قصة أحلام جديدة

الغرفة هادئة جدا, موسيقى عالية جدا, شبّاك واحد دائما مفتوح للشمس و القمر و العصافير و لكل شيء.. لديّ هنا أوراق و أقلام و طاولة صغيرة تتسع لديوان شِعر و فنجانان من القهوة, أرتشف فنجانا و أسكب الآخر على بلوزتي, في هذه الغرفة تحدثُ أشياء كثيرة, بعضها حقيقي و معظمها معجون بالأوهام و الخيال, أشياء أشبه بأساطير بعيدة و خرافات جبلية ..
رجال يعبرون غرفتي, أحيانا من الباب, و أحيانا من الشبّاك, يحملون لي بنادقا, أو هدايا, أو حبا, أو شرا.. الخيبات هي الحظ الوافر من مجيئهم. يأتون بلا موعد, و هكذا يذهبون.. لا يعودون.. النهايات معهم, و السعادة أيضا.. لكنهم ضباب, أمدّ يدي في عدَمه, فلا أمسك بشيء و لا أشعر إلا بالندم و الحزن..
الهدوء يعتمر سقف الغرفة,
كلامي قليل و صمتي شكله الوحيد..
تكلّم أنتَ و ابدأ بقصتي الجديدة .

بنت بعدد النجوم !

أنا بنت اسمها كوثر, لكنهم ينادونها بِـ ” مجنونة “, أخبرتني صديقتي أن هذه البنت تدرس الأدب العربي في إحدى الجامعات بغزة, عمرها الآن وصل عشرون سنة, تحب الله كثيرا رغم أنه لم يُعطها ما تمنته في تلك الليلة حين نامت وحيدة في حضن الدموع, هذه المجنونة كائن لا يُرى, تمشي في الشارع معك, ترافقك إلى أمسية شعرية, تشاركك ارتشاف فنجان قهوة في مقهى مزاج, تختار لك قميصا و ياقة مناسبة من مجمّع اللولو ثم تصيح ” آه.. لا هذه الياقة أجمل.. اشتريها”..
تقول أمي أن كوثر ابنة مطيعة و تحتفظ بسر ما لا تُسرّه إلى أحد و تخفيه حتى عن أمها, مجنونة تألف و تكتب بشراهة كأنها طائر جارح يعيش على لحوم الغزلان!, إنها تكتب كي تتخلّص من كراكيب العالم و عتمته, و الكتابة عندها لا تصل إلى حلم بأن تصبح كاتبة أو شاعرة, حلم الكتابة عند هذه البنت يكمن في عزلتها عن الكُتّاب و تفادي لقائهم, الكتابة في دفاتر كوثر تشبه الاستحمام من عرق صيفي مالح, تقول صديقتي الشجرة محتجة ” لو أنّ أغصاني تستطيع أن تمد يدها لتصفع كوثر “, لكن كوثر بعيدة عن كل شيء مثل خرافة مسرفة في خيالها..
البنت التي ناداها الناس باسمي فكنتُ هي, و كانت كوثر..
بنت مفرطة في الغيب, يُعاني العالم من وجودها و سيكون كل شيء بدونها أجمل, أتساءل ” لماذا أنا الآن أكتب عن كوثر ؟ “, كان من الأفضل لي أن أكتب عن أمي و أبي.. صحيح!, ألم أخبركم بأنني بيتوتية و الكتابة لدي ليس لها طقوسا معينة, هي مجرد عادة رائعة تلبستني منذ الصغر, فعل عادي و يومي, مثل غسل الوجه بعد النوم و مثل الحاجة إلى الماء و الطعام و الهواء..
أريد أن أحكي لكم شيئا, كثيرا فكّرتُ في الانتحار, ( لا داعي لذكر الأسباب لأنه انتحار شخصي ),لا أخاف الموت, لكنني أخاف الحشرات كثيرا ! .

أما هذه المدونة ؛
فهي كتابُ عقلي و قلبي, يحتوي كل فصول خيالي و حقيقتي و هدوئي و انسياب غموضي.. لا أعرف من يفتح هذا الكتاب و يقرأه كل يوم أو كل أسبوع أو كل سنة أو ” و لا مرة ! “, ما يهمني من القارئين العابرين و الخالدين لكتابي أن يعتنوا بأساطيري و أغنياتي كلما لامست حواسهم و جرحت دهشتهم و أطفأت نومهم, أحب أن تقلبوا الصفحة عن كلمات مطمئنة لعيون منسية في حروفها .

هذه كوثر .

سطل قهوة في إسطبل الحمير !

كما لكل شيء تاريخ حتى أرذل الشخصيات لها تاريخ يُذكر في الكتب و أحيانا يتحوّل إلى مجد و احتفالات و مهرجانات جدية أو تهريجية, فللحمار أيضا تاريخ زاخر بالعبر تارة و بالسخرية تارة أخرى. تقول كتب التاريخ أن الحمار وجد لأول مرة في الصومال منذ ما يقارب ال 12 ألف سنة, و في خلال 1800 سنة وصل الحمار إلى الشرق الأوسط, و حاليا يتواجد في العالم حوالي 44 مليون حمار ! .
يحظى الحمار بشهرة واسعة أكثر من غيره من الحيوانات, فمن ناحية الاستعمالات, استفاد الإنسان منه كثيرا في شتى المجالات: اقتصاديا و طبيا و سياسيا, و حتى أدبيا !, فمن الناحية الاقتصادية صارت بعض الشركات تستخدم لحم الحمير في إنتاج معلبات خاصة للحيوانات الأليفة كالقطط و الكلاب و كطعام للحيوانات المتوحشة كالنمور و السباع. طبيا: أثبتت الدراسات العلمية انه يمكن استخلاص عقاقير ومنشطات جنسية من جلود الحمير دون أية آثار جانبية, و سياسيا جند الحمار في الحروب و في مهمات تهريب الأسلحة كما في العراق و أفغانستان, بينما استخدم في المقاومة الفلسطينية لنقل الحجارة و لتفجير القنابل عن بعد, و في الحرب العالمية الأولى, عام 1914 استخدمه البريطاني سيمسون في القوات الاسترالية الإمبراطورية كإسعاف لنقل الجرحى و المصابين!.
في المعابد المصرية القديمة, رسم اله الصحراء على شكل حمار, و في الأساطير اليونانية ظهر كرمز لتبجيل المتعة, و في الرسومات المسحية يظهر المسيح ممتطيا الحمار, و في العهد القديم سمي ملك نابلس ” حامور” .. كما أنه ذكر في القرآن في أكثر من سورة مثل سورة لقمان و البقرة و فاطر و النحل و الجمعة..
أنقلك الآن عزيزي الإنسان إلى حميرنا الثقافية, فالحمار لم يفلت من حمل أسفار الروايات و القصص و الأشعار, أقدم حمار كُتب في تاريخ الأدب قرأناه في رواية ” الحمار الذهبي ” التي كتبها لوكيوس أبو ليوس في القرن الثاني الميلادي, و في القرن الثامن الميلادي ذكر الحمار في ” كليلة و دمنة” لابن المقفع, و في عام 1945 كتب جورج أوريل روايته ” مزرعة الحيوانات ” و جاء فيه الحمار بنجامين, و كان للحمار حظه الوافر في أدبنا العربي مع توفيق الحكيم في حياته الشخصية و في كتبه: “حمار الحكيم”، و “كتاب حماري”، و “قال لي الحمار”.. كما رافقنا الحمار في رواية “المتشائل” للروائي الفلسطيني إميل حبيبي, و في الشعر العربي صرخ شاعر قديـــم: ” لقد ذهب الحمار بأم عمرٍ…فلا رجعت ولا رجع الحمارُ”, و في لافتات الشاعر الثائر أحمد مطر نقرأ:
وقفت في زنزانتي
أقلب الأفكار
أنا السجين ها هنا
أم ذلك الحارس بالجوار؟
فقال لي الجدار
إن الذي ترثى له قد جاء باختيار
وجئت بالإجبار
وقبل أن ينهار فيما بيننا
حدثني عن أسد
سجانه حمار.
نختتم ثرثرتنا حول سطل القهوة بأبيات شعرية لأحمد شوقي, يقول فيها:
سقط الحمار من السفينة في الدجى …. فبكى الرفاق لفقده وترحموا
حتى إذا طـلـع النـهـار أتت …. به نحو الســفينة موجة تتقدم
قـالــت خذوه كما أتاني …. سـالما لم ابتلـعـه لأنـه لا يهضم .
الآن أترككم مع فاصل من النهيق الطويل !

أجنحة الملائكة

شباكي الصغير, لا يحتمل كل هذا الضوء المتدفق من الخارج,
يا رب.. إنني أسمع انفجارات قريبة من بيتنا الوديع, خذني على أجنحة الملائكة فأنا لا أريد أن أعاصر حروبا جديدة في أي مدينة و طريق .
الطائرات تحاصر السماء و تسرق نجومي التي لعبتُ معها لعبة العدّ و الحكايات. تعالي يا جدتي, احكي لي قصة عن السلام .

الوله الشرقي

ثلاث دفاتر من الوله, انتبه انه ليس ولها تركيا*, أكتبُ بقليل من الصبر ثم سرعان ما أمزّق أوراقي, ثلاث دفاتر.. ثلاث عيون تتدحرج من رأسي و تبكي على أصابعي.. ثلاث ساعات و أنا أكتب هذه المذكّرة .
أنتَ تقرأ الحروب الصليبية, و أنا أعدّ صفحات الكتاب, أين وصلتَ؟ متى ستنتهي من قراءته؟, لطالما كرهتُ كتب التاريخ, و أصبتُ بغثيان لمجرد اقتراح أن أتخصص في الجامعة ” تاريخ “, مرضتُ كثيرا بسبب التاريخ, تخيّل أنني لم أقرأ رواية ” الحرب و السلم ” لأنّ اسمها له علاقة بالتاريخ, الآن أنا أكرهكَ و حزينة جدا..
أشعر بانخداع هش يطرقُ بابي الوحيد, لو كنتُ تاريخا أو صليبا.. سأحظى بحب أوفر من هذا, أبدا يا بلهاء, دعيه الآن يتابع قراءة الكتاب و اذهبي إلى حفل زفاف صديقتكِ, كالعادة ستدخلين الصالة المضمخة برائحة النساء و لن تلتقط حواسكِ غير رائحة واحدة, هي رائحة هذا الرجل الغريب..
* ” الوله التركي “
رواية للاسباني:
أنطونيو غالا

صيف بأصابع متجمدة

أنا الآن في إجازة عن الدراسة و الأصدقاء و الأماكن
إجازة طويلة أتمنى أن لا تنتهي..
لا تنزعجوا من عَدَم صوتي
حنجرتي ليست للتوزيع
و لا أملك شيئا غير الغناء
كان عليكم أن تمشوا على أطراف أصابعكم
أعني أصابع أيديكم
حتى تلمسوا جيدا هدوئي
و عزلتي الخفيفة مثل قميص بارد

تعب أمي و ذكريات برائحة الزعتر البري

نفسي اعرف شو صار لبيتنا الصغير اللي تركنا في الناصرة قبل سنين, كيف صار شكل الجبل؟ و يمكن تغيرت ريحة الزعتر؟.. قديش كبرن صحباتي و صرت عندهن مجرد حكاية لاولادهن.. يا الله حتى ما احضرت عرسهن, كان نفسي اعيش مراحل عمري معهن و أكتر شي كنت استنى اليوم اللي نوعى فيه ع الحب و ننسى اللعب تنحب حتى ننهم.. يا الله بس هم الحب مش زي هم الاحتلال. اسا انا اتزكرت.. دايما بتزكر, سلامي للناصرة و تعب امي في عين حوارة..