سر الخبز

محاولتي في الخبز
محاولتي في الخبز

لطالما كنت أتجادل مع أمي بخصوص صنع الخبز في البيت, كنت دائما أقول لها أن الزمان تغير و أن شراء الخبز جاهز أسهل من خبزه في البيت, كما أن الخبز أصبح يباع بسعر رخيص. لكن أمي تخالفني, و تقوم بعجن الخبز بنفسها بالرغم من أن الطبيب نصحها بعدم الضغط على أصابع يديها لأنها تعاني من ألم المفاصل.. هنالك سر دافئ في يديها.. هنالك جمال حزين لا أستطيع تفسيره في فوضى الطحين حين تسكب الماء عليه, و حين تنتظر نضوج الخميرة, و حين تقطع العجين إلى كرات صغيرة.. خطواتها السريعة نحو الفرن و لمعة عيناها حين يتورّد الرغيف في النار مثل فراشة تقاوم الاحتراق..
ما تزال أمي حتى الآن شغوفة في صنع الخبز, إنه أحد أهم طقوسها في البيت. و الآن بعد أن أصبحنا بعيدتين, قررت أن أكتشف سر الخبز, و صنعت أرغفتي بنفسي. شعرت بالسعادة و أدركتُ بالضبط معنى أن تتلطخ يداي بالعجين..

* غدا سوف أحمل رغيفا إلى صديقة من غواتيمالا, اتفقنا أن نتبادل أرغفتنا, لتصنع هي خبزا عربيا و أنا أصنع خبزَ أمريكا اللاتينية.

المسخ و الفراشات

لا بد و أن الصراصير قرأت رواية كافكا “المسخ”.
كل الصراصير التي نلاحقها بالشباشب كانت في الأصل عمالا متذمرين
أو أشخاصا قرروا أن يرتاحوا في غرفهم قليلا
ثم بعد ذلم لم يستطيعوا مغادرة أسرّتهم .

و لا بد و أن الفراشات سعيدات
لأنهن كنّ مجرد حلم محيّر في منام جوانغ زي.
يجب أن نعترف بأن الفراشات لا نراها إلا في اليقظة.

غلافة رواية "المسخ" لكافكا باللغة الألمانية
غلافة رواية “المسخ” لكافكا باللغة الألمانية

تمارين البرد في بلاد الشمال

كل يوم أتدرب على البرد. في اليوم الأول كانت درجة الحرارة  C°2. لم أكن أعرف أن ثمة جهاز ترمومتر رقمي موضوع عند الشباك في المطبخ. عرفت درجة الحرارة من خلال أصدقائي، كنا نمشي في الشارع و نرتجف جميعا، و نصيح معا ‘بلادنا أدفأ بكثير’. كنت أرتدي فقط قميص و جاكيت خفيف. في اليوم التالي كان مكتوب على الترمومتر أن درجة الحرارة  C°5! قلت في نفسي يكفي أن أرتدي قميص و بلوزة و جاكيت. و عندما خرجت شعرت بالبرد الشديد، و لم تكن ملابسي كافية. في اليوم الثالث كانت درجة الحرارة C°7, ارتديت قميص و بلوزة و بلوزة صوفية أخرى و جاكيت، و لكن لم تكن ملابسي دافئة!. في اليوم الرابع، نظرت من خلال الشباك إلى البحيرة القريبة من بيتي، و رأيت أن المياه هناك تتحول تدريجيا إلى اللون الأحمر، أدركت بسرعة أن الأشجار بدأت ترسل أوراقها الخريفية إلى البحيرة و تصبغ الأماكن بلون الخريف.. فكرت أن اليوم سيكون جميلا و يجب علي أن أخرج بملابس عادية كي أتعود على البرد، و بالفعل خرجت بقميص و جاكيت فقط، كانت درجة الحرارة C°5 ، ما أن خطوت بضع خطوات في الشارع حتى بدأت أرتجف، ركضت مسرعة إلى محطة القطار لأنها أقل بردا من الشارع. في القطار أقنعت نفسي بأن الجو عادي، و البرد فكرة مسبقة يصنعها لنا مصممو الأزياء كي نشعر بالحاجة إلى الدفء و نشتري ملابسهم الثقيلة. و لكن أبدا لم أتدرب على البرد.

دائما في طريقي إلى البيت, يتغير شيء بي, يخفّ البرد قليلا, و أجد وقتا سخيفا لمشاهدة الناس الذين ينتظرون معي القطار, معظمهم لا يكترثون لدرجات الحرارة المنخفضة, ملابسهم غير جيدة, أقصد ليست دافئة, لا يرتجفون, أسنانهم و أقدامهم ثابتة, عيونهم تتأمل سكة الحديد أو النقطة البعيدة آخر النفق, حتى إذا سمعوا صوت القطار, يتأهبون و يصعدون بهدوء مأخوذ من رواية مملة.. و من بينهم جميعا يمكنني تمييز العرب جيدا, الوجوه القلقة, المحادثات الهاتفية بلهجات مختلفة حول سعر ايجارات الشقق السكنية و مساعدات الحكومة.. و الأهم من كل ذلك, الملابس الثقيلة.. إنه البرد, أينما يذهب العربي, يواجه بردا ما.

صور أمي على باب الثلاجة

Photograph by Andrew Montgomery
Photograph by Andrew Montgomery

ألصق صور أمي على باب الثلاجة
ما يزال وجهها دافئ.
يجب أن أرعى عروق النعناع
لأجلها
و أحيط نفسي بكل شيء تحبه
مثل الصحون و ماكنة الفلافل
و الأقمشة المطرزة.
و أطبخ بامية بالريحان
لأنها طبقها المفضل.
و دائما أخبز رغيفا ساخنا
حتى تتطلخ يداي
بعجين قلبها الرحيم..
ساق الحياة مكسورة
بدونك أيتها الأم.

قصة أهم يوم في حياتي

لماذا أكتب بعد كل هذا الغياب؟ هل لأنني أشعر بأن الله يحبني جدا, و أن أهلي ما يزالوا على قيد الحياة؟. هل أكتب الآن, في هذه اللحظات المختلطة بالسعادة و الحزن, فقط لأنني بحاجة إلى الكتابة, كأسي الوحيد من نهر الحياة المتدفقة..

سوف أبدأ الآن بسرد قصة أهم يوم في حياتي, إنه ليس يوم زواجي أو يوم موت أحدهم.

حدث كل شيء بسرعة. في مدرسة صلاح الدين, في الصف الرابع ج.. و بعد محاولات يائسة في النوم, تلقيت اتصالا من رقم مجهول, فتاة تعتذر لي عن الاتصال في هذا الوقت المتأخر من الليل, و تخبرني بارتباك “استعدي, يجب أن تكوني في مركز الأمم المتحدة صباحا عند الساعة الثامنة”. مكالمة هاتفية غيرت كل شيء, الحكومة السويدية سوف تنقل رعاياها من غزة, و أنا ماذا أفعل؟ كيف أترك أهلي في الحرب, و أسافر إلى بلد الأمن و السلام في وقت غير لائق بتاتا.. لم أنم تلك الليلة, الأفكار تزاحمت في رأسي, و المشاعر تحولت إلى أشباح ترعبني.. كنت خائفة جدا من الحرب, من الصواريخ التي لازلت أذكر كيف سقطت خلف خطواتي و أنا أركض أركض أركض نحو اللاشيء, فقط أركض بجنون, و الركض لن يحمي روحا من قذيفة حربية قد تنفجر في قدمك أو في جسدك.. و لو كان للشوارع أن تصرخ, لصرخت و بكت و شقت نفسها لتبتلع الناس الهاربيين من القصف و تحميهم من الموت أو من الجراح أو حتى من تقطع الأجساد و من الشلل.

قررت أن أذهب إلى مركز الأمم المتحدة, و هذا أيضا يتطلب مخاطرة بالروح, لأن القصف في كل مكان, و لا يوجد ثمة كائن حي في الشوارع.. كانت أمي و أبي و أختي معي في الصف حين كنت أرتدي ملابسي المتسخة و أستعد للسفر, كنت أرتجف, كنت أحاول أن أبدو طبيعية أمامهم. عانقت أختي و بقيت متشبثة بها و أبكي, و لكنني تركتها هناك هي الأخرى مع دموعها, و رافقني أبي و أمي إلى بوابة المدرسة, جلسنا ننتظر سيارة الأجرة التي ستنقلي إلى مركز الأمم المتحدة, و حين سمعت صوت السيارة في الخارج, بدأت أبكي دون توقف, عانقت أبي بشدة و دموعي تسيل على كتفه و أسمعه يقول لي بصوت حزين “ليش بتعيطي, انتي أحسن منا, طالعة من الحرب, الله يوفقك يبنتي..”, ثم عانقت أمي و لم أستطع فك ذراعي من عناقها, كنا نبكي نحن الاثنتان. ثم مشيت إلى السيارة دون أن التفت ورائي, لم أكن أمتلك تلك القوة كي أنظر إليهم مجددا فأقع باكية.

وصلت المركز بسلام, و هناك وجدت نفسي محاطة بأشخاص يرتدون ملابس بيتية, كلهم بدا عليهم التعب و الحزن, كانت عيونهم منتفخة من البكاء و من قلة النوم.. جلس إلى جانبي طفل على وجهه جروح بسيطة, و لكنها ستظل عميقة إلى الأبد, كانت أمه و اخوته الآخرين في الباص, قالت أمه للجميع “انتبهوا, اذا سألكم الجنود عن الخدوش في وجوهكم, قولوا أنكم تشاجرتم مع بعضكم, لا تقولوا أنها من القذيفة التي سقطت في غرفتكم..”. يا إلهي, الأم توصي أولادها وصايا ضعيفة, مهزوزة, إنهم منهكون و قلقون على أرواحهم..

سار الباص بنا إلى معبر إيرز و كانت خلفنا و أمامنا سيارات الأمم المتحدة, و أعلام و إشارات ضوئية ترفرف فوق السيارات في إشارة للطائرات الحربية فوقنا إلى أننا أوروبيين و متجهيين إلى إسرائيل. رأيت من خلال النافذة التي أسند رأسي إليها ناس من حي الشجاعية يركضون باتجاه المدارس, حفاة و على ظهورهم فراش و أغطية عشوائية.. و في الطريق إلى معبر إيرز شاهدت حجم الدمار الهائل الذي أصيبت به المدينة, البيوت المهدمة, الدماء التي لم تجف على الحجارة و زجاج النوافذ المهشمة.. كانت مدينة منقلبة رأسا على عقب, مدينة فقدت كل ما يمكن وصفه بالحياة.

( يُتبع..)

من يوميات امرأة نحيلة

لا أحب الطبيخ, يمكنني العيش على صحن أرز بالذرة و قطع الجزر, أو معكرونة بالجبن

الطبيخ عدو معدتي.. الطعام كله لا أحبه.. و بالتالي تأتيني المصائب حين أمرض و يلزمني الطبيب بدواء معين يجب أن أتناول الطعام قبله بساعة أو ساعتين..

فماذا آكل؟

حين أقع في الحب لا آكل أبدا, حتى انني أنسى المعكرونة بالجبن, و لا أطيق رائحة الفاصولياء و هي تنضج على النار.

مرة اشترت لي أمي من الصيدلية حبوب فاتح للشهية, يومها تعاطفت مع مشاعر أمي القلقة تجاهي, أخذت حبة و بالفعل انفتحت شهيتي و التهمت الأخضر و اليابس, و لكن المشكلة كانت آثار تناول الحبوب و هي النوم لساعات طويلة, مما دفعني للتخلص من شريط الدواء بتذويبه في المرحاض..

بعد أسبوع جاءتني أمي بدواء جديد من طبيب مختص, كان حبوب الفيتامينات, رائحة الحبوب كريهة جدا لدرجة أن معدتي كانت تتلوع و بالكاد تلفظ ما بها.. و لكنني بالرغم من ذلك أجبرت نفسي على تناول الفيتامينات لسبب واحد و هو ابراز معالم جسدي بعد أن شارفت على الاختفاء..

صرت أتناول الفيتامينات يوميا و بالتالي كنت أميل لأكل الطبيخ و لكن مع أفراد الأسرة كي أتحفز لتناول الأكل..

الطعام ليس شهيتي, هنالك الموسيقى الروسية و العربية و الأغاني التي تخرج من حناجر الذين يقطنون تحت خط الاستواء خصوصا أمريكا اللاتينية.. كل ذلك طعامي المفضل, أضف إلى ذلك الروايات و النصوص ذات النكهة الخرافية الطالعة من كهف رطب بنبيذ الجبل و الوادي ..

(* الأمر تغير هذه الأيام )

أحزان الكاريبي الثائر على الطبيعة

* ترجمة كوثر أبو هاني

 

ديريك والكوت
ديريك والكوت

يعد ديريك والكوت واحد من أبرز الأصوات الشعرية القادمة من جزر الهند الغربية مثل كاماو براثويت و أنتوني كيلمان, حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1992, و كان ذلك حدثا أسطوريا يتوج به شاعر كاريبي من جزيرة سانت لوشا. ولد والكوت عام 1930, كتب المسرحيات إلى جانب كونه شاعرا و محاضرا في الكتابة الابداعية. يتميز أسلوبه بالرقة و القسوة في آن واحد, و تتجلى في قصائده حياة الكاريبي في المناخ الحار و تراكم التاريخ المفجع الذي ضج بالاستعمار و العبودية. إلا أنه بالرغم من ذلك نمر بالكثير من القصائد المرهفة و الصور الجميلة المنتقية بمهارة و إحساس رومانسي يذكرنا بشعر العصر الإليزابيثي. من أبرز دواوينه: منتصف الصيف, مملكة التفاح النجمي, أوميروس, طيور البلشون الأبيض, و غيرها الكثير.

حب بعد حب

سيأتي وقت
تستقبل فيه نفسك بسعادة
عند الباب
و أمام مرآتك
و يبتسم كلاكما لترحيب الآخر..

و تقول لنفسك اجلس, كُل.
ستحب مرة أخرى الغريب الذي كنته.
ستقدم له النبيذ
و الخبز
ستعيد قلبك
إليه,
للغريب الذي ظل يحبك
طوال حياتك,
الذي تناسيته لأجل آخر
يحفظك عن ظهر قلب..

التقط رسائل الحب
من رفوف المكتبة,
الصور و المذكرات الحزينة
قشر صورتك القديمة عن المرآة
و اجلس محتفيا بحياتك.

قصب سكر البحر

نصف أصدقائي ماتوا.
سأخلق لك أصدقاء جدد (قالت الأرض)
صحت: لا, أعيديهم إليّ
كما كانوا,
جميعهم
و بكامل خطاياهم..

يمكنني الليلة سماع أصواتهم
تتسلل إليّ من خلال أمواج البحر
المتكسرة بين أعواد القصب..
فيما أمشي وحيدا
بين أوراق المحيط المضاءة بالقمر
أسفل الطريق الضبابي
ولا أستطيع التحليق
مثل بوم حالمة
تتحرر من ثقل الأرض.

آه أيتها الأرض
أصدقائي الذين ابتلعتهم
أكثر من الذين سأحبهم.

قصب سكر البحر
اللامع بين الفضي و الأخضر
كانت أعواده مثل رماح النار* في إخلاصي
انبعث من رماده شيء أقوى
يحمل حكمة حجر مشع
يضيء القمر
أبعد من الخلود..لا ينطفئ
جامح كالريح
التي تقصم أعواد القصب.

أعيدي الذين أحببناهم قبل أن نحب أنفسنا
أعيديهم كما كانوا
بكامل خطاياهم
حيث هنا
كانوا
أقل طهرا.
_____
* في إشارة إلى السارافيم, و هي مجموعة من الملائكة موجودة في الأديان الإبراهيمية, و في اللغة العبرية تعني النار.

 

حزن في شهر آب

حياة فائضة
مطر غزير
مثل هذه السماء المتورمة
في آب الحزين..
فأختي الشمس راقدة في غرفتها الصفراء,
و لن تبرحها.

كل شيء في طريقه إلى الجحيم
الجبال يتصاعد منها دخان
مثل بخار المياه حين تغلي..
و الأنهار تتدفق
إلا أنتِ يا أختاه
فقط
لو تشرقي
و توقفي هذا المطر.

في غرفتها,
تتحسس أشياءً قديمة..
قصائدي
تقلّب صورها
و بالرغم من ذلك
يدوّي الرعد
مثل تحطم صفائح ارتطمت في السماء.

لم تأتِ يا أختي..
ألا تعلمين أنني أحبك
و أنني عاجز عن إيقاف المطر؟
ها أنذا أتعلم بصبر
كيف أحب الأيام المظلمة,
و التلال المغمورة بالبخار,
و الهواء الملوث بطنين البعوض
و أن أتذوق المرارة..

عندما تبزغين يا أختي
و تفرقين حبات المطر
بجبينك المورد
و عيونك الغفورة؛
سيتغير كل شيء..
لكنها الحقيقة
– لن يدعونني أحب كما أريد-
سوف أحب الأيام المعتمة
مثل الأيام المشرقة
و أفتن بالمطر الكئيب
و التلال الضبابية
مثلما حدث أن أحببتكِ و امتلأتُ بالسعادة.