برتقالها غير مقشر


الصبية التي بلا صبا, التي بلا أمل, بلا سعادة, بلا شجر أو غصن أو ورق, بلا بيت ربيع, تنام في عراء الخريف,
الصبية التي تتغير مثل تشرين, و تزهر أكثر من نيسان, و تبكي مثل رضيع..آه مثل رضيع تريد أن تمص حليبا ليس مالحا و ليس معبرا عن حاجة إلى أم أو إلى رجل غيركَ..
تسيل من عيونها الرغبة,
يندلق من صدرها حلم أبدي أن تنام على حزنها و تضحك.. يربت الليل على كتفيها راضيا عن سهرها, فتستقبل الصباح بندى نعاسها و تنام..
تهرع نحو بستانها الداخلي,
ثمة برتقال ما يزال غير مقشر..
أثبتوا لها أن الشمس تشرق كل يوم..كي تظل كوثر.

30-6-2009
10:45 مساء الثلاثاء

متهمة بالليل

[.. إلى ابن الصباح؛
و البقيّة هناكْ ..]

ليس لديّ سبب لأعاصر الصباح,
الشمس تجلب لي المرض, تقضم قلبي أسى, تذكرني بأيام بعيدة أحتاج نسيانها,
العصافير تؤذيني كثيرا, كأنها غيبة تنهش لحمي..
الندى دائما حزين و تعيس مثل امرأة مجردة من زهو الأنوثة..

في الصباح؛
تنهض سطوح البيوت على أحبال غسيل ترتدي أثوابا بشرية تفوح منها رائحة النميمة,
طلاب المدارس يرسمون طرقات أخرى لسيارات أخرى.. شيء آخر يقول بصوت عال”هيّا” !

أحب من الصباح ساعات الرحيل
وقت يمضي الليل مطمئنا على الصبية
أرمق وجهي طافيا في فنجان القهوة
أرتشفه
له مذاق السهر و الحنين
إنه وجه الصبية الذي حالما تراه واثقة من أنك ستبتسم للأبد..ستظل مبتسما حتى الفناء.

الصباح لا يحمل لي أي بهجة
يحمل لي الأخبار السيئة و المفاجآت ذات الأصابع المبتورة, تصافحني الهدايا و حين أفتحها يتثاءب قلبي و أحس بنوم عميق ينتظرني.. أسدل الستائر و أغلق على وحدتي الغرفة, ثم أنام..أنام حتى حلول الليل.

اسمعني:
طالما أن الصباح يأتي كل يوم
فهذا يعني أن أحدا ما ينتظره و يستقبله,
و لكن قل لي كيف أحب الصباح و أقيم معه علاقة حب مثلكَ ؟!

أنا متهمة بالليل,
بكل ليل..
ليل العالم و ليل العواطف و ليل المجانين و ليل اللصوص و ليل المساجين و ليل المستشفيات و ليل الشعراء و الكتاب و ليل امتحانات الدراسة و ليل النساء و الرجال و المواليد و الخائفون و المقاومون و المصابون بالرصاص و الحب..
ماذا أيضا ؟

لي الليل
و أنتَ ابن الصباح
“لنذهب معا فى طريقين مختلفين
لنذهب معا
ولنكن طيبين..”*

* محمود درويش

حالات مؤقتة لا بد منها


أحيانا أشبهكَ, أقف طويلا أمام المرآة, أتفحص وجهي, أحفظ مكان فمي..
أحيانا أنسى أين يدي, أبحث عنها في حقيبتي, أسأل سائق السيارة”هل رأيت يدي”, ينظر إليّ مشفقا على عقلي و لا يردّ, حتى أنه يرفض بشدة أخذ أجرته مني!
أحيانا أحكي نفس القصة لنفس الشخص أكثر من مرتين في نفس اللحظة..
أحيانا أتكلم خوف أن أنسى صوتي..
أحيانا أكرهني حتى أحن إليّ و أتصالح مع الحب..
أحيانا أكون بلا اسم, قد يحدث أن يناديني الآخرون باسم عائلتك!
أحيانا أتشاجر مع قطتي على الحليب..
أصغي إلى الشجر..
أفكر بالمستحيل..
أبكي لأنني أكتب و مريضة بالكتابة..
أنام بجواربي و الجينز الضيق..
أرتشف قهوة مع غريب..
أتوجع لأنني طيبة ..
أنعس و أنام على قصصك و اسمك المكتوب على غلاف الكتاب الأخير..
أحتاج إلى منطاد يأخذني إليك
أريد موتا نبيلا على صدرك..طويلاااااا و بطيئا لا يتنهي,
أضيع في متاهات الكلام..
أ أ أ أ..
أحيانا..
أحيانا..
أحيانا..
أحيانا… إلخ

أيّ الليالي تريدين

ليلا يشق صدري زجاج أطرافه مسننة, يتسرب إليّ كائن يمتلك طاقة رهيبة, طاقة يمكنها تدمير العالم بلحظة مجنونة لا يستطيع أحد ايقافها.. آخذ احتياطاتي قبل حلول الليل, أنزل إلى الطابق السفلي من البيت, الشقة خالية من البشر سواي, أخاف أن أجد أحدا ما فتحطمه قوتي الغامضة, آخر النهار أعتزل العالم و أتحول إلى امرأة ليلية ملغمة بالحب و الشبق..
أترك قطتي في الغرفة و هي تموء كأنها تفهمني!, سأحذر التقاء أختي الصغيرة بعد لحظات, فالليل يطرق الأبواب.. و بابي من جحيم و نار, حملت كتبي و ركضت على الدرج إلى الأسفل..حيث الشقة الفارغة تنتظر امتلائي..
أغلقت الباب خلفي و دخلت بأقصى ما استطعت من هدوء.. سكن الليل فوقي, الطابق الثاني نام, أبي و أمي و جميعهم ناموا, جاء دوري في الحياة, الطابق الأول متصحر منذ الصباح, ها قد جئتُ إليه ليرتوي من نبعي..من خصب صخبي..
مكتبة أبي تنتصب أمامي مثل شيخ هرم, اقتربت من الكتب.. الأوراق مكسوة بطبقة كثيفة من الغبار, نفضتُ النسيان عن كل شيء.. كلها كتب دينية, فكر إسلامي, تفسير القرآن لعدة مفسرين..ظلال القرآن, ابن كثير, مجلة الأزهر الشريف.. كانت أصابعي تمشي على عناويين الكتب و أنا أهمهم” أي الليالي تريدين..أي الليالي*“. تجمدت أصابعي عند المصحف(القرآن الكريم), ارتعشت و خيل إليَّ أن الله يتكلم معي كما كلم سيدنا موسى عليه السلام, أمسكت المصحف و اتخذت لي مكانا على السجادة,”إنا أعطيناكَ الكوثر,فصل لربك ..”, برد قاس يجتاجني..
أغلقتُ نوافذ الشقة, صورة أبي على الجدار تذكرني بابتسامة الموناليزا, تؤذيني الصور كثيرا, لذلك أفضل دوما أن أكون أنثى غير مرئية, أتواصل مع غيري دون أن ألتقي بهم أو يرونني, متأكدة أنهم جميعا يحبونني بالرغم من عدم معرفة شكلي, سأظل هكذا, أليست الملائكة لا تُرى؟!

أحبكم..
و أنتَ أحبكَ بعدد ليالي الحرب,
غزة امرأة حزينة في كل النساء, امرأة تحب كل الرجال, تهَب العيون دمعا, تعتصر الشمس شوارع غزة فتسيل زيتا يضيء أعمدة الضوء, فتبتهج الحواري و المقاهي و الدكاكين و شاطئ غزة مفعم بالسمك يرقص نشوة.. تبزغ قوارب الصيد من بين الأمواج و الصخور, البحارون يغنون..يغنون بصوت ساكن مرتجف مثل بقايا عاصفة..
كل ذلك و غزة لا تعرف أن فيها امرأة, لاتنام, لاتنام.. امرأة تذرع الليل, في غابة جنونها ثمة غزال..
سأصعد الطابق الثاني درجة درجة..و أنتظر ليلة أخرى.

* محمود درويش

لماذا هِيَ حزينة ؟

هذه الليلة أنا بنت حزينة جدا..
أود لو أفتح شباك الغرفة لأقول للقمر ” أنا أحبكَ أكثر من أمي “,
لكن أمي أغلقت عليّ كل شيء و قالت و هي تبكي “ن اااااااا م ي..”.
– هل أنا حقا بنت عاقة لأنني أسهر؟
أنا لا أعرف النوم في الليل, خلقتُ امرأة ليليّة, و هذا شأني, ولا شأن لأحد بطبيعتي و غرابتي, دعوني وحدي مع الليل..
أريد يا أمي أن أنام و أن أكون ابنة مطيعة لكِ و لو لليلة واحدة, و لكن ماذا أفعل و أنا أحاول النوم و عيناي أبدا لا تغمضان؟!. إن كان هنالك دروسا في النوم فعلميني النوم.. لقد تعبت من السهر,
السهر يا أمي انتهك بصري و صرت أرى رجلا ينام على سريري كل ليلة.
صدقيني لا أعرفه..
و لأن القمر هذه الليلة هو الوحيد الذي يفهمني, فإنني ” أحبه أكثر منكِ “.
اعذريني
فإنني غاضبة منك لأنك منعتني من السهر على الكتب و الروايات و كتابة مذكراتي على الكمبيوتر في الليل..
غاضبة و حزينة جدا..جدا..
أرغب أن أبكي طويلا في حضنكِ حتى تعرفين لماذا لا أعرف النوم.
إنني أحبه كثيرا
الرجل الذي يرمي القمرُ ظلَّه على سريري
كل ليلة.
أحبه يا أمي
افهميني
أرجووووكِ

12:47 صباح الجمعة
19-6-2009

سيقول"كنتُ أعرفها"

اضحكوا اضحكوا عليّ
أيها الناس في كل مكان
وخصوصاً يا من أنتم هنا
لأن لديّ أشياء كثيرة لا أجرؤ
على قولها لكم
أشياء كثيرة لا تدعوني أقولها لكم
فرحمة بي


غيّوم أبولينير
Apollinaire


كم أنا سعيدة لأجل ذلك..
فرحة كما و لو أن شيئا جميلا ينتظرني في مكان ما و زمان محدد.. وردة حمراء مخبأة في كراسة مراهقة.. سيارة أجرة صفراء تقف مخذولة تحت عمود الضوء.. قطار بطيء يمر ولا يمر.. غيوم تتعرى عن شمس تتقطر عسلا..
يسيل من جسدي سائل فضي يشبه الماء..
سأكون لعشر سنين, سأكون بين اللوز مثل حسين البرغوثي, عشر سنين فقط..
لستُ عرافة و لا دراية لي بعلم النجوم..
ثمة قدر تكتبه روحي و تترجمه يداي لنقرأه معا, ستقرئين يا أمي دموع القدّيسة, لن تعرفي لماذا, سأقول لكِ بأمل أن الحياة لكِ و لكم جميعا.. يكفي, هذا يكفيني وكثير عليّ ثلاثون عاما بلياليه و جنونه و حماقاته..
بعد عشر سنين سيفتقدني الليل, لكنني بالرغم من ذلك سأترك للعتمة عتمتي, الخيوط السوداء التي نسجها السهر حول عيوني..
بعد عشر سنين سيمر أحدكم عن قبري و يقول بأسى غير مفيد ” كنت أعرفها”.
لن تكون القدّيسة و لن تكون هنالك أسرار تشغل صديقاتها و سأتوقف للأبد عن الكتابة بحب وصخب..
معي عشر سنين,
الصبيّة ستكتب مذكراتها كل ليلة حتى آخر ليلة من عمرها. إلى أن أنتهي سأقول أشياء كثيرة تخصني و ربما لا تعنيكم لكنها ستؤذيكم..لأنها فاضحة و جريئة و مجنونة.
احذروني إني أخاف الله!

أشياء كثيرة متروكة

سبحة بألف حبة خرز مرمية على سجادة جدتي, تلمع الحبات مثل شعاع أزرق يؤدي إلى الموت..
كتب الجامعة مبعثرة على الأرض و فوق المكتب..
أقلام الحبر الأسود السائل و الألوان الخشبية مرصوصة في الأدراج بترتيب مدهش لكنه غبي..
رواية” أنا وهو” لألبرتو مورافيا نائمة تحت وسادتي بصخب.. قصص لم أقرأها تسهر تحت ضوء الأباجورة, تنتظرني بحزن..
أشرطة الفيديو و ال CD و لوحة المفاتيح القديمة و الراديو و اسطوانات الموسيقى..جميعها مكسو بالغبار, ترمقني من بين الأغراض المهملة بلؤم و خبث ضعيف..
صندوق الأحذية و الجوارب الملونة موقعه يؤذيني و يسبب لي التشاؤم.. اللون البرتقالي سيء جدا لأنه يذكرني بحب غسان كنفاني لغادة التي أكرهها بالرغم من أنني أحب قصصها..
قصائد مكتوبة على ورق يشبه السولفان, أبيات لنيرودا و لوركا و المتنبي.. موسيقى باخ و بيتهوفن..
الفراغ الغليل تحت سرير..
امتلاء سقف الغرفة بعيوني المفتوحة للسهر..
تنورتي القصيرة و قميصي المورّد و قفازات الشتاء و ملابس أخرى مطوية في الخزانة مثل رسائل لا تخصني..
المدفأة المطفأة التي لا تشتعل إلا من نار جسدي..
احتراق الشبابيك من أنفاسي..
لوحات غوغو فان المصلوبة على جدران الغرفة..
رائحة البحر القادمة مع الأمواج و الأصداف و الطحالب.. الأسماك و الحلزونات البحرية.. أتقوقع في صدفة مثل أذن طفل ينصت بتركيز إلى صوت البحر في صدفة أصغر من كفيه..
أشياااء غير هذه لم أذكرها لأنها كثيرة, لا يمكنني حفظها و لا أستطيع سردها في لحظات..
مساء الخميس
11-6-2009