" أوقات جميلة لأخطائنا النضرة " لزياد خداش

عن مؤسسة عبد المحسن القطان صدر مؤخرا للكاتب و القاص الفلسطيني زياد خداش كتابه الموسوم ” أوقات جميلة لأخطائنا النضرة “. يقع الكتاب في 143 صفحة من القطع المتوسط, موزعا عليها ستة عشر نصا يتحدثّ فيها عن تجربته في تدريس الكتابة الإبداعية في مدرسة أمين الحسيني برام الله, قدّم الشاعر و التربوي وسيم الكردي الكتاب نافيًا في بداية مقدمته ذواء ” جذوة الشغب القصصي لدى القاص زياد خداش حين يكتب بعضا من تجاربه في مهنة التدريس من موقعه كمعلم “.
جاء إهداء الكتاب إلى ” هيفاء ” بطلة قصة ” شتاء في قميص رجل “* و التي ترمز إلى الطفولة و الوطن و الذكريات و الحلم المستمر.

و لأن غلاف الكتاب هو العتبة الأولى للنص فانه رُسم على شكل ورطة بريشة الفنان الفلسطيني الشاب جاد سلمان, الورطة يفسرها الكاتب في أضاءته قائلا : ” أنا لستُ رجلا تربويا أبدا, و لم أحلم يوما أن أكون مدرسا, تورطُت في المهنة, و ما زلت بسبب انعدام الخيارات…” ( إضاءات: ص 7).

عنوان الكتاب و معظم عناوين النصوص نجدها عبارة عن جمل اسمية, و قد أراد الكاتب أن تكون عناوينه على هذا النحو لقوة الدلالة الاسمية* من ناحية و لأنها أشد تمكنا و اخف على الذوق السليم من الدلالة الفعلية من ناحية أخرى. أما من الناحية الدلالية فالكاتب أراد بهذا العنوان أن يتلاءم مع القضية الأساسية التي يطرحها و يعالجها في الكتاب و التي تدور أحداثها و مشاكلها في المدرسة و أبطالها هم أستاذ مادة اللغة العربية (و هو الكاتب نفسه) و طلابه الانتحاريون(كما يصفهم الكاتب في كتابه).
و الأوقات الجميلة هي تلك الأوقات التي يقضيها الأستاذ مع طلابه في المدرسة أو خارج أسوارها حين يتمردون و يقفزون عن السور طائرين إلى الجبل المجاور لها كي يتناقشون مع بعضهم البعض و يحللون أخطاءهم النضرة و إيجاد الحلول الحداثية لها كما حدث مع الطالب أيمن في ( حكاية أيمن الطالب المذعور الذي ضبط في الصف يتحسس جسده : ص79)

المعلّم المغامر و انقلاب طلابه
في كتابه ” الرواة على بيدر الحكمة ” اعتبر الناقد إبراهيم السعافين أن زياد خدّاش من جيل المغامرات المفتوحة الذين انطلقوا من واقع التجريب, حيث إنه كتب عن الحياة السيئة و الواقع المرير الذي يعاني منه الفلسطيني بشكل خاص و العربي بشكل عام. و تتجلى شخصية زياد المغامر في زياد المعلّم الذي يرفض بشدّة القوانين المدرسية الصارمة و التي تكتم أنفاس الطلاب الأبرياء و تحطّ من قدرهم بطريقة و بأخرى, مما يدفعهم إلى أن يقترحوا على أستاذهم ” احتلال المدرسة ” و السيطرة على كل ممتلكاتها, بداية من الميكرفون و الطباشير و المقاعد المرصوصة في الصفوف و الكتب المقررة حتى العنف المتمثل في البرابيج !, من هنا ينقلب الطلاب على مدير المدرسة و يسجنونه مع بقية الأساتذة في مكتبه خلال اجتماع إداري مع هيئة التدريس في المدرسة ( طلابي الانتحاريون يحتلون المدرسة: ص 105 ).

الطيران و القفز عن سور المدرسة
تتكرر كلمات و ألفاظ التمرد في نصوص الكتاب بشكل متعمد و أحيانا عفوي يفيض من روح المعلم المتذمر الذي” تورط في مهنة التدريس بسبب انعدام الخيارات” (ص7). كان القفز و الطيران من أهم الألفاظ الفعلية المتمردة: حرب, جنون,كسر, خيال, عصيان, تخريب,إطاحة, جنود,.. إلخ. و كلها ألفاظ تدل بوضوح على الإرادة القوية و العصيان ضد القوانين المدرسية الإلزامية :
” يا أعزائي إنها حرب أخرى سنخوضها هذا العام ” ( ص23)
” قررت أن أبدا بشن أول المعارك بالتعاون مع جنودي ” ( ص 31 )
” انصرفت متأبطا حربي إلى غرفة المعلمين ” ( ص 42)
” قلت لهم: اقفزوا ورائي واحدا تلو الآخر, مع صيحة يطلقها كل قافز تعبر عن فرحه بالتحرر من الجدران,
قفزت أمامهم, مع صيحة فرح وحشية, قفزوا ورائي, مالئين الدنيا صياحا..” ( جماليات التخريب و سحر اللامتحقق: ص 39 )
” سنطيح بطريقة التفكير القديمة ” ( ص 51)
” هيا نرتكب خروجا عن العادي و اليومي” ( ص 63)
” قال سعيد: سنقفز عن السور كما فعلنا في السابق..” ( ص 84 )

مشروع الرؤية المجنونة للعالم.. و الحلم بالمستحيل
مشروع الرؤية المجنونة للعالم هو مشروع تربوي حديث أكثر مما هو فنتازي ابتكره المعلم/الكاتب ليتعامل مع طلابه بطريقة رائعة يملؤها الحلم و الخيال, يخترعون مع بعضهم البعض العالم المدرسي الحر فيحضرون أقفاص العصافير إلى الصف ليطلقوا سراحها من نوافذه المحفورة في جدران تشبه السجن المرعب ( ص 100).. و يرسمون على السبورة غابة فيها اسود و فيلة و نمور و غزلا ( ص 64): ” قلت لهم رائع جدا يا أصدقائي” , ” شرع الطلاب بحماس شديد بتغيير معالم الصف, اخرجوا المقاعد من الصف, بدأو يقصقصون الأوراق و يشكلونها على شكل أزهار و سناسل و صخور و أشجار و نمور و أسود ” “و هكذا لم يعد الصف صفا..”.
هذه المدرسة كثير من الطلاب يحلمون بها, و لكن تظل أحلامهم مستحيلة لا تتجاوز حدود الخيال. تكمن متعة الحلم في استحالة تحوله إلى واقع متحقق, لأنها لو ” تحققت هذه الأحلام لفقدت كونها أحلاما, لفقدت جمالها و غرائبيتها الخاصة, لأصبحت واقعا مملا..”( ص 45).. المعلّم يفك أسر طلابه من الصف و من الضجر , فيتنصّل من شخصيّة الأستاذ المتعجرف و لأول مرة يحلق مع طلابه في سماء الحلم و لعبة الخيال و تكوين الكلمات, يبدأ معهم بتعريف الكتابة الإبداعية, ثم يكون ذلك سلم الصعود إلى الكذب و القفز خلف سور الكتابة/المدرسة ( انظر نص: تجربتي في تدريس الكتابة الإبداعية للصف السابع, الكتابة كبحث خلف السور: ص 15 ),(ص32),( ص 57)..

مجزرة الخيال و إعدام المخيّلة في منهاج اللغة العربية الفلسطيني
لا يغفل زياد خداش المعلّمُ الكتابَ المدرسي المقرر عليه و على طلابه, فينقد منهاجه و عقل من صاغه: ” فالعقل الذي صاغ هذا المنهاج هو العقل نفسه الذي صاغ منهاج السابع و السادس, فليس من المعقول أن يتطور العقل فجأة ليصبح منهاجا مختلفا, يعتذر عن سطحيته السابقة ” ( حرب ضد اليباب, حرب ضد السطح: ص 23 ), و يسخر من واضعي المنهاج: ” نحن شاكرون لكم جدا إعطائنا المعلومات القيمة حول قواعد اللغة العربية, و قواعد الإملاء و الخط, هذه مهارات نحن ملتزمون بها تماما. و لكننا لن ننصاع لتوجيهاتكم بخصوص طرق التفكير, و آليات مناقشة الدروس, و في مضامين التعبير الخاوية و المملة و القاتلة للمخيلة ” ” لن نقول لهم ذلك بصوت عالٍ, سنهمس ذلك همسا حتى لا يسمعوا. ها ها ها ها ” ( ص 25 ). و يؤكّد ضرورة وجود الخيال و قابلية التخيّل و التأويل و التفكير في دروس كتاب اللغة العربية, فأسئلة الكتاب لا تثير التفكير في ذهن الطالب, دائما هي مكررة و روتينية : ” أين هي الأسئلة التي تدفع إلى جو ذهني يثير التفكير, هل سؤال من نوع ( أُذكر و لمن و بيّن ) يثير تفكيري. و حتى لو اعتبرنا أن هذا النوع من الأسئلة يثير التفكير, كيف يمكن أن يثار تفكير شخص ما لا يمتلك مخيلة, و إن امتلكها فهي كسيحة و عاجزة ؟ فكلمة المخيلة أو الخيال لم ترد في مقدمة المنهاج أبدا, هذه الكلمة الضائعة و المغيبة يفترض فيها أن تشكل فضاء العملية التعليمية كلها ” ( ص 27). و يعتبر الكاتب أن غياب هذه الكلمة ” مجزرة “, إذ يلقي بسبب المشكلة في ذلك على عاتق صائغي المنهاج و هي: ” غياب إيمانهم بأهمية تقديم نصوص تحتمل تأويلات متعددة ” ( ص 29 ) كما في قصة زائر المساء لخليل السواحري. و الكاتب لا يلومهم في ذلك بل يعذرهم : ” فهم ضحايا تربية عقيمة و أساليب بالية و رؤى قديمة ” (ص 31).

هيّا نطارد الدهشة !
الكتاب يعجُّ بالأحلام الصاخبة, و الشغب و الطلاب و المعلمون. نقرأ فيه التمرد على القوانين و الانقلاب على القديم, و لا ننسى فيروز, سنقرأ صوتها مكتوبا بلغة زياد خداش.. هذا الساحر المجنون!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* شتاء في قميص رجل: عنوان قصة من مجموعته القصصية خذيني إلى موتي
* محمد عويس محمد : العنوان في الأدب العربي, النشأة و التطور

زياد خداش:
قاص و كاتب فلسطيني مقيم في مدينة رام الله, و يعمل مدرسا في مدرسة أمين الحسيني, و له العديد من المجموعات القصصية المنشورة.

القميص المسروق

[ القميص المسروق ]
غسّان كنفاني

رفع رأسه إلى السماء المظلمة وهو يقاوم شتيمة كفر صغيرة أوشكت أن تنزلق عن لسانه، واستطاع أن يحس الغيوم السوداء تتزاحم كقطع البازلت، وتندمج ثم تتمزق.
إن هذا المطر لن ينتهي الليلة، هذا يعني انه لن ينام، بل سيظل منكبا على رفشه، يحفر طريقا تجر المياه الموحلة بعيدا عن أوتاد الخيمة، لقد أوشك ظهره أن يعتاد ضرب المطر البارد.. بل إن هذا البرد يعطيه شعورا لذيذا بالخدر.
انه يشم رائحة الدخان، لقد أشعلت زوجه النار لتخبز الطحين، كم يود لو انه ينتهي من هذا الخندق، فيدخل الخيمة، ويدس كفيه الباردتين في النار حتى الاحتراق، لا شك انه يستطيع ان يقبض على الشعلة بأصابعه، وان ينقلها من يد إلى أخرى حتى يذهب هذا الجليد عنهما.
. ولكنه يخاف ان يدخل هذه الخيمة، ان في محاجر زوجه سؤالا رهيبا ما زال يقرع فيهما منذ زمن بعيد، لا، ان البرد اقل قسوة من السؤال الرهيب.ستقول له اذا ما دخل وهي تغرس كفيها في العجين، وتغرس عينيها في عيونه:هل وجدت عملا؟ماذا سنأكل اذن؟ كيف استطاع(ابو فلان) ان يشتغل هنا وكيف استطاع(ابو علنتان) ان يشتغل هناك؟ثم ستشير الى عبد الرحمن المكور في زاوية الخيمة كالقط الكبول، و ستهز رأسها بصمت ابلغ من الف الف عتاب.. ماذا عنده الليلة ليقول لها سوى ما يقوله في كل ليلة..
-هل تريدينني ان اسرق لا حل مشاكل عبد الرحمن؟

ونصب قامته بهدوء لاهث، ثم ما لبث ان عاد، فاتكأ على الرفش المكسور، وانشأ يحدق بالخيمة الداكنة مستشعرا قلقا عظيماوهو يسأل نفسه:
– وماذا لو سرقت؟
ان مخازن وكالة الغوث الدولية تقع على مقربة من الخيام، ان قرر ان يبدأ فهو يستطيع بالتأكيد ان ينزلق الى حيث يتكدس الطحين والرز، من ثقب ما سيجده هنا او هناك، ثم ان المال ليس حلال احد، لقد اتى من هناك، من عند ناس قال عنهم استاذ المدرسة لعبد الرحمن انهم ” يقتلون القتيل ويمشون في جنازته” فماذا يضر الناس لو انه سرق كيس طحين.. كيسين.. عشرة؟وماذا لو باع شيئا من هذا الطحين الى واحد من اولئك الذين يتمتعون بقدرة عظيمة على استنشاق روائح مسروقات، وبقدرة اعظم في المساومة على ثمنها؟
ولذت له الفكرة، فدأب بعزم اشد على اتمام حفر الخندق فيما حول الخيمة و اخذ يسأل نفسه من جديد ان لماذا لا يبدأ مغامرته منذ الآن؟ان المطر شديد والحارس مشغول بأمر البرد اكثر من انشغاله بمصلحة وكالة الغوث الدولية، فلماذا لا يبدأ الآن؟ لماذا؟
– ماذا تعمل يا أبا العبد؟
ورفع رأسه الى جهة الصوت، وميز شبح ابي سمير قادما من بين صفي الخيام المغروسة الى ما لا نهاية الظلمة..
-انني احفر طحينا..
– تحفر ماذا؟
– احفر.. احفر.. خندقا..
وسمع ضحكة ابي سمير الرفيعة التي سرعان ما تلاشت في ثرثرته:
– يبدو انك تفكر بالطحين، ان التوزيع سيتأخر الى ما بعد العشرة الايام الاولى من الشهر القادم، اي بعد خمسة عشر يوما تقريبا، فلا تفكر منذ الآن الا اذا كنت تنوي ان تستعير كيسا او كيسين من المخزن..
ورأى ذراع ابي سمير تشير باتجاه المخازن، ولمح على شفتيه السميكتين ظلا لابتسامة خبيثة، وشعر بصعوبة الموقف، فعاد يضرب الارض برفشه المكسور.
– خد هذه السيكارة.. ولكن لا، انك لن تستفيد منها فالمطر مزعج.. لقد نسيت ان السماء تمطر، عقل من الطحين.. مثل الحجر..
واحس بضيق يأخذ بخناقه، انه يكره ابا سمير منذ زمن بعيد، هذا الثرثار الخبيث:
– ما الذي اخرجك في هذا المطر؟
– خرجت.. خرجت لاسألك ان كنت تريد المساعدة.
– لا.. شكرا..
-هل ستحفر طويلا؟
– معظم الليل..
– لم اقل لك ان تحفر خندقك في النهار؟انك دائما تذهب الى حيث لا ادري وتترك الخيمة.. هل تذهب للبحث عن خاتم سليمان؟
– لا.. عن شغل..
ورفع رأسه عن الرفش وهو يلهث..
– لماذا لا تذهب لتنام وتتركني وحدي؟
واقترب منه ابو سمير بهدوء جم ووضع كفّه يهزها ببطء وهو يقول بصوت مخنوق:
– اسمع يا ابا العبد، ان رأيت الآن كيس طحين يمشي من امامك فلا تذع الخبر لاحد!
– كيف؟
قالها ابو العبد وصدره ينبض بعنف، وشم رائحة التبغ من فم ابي سمير وهو يهمس وقد فتح عيونه على سعها:
– هناك اكياس طحين تمشي في الليل وتذهب الى هناك..
– الى اين؟
– الى هناك..
حاول ابو العبد ان يرى الى اين يشير ابو سمير ولكنه وجد ذراعيه مسدلتين على جنبيه، بينما سمع صوته يهمس ببحة عميقة:
– ستأخذ نصيبك.
– هل هناك ثقب تدخلون منه؟
ورفع ابو سمير رأسه نافيا ومفرقعا لسانه بمرح، ثم همس بصوت نصف مبحوح:
– ان اكياس الطحين تخرج لوحدها.. انها تمشي!
-انك مجنون ..
– لا، بل انت مسكين.. اسمع، ولندخل في الموضوع مباشرة، ان ما علينا هو ان نخرج اكياس الطحين من المخزن ونذهب بها هناك، ان الحارس سيمهد لنا كل شيء كما يفعل دائما، ان الذي سيتولى البيع ليس انا، ولا انت، انه الموظف الامريكي الاشقر في الوكالة.. لا، لا تعجب، كل شيء يصبح جائزا ومعقولا بعد الاتفاق.الأمريكي يبيع، وأنا اقبض، والحارس يقبض.. وأنت تقبض، وكله بالاتفاق، فما رأيك؟
وشعر ابو العبد ان القضية اشد تعقيدا من سرقة كيس اوكيسين، اوعشرة، ورواده شعور لزج بالقرف من المعاملة مع هذا الانسان.. ثقيل الدم كما تعارفوا عليه في المخيم كله.. ولكنه في الوقت ذاته راقه ان يعود يوما الى خيمته وفي يده قميص جديد لعبد الرحمن، واغراض صغيرة لام العبد بعد هذا الحرمان الطويل، كم ستكون ابتسامتاهما جميلتين، ان ابتسامة عبد الرحمن، لوحدها، تستحق المغامرة لا شك، ولكنه لو فشل.. اي مصير اسود ينتظر ام العبد وولدها.. يومها سيحمل عبدالرحمن صندوق مسح الاحذية ليتكور في الشارع هازا رأسه الصغير فوق الاحذية الانيقة، يا للمصير الاسود، ولكنه لو نجح فسيبدو عبد الرحمن انسانا جديدا، وسيقتلع من عيون زوجه ذلك السؤال المخيف. لو نجح، فستنتهي مأساة الخندق في كل ليلة ممطرة، وسيعيش حيث لا يستطيع ان يتصور الآن..
– لماذا لا تترك هذا الخندق الملعون، لبدأ قبل ان تشرق الشمس؟
نعم لماذا لا يترك الخندق.. ان عبد الرحمن يلهث من البرد في طرف الخيمة، ويكاد يحس انفاسه تلفح جبينه البارد.. كم يود لو انه ينتشل عبد الرحمن من هزاله وخوفه، لقد اوشك المطر ان ينقطع، وبدأ القمر في السماء يمزق طريقا وعرا..
وابوسمير، ما زال واقفا امامه كالشبح الاسود، غارسا قدميه الكبيرتين في الوحل، رافعا ياقة معطفه العتيق الى ما فوق اذنيه، انه ما زال واقفا ينتظر، هذا الانسان الواقف امامه، يحمل معه قدرا جديدا غامضا، يساومه ليرفع معه الاكياس من المخزن، الى مكان ما، يأتيه الامريكي كل شهر ويقف امام اكوام الطحين يفرك راحتيه النظيفتين، ويضحك بعيون زرقاء كعيون قط يتحفز امام جحر فأر مسكين.
– منذ متى وانت تتعامل مع هذا الحارس وذلك الموظف؟
– هل تريد ان تحقق معي ام تأخذ ثمن الطحين وتذهب لتشتري الشياطين؟اسمع ان هذا الامريكي صديقي، وهو انسان يحب العمل المنظم، انه يطلب مني دائما ان اضع الوقت بالمقدمة. وهو لا يحب التأخير في المواعيد.. علينا ان نبدأ الآن. اسرع.
و عاد يتصور الامريكي واقفا امام اكياس الطحين، يضحك بعيون زرقاء ضيقة ويفرك راحتيه النظيفتين بحبور وطمأنينة، فشعر بضيق غريب، وخطر له ان ذلك الامريكي كان يبيع الطحين في الوقت الذي كان يقول فيه لرجال المخيم ولنسائه ان توزيع الاغاثة سيتأجل الى نهاية الايام العشرة الاولى من الشهر، واحس بنقمة طاغية، هي صدى لاحساساته يوم كان يرجع من المخازن ليقول لزوجته بصوت كسير انهم اجلوا توزيع الطحين عشرة ايام، كم هي مؤلمة خيبة الامل التي كانت ترتسم في وجهها الاسمر المجهد، لقد كان يحس الغصة تتعلق بالف ذراع في حنجرته وهي تنظر بصمت مريع الى كيس الطحين الفارغ يتأرجح على ذراعه كالمشنوق.. لقد كانت تعني في نظرتها تلك ان عشرة ايام ستمضي قبل ان يجدوا طحينا للاكل. كان يبدو له ايضا ان عبد الرحمن يفهم الموقف تماما، لقد كان يكف عن طلب الاكل بالحاح..
في كل خيام قريةالنازحين كانت العيون المتلهفة تقع في خيبة الامل ذاتها، كان على كل طفل في المخيم ان ينتظر عشرة ايام ليأكل خبزا. هذا اذن هو سبب التأجيل، ابو سمير الواقف امامه كالشبح الاسود، غارسا قدميه في الطين قلقا لمصير مساوماته، هو والامريكي الذي يفرك راحتيه النظيفتين امام اكوام الطحين وهويضحك بعيون زرقاء ضيقة..
لم يدر كيف رفع الرفش الى ما فوق رأسه وكيف هوى به بعنف رهيب على رأس ابي سمير، وهويصيح في وجهها ان الطحين لن يتأجل توزيعه هذا الشهر..
كان لا يزال راغبا في ان يراه يبتسم لقميص جديد..
فأخذ يبكي..

الأجنحة المتكسرة…في قبضة الموت

أشفق يا رب و شدد جميع الأجنحة المتكسرة
(سلمى كرامة)

يسرد لنا جبران خليل جبران قصة الحب الظالم للقلب و المظلوم من المجتمع و فساده, فسلمى التي أحبها وهو في الثامنة عشر من صباه و كانت هي أول امرأة تحل روحها بجسده و يعشقها بكل ما أوتي من عشق و هيام, سلمى كرامة التي أدخلت جبران”جنة الحب و الطهر بحلاوتها و استعدادها”(ص8) يزوّجها أبوها رجلا لا تحبه, ابن أخ المطران بولس الذي “تسير قبائحه بظل الإنجيل فتظهر للناس كالفضائل”(ص18).. رغم زواجها من منصور بك, تظل سلمى مخلصة في حبها لجبران, فتلتقي به مرة كل شهر في معبد صغير قديم العهد, هناك يختليان مع بعضهما مبتسمان متناسيان “كل شيء سوى الحب و أفراحه”(ص80), و لم تكن اجتماعاتهما في المعبد مقتصرة على مبادلة العواطف و بث الشكوى بل كانا يتحدثان عن أشياء أخرى عامة و يتبادلان الأفكار و الآراء, و نلاحظ من أحاديث سلمى كرامة إلى جبران مدى الوجع و تعاسة حياة المرأة تحت جناح الزوج القاسي, لا سيما تلك المرأة البرجوازية التي يتزوج الرجل مالها لا روحها وجسدها!.
و تتجلى سلطة الأكبر على الأصغر حين تأتي سلمى إلى جبران لتطلب منه الفراق الأبدي, يسألها جبران عن ذلك قائلا:”هل علم زوجك باجتماعاتنا فصرت تخشين غضبه و انتقامه”(ص85), تنفي ذلك و تخبره ملتاعة متأوهة أن الشكوك بدأت توسوس في المطران بولس تجاه خروجها من البيت مرة كل شهر, هنا الخوف لا يسقط من الزوج بل من الأكبر الذي كان سببا في زواج منصور بك من المرأة الثرية التي يصعب على أي رجل أن ينالها بسهولة, هل المرأة محكومة من الرجل الأعلى؟ أم من زوجها؟..
يفترق جبران عن سلمى, و بعد خمس سنوات من زواجها تنجب ابنا لكنه يموت في ذات اللحظة و بموت الوليد تولد حياة أخرى لسلمى في القبر, تُضم الجثتين إلى بعضهما و يدفنهما حفار القبور في نفس القبر الذي دُفن فيه والد سلمى..(ص101),
إنه القبر الذي ستكون فيه الحياة أهون من حياة المرأة المضطهدة بين الأحياء على الأرض.
الأجنحة المتكسرة قصة تقليدية تنتهي بزواج الحبيبة من رجل غير الذي تحبه, كتبها جبران بلغة شاعرية مضمخة بالحزن و النقمة على المجتمع و أفكاره المعتمة, يرفع من شأن المرأة و يظهر قيمتها على النحو الذي يجب أن تكون عليه في مجتمع يجعلها مثل الجارية و يصنع من الزيجة “تجارة مضحكة يتولى أمورها الفتيان و آباء الصبايا..”(ص61).

كأن شخصا ثالثا كان بيننا-زياد خداش


كأن شخصا ثالثا كان بيننا, هذا عنوان الكتاب و لكن ما أريد قوله هو أنه فعلا كان بيني و بين الكتاب شخصا ثالثا آخرا لا علاقة له بتلك القصة التي يحتويها الكتاب, كان بيننا عالما واسعا يضج بالتمرد على القوانين..عالما يصخب بالمغامرات و المخاطر و الحب و النساء و الأطفال و طلاب المدارس..
من منا يرفض فكرة النشيد الوطني؟ و لكن من الذي لا يمل سماعه كل صباح؟ زياد يعلن ملله و يطالب باستبدال النشيد الوطني إلى أغانٍ لفيروز أو عبد الوهاب(ص34)..
زياد الإنسان الكاتب العاشق التائه الحزين التعيس..زياد المعلم الذي يتساءل في نهاية العام الدراسي”هل سأعود إلى مهنة التعليم العام القادم”؟(ص22)..
زياد الذي يفهم معاناة نسائه في بلاده(ص93), يكتب عنهن, يحاورهنّ, يتشاجر معهن, يصادقهن, يرتشف القهوة معهن..
من لا يعرف رام الله فليقرأ نصوص زياد ليتمشى معه في شارع ركب و شارع الحرية و يصعد أدراج عمارة مخماس و يجلس في المقاهي و مطعم دارنا و الفنادق و القرى و سيارات الأجرة.. زياد يكتب لنا رام الله في كتبه كأنها ملاك على كتفي ملاك, كأنها امرأة نادرة أو ساحرة نورانية.. كأنها رام الله نفسها بنسائها و أوجاعها و احتلالها..
يشاركه في الكتاب الفنان جاد سليمان,شاب رسم لوحاته بغموض فادح لم أفهمه, لكن الدوائر و الخطوط و المنحنيات كانت تمطر ماءا يبلل الورق و يزيد من زهو نصوص زياد إنها لغة أخرى تحيط عين القارئ بهالة بيضاء من الألم و الأمل..
هذا الكتاب مليء بالنصوص التي تنتهي بلا نهاية, كما و لو كنا نسير في نفق معتم نرى في آخره شعاع نور و حين نصل ذاك النور نفاجأ بأن النفق لم ينتهِ و ما زال له امتداد طويل كأن النور فوهة أخرى لمفتاح مفعم بالحيرة.

My Night In Page 44
ابنة الليل





سيدة الشاي *

( …كانت تخترق وجودي وتصنع مني زلزالاً صغيراً نادماً )

نادل

كيف أنسى نادل فندق روكي؟ يديه الدقيقتين، وجهه الحريص، حركته البطيئة، عينيه الـمتفاجئتين العطشتين؛ الحفلة صاخبة إلى درجة أننا كنا نرى أفواهنا تتحرّك بلا صوت، كنّا نقرأ شفاه بعضنا ونفهم ما نريد، كنّا ظلالاً متعبةً لأشخاص آخرين خرجوا قافزين من رتابة مدننا، إلى ذرى تلال الحلـم، بينما هو كان صامتاً يتجوّل بين الطاولات، يضع كأساً هنا، يتناول زجاجةً آيلةً للسقوط عن الطاولة، يعدّل فوضى طاولة، ويحمل صحناً نصف فارغ هناك، يخفف من انفعال كرسي هنا، ويبتسم، يبتسم باستمرار، دون أن يبادله الابتسامة أحد، كان شاباً، في أواخر العقد الثاني، في لحظةٍ ما تعثرت به كما كان يتعثر الكثيرون من صبايا وشباب، فجأة انتبهت إلى أنني تعثرت بإنسان، لـم يكن طاولةً أو زجاجةً مرميةً على الأرض، كان إنساناً، إنساناً، ووسط غبش فضاء القاعة الـمجنونة الـمثقلة بالـموسيقى والرقص والأضواء الخاطفة والـمتغيرة، أدركت أنني أمام حالة من الحالات الإنسانية الغنية التي لا أستطيع مقاومة تأملها وممارسة الوجع والأسئلة أمامها، اقترب مني، حين رآني أوقف سيل الآخر الذي خرج عني:

ــ مرحباً، أهلاً أستاذ، كيفك؟. ــ تمام أستاذ، الله يعينك علينا إحنا كثير مزعجين الليلة. ــ بالعكس أستاذ إنتو رائعين، كنت بتمنى لو … ــ لو شو؟ ــ لو إني صديق إلكم، كان نفسي أرقص معكم بس ممنوع لأنه أنا شغلي إني أخدمكم.

صدمتني أمنيته، لـم أستطع أن أتابع كلامي معه، خرجت إلى الشرفة أتنفّس بعمقٍ، طارداً ما تبقى من الآخر الذي يتملـمل داخلي ليتابع انفلاته الهادر، الآن صرت أنا تماماً، الـمدرس الـمهزوم والـمحتفل بالهامش، والـمنحاز إلى الجوانب غير الواضحة من الصور، والـمتسائل دائماً، عدت إلى واقعي الثقيل، والـمختل، في لحظةٍ ما وأنا أتهيأ للعودة إلى القاعة، تعرقلت قدمي بكيس، كانت تتدلى منه أدوات وملابس مستعارة، واضح أنها لإحدى الفرق الـمسرحية التي تشارك في حفل التكريم الـمشتعل. جاءتني فكرة: تعال يا صديقي. سحبته إلى الرواق، خلعت عنه معطف العمل. (كان مستغرباً)، البس (قلت له). ناولته طاقيةً ونظارةً شمسيةً، وشارباً مستعاراً وقميصاً أصفر، وإشرت إلى القاعة، اذهب وارقص، لن يعرفك أحد الآن، حتى أنك لن تعرف نفسك، ارقص، ارقص ارقص، اقتحم مجهول القاعة ارقص حتى الدموع، رأيت دموعه ترقص خلفه. أما دموعي فقد اصطحبتها معي يداً بيد إلى الشرفة. كانت هادئةً جداً، على غير عادتها هل شاخت؟ أم تراها عقلت وصارت ذكيةً، وخبيرةً بالهزائم.

سيدة الشاي

في مقهى ما من مقاهي الـمدينة، كانت تجلس مع صديقتها الأجنبية، تشرب الشاي بهدوء، تضحك بشكل حقيقي، تبتسم بعمق، تحرّك يديها تماماً كما تفعل في كل الأمكنة، في مؤسستها مثلاً. هنا في هذا الـمقهى لا شيء حقيقياً أو عميقاً، ومع ذلك فهي تفرض الآن صدقها وتلقائيتها في عالـم مكوّن من قش متطاير وخشب محروق، لـم تكن تهتم لأحد سوى صديقتها وكلامها، لـم تكن ترى أحداً، كنت أنا أراها، وحدها فقط، دون العشرات من الصبايا والشباب، ممن يترمون هنا وهناك طامحين إلى علاقة ومتوسلين حباً، يتحركون على عتبات الاستكبار والثرثرة الفارغة حول الذات، والاقتراب الـمصنوع، والاستعراض. كانت تشرب الشاي باستمتاع صادق كأنها تشرب أناقة بيتها، بينما القاعة الصغيرة تعبق بالـمتعة الـمفتعلة، والصراخ الفارغ واللغة العوراء حولها، كانت الـمشروبات تدخل القلوب عنوة. وتصدر صفيراً شاحباً، كشخص مسكين يحشو فم السحابة الـمعلقة فوق منزله بحكايات الصيف الـمريض، بينما شايها يدخلها بلهفة وحب كأنه شقيقها الغائب، الذي عاد بعد غربة قاتلة. ويصدر ذبذبات طاقة مشعة كانت تخترق وجودي وتصنع مني زلزالاً صغيراً نادماً تخلى عن طبيعته الـمدمرة وهرب إلى الصحراء ليفجر نفسه. بعيداً عن مدارس الـمدينة. واحة صدق هائلة في محيط هائل من الرياء. هكذا كانت هي وكان شايها وابتسامتها. كنت أنا الـمسافة بين رياء الـمكان وصدق شايها؟

العازف

وحده دائماً مع ربابته، في أحد شوارع الـمدينة، لا أحد ينتبه، لا أحد يراه، يعزف باستمرار، لـمن يعزف هذا الرجل؟لـم يكن يرى أحداً، كان يعزف فحسب، أحسبه أحياناً مريضاً، وصف له الطبيب العزف علاجاً. لا ينتبه إلى أحد، كل الخطوات أمامه سيان، مرة رأيته يستمر بالعزف، بينما الـمدينة تغلي بالغضب والشهداء والـمستعربين، راقبته مرة وهو ينهض، عائداً إلى بيته الذي لا أعرف أين هو، ترك الربابات على الأرض، ذهب إلى البيت وحده، بيديه الطليقتين؛ في الليل الـمتأخر، مررت عن الربابات، كانت نائمةً، وضعت بجانبها وردةً، ومشيت إلى شارع الإرسال في مشواري الرياضي اليومي، لـم يفكر أحد في سرقة الربابات، لا أعرف لـماذا بالضبط، ولـماذا لا يخاف العازف على رباباته؟ أحس بأن الناس تدرك أن الربابة تحرس ذاتها، وتحرس صاحبها أيضاً. كيف تدافع الربابة عن نفسها لو هم أحدهم بسرقتها؟وماذا لو حاول جندي إسرائيلي لـمسها؟ ماذا لو حملها ببراءة طفل يسير مع أبيه معتقداً أنها لعبة، ماذا لو مشت الربابات في شوارع رام الله. أقسم لكم أن صاحب الربابات مرّ الآن عن مقهى رام الله بينما أكتب هذه الكلـمات ورجل الزاوية الـمشمسة في الـمقهى شاهد على ذلك. هل خرج العازف من كلـماتي ليمر عني.؟ ليقول لي فقط: أنا لا أراك؟ لا أراك. حتى لو كنت سليل نصك.

* زياد خداش

رام الله

دوائر أختي الناقصة

لا تستطيع اختي منال ان تعيش دون قلم حبر سائل، وورق ابيض كثير، اختي منال في اواخر العقد الثاني من عمرها، لو كتب لها ان تكون عادية، لبدت جميلة، ففي ملامح وجهها مشروع ملغي او غير مكتمل لجمال خاص، يجمع بين براءة وسلام ونعومة النظرة وبين كبريائها وشراستها، اختي تعيش بيننا في البيت،
تأكل معنا، تستخدم اشياءها الخاصة من صابون ومنشفة، ومعجون وفرشاة اسنان، وحين نضحك على موقف لاخ او ابن اخ، تضحك معنا، حين تبكي امي على لقطة حزينة في مساسل عربي، تبكي مع امي، حين تظهر صورة صدام حسين قبل اعتقاله على الشاشة، تصرخ منال فرحة وفخورة احيانا تقفز وتجرنا من ثيابنا الى التلفاز، بعد اعتقال صدام، وظهوره بهيئته التعيسة و المحزنة، كانت منال تشد شعرها وتطلق صيحات استنكار وحسرة، وتدفن راسها تحت اللحفاف احتجاجا، مغمغمة بلغة لا نعرفها نحن البشر،، لا يمر يوم دون ان تتنفس منال فيه دوائرها، وخطوطها الحزينة و الغريبة، محملا باوراق بيضاء كثيرة واقلام حبر زرقاء سائلة، اعود الى البيت مساء كل يوم، تنتظرني منال على الباب، تصفق او ترقص، اسلمها خبزها اليومي، تتلقفه، تسرع الى غرفتها، هناك على سريرها، يمشي قلم منال على الورق، مشية كائن يعرف من اين اتى، و الى اين هو ذاهب، مشية بنت كانت ستصير امراة سمراء وطويلة، جميلة ومثقفة، لو لم يتوقف فجأة مشروع الجمال الخاص المقرر، في سنة من السنوات فرض منع تجول على المخيم، وانقطع الورق، وجفت الاقلام، جن جنون اختي، راحت تمزق ثيابها، وتكسر اواني المطبخ وتنهض في الليل فزعة، وتهذي بكلمات غير مفهومة كأنها تخاطب احدا غير مرئي، فاهتديت الى طريقة مبتكرة لتهدئتها، اعطيتها سطل فحم، واشرت لها بيدي على الحيطان، ابتسمت و راحت ترسم دوائرها المجنونة هناك بخط اسود كبير وثقيل، كنت احيانا اجلس قبالتها، اراقب يدها القوية وعينيها المشغولتين الضائعتين في متاهات عالم غريب، من صنعها، من نسيج روحها، قالت لي مرة صديقة : ان هذه الكائنات الرائعة لا تنتمي لعالمنا، هي متورطة بوجودها على الارض نتيجة خطأ ما، ولها عالمها الخاص ولغاتها وحضارتها، وتقاليدها، صدقت صديقتي، صرت اتصرف مع اختي منال، وكأنها ضيفة عزيزة على عالمنا، اتحمل نزقها ومزاجها، ومطالبها، واعتقدت انها ذات ليل هاديء، ستتسلل من فراشها ودوائرها الى وطنها البعيد، لماذا ترسم اختي دوائرها ناقصة ؟؟ لماذا تترك ثغرة ما، في الدائرة؟ ارقني هذا السؤال طويلا، وما زلت منشغلا به، حتى اللحظة .
مرة من المرات، وضعت يدي فوق يدها، ومشيت بيدها في منحنيات دائرة كبيرة، وحين اوشكت الدائرة على الانغلاق، شعرت بيد اختي توقف يدي بقوة مجنونة، وندت عنها صرخة مرعبة اطاحت بي بعيدا عنها، خرج من فمها زبد، واشتعل في عينيها حريق كبير، وصلت السنته الى وجهي، لم استطع ان اكمل الدائرة، بقيت ثغرة ضيقة جدا، مشت يدها الى دائرة اخرى، ستتركها ناقصة، وهكذا امتلات غرف بيتنا باوراق بيضاء مرسوم عليها هذه الدوائر الغامضة، في احدى الليالي، حلمت بدائرة مرعبة و ضخمة مرسومة بالنار، مترافقة مع اصوات حيوانات بشعة، تقترب من سريري، فجأة تذكرت الثغرة قفزت من فراشي، وانا اصيح : الثغرة، الثغرة، اين الثغرة يا منال، اخرجيني من النار يا اختي، اخرجيني، اخرجيني،
ماذا تريد منال من الثغرات ؟ التتسلل منها الى وطنها ؟؟ ام لتحتج على المشروع الناقص لجمالها؟؟؟ ام لانها عرفت ان الاكتمال موت ونهاية، والنقصان حياة ؟ ؟؟، ام لمعنى اخر لا ادركه بذهني البشري المحدود،
ارسمي دوائرك يا اختي – الضيفة، ارسميها ايتها الحرة الجميلة، المشاغبة، يا اختي، يا دائرتي الناقصة .
فالاكتمال موت موت موت،

* من المجموعة القصصية”خذيني إلى موتي”
زياد خداش/2005

أغنية زفاف *



وانتقلت إليك و كما انتقل الفلكيون
من كوكب نحو آخرَ.روحي تطلُّ
على جسدي من أصابعك العشر.
خذني إليك , انطلق باليمامة حتى
أقاصي الهديل على جانبيك :المدى
والصدى .
و دَع الخيل تركض ورائي
سدى .فأنا لا أرى صورتي , بعدُ
في مائها …لا أرى أحدا

لا أرى أحدا ، لا أراكَ . فماذا
صنعت بحريتي ؟ من أنا خلف
سور المدينة ؟ لا أمّ تعجن َ شعري
الطويل بحّنائها الأبديّ ، ولا أخت
تضفره . من أنا خارج السور بين
حقول حيادية و سماء رمادية . فلتكن
أنت أُمي في بلد الغرباء . و خذني
برفق إلى من أكون غدا

من أكون غدا ؟ هل سأولد من
ضلعك امرأة لا هموم لها غير زينة
دنياك .أم سوف ابكي هناك على
جرح كان يرشد غيمي إلى ماء بئرك ؟ .
خذني إلى آخر
الأرض
قبل طلوع الصباح على قمرٍ كان
يبكي دما في السرير,وخذني برفق
كما النجمة الحالمين إليها سدى
وسدى

وسدى , أتطلع خلف جبال مؤاب,
فلا ريح ُترجِع ثوب العروس.أحبك ,
لكن قلبي يرن برجع الصدى ويحن
إلى سوسن آخر .هل هنالك حزن أشد
التباسا على النفس من فرح البنت
في عرسها ؟واحبك مهما تذكرت
أني نسيت الصدى في الصدى

ألصدى في الصدى,وانتقلت إليكَ
كما انتقل الاسم من كائنٍ نحو آخر.
كنا غريبين في بلدين بعيدين قبل قليل,
فماذا أكون غداة غدٍ عندما أصبحُ
اثنين ؟ماذا صنعت بحريتي ؟ كلما
ازداد خوفي منك اندفعت إليك ,
ولا فضل لي يا حبيبي الغريب سوى
ولعي ,فلتكن ثعلبا طيبا في كرومي,
وحدق بخضرة عينيك في وجعي.لن
أعود إلى اسمي وبريتي,أبدا
أبدا
أبدا.

* من ديوان سرير الغريبة
محمود درويش/1999