أصبح عندي صرصارا..
لا يوجد في هذه المدينة عصافير,
و لكن يوجد بديلا, زقزقة الصراصير
و أصبح عندي
فستانا شتويا
قصيرا
و جزمة كاوبوي
و أشياء أخرى
غريبة و مجنونة
Arabic Texts
أصبح عندي صرصارا..
لا يوجد في هذه المدينة عصافير,
و لكن يوجد بديلا, زقزقة الصراصير
و أصبح عندي
فستانا شتويا
قصيرا
و جزمة كاوبوي
و أشياء أخرى
غريبة و مجنونة
إنها أمريكا اللاتينية, إنها هي, المرأة ذات البني الغامق..
إنها ساعي بريد نيرودا, إنها مخزون سنة من البندق لأجل راوية الأفلام..
إنها السعادة حين يحدث أن تستمع إلى أغاني البيتلز في سيارة أجرة تقلّك من مكان العمل إلى زوجتك و أبنائك.. فإذا كنت غير مرتاحا, تطلب من السائق أن يغير تردد الراديو أو يشغل أغنية لِـ
Violeta Parra
…
أمريكا اللاتينية, التي صمتت طويلا و عاشت أكثر قوة و ثارت و أصبحت تشتم كرسي الرئاسة, و عالجها قلم النجار بخبرة الرجل الواعي.. من يجرؤ على تجاهلها؟
…
تقف على باب المصعد, و تفكر بالاتجاه قدما نحو الفوضى, و تفكر أيضا بحلول معيشية تشربها مثل كأس خمر و تنساها على مائدة أصدقائك..
تلك النصف ساعة من الجلوس وحيدا في الفناء الخلفي, محدقا في رأس السماء و أنت تسحب أصوات المارة من الشارع و تقول بحب شديد ” أمريكا اللاتينية.. سامحي مشاكلي”. ثم يرتد صوتك شاكرا الحياة
“gracias a la vida”
…
أمريكا اللاتينية, إنها حقيقية جدا.. نبتت من سُرّة امرأة تجيد طبخ الفيجوادا, و تصنع مشروب المتة بمهارة.. لنجلس في بيت بسيط و نقتسم مع سيدة القارات كعكعة البطاطا.. ثمة قصائد و حب و عيون لامعة تجيد الأمل.
_____
* العنوان باللغة الاسبانية يعود في الأصل إلى اسم أغنية للمغنية الأرجنتينية مرسيدس سوسا, و ترجمته ” شكرا للحياة”.. و هي أعظم أغاني سوسا.
مرحبا,
هالو؟ هل من أحد هنا يقرأ ما أكتبه.. لقد غبت طويلا, كتبت كثيرا و لكنني لم أنشر شيئا, كنت منشغلة في أشياء لا يمكنني التحدث عنها علنا, إنها حياتي الخاصة, و غرفتي الصغيرة التي ليس من اللائق الكتابة لكم عنها.. كنت أفكر فيكم كلما صعدت الدرج المتحرك, هل صعدتم الدرج المتحرك؟ سؤال مضحك, أعرف, أنا سعيدة بسؤالي, لأنني جربت ذلك الدرج فقط و أنا في الثالثة و العشرين من عمري, انه وقت متأخر لمواكبة السلالم الكهربائية, لقد كانت لحظة محرجة حين قفزت عن آخر درجة متحركة و أنا خائفة جدا من أن يبتلعني الدرج, كان ذلك في أوروبا, نعم فكما تعرفون انتقلت للعيش هناك, في مدينة باردة و متطورة و كبيرة, يا الهي كم هي كبيرة, غزة بالنسبة إليها حبة أرز..
وصلتني رسائل من قرّاء غرباء, يسألونني عن غيابي, فاجأني ذلك, اذا أنا لست مجهولة حد العدم!, شكرا لكم, حتى و ان تعرفتم علي بالصدفة خلال عملية بحث عن طريقة صنع فطيرة التفاح.. و هنا يجدر بي الاشارة أنني أصبحت طباخة رائعة, أشعر بالزهو عندما أقول ذلك, لا سيما عندما أطبخ لأصدقائي باتقان.
لقد تغيرتُ بشكل لطيف, أصبحت أشاهد الأفلام أكثر من ذي قبل, يجب عليّ أن أذكر بعض الأسماء السينمائية التي أحبها مثل: توم هانكس و جوليا روبرتس و جاك نيلسون و نانسي مايرز و ميريل ستريب.. إلخ
سوف أتكلم عن أشياء كثيرة,
هل من أحد يقرأ هذا؟.. اتركوا لي رسالة لأعرف.
الحياة أسوأ مما توقعت, أرجوك لا تضحك.
أولا؛ البحيرة القريبة من الشقة لا تبشر بالخير, لأنني دائما أرى مقصات أيدي السلطعونات تخرج من تحت الماء و كأنها تتوعّد بقطع رأس العمارة التي نسكن فيها.. ثانيا؛ النوارس الكثيرة التي نسمع صوتها وقت الغروب سمعتها البارحة تتحارب على شجرة جارتنا الاسبانية, ثم سمعت حوارا عنيفا بين جارتنا و زوجها بسبب النوارس..
لقد ساءت بعض الأحوال بعد أن اشتريت السلطعون و قررت أن تطبخه أمامي, حتى أتعوّد على الخوف و الشجاعة, و حتى آكل الكائنات التي تخيفني. يا للسخافة, لقد حوّلت المطبخ إلى مكان يتدبّر أمره ذلك السلطعون المرعب.. أتجاهل رائحة البحر المنبعثة من الصحون, أعض مقص السلطعون و أقطع رأس العالم في فمي..
وقفت تحت الطوابق الأربعة, هناك حيث لا يدرك المرء أنه و ببلاهة يراقب شبابيك بيته, و كأنه ينتظر رأس إله ما أن يطل منها. أخرجت من حقيبتي خارطة المدينة, تأكدت بأنني في المكان الصحيح, مشيت قليلا باتجاه العمارة, و توقفت لأتأكد مرة أخرى من رقم الشارع كما هو محدد على الخريطة.. و كي لا أضل العنوان مثلما حدث يوم أمس, فقد علّمت كل شيء: لون صندوق القمامة الأزرق, الشجرة التي يتدلى منها خيط بني سميك ينتهي بكرة صوف صغيرة, الحذاء الذي لا يتزحزح عن حافة بلكونة الطابق الثاني, الدكان الذي يمتلكه عراقي شاب, و صوت الموسيقى الذي لا يتوقف في الحي. توجهت إلى البوابة و طلبت المصعد فورا, كان اسمه مكتوبا بجانب الأكرة, فتحت باب شقتي, هل يحق لي أن أدعي بأنها شقتي؟, لأسباب غريبة سوف أكره كل شيء و أتوقف عن ادعاءاتي المحتملة بخصوص الشقة و المدينة بأكملها..
خلعت حذائي و دسسته بقدمي تحت السرير, و كالعادة كانت الأغاني تنبعث بإصرار من الكمبيوتر, لم أغير ملابسي, ذهبت إلى المطبخ, كانت طاولة الطعام تختفي تحت أكداس من الورق, فواتير و مجلات, و الأكثر كانت بطاقات بريد بلغات لا أعرفها من أشخاص ربما أصدقاء حبيبي و ربما نساء كان يكاتبهن في فترات متقطعة من مراحل العمر و الجنون. صنعت لنفسي كأس شاي و وضعته في زاوية صغيرة من الطاولة أفرغتها لتكون لي, و كأنني بذلك أحدد ماهيتي أنا العاشقة و أزيح البطاقات الحميمية نحو الماضي و أتقدم بكأس الشاي للحاضر و أمضي إلى الخلود. كنت أفكر في أمور أهم من تلك الزاوية الصغيرة, بدون شك أننا نحب بعضنا بسعادة, و لكن ما الجدوى من حب يحدث في فوضى و قذارة؟.
كنت أراقب حيوان الشانشيلا النائم في قفصه, لماذا يحبه و يحترمه حبيبي لدرجة أنه غضب مني عندما لم أناديه باسمه, نظر إليّ بطرف عينيه و قال “هل يعجبك أن يناديك الناس بدون اسم؟”, في تلك اللحظة فكرت بأنه أحيانا من الجميل أن لا يكون لنا أسماء, و في نفس اللحظة فكرت بأنه ليس من المنطقي أن يحتج شخص فوضوي على تنكير حيوان يحبه!. الفوضى تعتني بالأخلاق من منظور حاد جدا. الإنسان الذكي هو الذي يستطيع العيش في فوضى دون الحاجة إلى تنظيمها. دائما كنت أبدي اعتراضي على طريقة حياته, أو بالأحرى على وضع الشقة المزري, يجب أن تذهب كل هذه الملابس إلى القمامة, ملابسه التي تنتفخ في الخزانة و تتدلى من أطراف الكنب في الصالون و ترتمي كالجثث على طاولة المكواة.. مرة و أنا أجلي الصحون, جاء إلي و صاح بدهشة “يا الهي لقد جليت الكأس المزخرف؟”, قلت “أجل و ما الغريب في ذلك”, و تابعت الجلي, قال “استخدمت هذا الكأس منذ عشر سنين, و من يومها لم أنظفه و لم أستعمله”, كان يقول ذلك دون أن يظهر عليه علامة حزن أو امتنان, استمر في التحدث عن الكأس حتى بعد أن أخرج رأسه من النافذة ليدخن سيجارته كي لا يمتلئ المطبخ برائحة الدخان, سمعته يقول بأنني لتو نظفت قطرة نبيذ اختمرت في قاع الكاس عشر سنين. فيما بعد سألته بجديه “متى بدأت تمارس الفوضى”, قال بتردد مراعيا شعوري القبيح تجاه ما أكتشفه عنه ” احد الفلاسفة الألمان قال ان الانسان اذا استمر في ممارسة الفوضى لمدة سنتين, فانه سيعيش بقية حياته في فوضى مستمرة”. لم يعجبني ما قاله, و جلست على الكرسي محتدمة, جلس قبالتي و هو يرمقني بنظراته و يقول بثقة “سيكون كل شيء على ما يرام”.
– لنتخلص من المجلات و الكتب و الملابس الزائدة
– أرجوك, إنها أشياء مهمة بالنسبة إليّ, أحتاج إلى فترة طويلة كي أتخلى عنها
اتصل علي قبل قليل ليخبرني أنه لن يتناول العشاء معي, سوف يبات الليلة في الاستديو. لم أخبركم أن حبيبي يعمل في مجال اللغويات و الصوتيات, يقضي معظم وقته تحت الأرض, هناك حيث بُني الاستديو و صُمم بشكل دقيق ليتلاءم و طبيعة العمل المهم الذي يشتغل عليه مجموعة لغويون, زرت المكان قبل أيام و دهشت بكم الهدوء الذي تصنعه الأقمشة الداكنة, نعم قلت تصنعه, لأن المكان تمشي فوقه سيارات و بالضبط فوق غرفة التسجيل مرسوم خط المشاة, و بالتالي تتضاعف الضجة فوق مكان تأكله العتمة و السكون, و لا بد من ابتكار طريقة تمتص الضوضاء و تصنع الصمت. مهمة حبيبي هي تحويل الكتب المقروءة إلى اسطوانات سمعية للأشخاص الذين يعانون من مرض “الديسارثريا”. الليلة سأتناول العشاء وحيدة فيما هو يسجل بصوته الرائع الكتب للمرضى..
كانت الساعة تقارب السابعة مساء, قررت أن أحسم الأمر و بدأت أدون على ورقة أخذتها من على طاولة الطعام ما سأقوم به في غياب حبيبي. تخلصت من الأغاني التي تستفزني و أغلقت كمبيوتره المجنون, ثم رحت ألملم الكتب المتناثرة على أرضية الصالون, و ضعتها في صندوق كرتوني كبير, كانت الكتب أكثر بكثير مما توقعت, إنها تحتاج إلى خمسة صناديق كبيرة, جمعت الكتب حسب أحجامها و صففتها قرب المكتبة, أخذت مساحة لا بأس بها.. انتقلت إلى الملابس, كومتها باهمال في أكياس و رميتها خلف الكنب, ثم أخذت المكنسة الكهربائية و نظفت الشقة.. لقد دأبت أن أرتب الشقة بقدر كبير حتى عودته من الاستديو, و مع ذلك لم أنته من شيء, فأنا قد بدأت خلال ساعات قصيرة في التخلص من فوضى تجاوز عمرها عشر سنين. جلست على حافة سريري, تأملت ما قمت به, الشقة مخيفة, يا لها من كارثة أن أعيش في مثل هذه الشقة و بوجود حيوان بدأت تنشأ بيني و بينه عداوة لا معنى لها. مشيت على رؤوس أصابعي بين حشرات بحجم أظافري و ذهب بلا احساس لأستحم, تركت جسدي تحت الماء الفاتر, كنت أغتسل من الفوضى, و أغتسل من حبيبي, و أغتسل من حيوانه البذيء, ها هو القش متناثر في المغسلة أيضا, ما الذي أتى به هنا؟ هل كان طليقا قبل قدومي يعيش بمساواة و حرية جنبا إلى جنب مع حبيبي؟ هل حبسه في ذلك القفص حرصا عليّ؟ لا أعتقد أنني أشكل حرجا و أهمية لدى حبيبي بالعيش مع شاتشيلا, إنما السبب كان في أن الحيوان أصبح عجوزا و لا يتحرك إلا عندما يأكل!.
في الواقع انتقلت من مدينة إلى أخرى, لأجل العيش مع الرجل الذي أحب, لم أنتقل لأتبنى حياته, و أقضي أيامي الجميلة معه أتذمر و أقنعه بالبحث عن شقة جديدة. كانت علاقتنا قائمة على الفهم العميق للوحدة, كلانا يتفق على أنها مصدر بؤس و عراك لا يجدي مع الذات, على الرغم من ذلك فكلانا عاش – بشكل و بآخر- وحيدا في الماضي, كان له حبيباته, أو نزيلاته, يستخدمهن لدفع الوحدة عنه, و لسبب غامض يرحلن الواحدة تلو الأخرى.. لا ليس غامضا, اكتشفت أن الكتب و الأفلام و القش و الكمبيوتر و الملابس هي السبب في وحدته. أما أنا فكانت الحاجة إليه هي سبب وحدتي. في الأيام الأخيرة كنت أبكي كثيرا عندما أستيقظ و أجده إلى جانبي, كان يلح عليّ أن أقول شيئا, على الأقل قولي”لا شيء”, و لكنني في النهاية توقفت عن البكاء. لاحظت أن دموعي التي تسيل على كتفه كل ليلة تتحول إلى دمامل تشبه الصدف, أصبحت كتفاه صدفتان كبيرتان. كان يريدني امرأة عادية, غير مرتبة, لأنه ببساطة لا يكترث بالترتيب, و تجاربه مدته بفرضيات و نتائج لا نقبل بها نحن الذين نتغير بخوف و ببطء.
في الصباح نظفت طاولة الطعام بحذر, وضعت المجلات و الفواتير في صندوق, بينما وضعت بعناية بطاقات البريد في حقيبة خاصة.
إنني أراه الآن من نافذة المطبخ, عائد من الاستديو. لا أعلم إن كان سيحزن عندما يرى شانشيلا نائما بين القش إلى الأبد؟.. خلع سترته و ضمني بقوة, كانت كتفاه الصدفيتان تلمعان. كان يبدو عليه الإرهاق, لم ينتبه إلى التغييرات التي حدثت, ذهب مباشرة إلى السرير و قال بصدق ” سأنام قليلا و بعدها سوف نبدأ بتنظيف الشقة”.
كنت أظن أن صعود السفينة الضخمة المكتوب عليها بخط أحمر عريض “Viking” سوف يضاعف خوفي من الماء العميق. تشكل خوفي الأول من الماء مذ كنت في الصف الثالث، كان يأخذنا أبي إلى البحر في عطلة الصيف، كنا نخرج في وقت مبكر جدا، لدرجة أنني كنت أشعر بأننا ذاهبون لاصطياد غنيمة ما.
هناك، حين نصل البحر، كان القمر واضحا بالرغم من الضباب الغامض الذي يلفه في إشارة لانتهاء الليل. كان يتركنا أبي على الشاطئ نصف ساعة، بحيث يختفي كليا وراء خط أزرق من الماء، في البداية كنت ألاحق رأسه المبتل وهو يتحرك قدما مع جسده بين الأمواج، ولكن فيما بعد أصابني الذعر من فكرة أن البحر دائما يأكل ذلك الرأس المبتل ثم يلفظ شخصا آخر تسيل من ذراعيه أسماك صغيرة تتقافز وترتمي عند قدمي.
حين يعود أبي من وراء ذلك الخط البعيد، نركض إليه نحن أبناءه المتلهفين لشيء لا نعرفه، يلتقط كل واحد منا اصبعا من أصابع يديه الخشنة والطويلة، وبدوره يمشي بنا متجها إلى البحر ونحن نتبعه متشبثين بأصابعه. أنظر إلى اخوتي فألاحظ لمعة الفرح في حدقاتهم وأجسادهم يأكلها البحر، بينما أنا أتشبث أكثر فأكثر في اصبع أبي..
طوال السنين التالية، أكتشف أن البحر مجرد اقتراح مؤقت للتخلص من الخوف.
صرت ناضجة ولم تعد أصابع أبي تحتمل أيدينا التي درست الهندسة والطب والشعر، فأصبحنا نذهب إلى البحر بأنفسنا ودون ذلك التوقيت المبكر الذي لم أحبه يوما. لأول مرة يقنعني اخوتي في الذهاب إلى البحر، تلك المرة لم تكن لنطعم أجسادنا للبحر ونعود مثل أسماك مالحة تحتاج إلى التجفيف، كانت المرة الأولى التي دفعوني بها إلى سفينة صغيرة لأحد الصيادين، شاب يرتدي شورت بنيا، قرر أن لا يصيد ذلك الشهر ويستخدم سفينته كوسيلة ترفيهية لروّاد البحر في العطلة الصيفية.. حسمت الأمر سريعا على الشاطئ وصعدت السفينة، كانت صغيرة جدا، وكان يبدو أنها جيدة للصيد ولا تصلح لغير ذلك، جلست على المقعد الطويل بين أختي وأخي، الصياد، أقصد قبطان السفينة، شغل المقود وبدأت تبحر فينا.
كنت أنظر إلى الشاطئ بقلق شديد، لا سيما وأن كل شيء حولي بات أزرق، ولم أعد أر غير الموج وبعض الكرات الصفراء الطافية من شباك صيد كبيرة نصبها الصيادون وتركوها.. كانت السفينة ضعيفة مقارنة بقوة الموج، تهتز على الجانبين، وأحيانا يدخل الماء من المقدمة بشكل فوضوي كريه ومخيف.. إلى أن حصل ما كنت أخافه، مالت السفينة على الجانب المقابل لي، بحيث أصبحتُ مرتفعة عن الماء ولكن لم يدم ذلك دقائق من الذعر حتى فقدتُ قواي وأفلتت قبضتي السفينة، فانزلقتُ وانقلبت السفينة.. أكلني البحر.
لم أعرف كيف استطاع الصياد أن يستعيد وضع السفينة الطبيعي، وجدت نفسي في مقعدي وحولي اخوتي يضحكون على ثرثرات سخيفة، هل كنت أحلم؟. حين وصلنا الشاطئ، سمعت الصياد يهمس لأخي “كانت أختك ستغرقنا من الخوف”.
أما الآن، فأتذكر كل شيء وأبتسم بارتباك، وأحيانا أضحك فتلتفت إليّ العجوز الفرنسية وتقابلني بضحكة غريبة وتعود تتأمل البحر من النافذة.. حسنا، ضحكت لأنني كنت حزينة، كنت أتمنى أن يكون أبي معي في تلك اللحظة التي صعدت فيها سفينة الفايكنغ، كان جميع الركاب فرنسيين، كانت أصابعهم ناعمة ولم يكونوا بحاجة إلى الاختفاء مبكرا وراء خط أزرق ليعودوا بالسمك، ويبيعوه.
إنها المرة الخامسة التي أطبخ فيها, حسنا, لأكن صريحة و صادقة, كنت أجرب الطبخ, تحديدا طبخ الأرز.. تعلمت السنة الماضية أن أصنع الكروسان و السينابون و المعجنات بأنواعها, مع ذلك فقد فشلت في صنع فطيرة التفاح, كانت سنة مليئة بالتجارب الشهية, و حصل أن سافرت إلى السويد, ففكرت بأنه سوف يكون من الرائع أن أطبخ لأصدقائي بعضا مما تعلّمته. هناك, في بيت توفا, نسيت كل ما تعلّمته, لم أصنع لها شيئا, ذهبتُ معها لنتسوق البروكلي و عجينة فرنسية لا أذكر اسمها.. في المساء بدأت أشاهد توفا و هي تطبخ بطريقة المرأة الوحيدة و الذكية التي تعيش متعتها في مدينة علمية مثل لوند, حملت صحني و جلست قرب المكتبة الصغيرة الممتدة بجانب الباب, فيما توفا تنظر إلى متحمسة لرأيي في الطبق الفرنسي, هززت رأسي ببلاهة و قلت “لذيذ..”, كنت أحمل تجاهها غيرة امرأة صغيرة من جارتها الخبيرة ستستمر لأيام!.
صاعدت جهودي في الطبخ و شرعت في قراءة الكتاب الأمريكي “متعة الطبخ”, و انتقلت لقراءة الكتاب الايطالي “الملعقة الفضية”, ثم تطور الشغف بي و شاهدت فيلم جولي و جوليا الذي يصور حياة امرأتان تثبتان قوتهما و هويتهما من خلال الطبخ, كنت قبل ذلك قد قرأت رواية لورا اسكابيل “كما الماء للشوكولاته”, حتى انغمست في المأكولات أكثر فأكثر, و تحولت من كاتبة إلى طباخة, نسيت القصص و الشعر. رحت أتبع الروائح المدوخة التي تنتشر بشكل جنوني في شوارع ستوكهولم, جربّت معظم المأكولات, و كنت لأضيع لولا صديقي السويدي, و هو طباخ ذو خبرة واسعة, كان يرافقني إلى المطاعم و يوضح لي مكونات هذا الطبق و ذاك. مرة أخفى لي صديقي مفاجأة و أخذني إلى مطعم في المدينة القديمة, جلست إلى الطاولة و لكن للأسف الروائح أفسدت مفاجأة الصديق السويدي, كانت رائحة المسخن و زيت الزيتون تقولان بصوت عال “نحن مأكولات فلسطينية”, لم أشأ أن أخذل صديقي و أبديت سعادتي و دهشتي في الأطباق الفلسطينية التي احتلت طاولتنا!. حتى الطعام يعرّف البلدان و يمنحنا هوية و شخصية خاصة, و يضفي إلى الأماكن و الأشياء رموزا ذات دلالات. فمثلا, بالنسبة إليّ, منذ أن قرأت قصيدة “إلى أمي” لمحمود درويش, أصبحت القهوة رمزا إلى الحنين إلى الأم و الوطن, أما الجبن و النبيذ فيقولان على لسان فتاة بمريول أنيق “أنا فرنسية”, بينما تأخذنا البطاطا المسلوقة إلى المطبخ السويدي الذي لا يخلو منها و السوشي إلى اليابان.
الآن أطبخ الأرز و أحاول أن أتذكر عبارة جميلة للكاتبة الأمريكية لورين كولوين, تقول في كتابها “كاتبة في المطبخ”, “وحيدة في المطبخ, لا شيء سوى حبة باذنجان”. و أنا أيضا وحيدة في المطبخ, و لكن يوجد كل شيء, إلا أنني لم أنجح في صنع طبق الأرز.. المقادير دقيقة, يجب أن أترك هذه المهمة لأمي, فالأمهات دائما مرجع بناتهن في الطبخ الجيد. سوف أعود إلى غرفتي و أكتب قصة بدلا من ذلك.
لا بأس في أن أكون كاتبة و صانعة معجنات في نفس الوقت. أتخيل كيف كانت اميلي ديكنسون شاعرة و خبازة أيضا, تتفنن في صنع الخبز لعائلتها منذ أن أوكلوها مهمة تدبير المنزل, زد على ذلك أنها فازت بجائزة أمهرست للرعاة عام 1856.. يا إلهي, كيف لصاحبة الشِّعر البائس أن تنتج خبزا بكل تلك السعادة!.