الوحيدون كذّابون !

حين تسألونها عن الوحدة, ستقول لكم عندي أخوات كثيرات..
لا تصدقوها فهي وحيدة, لا أخ و لا أخت لها.. تنام وحدها في غرفتها, ترقص وحدها تغني وحدها تمارس الحياة وحدها..
إنها شقيّة و مشاغبة و تتحلى بالأخلاق و المحاسن الصفيّة, لكنها كذابة..
لا تصدقوها.. ليس لها أختْ.
سامحها لأنها لا ترد على اتصالاتك ليلا بحجة أنها تخاف من أختها الكبيرة؛ لإلا أخبرت أباها بأن أختها تتصل مع رجل في “نصاص الليالي”..
هي وحيدة.. هل كل الكائنات الوحيدة تكذب!
1:18 صباح الثلاثاء
2/6/2009

الصبية التي ستقول…

الآن..

الليل يمشي إليّ صامتا حزينا يطفح على وجهه سر غريب.. يلقي على سريري ظل رجل غريب.. و أنا امرأة غريبة.. خبيثة و طيبة و لا تعرف كيف تحب أو تعطي قبلا أكثر مما تأخذ من الآخرين شفاها..

كلامي غريب.. أكتب مذكرتي.. لأول مرّة أكتبها و أنا أضحك أقهقه.. الكل نائم.. بعضهم حالم و بعضهم يصرخ في كابوسه..

يفصلني عن أمي المطبخ و باب الغرفة.. هي أيضا نائمة, لو تعلم ما أكتب.. لو يقرأ أبي هذه المذكرة.. لو يسرق أخي أوراقي و يضعها على مكتب أبي.. لو يخبرون أهلي ماذا كتبت ابنتهم الصبية و عن ماذا كتبت.. من يا إلهي سيفضح مذكراتي؟..

رأسي ثقيل.. وزن النعاس يساوي كمية سهري التعيس.. كيلو تفاح و حبة كرز على لسان رجل خفيف العقل طائش يمشي أثناء نومه!..

قولوا لي:

ماذا أنا أكتب الآن؟

هل أنا حقا صبية ستقول…

دائما أنا ساكنة و هادئة و صامتة..

ثرثروا معي..

ربما يتحرك لسان الصبية قليلا فتسمعوا صوتها.. ربما تكتشفوا محيطاتها و بحارها و غاباتها..

ليلي يحرضكم على اختراقي.. ثمة أطلنطا يربض في مكان ما داخل الصبية.. خذوا عنها فكرة الحب.. فكرة الصمت اللذيذ.. فكرة الانتحار السريع..

ها أنذا أمزق كتبي الجامعية.. المنهج المقرر لا أحبه.. كتاب البلاغة لم أشتريه و سأرسب في الامتحان إن لم أدرس.. فلا كتاب معي ولا ملخص و لا أي علم بالمادة؟.. تلميذة راسبة تكره الدراسة و تحب قراءة القصص و الروايات و الشعر.. أساتذتي لن يرحمونني, و سأهلك أبي في دفع رسوم الجامعة مضعفة..

هسسسسسسس

أنا أهلوس

الحروف تتداخل و السطور تتشابك.. كلام غريب يتكون هنا.. من يقرأ الآن كلامي هذا؟

لا بد و أن صديقاتي سيقرأن مذكرتي, و سيسألنني غدا عن ظل ذلك الرجل, يتغامزن لبعضهن و يحاولن الحصول على معلومات خاصة بقلبي..

وفاء ستقول عني “معتوهة”

نور ستصيح بي “يا الله شو انتي مطنشة العالم”

و أنتَ.. أنتَ.. سأتصل بك غدا و سأقول لكَ ” شو رأيك بهاي المزكرة؟ ”

هل قرأتها؟

 

 

 

27/5/2009

الواحدة صباح الأربعاء

 

 

عشرون ليلة

عشرون ليلة عدّتها على أصابع يديها و رجليها..
و لم تفكر بشيء مطلقا..
الكل منشغل بالحرب و أنا منشغلة بالحبْ.
جنتي تعطّلتْ,
الرجل الذي أقفل قلبي عليه ذهب مع الريح إلى الريح..
و بابي الوحيد
يدق الجنود عليه فلا يفتح.
المفتاح في جيب البزّة العسكرية
البزة..يرتديها الرجل
الرجل في الحرب
الحرب في كل مكان..
و الموت ينتظر إشارة ضوئية من صاروخ أو رصاصة.

البيت الآخر

في مدرسة الوكالة التي اتخذناها كملجأ رسمي لنا, كن النسوة يمارسن حياتهن الطبيعيّة في وقت غير طبيعي.. ينشرن الغسيل على حبل السارية الذي قطعته الشظية, و أحيانا يغلين الشاي على الحطب في ساحة الملعب, و يرتشفنه مع أزواجهن وقت الصباح كلما شدّهن الحنين إلى صباحات السلام و الأمان.. أما أنا فلأن حياتي كانت غير معقولة, كنتُ في سجن تصطفق جدرانه الأربعة عليّ و لا أتنفس غير رائحة الموت, علاقتي بالأشياء كانت بالنظر,أنظر إليها بعينين أدماهما السهر..تعبت من الحربْ. فشلتُ في ابتكار احساس جديد مؤقت يساعدني على التعايش مع الحربْ.. و يئست من العودة إلى بيتنا الذي يعاني من وقوعه في منطقة الخطر, حتى البيت يعاني من الحرب!.
أتذكر ذلك الفجر الحزين الذي تركنا فيه بيتنا و نزحنا إلى بيتٍ آخر في منطقة أكثر أمانا, كان بيتنا في تلك اللحظة مثل حديقة خضراء تغتسل بماء الخريف, لم أتجرأ أن أستدير خلفي و أودع البيت, صعدت سيارة ابن عمتي أيمن الذي سيجازف بحياته معنا و يُهرّبنا إلى “البيت الآخر”.. كانت الطرق تعج بركام البيوت المنهارة على الجنبات, حجارة و زجاج و أعمدة كهرباء و خشب ينفث دخانا بنيا و وديان دماء تجري في منتصف الطريق كأنها الموت الأحمر.. كنا مستعدين لأي صاروخ يقصفنا.. استسلمتُ للبكاء و بكيتْ. كنتُ أموت ببطئ شديد.. ورائي تركتُ بيت الذكريات و مرتع الأحلام و سرير الدفء يوم لا دفء فيه إلاه..
كرهتُ ذلك البيت أكثر من كرهي للمدرسة, و منذ أن وطأته قدماي صرتُ أمقت البحر و العشب الأخضر.. كان البيت الواقع في منطقة الشيخ عجلين في الطابع الرابع من برج طويل- يبعث البؤس و الشؤم بي رغم موقعه الذي طالما تمنيّته: أمام البحر مباشرة و محوّط بحقول العنب و الخضروات و هنا شجرة البرتقال يفوح منها شذى مسكرا..
لم يكن ذلك البيت يصلح للأمان, اختار أبي العش الخطأ لعصافيره الصغار, فالطرادات الحربية تضرب القذائف على السواحل الهاجعة أمام الشاطئ المسكون بالألغام, و الدبابات تجتاح البر و الجيش الاسرائيلي بدأ عمليته البرية المرقمة حربيا بالرقم “3”(أي المرحلة الثالثة من الحرب على غزة).. حزمنا أكياس البقول التي هي قوتنا الوحيد خلال الحرب, و حملت أمي حقيبة الكوشان و كرت التموين.. و مجموعة الأوراق الرسيمة التي تدل علينا “الهوية”, ثم هرّبتنا سيارة استأجرها أبي من أحد مكاتب المواصلات إلى الملجأ الأخير و الوحيد لنا من بعد ذلك البيت: مدرسة الزيتون الابتدائية المشتركة للاجئين. و بالرغم من أن مكان المدرسة كان الأخطر من أي مكان إلا أن ” الموت مع الجماعة أرحم “. و لم نكن هناك وحيدين.. فوجئنا بعشرات اللاجئين النازحين..

بريد ليس للمراسلة !

أيام الحرب كان عنواني البريدي:
مدرسة الفاخورة للاجئين,
الصف الأول ابتدائي”ب”.
تلقيت رسائل صاروخية كثيرة..كانت تصلني ليل نهار من طائرات “إف 16”.. لم أتوقع أن الملاجئ تخيف الجنود..و صرتُ أكرهها لأنها خدعتني و ها هم قصفوها و استشهد الأطفال في ساحة المدرسة حين كانوا يلعبون كرة القدم بعلب اللحم الفارغة.. آه,منذها فقدت شهيتي عن الطعام, و شُطب اسمي من قائمة توزيع اللحوم المعلبة التي توزعها الأونروا علينا..حتى بعد الحرب لم أتذوق لا اللحم المثلج و لا الطازج.. في المطعم ألغيتُ طلب المشويات.. وصرتُ أصاب بغيبوبة طويلة كلما رأيتُ أمي تطبخ اللحم فينقلونني إلى المشفى سريعا.. أخذوني إلى الأطباء النفسيين لأنني معقدة من “اللحم”..
اللحم
اللحم
اللحم
لا أريد أن أتذكر يوم تطايرت لحوم الأطفال في الهواء و رأيتها من بين الدخان الأسود الكثيف تحترق و تشويها النيران كالدجاجات المسكينة..تناثرت لحومهم على الأرض و ترمّلت و بعضها اختلط بلحم المعلبات..

من يوميات امرأة نارية

كنتُ امرأة نارية..أو قذيفة صاروخية..
كنتُ امرأة خالية الذهن..
شياطين ذكية غنّت في أذني و بعد ليلة فسفورية قررتْ الاعتكاف بعيدا عني..
و أصبحتُ وحيدة أمام وحدتي أتعثّر..
شعرتُ بتجمُّد أطرافي و ذهول الثلج من حرارة لحمي..تحوّلتُ إلى بندقية,إلا أنني حين شممتُ رائحة البارود خارت قواي و تهالكت عظامي ملوثة بدم فاسد..تكوّمت قطرات غاز في حلقي و اختنقتُ..كثيرا اختنقتُ.. أكثر من ذي قبل..ليس مؤكدًا !
كمثل حجر صغير ألقي في بركة ماء كبيرة : وقعت البندقية بين الركام..
كانت بي رغبة الغيوم..لكن الأرض بعيدة..و المطر هذا الفصل انتحر قبل أن يبلل غزة..خبيث هذا الشتاء..لم يُخبرني أن حربا في طريقها إلينا.. هرّب المطر عبر الملائكة.. و النفق الوحيد الذي أمتلكه استشهد..
عشرون ليلة لم أفكر بشيء..
نسيتُ التفكير و كيفية التعامل مع الحياة.. تصالحتُ مع الموت.. ورسمتُ أحلامي الأخيرة في نوم مفترض رتّبته في ضوء الشمعة المتبقية منذ انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة..حلمتُ أن أمي تحتضنني و وجه أبي في العراء يبكي..و أخوتي يضربون صدري..أطفال يعدون أصابعي و يهتفون”إنها عشرة أصابع”..صبيّة تسرق من شعري الضفيرة الشقراء التي صبغتها خالتي..مراهق يختلس النظر إلى نهدي المدلوق عبر تمزقات بلوزتي..بائع الحلوى يدس حلوة في فمي و يطبق شفتاي على بعضهما ثم يبتعد عني و هو يصفر..يصفر بصوت عال..صفيره ما يزال يدوّي في أذني مثل الانفجار الذي انتشلني من هذا الحلم العادي!..
ذابت الشمعة و تذكرتُ شموع الميلاد و احتفالات رأس السنة..انطفأت السنة و قنبلة فسفورية أضاءت البيوت و أحرقت حقيبة المدرسة و أثاث العمر..يا رب أوقِف الحرب كي نعود إلى بيوتنا و نتفقّدها..لا أريد أن يصلني خبر قصف دارنا من المذياع أو من صديق في رام الله يتصل بي على الجوال ليقول”داركم انقصفت..شفتها بتهيل من التلفزيون”!..
البيت الذي ولدتُ فيه و شهدت فيه ميلاد أخوتي و عشتُ في كنفه أجمل لحظات الحياة و أتعسها و أقربها إلى الجنة و أبعدها عن النار..الجدران التي كتبنا عليها الحروف الأولى و رموز البراءة,الأوراق التي تعج بتمارين املائية عن قطعة تتحدث عن بلادنا الجميلة!..حجرة النوم و كل الأماكن نشتاق إليها..
لقد اشتقتُ إليكِ يا دار..فيا أرض ابلعي دموعنا و فيضي بأرواح من استشهدوا لأجل السلام..

أيام الوحدة

أكثر من عَشرة أصابع اليد.. من أي عدد آخر.. و ليل أطول..
بقيتُ مع الفراغ أحصي توالي الأيام الخالية..
الحدائق نامت على أشجارها..و المراهقون و العشاق ما عادت أيديهم تتوسد الورود..
أضواء الأعمدة في الطرقات ذبلت..
الريح تصفر هنااااك..حيث مقاعدنا اكتست بالغبار..
بداخلي فجوة عميقة تتسع.. تبتلع العتمة..
انتظرتكَ كثيرا عند حافة الشباك.. عند كل باب.. مثل طفل مثل شحاذ مثل متسولي الأسواق..
لم تأتِ و لم يغادرني طيفك..
قسوة الاحتضان أن تحتضن جرحك
و ملحك مثل توأمين من تناسل وجعك.. ناسيا من لوعة الفقد و هلوسة الحمى حبيبا كان من دفء الأم و الأب و الأخ.. و دفء الحياة كلما منحتكَ عمرا جديدا و أهدتكَ فستانا أبيضا يذكرك بعروس سمراء مثل أول لقاء, و آخر حزن ..
سأنشر روحي فوق الأغصان.. و حين يحط طير عليها سأسرق جناحيه و أطير نحوك..
نحوك حيثما تكون.. حيثُ لا مكان للوحدة.. و لا وقت للفراغ بيننا .