صباحات دراسيّة

في هذه الصباحات الدراسيّة, يجري جدول صغير من بين أصابعي, دوري مبتهج على اظفري, و طالبة تذهب إلى الجامعة لتحضر محاضراتها المملة, ها هي سيارة الأجرة تحمل كتبي و دفاتري و عقلي إلى الجامعة..

ضحكات مطرودة

نفس القاعة, نفس الصديقات, نفس الأنفاس, نفس الدكتور, هُو نفسه الذي درّسنا في الفصل الدراسي المنصرم, و سيدرّسنا هذا الفصل أيضا, يتكئ رأسي على يدي المثبتة تحت ذقني, يتحركّ فكاي لأقول بتذمر ” نف.. سه.. الدكتور نفسه يا وفاء”.
لا يضحك, لا يبتسم, حاجباه معقودان مثل حبل مبرم و خشن, عيناه الخضراوان لا تستحقان بهجة ” الأخضر ” , يقّدم نفسه إلينا من جديد, اسمه, طريقة تدرسيه للمادة, النواهي و الممنوعات خلال المحاضرة: ممنوع التحدث أو الهمس مع بعضنا البعض, يجب علينا أن نغلق هواتفنا الخلوية و كل رنة بعلامة تنقص من علامة الطالبة التي لم تغلق أو تصمت هاتفها!.. من شدة التذمر أكاد أمزق الدفتر, وفاء ترسم على الطاولة عصفورا, أمامنا تجلس صديقتنا رضا, منصتة إلى الدكتور بدون ملل أو تعاسة!, مازالت المحاضرة في أولها, بعد ساعة سيفرجُ عني, أبحث عن أي شيء ينجيني من عذابي و ينقذني من ضجري المقيت, التقطت دبوس شالتي, وجدتُه منحنيا, أضحك بحذر على شكله المعوج, تسحبه إسلام من يدي, تضحك هي الأخرى على شكله, ثم تضحك معها وفاء, و كأن ثلاثتنا وجدنا المفر من شراك المحاضرة و عبوس الدكتور, فجأة يعمّ الصمت أرجاء القاعة, عيون الطالبات تتجه نحونا, الدكتور يتوقف عن الشرح, التفت حولي علّي أعرف السبب, فإذا بالدكتور يشير بسبابته نحوي و هو يقول بغضب مخيف ” أنتِ.. ” , أنظر إليه باستغراب و أقول ” أنا ؟! “, يقول ” أنتِ و صديقاتكِ اخرجن من القاعة فورا..”, نحمل كتبنا و دفاترنا و نغادر القاعة بصمت رهيب جدا, نغلق الباب وراءنا و نسمع صوت الدكتور يقول ” كان ينقصهنّ مهرجا ليضحكن أكثر..”, وفاء تسخر منه و تحمد الله أننا نجونا من عقاب منسي يجازينا الدكتور به على ضحكنا, كأن يأمرنا بسحب المادة أو “يرسّبنا فيها” !, حملتُ حقيبتي ذات الأزرار الملونة و نزلنا الدرج إلى الطابق الأول من مبنى N ثم بقينا ننتظر محاضرة “فن التحرير الصحفي” ..

3/10/2009

مرة أخرى.. مقام الخدش -2-

إلى ” هُوَ ”
أو
إلى ” لا أحد “

1
الإنسان المثالي في هذا الكون هُو “أبي”. لقد تعلّمتُ كثيرا من الحياة, أي حياة؟ سأقول ” حياتي على امتداد تسعة عشر عاما “, و نهلتُ من الكتب ما يجبُ عليّ أن أعرفهُ و أجهلهُ. تعرّفتُ على صديقات و أصدقاء طلاب و أغبياء و كتّاب و شعراء, في نهاية المطاف و حتى الآن لم أتعلم أكثر مما تعلمته من أبي ! .

2
أحيانا؛ أجدني أكتبُ إليكَ حتى أتذوّق طعم الغباء و نكهة الندم.

4
ما العظيم في مقام الخدش؟
أهُوَ تهوّركَ الجارح أم نزولي موجة عن مقامي.. مقام الماء لكي أوضّح لكَ “الإنسان” !

5
يدُ الطبيب هِيَ نفسها يد المريض.

6
حين شعر المسرحي الفرنسي الساخر موليير بدنو أجله, قال لمن يتحلقون حول فراشه ” أسدلوا الستارة , لقد انتهت المهزلة “.
يا ليل: هيّا أسدل عتمتكَ على نهاري.

7
أحاول أن أقترب من اقترابكَ, كلما دنوتُ منكَ, أقتربُ من الأرض أكثر, لا أعرف هل هُو ” الحب حتى الموت ” !

8
السيِّدة التي ساعدتها في حمل أكياس الخضروات و الفواكه إلى بيتها, شكرتني و أبت أن تكرمني بحبة “تفّاح”, قالت لطفلها بعد أن ذهبتُ ” شحّاذة ” .

9
كنّا أربعة, ثالثنا السماء, أنا و الجنة و العصفور.

10
لأنني طيّبة: غنّت عني العصافير.

مقام الخدش

مقام الخدش هو عنوان مذكراتي لأكثر من ليلة.. أدوّنها حتى لا يضيع ذلك الرجل و لا يشعر مرة أخرى بأنه ” إنسان تافه ” ! , لأن في كل واحد منا بوصلة مضيئة تحمينا من الضياع و ترشدنا إلى نور الذات و عطش الحياة.

1
منذ أيام, تحدث معي أمور مزعجة لا أعرف كيف أكتبها و لا أستطيع التوصل إلى حل لمشكلة الماء المتسرب من روحي!.

2
كان اصبعي قد ضغط على الزر بالخطأ فانغلق الخط في وجهه, ظنّ أنني أغلقته متعمدة و أساء إليّ كثيرا بظنه و خدشني باتهامه اياني بالقسوة, لأول مرّة ينعتني أحدهم بالقسوة, و لأول مرة أصابُ بالسعال الجارح, إنني أسعل الماضي دما و رذاذا حزينا للأبد..

3
أقسم قلبي إلى نصفين: نصف للإعارة, و نصف للأغبياء.

4
روحي تندلق مني بسلاسة يستغلها الآخرون بغباء واضح جدا أتجاهله و لا أبدي علمي به.

5
قلبي وقع مرة على الرصيف, لم يلتقطه السابلة و لم تأخذه الريح, في كل يوم أمر عنه, أرى أثر الحذاء نفسه الذي ينتعله ذاك الرجل.

6
هو محبط مني كثيرا و السبب هو شيطانه و تعب ضميري .

7
لا أحد يحل محل الذي رحل.

8
لا بُد و أن صديقاتي في الجامعة يقرأن مذكراتي, و يتفقن على موعد لترميم الشجرة النائية التي أهلكتها بنحت أسمائنا على جذوعها الطويلة مثل نهر لا مصب له..

9
أفكاركَ عن العزلة سيئة مثل أوقات الفراغ في عطلة الصيف, عزلتكَ أستاذ عجوز وصلت به الكهولة إلى مرحلة تهب الأطفال الطلاب مرحَ ملاحقتكَ بالحجارة, يرشقون أستاذهم القديم بالحجارة و الطباشير. هم لا ينتقمون بل يشعرون بغريزة الزمن تدفعهم نحوكَ ببراءة مجهولة !.

10
في طريقي إلى الجامعة, سقط هاتفي الخلوي في بركة ماء, كلما هاتفني أحد ما فإن صوتي يصله كموج البحر أو متقطعا مثل ماء يسيل من حنفية ينهشها الصدأ. منذها و صوتي الحقيقي و الطبيعي لم يرجع إليَّ !. في محاضرة اللغة العبرية حين سألني الدكتور عن معنى كلمة “هآرتس”, رشح العرق مني و أنا أحاول الإجابة و أخيرا نطقتُ ” الأرض” , لقد رأيتُ صوتي يبلل كل من في القاعة.

صعاليك أمراء.. من فلسطين

( عانق الموت بوجه الريح عانق
كلّ لون فوق وجه الأرض .. )

من قصيدة الموت و العناق لمحمد القيسي

كنتُ أستعد لتقديم امتحان اللغة الانجليزية في الجامعة حين وصلني خبر موت الشاعر محمود درويش, كانت صدمة قد تهيّأتُ لها مسبقا إذ إنني كنتُ أعرف أن درويش يرقد على فراش المرض في احدى مستشفيات ولاية تكساس الأمريكية و حالته الصحية تزداد سوءا, و لكن الموت لا تخفف المهدآت صدمته و لا تمسح دموعه أي توقعات عن تأخره.. وقع رأسي على المكتب و أجهشت في بكاء مالح, ذابت ملاحظاتي المكتوبة على الكتاب و انتشر ضباب رمادي في عيني, تغبّشتْ رؤيتي في قاعة الامتحان و خرجتُ من القاعة مسرعة إلى البيت.. كان ذلك في صبيحة نقل جسد درويش إلى رام الله و مراسم العزاء الطويل.
لا زلتُ أذكر تاريخ رحيله في 8/8/2008 , يومها اضطهدت الغيوم سماء فلسطين, و تلوّنت الدنيا بالسواد, بقيتُ متسمّرة أمام شاشة التلفاز أنظر إلى الجسد الثائر و هو مكفنا بعلم الوطن المحتل, كان أبي يكتم حزنه على الفقيد و بين الفينة و الأخرى يتذكر أشعاره و يغنيها بشجن عميق, و قبل أن يواري درويش ثراه, نظرَ إلي أبي متذكرا الأمسية الشعرية التي حضرها في بيروت و كان محمود درويش وقتذاك في أوج ثورته ضد المحتل, يعلو صوته الحادّ في قصيدة ” سجّل أنا عربي “..
هنا أستذكر رحيل الشاعر ” محمد القيسي” أمير الصعاليك ( كما سمّاه محمود درويش) و الذي مات قبل خمس سنوات من موت محمود درويش ( 1/8/2003).. تمتد الذكرى إلى رحيل الشاعر عايد عمرو في نفس السنة التي مات فيها درويش ( 6/12/2008) و الذي سمّاه صديقه زياد خداش, أيضا بأمير الصعاليك, و كأن لتلك الصداقة بينهم حميمية الصعاليك و رابطة الشاعر الجوال الذي لا يستقر في مكان واحد, إذ كان القيسي صديق حميم لعايد عمرو و زياد خداش.
لم يكتب أحد في ذكرى رحيل القيسي, و انشغل الكتاب في تأبين ذكرى درويش في 8/8 من هذا العام, يومها عدتُ إلى قصائد محمد القيسي, و قرأتها وحدي على ذكراه, و يدي على قلبي تتساءل ” أي كاتب/شاعر سيموت هذا العام ؟!”, لم أعتب على شعرائنا لأنهم لم يؤبنوا ذكرى القيسي, فالموت أسرع من الكلمات, و كاتب وراء كاتب يغادرنا و يمضي إلى عالمه الآخر تاركا خلفه أوراقا و دفاترا تغنيها الطيور و النساء..

خريف بلادي

س بوكأنا زعلانة من فلسطين
لا أعلم ممن بالضبط؟!
من غرفتي الصغيرة أكتب رسالة إلى أبي النائم على سطح الدار, أخبره أنني حزينة جدا, و أن القمر هذه الليلة لم يلقي ظل الرجل المجهول على سريري, أواسي شوقي إلى ظله و أشعر بانهدام وطنيّ في روحي و جسدي..
أمّا أمي!, فماذا أكتب لها؟.. هل أطمئنها أنّ الشعراء لن يجرفونني إلى وادي الغواية, و أنني أحب الله كثيرا و ما زلتُ أعبده و أصلي في اليوم أكثر من خمس صلاوات!..
الضوء الذي ينير صفحاتي ليس حقيقيا, حتى ضوء القمر فإنه مثل ” النيون ” الرديء, أفتح شباك الغرفة فتنهال عليّ أشباح مستعمرة” اسديروت”, إنها بقعة تفيض بالنور, هكذا تبدو لي, لأنّ نظرتي الأولى إليها ارتبطتْ بنظرتي إلى شيء جميل التصق بحياتي, كانت نظرة عين فلاحة إلى جمال سادر في الطاغوت و الظلم..
أورق الأمل بي, لكن خريف بلادي لا يذهب..
عمو مريد (الشاعر مريد البرغوثي) يقول لي ” ابتلينا بأسوأ احتلال وأسوأ قيادة. لهذا أصبح الوطن أصغر وأصعب. لكنه وطننا أفهمك وأحترمك “.
ليلة الأحد, وحدي ساهرة مع لا أحد,
و زعلانة من فلسطين.. كتير يارب

يوم السبت.. ذات سبت


يوم السبت
يزدحم قلبي بالأحزان
في العالم الآخر يضحك آخرون
يعتقل الياسمين موج و ضباب
أذهب إلى الجامعة بتذمر
أحضر المحاضرات بكسل و أتصوّف في دعائي بأن ينهي الدكتور محاضرته المملة
صديقتي تشدّ شالتي الزرقاء بلون سماء بعيدة أو بحر قريب
سيارة الأجرة تتعطل في منتصف الطريق
أتشاجر مع الطريق الترابي المؤدي إلى بيتي
الحجارة الملقاة بين الحفر الصغيرة تحتضر
أعمدة الضوء تبدو مثل قراصنة الفراغ
لقد تعبت من يوم السبت
ففي مثل هذا اليوم مات لي الكثيرون
و توالت عليّ أرواحهم مثل شعوب وُجدتْ لتبحث عن أراضيها
أُطل من بين يومي
إلى خواء واسع
نظارتي السوداء لا تصنع لي ليلا في عيوني
الليل نائم
يفترسني شوق و هذيان أقوى من الوباء
في يوم السبت
أصابني أمر كبير
كان جميلا
كان
ك. ا. ن.