Category: مذكرات الليل
أرملة السراب
” يأتي و لا يأتي
ذئب الليل
و لأن نجوم يوسف قريبة من الأرض
فإن الدم مضيء “
كان ليله مسكونا بالوجع و الشبق.. كان يحبُّ أكثر من مرّة, و في كل مرّة كان ينكسر أكثر من امرأة, عوى من شرفته ” تعالي أنتِ وحدكِ عارية من أسمالهنّ “, من بعيد جاء لاهثا إلى ثلوجي, اتفقنا على لون واحد للثلج و هو ” الليل “, و صغنا معا آخر المواعيد.. صاغ من النجوم موته الجائع, و ألقى عليّ وصيته بأن أكبر بدونه مثل الحياة.
(2)
يمشي في الضباب الصباحي, على كتفه معطف الشتاء, أمامه ماضيه و خلفه مستقبل حدّثني أنه سوف يكون ” مثيرْ ” لو أنفعل مع جنونه و نوبات خياله.. قلتُ ” لا “. تبعني حتى اختنق وعيي, استسلمتُ و أكملنا المشي معا في ضباب سرمدي..
(3)
عرضَ عليّ أن آكل من لحمه, سرتْ قشعريرة طويلة امتدت في عمودي الفقري, أرعبني كلامه. الآن, بعد كل الأيام التي مضتْ, ندمتُ, كيف تركتُ لحم قلبي يأكله الفراغ؟.. ليتني أكلتكَ يا أنتَ ( )
(4)
هي منامات البحر, هي عشب الغيوم, أو أو أو هي شهوة العواء, تبتلع الخراطيم الصغيرة قرقعة النراجيل, بدأت الفوضى تتخلى عن المقهى, يبقى الرجل في مكانه قرب النافذة, يتهيّأ لاحتواء جزيرة عوائه, النادل يستعدّ للدهشة و الخوف.. كأنها هيَ, سيّدة الحواس, تدخل المقهى, أحيانا طفلة و أحيانا امراة و أحيانا كهلة و أحيانا شجرة و أحيانا ارض و أحيانا ليل و أحيانا ليل و ليل و ليل
(5)
قالت: لا حزن يعوّضني عن الذي فقدت. كانت محاطة برائحة الماضي و عويل الرياح, يكفيها وردة لتتذكّر أن المقابر تحتوي أسرارا كثيرة من بينها ” الحب “.
(6)
كنّا كلّما اقتربنا من الحلم؛ ينكسر الليل و ننام على غصن لا يشبه الشجر.
(7)
في الطابق الخامس.. كانت السماء قلقة, و أنتَ مطمئن, لأنني أحبكَ كثيرا و لا أعترض على طريقتكَ الغامضة و المدهشة في الحب!..
(8)
الذي أفتقده, جاءني اليوم على هيأة غبار ناعس, مدّ إليّ يديه من بين الفراغ, ابتسم لي ابتسامته الخفيفة كالطيف, لمستُ أنفاسه, تحسّسَ اشتياقي, عدّ أصابع غيابه و عاد إلى مكانه البعيد.. عوْ
(9)
أحتاج إلى قتل.. إلى قليل من الموت, حتى أنهض من عواءٍ يأتيني مطعونا بالغياب, يقول لي: الريح حول قبري باردة و جافة فاحرقي النصوص و أسرار الليل !!
(10)
عَوْ
عروس حيفا !
لمَّا أكبر؛ بدي أحبّْ شبْ يكون اسمه غسّان, نتجوّز و نرجع مع بعض ع حيفا..
شجرة طائرة
في شارع دمشق بغزة نتّجه إلى وزارة الخارجية لأجل توقيع يُقال أنه ” لازم “, تتأبّط مريم شهادة الهندسة المعمارية, تتأبّط بيوت غزة و شوارعها و بقايا حربها و حزنها.. تتأبَّط عمارة تهيل بالقرب منّا و ندخل مع ذكرياتها بوّابة الوزارة حيث ينتظرنا وقت طويل كي يصل دورنا و يُوقّع ذلك الموظّف المتعجرف ” الشهادة ” .
طابور طويل يصطف أمام نافذة صغيرة يطل منها رأس فارغ من التفكير, همّه الأول هو الخلاص من ضجّة الناس المنتظرين توقيعه.. يرتشف كوب النص كافيه, على مهل, و المساكين أمامه ينتظرون.. مريم تنتظر التوقيع بتذمُّر و قليلا من الصبر, بينما أنا أبحث في ملل الانتظار عن طائر مزروع أو شجرة طائرة!.
في عزّ الظهيرة نقف بثبات أمل و هزال عربي ذليل, و أخيرا جاء دور توقيع ورقتنا.
نحتفل بالتوقيع على مائدة هي مجرد برميل ماء متصحّر, نشرب كوبين بلاستيكيين من عصير الجوافا البارد و نترك الكوبين يعانيان من الجفاف على البرميل, ثم نتّجه إلى بريد أرامكس.
سنرسل الشهادة الموقّعة من وزارة الخارجية إلى الامارات العربية الغير مفكّكة, نزعتُ ورقتين من دفتري, ورقة لرسالتي إلى أخوتي هناك, و ورقة لرسالة مريم إلى خطيبها, كتبتُ أشواقي إلى أخوَيّ, و رسمتُ لهما طائرا و شجرة, أمّا مريم فكتبت لخطيبها موعد الزفاف و أخبار معبر رفح.. وضعنا الشهادة و الرسالتين في ظرف ورقي و قبل أن تلصقه موظفة البريد تذكرنا صورة أمي و أبي, وضعناها في الظرف و ألقينا التحيّة على الغربة..
بعد أيّام سيستلم أخي الظرف و يقول ” ياااااااااه شو اشتقت لاختي “.
أسرتي تنقص فردا فردا, أخوتي يسافرون و لا يعودون, ما أصعب الاغتراب. مريم تُعدّ حقيبتها للسفر و الإقامة في دبي, و أبي يهيّئ نفسه للسفر إلى ألمانيا و الاطمئنان شخصيا على ابنه هناك الذي سيصبح فيما بعد طبيبا جراحا, أمّي سترافق مريم إلى الامارات و تحضر حفل زفافها ثم تعود.. وحدها أمي تعالج كبد شوقها بكبد الأمومة و العودة.. كم أحنّ إلى عتمتي الأولى, إنها رحم أمي.. هذه المرأة التي أعطتنا من عمرها أكثر من عدد السنيّ التي تعيشها, كم تعيشين لأجلنا..
في طريقنا إلى البيت, ألقيت عينيّ من نافذة السيّارة كي تبحثان في غزة عن طائر مزروع أو شجرة طائرة! .
قلتُ له إن وجدتها سأعلّق على غصنها البعيد رسالة, لم يسألني عن الرسالة, و انهمك يصفُ لي لحظة نزوحه من فلسطين.
مقام الخدش -3-
مع قلبه و خوائه
وحيدا يكتب القصص..
قصيرة, عن شتاء و صيف
و قمر مكسور على
نافذته
بالقرب من سريره
(3)
يحلم
دائما يحلم
بغير المستحيل: يحيكه لهُ القَدر
امرأةً و ضجّةَ بيت
و طفلا يخربش دفاتره
و بنتًا بجديلتين تتشاجر و تقول ” بابا “
(4)
طوق الياسمين حول عنق الحمام,
الحمام الذي يتحوّل ليلا إلى سلام..
.. و في الصباح يصير قلبكَ
و يطير
يطير الحمام
إلى أغنيات فيروز
و شِعر درويش
(5)
في الابن الأخير
أعني “الكتاب”
كتابك الذي شاختْ نساؤه
قرأتُ شابا
يضيع ليصلي
يبكي ليشعل غابة السماء
و ينهمي المطر
هناك رجع صدى لطفولة بحر
و موج يتسيّد الوحدة
(6)
حولَ اصبعك
خاتم الغياب .
غِبْ عن المدن الحاضرة
و اسدل ستار وحدتكَ على حضارة الندى
عتمة تملأ فراغات
بلبل يهدي السنونو صوتَه
في الغياب
امرأة غائبة
تزرع من الشمس حضوركَ
(1)
هُوَ
مَقطَع من سيرة ذاتية لكائن ليليّْ
قال: بل أنا كائن خرافي.
قلتُ: أنتَ تكتبُ إليّ أشعاركَ في كل زاوية و مُخيّم.. فاكتب لي و لو مرّة بالخطأ قصة عن غربتنا و غرفتنا في شجر الكلام.
قال: أنا أكتب لامرأة.
قلتُ: العُمر يمرّ بمرارة و الليل ينمو في عينيّ, فاكتب قبل أن ننتهي بَعيدين و قبل أن تأخذنا النهاية إلى محطة تتذكّر فيها كلمة لم تكتبها/تقلها لي..
قال: أنا كائن خرافي أكتب لامرأة.
قلتُ: أعيش على ما تكتبهُ إليّ, علّمني الحياة بدون كلماتكَ.
قال: أنا ميّتْ.
قلتُ: لا تتوغّل في الإبهام, أفهمُكَ جيّدا, الإنسان ما عاش إلا حُبًّا في البقاء, فكيف نبقى و نحن نعيش لنموتْ؟!
قال: الوردة الأخيرة على قبري, كانت ثقيلة على جثتي.
قُلتُ: ساعدني في شدّ النسيان.. هيّا لنرميه في ذاكرة لا مستقبل لها.
قال: لا ترددي الشّعر على قبري.. أرجوكِ, و لا تقرئي كلماتي فأنا أسمعكِ الآن بوضوح و جثتي تزداد تحلُّلا كلما قرأتِ أكثر..
قلتُ: سأمشي مع هذيانكَ و أبشّركَ بأن الليلة الماضية أمطرتْ السماء و الأرض, كلتاهما أمطرتا, بغزارة, وددتُ لو أبحر إليكَ عبر المطر, لكنّني لم أستطع فقد كان القمر غليلا و شرب كل المطر.
قال: أنا أتحلّل.
قلتُ: مجرّد حبّ غريب يأكل من لحمكَ و من لحمي.
قال: هذا يكفي, سأكتبُ إليكِ كلماتي المحروقة بالزيتون و الزعتر.. اتركيني في قبري شاعرا و لتكوني امرأة تعيش على موتي..
مواعيد مؤجلة
الأحد
ربطتُ قدمي في نافورة الجامعة حتى لا أفلت إلى البيتِ إلا و أنا مارة على كل محاضراتي حسب الجدول المسجل. لكنّ صوتا ما فكّ قدم حضوري و أعلنت الجامعة عن تعليق الدراسة احتجاجا على تأجيل ” تقرير غولدستون “!
منذها و أنا أتهم صديقاتي اللاتي يُؤجلن مواعيدهنّ معي بِـ ” الخيانة ” .