Category: مذكرات الليل
سأبيع فراشاتي
حقًّا؛ إنني أتصوّر نفسي بعد أيام و أنا جالسة على الرصيف و أنادي ” من يشتري فراش.. الفراشة بشيكل “, و إن لم يشترِ المارة مني فَراشا, فإنني سأخفض سعر الفراشة إلى وردة, خذوا فراشة و أعطوني مقابلها وردة.. حتى و إن كانت بشتيمة !
هل بيع الفراشات سيكون مشروعا ناجحا في سبيل الحرية؟
صديقتي تصفّق لأجل أفكاري المعتوهة و تصيح ” أخيرا سنقيم في غزة عنبرا للمجانين”
…
و لماذا؟
قبل فترة اقترحت على الشاعر إبراهيم نصر الله أن يأتي إلى غزة عبر الأنفاق.. لإقامة أمسية شعرية, كذلك يوسف عبد العزيز.. و محمد نصر الله.. كلما تعرفت على شاعر أو رسام, أنهي حديثي معه بدعوة إلى المجيء إلى غزة عبر الأنفاق!, قلتُ لإبراهيم جابر إبراهيم أن يأتي, لكنه يتصوّر غزة مثل غيمة زرقاء بعيدة..
ثم اختفت أصوات شعرائي و تلاشت في هواء غربتهم و لجوئهم.
…
بقيت صديقتي حزينة على فراشاتي المسجونة, يا كوثر الحرية حمراء و ليست فَراش, لكنني مصممة على فكرتي, و سوف أطوّرها إلى افتتاح شركات و مراكز خاصة لبيع فراشات الحرية.
بذلك؛ من الممكن أن أسيطر على العالم بطريقة مبتكرة و بريئة جدا, لا أعتقد أن محاولات بنكي و برين أفضل مني حينما فكّرا بالاستيلاء على العالم بمختلف الطرق المجنونة و الذكية و الغبية أيضا !
…
لن أتراجع عن فراشاتي.
ترابك يا وطن
ربطتُ جديلتي الطويلة بطرف الشباك كي تأتي بطريقة قصصية لكنّ الريح قصّت شعري..
و بقيتُ أنتظركَ مثل شُرفة في كُم المخيم, أعدّ النجوم كي لا أنام, أقول هذه العتمة وحيدة مثل كوخ بعيد, و أنام في ضوء دمعتي..
أعطِني عينيكَ, أريد أن أرى زقاقا غير الذي يعود منه أبي آخر النهار برغيف خبز و قطعة جبن من حليب ماعز ليس من أرضنا..
أو
دلني على رصيف يديك, حتى أمشي بثوبي المطرز إلى نبعة صغيرة تتجمع قطراتها الأخيرة بين أصابعك.. أغسل بها وجهي من آثار غيابك, و أواسي حضوري بفجر بارد يحمل اسمك..
….
أعرف أن الله واحد, و أنّكَ كثير بي, و أن السماء بطبقاتها السبع فيها ألف ليلة و أنتَ..
تخيّل إذا النجم هوى؟.. إذا لم أتعثر بالمخيّم.. أحلى ما في اللجوء أن الحب فيه وطنا لا يلغي فلسطين.. تخيّل.. أيضا تخيّل كيف يتعطّل بحر غزة إذا سرقَ حنيني إليكَ منه موجة!, أنفاسي تنفخ الريح في أشرعة السفن, يبحر الصيادون إلى جهة رسالتي مع زجاجة تتمزّق فيها ورقة و تبهت ملامح الحروف الأولى من اسمي..
….
أتذكر ذات لقاء عند نقطة التفتيش, قلتَ أنّ عنقي قد تغيّر, و صار يُشبه سلما وحيدا في قصر أميرة مهجور, لم أخبركَ بأنني صنعتُ من كريات دمي عقدا حول عنقي… أقول ” هذه أسماء اخوتي الشهداء”..
كنتَ تنقّي صوتكَ من الحزن, و تعلّمني بضحكاتك الحالمة دروسا في المحسنات الترابية..
….
منذكَ, صارت ضحكتي كرم عنب و الكلام عنك زيتا في مشكاة المخيم .
حين أستيقظ ينام العالم
أكلتني النجوم
الآن أنا ضوء يرى كل العالم
الجنود و البنادق
البحر
السلام
الحرب
حتى إنني أسمع حكايات الجدّات
إنها تصلني مزدحمة بنعاس الأطفال
حسنا,
سأروي لكم قصة تحوّلي
في الأصل كنتُ نهارا جميلا
( كان من الممكن أن أكون الآن عشبة تنبت في مكان بعيد..
حيث لا شياطين)
لكنّ الشمس خبّأتني وراء ظلها
اختفيتُ كالغياب في اسم وردة
و حين أستيقظ ينام العالم
ليلي طويل
منذ الأزل
انهضوا أو لا تنهضوا !
القدّيسة النائمة في بنفسجة متعبة
اشتقتُ إلى هذه المساحة الضيقة من الفرح, تنحشر بين شهقاتها حبات لعاب مز, تلطخ أصابعكِ و تسيل حتى سجادة صلاتكِ..
اشتقتُ إليكِ, تخربشين زجاجات العطر بأنفاسكِ, ترسمين بعينيكِ وجوها كثيرة للشمس, أجملها سعادتي بالسمكة التي تسبح في مكان ما من جسدكِ..
البحر في صخبكِ لا ينطفئ, يُشعل فتيل الموج فتلتهب مراجل الكون إذا ما لامس ماؤكِ شاطئ الصحراء في رجالهم.. أنتِ يا القدّيسة النائمة في بنفسجة متعبة..
أهلكتِ ظِلّ العمارة بخطواتكِ, كل صباح تمرين عن الباب, ابتسامتكِ الطفلة تُقاس بتهوّركِ في تحيّات الصباح للعصافير, كلمات غير مرتبة, ترمينها للطيور, و لا تلتفتين إلى العمارة..
يركض الشاب مسرعا, الدرجتان يختصرهما في درجة, حتى آخر الدرج, يتذكّر أنه لن يجدكِ.. أينَ تختفين؟ أي منعطف يبتلعكِ؟
اشتقتُ إلى باقة رمل من أرض جسدكِ, مثقال ذرة منكِ تحيي الفرح و هو رميم..
شجرات الحي, نحلات الخريف, سيّدات الصيف, شعراء الغيب, أنتِ.. أي شيءٍ تشبهين؟, الشعراء في مرض مزمن في وصف عزلتكِ.. أي شاعر أو مجنون يستطيع انتشالكِ من بين جثث الفراغ و ركام العتمة؟
اشتقتُ..
كعبة الأحزان و البلاد
● ● ●
ففي 15 أيار تصير دموعي عناقيد عنب, و وجهي كروما خضراء, و يدا حبيبي على يديّ تدُقّان باب القيامة..
جدّتي تحوّط الدار بذراع الذكريات, كان لنا حقل و نبع و مختار, و بين الأحراش ثمة فلاحة فلسطينية تموّل لشاب ظريف الطول..
و أنا هنا لا أقول ” تعالوا أحكي لكم عن فلسطين” !
فلسطين كعبة الأحزان و البلاد, كل يوم يحج إلينا شهيد.. قوارير الورود مهددة بالقصف و عصف غضبنا يهز جذوع النخيل, فيثمر الحجر في يد الطفل تمرا و يولد من نار أجسادنا ألف قتيل..
على سور عكّا ارتاح الموج, البحر مشغول بكتابة رسالة إلى ميناء غزة, مثل الرُسل كانوا, يا ويل الليل من عشق يضخّ الدم في أوردة الأرض..
عندنا بين الليل و النهار اختلاف الروح حول جسدٍ و مدينة مزيّنة بضحكات النساء.. هذا يعدّ أصابع يديه قبل مصافحة الشمس و هذه تتفقّد ساقيها بعد رقصة الوداع.. ربما سوف تغني العصافير و يرجع لون الصباح إلى فناجين القهوة..
قليلا من البرد و كثيرا من أمي.. النعناع ينبت في جدائلها, و الريحان يفوح من حضنها, أمي التي ترعرعت في عمرها ستون نكبة و كوكبان من الأمل و الحلم المتعربش في وتد الخيمة.. الأم التي تذهب كل خميس إلى قبر أخي الشهيد, و تسلّم على أصدقائه الشهداء و توزّع الآيات و الياسمين على كل القبور.. تقرأ الفاتحة نفسها التي ننطقها مثل الشهادة.. نتعلّم فلسطين في كل حين و قبل الحبو إلى زهر الحياة..
قفوا نبكِ من ذكرى حبيبٍ و موطنِ..
من ذاك الزقاق عرجتُ إلى صخرة الحياة و حملتُ الوطن حبا على وجع,
كان لي شمس و وطن, و الآن لي ليل و مخيم.. و غدا لي كل شمس و وطن .
صباح بارد
البرد يجتاحني من كل شيء, من الشتاء و من المقعد الخشبي و من صوت عصافير هذا الصباح و من الدفاتر و الكتب و الذكريات.. من أشياء كثيرة أعرفها و لا أعرفها, ألتحف بردي و أكتب مذكراتي, ماذا سأكتب بعد أن تلاشى الدفء؟, ألتقط أوراق شعر لناظم حكمت, أقرأ موته في المنفى و حياة باردة تشعل الظلال نارا, أتململ و أتسلى بقصائد ليوجين غليلفك, خبزه و موتاه أكثر من أشيائه..
يرن هاتفي النقال, أشعر بسعادة هدوء يخترقه الصخب, أزداد بردا, كانت مجرد رسالة وصلتني من إدارة الجامعة التي أدرس فيها, ينبهونني برصد علامتي في مادة الأدب, برد..برد.. أقع في القاع, علامتي أقل من النجاح بكثير, لستُ حزينة على رسوبي, لستُ مبالية بفشل دراسي, صوت الشيخ إمام يرتفع مع قصيدة أحمد فؤاد نجم ” هما مين و احنا مين”؟..
يتصاعد من فنجان فمي بخار بارد, كلماتي تتحوّل إلى عشب ينبثق من بين جروح الأشجار, تنبت في ذاكرتي ليلة بعيدة, قضاها قلب بعيد في الطابق الخامس, وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان, وحدن بيقطفوا ورد الزمان..
كان قلبا مريضا و لكن لم يُغلق الغابة.. انتشر الأطباء حول السرير و أعلنوا موت آخر نبضة, أتى نبأ من غريب أن احملوا القلب إلى مخيم آخر و قدر أخير.. كانت الساعة الواحدة و كانت غرفة رقم 207 تلعق نبضات قلبي, هل تذوّق أحدكم طعم ليل لا يعني ليل الكائنات؟ .
تلتف الطرقات حول رأسي,
فيروز تغني و أنا أدعي الدفء
بارد هذا الصباح ..
صباح الاثنين
8/2/2010
