أرض مذعورة

في هذه الليلة الأطول من أي ليلة مضت بدون أي موت, أتابع سهري الحزين, أكتب مذكراتي الخالدة , أكتبها لأجل احساس غريب ينمو بداخلي, يكبر مثل فسائل مشتعلة بنار أرض مذعورة.. يتراكم دمع في حنجرتي, أكاد أختنق, أتظاهر بالثبات, أسعل.. يوما سأذبل و أعاني من الفيء, سأكون غيري لأن الشمس نماذجي الباهتة عن الحياة.. أبكي ببطء, و ببطء أحوّل قلبي إلى ليمونة, غدا سيعتصرها رجل ما, أنا لا أحبكَ لأنكَ قريب من غربتي, أشم ياسمينكَ و قد فاحت رائحته بين ممرات شهقتي, أقول.. ابتعدْ, مغامراتي مع لهاثكَ انتهتْ, كنتُ صغيرة و ما زلتُ, هكذا فتيّة لن أفهم ما توشوشه جارتي عن أول ليلة من عرسها.. فاعذرني إذا ما اندفعتَ لموجي, فأغرقكَ حتى الندم..

الواحدة منتصف الليل!

صباح فراشية


هذا الصباح كئيب
جدا أسود و أجنحته مهيضة..
سجع الحمام يبعث بي الشؤم مثل البوم
قطتي تبحث عن جرذ
هواء المدينة أصفر
رؤوس الناس يتوهج منها لون أصفر
تعاستي صفراء
السماء و العصافير صفراء
من كل شيء يشع لون تعبي الأصفر
شاحب وجه الصبية
مرهقة
جدا مرهقة..

كتب تفتح عينيّ لأحلم

لقد تعبت من القراءة, و بالرغم من ذلك لن أندم على عزلتي لساعات في مغارة كتاب سيقدّم لي الحياة برفق. أمس اكتشفتُ أن نصوص”ترابها زعفران”(لادوار الخراط) كان أجملا حين قرأته في طفولتي, لكنني الآن أعيد قراءة النصوص بفتور و ملل, أتأكد من وعيي بما أقرأ, فأكتشف أيضا أنني لا أحب أدونيس, و أن طفولتي القارئة كانت أشبه بمسرح دمى. كنتُ أجوب المكتبات: الهاشمية, رشاد الشوا, الهلال, اليازجي, الشروق.. وراء زجاج مكتبة الشروق أتسمّر, صديقاتي لا يجرؤن على الاحتجاج لأنني أستوقف طريق عودتهن إلى البيت, أسحبهن معي كالسحابات إلى جوف المكتبة, أظل لوقت طويل, أتنقل بين أقسام المكتبة, أتصفح رواية, أستلطف غلاف كتاب, يجذبني عنوان, ألتقط اسم كاتب أحب كتبه, في النهاية أذهب إلى صاحب المكتبة, أمطر أسئلتي عليه, هل تدخل الكتب في هذا الوقت؟ اغلاق المعابر يؤثر؟ فتحي البس؟ ماله؟ الشروق فرع لرام الله و عمّان؟.. الرجل يضيق ذرعا مني, أجفف أسئلتي و أطلب منه أن يبحث لي عن كتاب لفلان و عن الكتب التي تتوفر للكاتب الفلاني, ينكب على جهاز الحاسوب أمامه و يبحث لي عن أسماء لن أجد أي كتاب لها في “الشروق”, أغرب عن المكتبة لأشهر و أشتاق إلى مشاكسة مكتبة أخرى..
معي الكثير من الكتب التي لم أقرأها: امرأة في الثلاثين, إذا جاء الشتاء, غراميات مضحكة, شتاء في يوليو, الحب عند العرب, سيكولوجية المرأة…. إلخ, أمدّ يدي في درج المكتب, أغرف ذاكرتي, ذاكرتي ممتلئة بالفراغ, مخرمة و تنهشها الثقوب, ألتقط رسالة من أحدهم, قديمة جدا, أقرأ فيها قائمة وصايا من كاتب لقمانيْ إلى ابنته التي ستكون يوما كاتبة ذات شأن!!. هل حقا سأكون كاتبة عظيمة بعد خمس سنوات كما قال و تنبأ الصديق الشاعر عثمان حسين!.
ليلة أمس, أطفأتُ ضوء الغرفة, كان الليل يدلف إلى هزيعه, و كنتُ أغرقُ في ظلّي المقمر شيئا فشيئا, أفكّر في ” العتمة ” ( رواية لجوزيه ساراماغو ), تخيّلتُ أنني فجأة أصاب بالعمى, و أنا أبتسم لطفل أو حين أصحو من نوم لذيذ, بلا سبب أفقد بصري !, مسني الخوف و قررتُ أن أتدرب على العمى, في الصباح, قفز قرص الشمس إلى عينيّ, غطيتهما بيديّ و حجبت الشمس عنهما, يجب أن أعتاد على ” العتمة ” بدون شمس أو مصباح.. ما زلتُ في بداية ” العمى “, أقرؤها كأنني أستقبل أحزانا و هموما غير متوقعة, من سيصاب غدا بالعمى؟ آ.. اليوم في سياة الأجرة التي أقلتني إلى بريد ” أرامكس” جلس إلى جانبي رجل طاعن في العمى, وخز كتفي بقطعة النقود, و قال ” ادفعي الأجرة عني “, تقلصت ملامح وجهي متسعة البهجة و الابتسام, أخذت من يده البيضاء قطعة النقود الحديدية, كان الحديد ساخنا, ألهب أصابعي وجعا, دفعتُ للسائق أجرته عني و عن الأعمى, و قبل أن أنزل من السيارة دسستُ قطعة نقود أخرى في جيب قميص الأعمى!, إنها أجرة التعرف شخصيا على “العمى”..
استلمتُ البريد من الموظفة بعدما تأكّدت من هويتي و وقّعت على ورقة ثبوتية!. كان صباح غزة في مهده, الشوارع نقيّة و لم يتلوث الهواء بزفرات المتذمرين و تناهيد الحالمين بعدْ. تمشّيتُ في شارع ” فلسطين “, لوقتٍ طويل بقيتُ أتمشى, فلسطين فوانيس رمضان, حلوى عيد, طفولة, امرأة, رجل في الأربعين, طيش مراهق, “فلسطين” شارع أفتح فيه بريدا مليئا بقصص الحب و الموت و الجنون.. جنون زياد خداش, سأوزعه على صبايا و أطفال يكبرون بصخب و أمل, يصعدون تلالا و يزرعون لوزا و فستقا و خروبا. في الشارع الطويل يصدح صوت الكتب ” خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي.. خذيني إلى موتي “, أرعبني الصوت و صرت أركض في الشارع وحدي, لم تكن البيوت قد نهضت بعد!. فجأة يوقفني صوت هاتفي الخلوي, أنزوي تحت شجرة, أقرأ رسالة من صديقتي المقدسية ” صباحك فلسطين كوثر “, أبتلع هواء و نفسا عميقا, أسير بهدوء.. بهدوء أدخل القاعة, تقبّلني الدكتورة مي نايف, دائما تقبلني!, أهديها نسخة من كتاب” خذيني إلى موتي” و كتاب ” كأن شخصا ثالثا كان بيننا”, تشكرني و تبرق عيناها بالفرح, أقول لها بخجل ” اشكري زياد”.
اثنتي عشر نسخة من “خذيني إلى موتي”, نادية تنتظر نسختها, إباء و أحمد و البقية غدا سيأخذون نصيبهم من الجنون في الأمسية الشعرية في جاليري الميناء, مريم أصرت أن تأخذ نسخة, وضعتها في حقيبة السفر لتقرأها مع خطيبها في الامارات, تنازلتُ و أعطيتُ نسخة لطالبة جامعية لا أعرفها لم تتركني إلا بعد أن أخذت مني ما تحب من الجنون.. سائق سيارة أجرة سرق مني نسخة!!, عاقبته و لم أعطته أجرته, لم يبال بأجرته, و قال لي ” صدقيني إنني أقرأ أكثر منكم”, آنذاك رأيتُ من نافذة السيارة سحابا أبيضا جامحا, كان يشبه قطيع غزلان تشع نورا أبيضا… إلخ إلخ

غزة.

تعال أيها الموت و خلصني من الحمى

وهج الظهيرة و قيظها الممل حدّ النعاس, وابل من العرق ينهمي.. أتابع كتابة المذكرات بصعوبة بالغة, ألفاظي تشتد وحشية كلما شعرتُ بمرضي يتوغل بي و يهلكُ جسدي الضعيف. خمس أيام من الحمى, إنها أشبه بِـ “سل” ساخن, ثمة جداول نارية تركض في أوردتي, لحمي ينصهر, انفجار جهنمي في رأسي, أتأوه ألما, تهرول أمي, ترشّ جسدي الحار بالثلج, يداها سماء تندف أدوية يائسة.. تحولتْ معدتي إلى مستنقع أسود لأقراص الأدوية و المسكنات. أسند ظهري على الوسائد القطنية, عنقي يرتخي و رأسي يتدلى ورائي, عينايَ تحلّقان في سقف الغرفة, أحس بأنهما انفصلتا عن باقي جسدي, تنمو رموشي و ينبتُ بينها ريشا طويلا, تصير عينايَ فراشتان, تطيران من نافذتي و ترفرفان فوق شجر الحدائق..
كانت الحياة تبدو يابسة مثل تربة صحراوية, الحمى بلا قلب, فقدتُ وزني و توازني, تقلّص جسدي, كائن آيل للانقراض, و أصبحتُ أنتظر موتي برحابة, أضع أصابعي الناحلة على عيني, و أتصوّر نفسي كيف أقابل وجهي بهذا الشكل؟ أخاف أن أراني على المرآة.. أخاف من منظر هذا الجسد الشاحب و هو يتأرجح في أوج مرضه أمام عيني..
أتقنتُ الوحدة, فشلتُ في تكوين صداقة مع الحمى, وحدهُ السرير كان صديقي, أتلوى عليه مثل دودة شريطية, ألفتُ رائحة الأدوية, و لم أعد أشعر بالغثيان لمجرد أن أشم رائحة دواء ما.. في سفن الوجع تصدر الحمى جسدي, أحترق.. مجنون هذا الحريق لا ينطفئ و لا يرحم. قلتُ ” هيا نامي حتى الموت و اختاري النار أهون من هذه النار “.. سمعتُ صوتي! بدأت الحمى تنهكني, أهلوس, أهذي و أتكلم مع لا أحد, أخي الصغير يضع كوب الماء البار و يهرب.. يهرب هلعا من حالتي المخيفة, بعد دقائق أنهض قليلا, أتساءل ” من جلب هذا الكوب إليَّ؟ “, ” من كان يتكلم قبل قليل؟”. أفاجأ بأمي متسمرة أمامي, تطمئن عليَّ و تتركني أعارك المرض..
هاتفي الخلوي يرن, هل أردّ على المتصل, لربما هلوستُ معه, لا أريد أن أتورط.. أجدني فتحتُ الخط, يأتيني صوته كأنه آتٍ من خارج الغلاف الأرضي, كأنه صدى صوت مجهول, يقول” آلو.. أنا علي”, ماذا يريد علي أبو حطاب(مترجم), عقلي لا يستوعب مكالمة كاملة, يدعوني علي إلى دورة في الكتابة الابداعية, ثم يصف لي مكان المركز الذي ستقام فيه الدورة, يؤكد لي على أهمية حضوري و إلا “سيزعل إن لم أحضر”, قال أن عثمان حسين(شاعر) و أحمد الحاج أحمد(شاعر) سيكونان من الحاضرين.. تنهدتُ و سعلتُ بكسل, قلتُ له”محمومة.. إن استطعتُ سأحضر”, قال” لا تتمارضي..دائما لا تحضرين دعواتي”, بعدها تكّلم و لم أكن أسمع أي صوت له, فقد فقدتُ تركيزي و تعبتُ. ارتمت يداي, وقع الهاتف على الأرض و سمعتُ أنين تكسره, حاولتُ الوقوف كي أذهب إلى الحمام, اتكأتُ على جدران الغرفة, جررتُ جسدي و ارتسم خط عرق طويل على الجدران المؤدية إلى الحمام, كان الكرسي مجهزا لمرضي, جلستُ تحت “الدش”, انهمر الماء البارد على جسدي بلا هوادة, لم أشعر ببرودته, كانت حرارتي المرتفعة أقوى من الماء البارد, اعتقدتُ أنني أخطأتُ في الماء, تأكدتُ من وضعه البارد, إلا أن جسدي فقد احساسه بالبرودة, كانت المياه الباردة تسخن على لحمي, تخيلتُ أنني خلال دقائق سأتحول إلى بقعة بحرية حارّة, ستنمو على كتفي الطحالب, و ستقفز من بين أصابعي الأسماك الصغيرة و الضفادع..
ارتديتُ الملابس الخفيفة جدا, استلقيتُ على السرير, المرض ممل, هكذا اتفق حسين البرغوثي مع كيركغارد, ممل..ممل. ماذا أفعل؟ بماذا أتسلى؟, الحمى تتسلى بجسدي و أنا أتأوّه, و أنا أعد النجوم من نافذتي فلا أنام.. السعال يخربش صدري, سيخ حديدي يشع اشعاعات نارية زرقاء يدخل صدغي من اليمين و يخرج من الجهة اليسرى, سكاكين و مسامير تدق ركبتيّ.. أبكي, يمتزج دمعي مع العرق و السعال و هذياني.. تهرول إليّ أمي, تلقمني المسكنات.. و أنام.
صباحا, أنهض من غيبوبتي, أتحسس جسدي, من خلال درجة حرارته المعتدلة أكتشف أنني شفيتُ, يا للمعجزة!. أحمل بشرى الشفاء إلى أمي, يفرح معها أبي.. الآن تحرر جسدي من لعنه المرض, أتذكّر علي أبو حطاب, قلتُ لن أخذله, ذهبتُ إلى المركز القومي حيث ستقام الدورة, جاءت أختي معي لأنني ” كائن ما بعد المرض” !, سلّمتُ على الحاضرين, كان الشاعر عثمان حسين هادئا و طيبا كما عرفته أول مرة, صافحني و قدّمني للدكتورة مي نايف, كانت باسمة و ذات وجه يمنحك الدفء و الطمأنينة, جلستُ أنا و أختي آخر صفوف المقاعد, كان تنفسي هادئا و نظراتي العميقة تتجول في القاعة مثل عصفور يتفقّد عشّه الأخير!, لا أعرف لماذا شعرتُ بالجبن حين وقعت عيني على المقعد الفارغ الجالس إلى جانب مقعد الدكتورة مي نايف!, أنا أتأمل القاعة التي زرتها قبل هذه المرة بدعوة من صديق ألح على أن يُعرفني على فرقة مسرحية من الشبان الواعدين, كانوا يتدربون على مسرحية شعرية من تأليفهم, يومها رحبوا بي بحرارة و بدأ كل واحد منهم بأداء دوره أمامي كما و لو أنه يمثل على خشبة المسرح, ساعة و غادرتُ القاعة بصمت ساذج, لم أعلق على أدائهم .. و لا شيء, الصديق ندم على دعوته لي لأنني لم أتكلم مع أصدقائه الرائعين, لم يكن تصرفي مكابرة أو استياء, فقط صمتُ دهشة من مجموعة من الشبان الغزيين الطموحين حدّ المجد.. من بعيد يُناديني الشاعر عثمان حسين باشارة من يده الصامتة, ذهبتُ إليهِ, فقال ” اجلسي هنا”, جلستُ على المقعد بالقرب منه, كانت فتاة معاقة تجلس على يميني, قال عثمان” هذه دورة للكتابة الابداعية”, قلتُ” آهاا” ابتسمتُ, و ساد الصمتُ بيننا. شغّل أحدهم المراوح, خفف هدير المراوح من ذاك الصمت الغامض, خرج عثمان من القاعة, عدتُ إلى مقعدي في الصف الأخير, كانت أختي تضحك, لم تكف عن الضحك, يبهجها رؤية الشعراء, منظرهم, سجائرهم, ملابسهم و أناقتهم, طريقة كلامهم, كلامهم نفسه يُضحكها ببهجة و سخرية لاذعة, جعلتني أضحك معها, تعليقاتها الساخرة أنستني نفسي و دعتني أضحك.. أضحك.. و أضحكُ على غبائي فأنا من سلالتهم!.
وقفتْ الدكتورة مي أمامنا, أعلنت بذلك بدأ المحاضرة فهي مدربتنا و لها الحق في البداية و النهاية, أشارت إليّ أن أتقدم مع أختي إلى الصفوف الأولى, تقدمنا و جلسنا إلى جانب البقية, انضممتُ إليهم, نور و جهاد و هاني و ديانا و آخرون من الكتاب الواعدين, جميعهم تقريبا بمثل عمري, سرّني ذلك كثيرا و في نفس الوقت هبّت نسمات حزن في نفسي, منذ زمن و أنا أفتقد التعامل مع أشخاص بعمري, في أغلب الأحيان أكون مع الثلاثين أو الأربعين فأكبر, وجدتُ صعوبة في الاندماج معهم, بقيتُ صامتة, كنتُ مستمعة فقط, بين الفينة و الأخرى كانت الدكتورة مي تستحثني على التكلم, فمثلا تقول” آ يكوثر” ” شو رأيك كوثر”, و كوثر إما أن تنطق كلمة واحدة أو تهز رأسها, كذلك الشاعر أحمد الحاج أحمد كان ينظر إليَّ, و كلما نظر إليَّ و اصطدمت نظراتنا ببعضها شعرتُ أن قلبي انقبض أو وقع مني, سكوني و طبيعتي الصامتة أخشى عليهما من الخدش, الحكمة تقول ” الواثقون من أنفسهم غير مجبرون على الكلام”, و لم أتكلم, أحمد الحاج أحمد يسألنا” ما الأهم: الللغة أم النص”, أصدقائي يتفقون أن النص هو الأهم, يتناقشون, يبدون آراءهم, أنا أسمع و أبقى صامتة, ينظر إليَّ أحمد و يقول”كوثر؟!!”, أقول بهدوء” اللغة”, لماذا؟, لأنها الأساس, و أصمت, لا يتكلم أحمد مع صمتي, يتابع نقاشه معهم.. في بداية المحاضرة طلبت منا الدكتورة مي أن نقرأ عليها شيئا من كتاباتنا, كلهم قرأوا لها, في نهاية المحاضرة تذكّرتْ أنني لم أقرأ, شهقت و هي تنظر إلى أحمد الحاج أحمد, قال” كوثر لم تقرأ لنا”, ابتسم و عيناه بيني و بين الدكتورة, قال” كوثر غنيّة عن ذلك, لقد قرأتِ لها في عشتار”, ابتسمنا و صمتْ. قبل أن أغادر المركز أطيتُ الدكتورة ميْ مجموعة من القصص القصيرة و طلبتُ منها قراءتها و رأيها, حملتُ حقيبتي على كتفاي و خرجتُ, قلتُ لأختي” لنحتفل بشفائي من الـ.. ما بتتسمى”(أي الحمى), كانت الساعة الحادية عشر صباحا, لم نذهب إلى مطعم بالميرا لأنه سيكون في طور فتح الأبواب!, ذهبنا إلى مطعم الشعب, مطعم شعبي يقدم “الفراشيح”, أكلتُ فرشوحة و أصررتُ على شرب العصير الطبيعي من المعصرة القريبة, خجلت أختي من منظري و أنا أشرب كأسي في الشارع!. الأماكن الشعبية أكثر قرابة مني, أحب أن أكون في قلب المدينة, في شغبها و شعبيتها و فقرها, بالميرا و اللايت هاوس و الديرة و ديليس.. إلخ, أماكن أقابلها مع صديقاتي أو أهلي, أما الأماكن البسيطة فهي الأقرب و الأحب إليَّ..
عدنا إلى البيت, عدتُ انسانة غير مريضة, حرارتها مثل حرارة أختي و أخي و أمي و أبي, قطتي الفارسية لم أعد أغار منها, صرتُ ألعب و أنط مثلها, هل كانت الحمى يوم أمس مجرد كابوس؟.. كلما تذكرتُ حالتي الرهيبة أشفقتُ على جسدي, و الآن أشفقُ عليهِ أكثر لأن الحمى عاودته!. سيل جارف من الألم الحار يتدفق بي, أسقط عضوا فعضوا على سريري, الطبيب يطمئن أبي على الهاتف و يقول له ” الفيروس سينتهي خلال أيام”, خمس أيام من الموت القبيح, خمس أيام من الشلل و الانكسار و الذّل أمام الحمى, أغيب عن الوعي, أهلوس, أنهض, ينهض الوجع, الحرارة ترتفع, أرتفع إلى تلال الموت, السماء تبتعد.. تعال أيها الموت و خلصني من الحمى.

جدًّا محتال

يا الهي… ما نهاية هذه المرأة ؟

(1)
سأموتُ.. إن لم يحبني ذلك المحتال

(2)
كلما غرقتُ.. ازددتُ وحدة و صمتا و حزنا و كآبة و تعاسة…

(3)
قالت لي عرفي الحمق
قلتُ لها: الحمق أنا
و أنا حزينة جدا و فارغة
ثم قالت: فسري لي أسباب الحمق
قلتُ: ألا يبدو انتظاري سببا واضحا؟
نامت الشجرة على أغصانها
و لم تعُد تسألني عن الحماقة شيئا!

(4)
على الشاشة الزجاجية مكتوب كلاما يشبه التنجيم, رجل ما كان قد أمسك ماكنة حلاقة ذقنه و كتب بالشفرة: “اشتقتلك”.
جدا محتال !

ثرثرة أفكار


الأفكار مثل باقي المخلوقات الحية تختار أماكنها بنفسها و بوعيها الخاص, بالنسبة إليّ لا شأن لي بأفكاري, أي أن لها حرية الانسكاب في أي وقت و في أي مكان..
أحيانا تأتيني الأفكار فجأة قبل أن أنام, بالضبط حين أضع رأسي على الوسادة, تغمرني مثل حلم جاهز يرفل إلى دماغي بأناقة و هدوء مرتب. و أحيانا تسيطر عليّ أثناء غسل الصحون, تشاركني التقاط فقاعات معجون الجلي و وخزها بأظافري.. و في أغلب الأوقات نعثر على بعضنا (أنا و الأفكار) في الحمام, أكون عارية إلا من الأفكار, تلك الدافئة و الحنونة..
الأفكار المجنونة تهبّ على خاطري بصخب من نافذة الغرفة المطلة على البحر,
الأفكار الجميلة تجتاحني حين أكون وحدي أنتظر شيئا لا أعرفه.. تأتيني مثل امرأة بحذاء ذي كعب عال, ترتدي قبعة صيفية رائعة..
الأفكار السيئة تراودني حين أسمع نشرة الأخبار الصباحية تتحدث عن غزة و المعابر, أستاء و أظل أنتظر الليل كي ينقذني من الحصار و أسافر إلى القمر بلا تذاكر أو حجز دور على معبر رفح..
الأفكار الوسواسة تصطادني حين أشكّ بمدى ما قدمته للآخرين من طيبتي.. و أتمنى لو أفديكَ بعمري, و لكن هل تكفيك تسعة عشر سنة لأفديك بها!.. سأعيش أكثر كي أفديكَ أكثر,
الأفكار المخيفة ترعبني عندما أمرّ عن مقبرة أو حين يتعطل المصعد الكهربائي فيما أنا وحدي فيه بين العتمة و الاختناق..
الأفكار السعيدة تلون قلبي حين أرتشف القهوة مع الليل على سطح الدار,
أما الأفكار الحزينة و الموجعة فإنها تنهض في أحاسيسي مثل ذكرى إنسان لا حظ له في الحياة.. هذه الأفكار تمشي إلي ببطئ شديد أثناء قراءة رسالة قديمة من رجل أحببته أو حين أرى على التلفاز مشهدا بالأبيض و الأسود عن لحظة لقاء!
..الحب يأتيني نقيّا من الأفكار,
دائما لديّ أفكار, ربما أكتبها و ربما لا أكتبها, ليس المهم كتابتها, ممكن أن أعبر عنها بطريقة أخرى أو أحتفظ بها لنفسي.. كلنا لنا أفكار, قد تكون تافهة أو عاقلة أو غبية, الأفكار صديقة لا نتخلى عنها..
فكروا بحرية كي تنفّسوا أوكسجينا لا يعاني من الأمراض الصدرية المزمنة !

[ ماذا عن أفكاركم.. اسلام, حياة الألم, سارة, نور,وفاء, عيون خشنة, سهام المقدسية..الجميع ]

بنات من غزة

تغريد

في منتصف الليل أردت أن أهاتف تغريد, فقد اعتدنا الاتصال على بعضنا في أي وقت, و قبل أن أضرب الرقم الأخير من رقم جوالها تذكرتُ أنها تزوجت. أعتقد أنني خجلتُ.. ربما هي نائمة أو منشغلة في ليلة ساخنة!. أغلقتُ جوالي مخذولة و قررتُ أن أكبر, لا لأتزوج, بل لأتذوق طعم الكبار بدون زواج.
لا أعرف هل المرأة لا تكبر إلا حين تتزوج؟. ماما تقول لي: ” الله يستر على كل البنات”. و يوما بعد يوم أفهم أن زواج البنت يعني “سترها”.. يعني أن تكبر في عيون الآخرين لأنها نجت من “العنوسة”.

منى

منى بنت في العشرين من عمرها, تنظم قصائدا جميلة, نظمت قصيدة رائعة تم تلحينها و انشادها على قناة”فور شباب”. لحسن حظي أن لي صديقة اسمها منى. حتى الآن أنا قلقة عليها لأنها خطبت, خائفة أن تتغير بعد الزواج, مثلا أن تتوقف عن نظم القصائد, أو أن يمنعها زوجها من الكتابة و النشر, صحيح أنها طمأنتني بخصوص ذلك, قالت بفرح” خطيبي بحب الشعر و هو يعلم أنني أتعامل خلال عملي مع شباب”.
المتزوجات ذوات الخبرة يقلن أن: الرجل يحب أن يمتلك امرأته في كل شيء.
أتمنى لكِ يا منى حياة سعيدة مع رجل يحبكِ و يحب أن تكوني كما أنتِ بكل ما فيكِ.

س.ح

هنيئا لها بمناسبة الخطوبة ( لا أريد ذكر اسمها حتى لا تزعل مني و لا يقرأ خطيبها اسمها في المدونة!).
أخذتني معها إلى متجر العشي للعرائس كي ننتقي معا فستان الخطوبة, في غرفة القياس ارتدت فستانا ورديا بدت فيه عروسا زاهية و ساحرة, طلبت مني أن أغلق الباب بالمفتاح, و صارت ترقص بينما دموعها تكاد تطفر لأنها لا تجيد الرقص, ضحكتُ و قلتُ ” المهم هو أنكِ ستكونين أجمل عروس بأبهى فستان”. صمتنا لدقيقة و فجأة قالت “ارقصي..”, ارتبكتُ و تلعثمتُ, أنقذتني من الورطة طرقات الخياطة على الباب, هرولتُ و فتحتُ لها, دخلتْ بشهقة طويلة و اندهاش مصطنع هو جزء من عملها تبديه لكل عروس تراها بفستان ستفصله على الجسد حسب تفاصيله و مقاساته..
في حياتي ثلاث كوابيس: الدراسة و الحرب و الرقص.
بعد أيام قليلة سيكون عرس أختي توقعوا مني الهروب و ارتكاب الحماقات!

دعاء

فتاة هي و الحزن أصدقاء, كانت و ما تزال تملي عليّ مشاعرها القاتمة و بدوري أترجمها إلى نصوص و دموع مكتوبة على الورق, أعطيها الورقة المثخنة بالجروح و حين تقرأها تتنفس دعاء قليلا و يذوب شيئا من ملح الجروح..
هذه الفتاة تحلم بالسفر إلى اليابان, ليكتمل جنونها مع التطور و التكنولوجيا هناك, لا سيما و أن ماروكو ( شخصيتنا الكرتونية المفضلة) تعيش في طوكيو و تأكل أقراص الأرز..
الآن في هذه اللحظة, دعاء تقرأ هذه التدوينة و تضحك كالعادة بصوت عالٍ, ستنادي سماح و أخواتها و أمها كي يقرؤون معها التدوينة و تقول لهم بفخر” ها, كوسر كتبت عني”.