتنا و إلى البيت بأكمله.. فما الذي دفع أختي لأن تغضب لأنني أشعلت النيون؟. عدم الحاجة ؟

أشياء غريبة حصلت لي في ذلك الصباح, فقد استيقظت في وقت مبكر على غير عادتي, و أدركت كم ضيعت من وقتي لأنني لم أقرأ رواية العطر من قبل.. كان غرنوي يتطلع إليّ باندهاش من بين الصفحات, كما لو كان يستكشف رائحة قوية تنبعث من عيني.
أضف إلى ذلك, أنني في ذلك الصباح كنت هادئة جدا, و أتحدث إلى أي شيء أمامي, لدرجة أن أمي جاءت و سألتني مع من أتكلم, قلت لها “مع ملابسي”. نظرت إلى ملابسي و لم تكلف نفسها بأن تستغرب أو تستفسر, ذهبت و أغلقت الباب وراءها بدون احتجاج. الحقيقة شعرت بأنه يجب علي أن أراجع ما حدث: افترضت أني كنت أتحدث مع ملابسي, و بناء على ذلك أكملت حديثي, و حين انتهيت, كان الصباح قد اكتمل بشروق القرص الذهبي الحار..

قلت كنت هادئة جدا, جدا, جدا.
خرجت إلى بنك القاهرة, استلمت الحوالة المالية من أختي في الإمارات, و بقيت أنتظر صديقي الإفريقي هناك, فقد كنا على موعد.. كنت أحمل في حقيبتي رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ, أخرجتها لأقرأ بضع صفحات و أستغل وقت انتظاري.. وصل, لا يمكن لأي شخص أن يخطئ الملامح الإفريقية السمراء. شعرت بالغرابة في ذلك الصباح لأنني لم أتحدث باللغة العربية على الإطلاق. كان علي أن أقول فقط “هنا”, أو “شكرا” للسائقين. ذهبنا إلى كنيسة القديس برفيريوس, هناك أيضا كان الشاب الروماني يتحدث اللغة الانجليزية.. تركت الشابين يتحاوران و رحت أتأمل اللوحات الكبيرة المعلقة على جدران الكنيسة.. استوقفني باب بدا لي أنه سري, و لا يجب علي فتحه, و بالفعل, صاح الشاب الروماني “لا لا تفتحي.. هنا يرقد هيكل القديس”. و بهدوء تركت أكرة الباب, و بدأت بالتصوير..
الكنيسة على يميننا و الجامع على يسارنا, بينهما جدار متسامح و وديع و هادئ تماما مثل قلبي

كان صباحا سريعا, مر بدون طائرات أو أحزان.. فقط كانت الذكريات و رائحة الخروب التي تنضح من ذلك الشارع القديم في غزة..

مرايا البلاط

image
Photo by Brian Micklethwait

مرآتي يا مرآتي
من الأقبح:
هم أم العجوز التي تطير على مكنسة من القشّ؟
ألصقوا صور وجوههم على جدران الشوارع و البيوت
و المنتزهات, و في كل مكان
و لولا الله لألصقوها على وجوهنا و قالوا: انتخبونا

مرآتي يا مرآتي
ان أعطونا حق التصويت
فلن نضع اشارة صح أمام الاسم الذي وعدنا بالحرية
سوف نرسم على الورقة صور شهدائنا
أو نضع فواتير الكهرباء
أو نستبدل أوراق التصويت برسائل حب أو تهديد!

مرآتي يا مرآتي
أين تتكسر مراياهم
و من يلم فتات وجوههم
حين تتناثر على بلاط الظلام..

يسألونكِ, يا مرآتي, وجوهنا أم وجوه العمال؟
فماذا تجيبين؟
بحق عربة الخضار التي قتل صاحبها
بحق خيم الأمل في ميدان التحرير

مرآتي يا مرآتي
يعلقونك في الغرف و ترين وجوههم وقت الحلاقة
ليت واحد منهم
نظر فيكِ
حدّق.. تمعّن.. و رأى في عينيه
ألف عين تبكي من بطشه.