ندم اسمه ألمانيا

 Geislingen an der Steige, Germany ·  By Kawther Abu Hani
Geislingen an der Steige, Germany ·
By Kawther Abu Hani

يجب أن أقول، لأنني أشعر بندم كبير، يا لها من حماقة، بماذا كنت أفكر في ذلك الوقت الذي اشتريت فيه تذكرة الطائرة، بماذا كنت أفكر حين اخترت يوم الثلاثاء للسفر. إنها أسوأ رحلة يمكن لشخص سيء الحظ أن يجربها، رحلة بين الجبال الضخمة المملوءة بالأشجار السوداء، الشوارع كئيبة و أنا أكره ألمانيا القاسية. صدقوني، أنا الآن أعيش في شقة جميلة جدا، تحتها قبو قديم يشبه الزنزانة كان اليهود يختبئون فيه أيام هتلر، حتى أن المنطقة كلها كانت ملجأ لليهود الهاربيين من النازيين، أعيش في مدينة صغيرة محوطة بالجبال و الحزن و ذكريات الحروب الألمانية المجنونة. و لأسباب كثيرة كثيرة أندم على هذه الرحلة. لن أحب رجلا من ألمانيا، لن أصادق أحدا من ألمانيا، لن أشتري هدايا من ألمانيا لصديقي في استكهولم، لن أفكر بزيارة أية مدينة أية منطقة ألمانية.. ألمانيا ملغية من الجغرافيا، ألمانيا قاسية و يجب رميها في الشارع للكلاب.

أحذيتي العسكرية الجميلة

اشتريت زوج أحذية جديد, قدمتها لي الشابة و هي تقول “استمتعي, الموضة الآن على الأحذية العسكرية”. أعجبتني التسمية, و أعتقد أنني سوف أشعر بأنني أمشي إلى حرب في كل مرة أنتعل “حذائي العسكري” الأنيق!.
حين عدت إلى البيت تفاجأ صديقي, يجب أن أتوقف, يجب أن لا أشتري المزيد من الأحذية, قال بامتعاض “أنت ماركوسية”. و بالطبع شتان ما بيني و بين إميلدا ماركوس, لن يفتح أحد ما خزانة أحذيتي و يقول “أنتِ مصابة بالهوس”, فأنا أقتني أحذية رخيصة, ماركات محلية غير معروفة, و لا أفكر أبدا بشراء أحذية من برادا أو شانيل..
أحذيتي لها ذاكرة طرق طويلة, فمثلا عندما أمشي بحذائي البرتقالي فانني أتذكر ذلك الصيف الجميل الذي قطفت فيه أول مرة أكواز الذرة من حقل كبير. أما حذائي الأبيض المتسخ كثيرا, فإنه يشعرني و كأنني أمشي في نفس الطرق المؤدية من مدينة غزة إلى حيفا, كان طريقا سريعا جدا و خاليا من أية ذكرى, كانا طريقا و حذاءا بلا ذكريات..
يجب أن أذكر هنا أيضا تلك الفتاة الايطالية, مصممة أحذية رائعة, فأنا أحد المعجبات بتصميماتها, لأكون أكثر دقة, أقول ليس بالأحذية نفسها, و إنما بأيقونة التصميم و هي عين زرقاء مفتوحة و الأخرى مغلقة, أضيف اسم الماركة التي اختارتها المصممة و هي “السلطة الشقراء”.
أليس في تصميم الأحذية و اقتنائها فنّ و جمال؟.

حظ نهاية فصل الشتاء

الشقة الجميلة جدا و الصغيرة و القريبة من كل شي، لقد أحببناها كثيرا و قررنا شراءها، كان سعرها جيدا بالنسبة لنا و لكن السعر ارتفع بجنون نتيجة تنافس المشتريين على الحصول عليها و بالتالي لم نستطع شراؤها.

المساء الذي جربنا فيه اللوتو، دفعنا مائة كرونة، و كان أمامنا ساعة لننتظر النتيجة، تناولنا الشاي مع بسكويت الشوفان و كنت أفكر ماذا سنفعل بالنقود الهائلة إذا ربحنا؟ و بعد ساعة جاءت رسالة ‘لقد ربحت عشرين كرونة’. اللعنة، حسنا لك عشرة و لي عشرة، سوف نشتري أقلام حبر جاف من النوع الرخيص جدا.


جاء أنديش ليناقشه في مشروع، استشارني بفضول ‘أتسمحين لي بالذهاب إلى افريقيا؟’.قلت بحزم لا، أنا لا أحب أن يذهب الرجال البيض إلى هناك. بالمناسبة لماذا لا ينقل أنديش مشروعه إلى غزة، لا نمانع من ذلك هاها.


فردت أوراقي على طاولة الطعام، في المطبخ حيث دائما أراجع دروسي، و بعد نصف ساعة انفجرت بالبكاء، أنا أكره هذه اللغة، و فوق ذلك أنت لا تساعدني في اتقانها. نظر إلي باعتذار و قرر أنه لن يتحدث معي إلا السويدية. مرت ساعتين لا نتحدث إلا السويدية، و كالعادة، ينتهي بنا الأمر أن نستسلم و نكمل بقية يومنا بالانجليزية.


دعتنا صديقة اسبانية و زوجها السويدي لتناول العشاء في بيتها. فكرت بأنه سيكون من الأفضل أن لا أتناول وجبة الغذاء، كنت متحمسة للعشاء الاسباني، ذهبت جائعة. جلسنا في المطبخ الكبير، كانت ماريا تطبخ شيئا ما و زوجها يضع كعكة اليقطين في الفرن. ثم جاءت اللحظة اللذيذة، وضعت ماريا لكل واحد منا صحن حساء البندورة و البيض المسلوق شبه النيء، و صحن سلطة خضار مع قطع الكلمنتينا.. كان ذلك هو العشاء!. لقد تجرعت الحساء كالكابوس، لأول مرة أتناول بيضة سائلة تغرق في صحن حساء البندورة. لم يعجبني العشاء بالمرة.


رافقتني ثيداروسا إلى صالون التجميل لأقص غرة، كنت أشعر بالطمأنينة و هي تراقب معي مقص الفتاة التي تجهز نفسها لقص شعري. عندما خرجنا من الصالون، لم نتحدث أي شيء، أعرف أنني خرجت بشكل جديد و غريب و ذلك يدعو إلى الصمت و الارتباك.

سر الخبز

محاولتي في الخبز
محاولتي في الخبز

لطالما كنت أتجادل مع أمي بخصوص صنع الخبز في البيت, كنت دائما أقول لها أن الزمان تغير و أن شراء الخبز جاهز أسهل من خبزه في البيت, كما أن الخبز أصبح يباع بسعر رخيص. لكن أمي تخالفني, و تقوم بعجن الخبز بنفسها بالرغم من أن الطبيب نصحها بعدم الضغط على أصابع يديها لأنها تعاني من ألم المفاصل.. هنالك سر دافئ في يديها.. هنالك جمال حزين لا أستطيع تفسيره في فوضى الطحين حين تسكب الماء عليه, و حين تنتظر نضوج الخميرة, و حين تقطع العجين إلى كرات صغيرة.. خطواتها السريعة نحو الفرن و لمعة عيناها حين يتورّد الرغيف في النار مثل فراشة تقاوم الاحتراق..
ما تزال أمي حتى الآن شغوفة في صنع الخبز, إنه أحد أهم طقوسها في البيت. و الآن بعد أن أصبحنا بعيدتين, قررت أن أكتشف سر الخبز, و صنعت أرغفتي بنفسي. شعرت بالسعادة و أدركتُ بالضبط معنى أن تتلطخ يداي بالعجين..

* غدا سوف أحمل رغيفا إلى صديقة من غواتيمالا, اتفقنا أن نتبادل أرغفتنا, لتصنع هي خبزا عربيا و أنا أصنع خبزَ أمريكا اللاتينية.

تمارين البرد في بلاد الشمال

كل يوم أتدرب على البرد. في اليوم الأول كانت درجة الحرارة  C°2. لم أكن أعرف أن ثمة جهاز ترمومتر رقمي موضوع عند الشباك في المطبخ. عرفت درجة الحرارة من خلال أصدقائي، كنا نمشي في الشارع و نرتجف جميعا، و نصيح معا ‘بلادنا أدفأ بكثير’. كنت أرتدي فقط قميص و جاكيت خفيف. في اليوم التالي كان مكتوب على الترمومتر أن درجة الحرارة  C°5! قلت في نفسي يكفي أن أرتدي قميص و بلوزة و جاكيت. و عندما خرجت شعرت بالبرد الشديد، و لم تكن ملابسي كافية. في اليوم الثالث كانت درجة الحرارة C°7, ارتديت قميص و بلوزة و بلوزة صوفية أخرى و جاكيت، و لكن لم تكن ملابسي دافئة!. في اليوم الرابع، نظرت من خلال الشباك إلى البحيرة القريبة من بيتي، و رأيت أن المياه هناك تتحول تدريجيا إلى اللون الأحمر، أدركت بسرعة أن الأشجار بدأت ترسل أوراقها الخريفية إلى البحيرة و تصبغ الأماكن بلون الخريف.. فكرت أن اليوم سيكون جميلا و يجب علي أن أخرج بملابس عادية كي أتعود على البرد، و بالفعل خرجت بقميص و جاكيت فقط، كانت درجة الحرارة C°5 ، ما أن خطوت بضع خطوات في الشارع حتى بدأت أرتجف، ركضت مسرعة إلى محطة القطار لأنها أقل بردا من الشارع. في القطار أقنعت نفسي بأن الجو عادي، و البرد فكرة مسبقة يصنعها لنا مصممو الأزياء كي نشعر بالحاجة إلى الدفء و نشتري ملابسهم الثقيلة. و لكن أبدا لم أتدرب على البرد.

دائما في طريقي إلى البيت, يتغير شيء بي, يخفّ البرد قليلا, و أجد وقتا سخيفا لمشاهدة الناس الذين ينتظرون معي القطار, معظمهم لا يكترثون لدرجات الحرارة المنخفضة, ملابسهم غير جيدة, أقصد ليست دافئة, لا يرتجفون, أسنانهم و أقدامهم ثابتة, عيونهم تتأمل سكة الحديد أو النقطة البعيدة آخر النفق, حتى إذا سمعوا صوت القطار, يتأهبون و يصعدون بهدوء مأخوذ من رواية مملة.. و من بينهم جميعا يمكنني تمييز العرب جيدا, الوجوه القلقة, المحادثات الهاتفية بلهجات مختلفة حول سعر ايجارات الشقق السكنية و مساعدات الحكومة.. و الأهم من كل ذلك, الملابس الثقيلة.. إنه البرد, أينما يذهب العربي, يواجه بردا ما.

خط أزرق بعيد

كنت أظن أن صعود السفينة الضخمة المكتوب عليها بخط أحمر عريض “Viking” سوف يضاعف خوفي من الماء العميق. تشكل خوفي الأول من الماء مذ كنت في الصف الثالث، كان يأخذنا أبي إلى البحر في عطلة الصيف، كنا نخرج في وقت مبكر جدا، لدرجة أنني كنت أشعر بأننا ذاهبون لاصطياد غنيمة ما.
هناك، حين نصل البحر، كان القمر واضحا بالرغم من الضباب الغامض الذي يلفه في إشارة لانتهاء الليل. كان يتركنا أبي على الشاطئ نصف ساعة، بحيث يختفي كليا وراء خط أزرق من الماء، في البداية كنت ألاحق رأسه المبتل وهو يتحرك قدما مع جسده بين الأمواج، ولكن فيما بعد أصابني الذعر من فكرة أن البحر دائما يأكل ذلك الرأس المبتل ثم يلفظ شخصا آخر تسيل من ذراعيه أسماك صغيرة تتقافز وترتمي عند قدمي.
حين يعود أبي من وراء ذلك الخط البعيد، نركض إليه نحن أبناءه المتلهفين لشيء لا نعرفه، يلتقط كل واحد منا اصبعا من أصابع يديه الخشنة والطويلة، وبدوره يمشي بنا متجها إلى البحر ونحن نتبعه متشبثين بأصابعه. أنظر إلى اخوتي فألاحظ لمعة الفرح في حدقاتهم وأجسادهم يأكلها البحر، بينما أنا أتشبث أكثر فأكثر في اصبع أبي..
طوال السنين التالية، أكتشف أن البحر مجرد اقتراح مؤقت للتخلص من الخوف.
صرت ناضجة ولم تعد أصابع أبي تحتمل أيدينا التي درست الهندسة والطب والشعر، فأصبحنا نذهب إلى البحر بأنفسنا ودون ذلك التوقيت المبكر الذي لم أحبه يوما. لأول مرة يقنعني اخوتي في الذهاب إلى البحر، تلك المرة لم تكن لنطعم أجسادنا للبحر ونعود مثل أسماك مالحة تحتاج إلى التجفيف، كانت المرة الأولى التي دفعوني بها إلى سفينة صغيرة لأحد الصيادين، شاب يرتدي شورت بنيا، قرر أن لا يصيد ذلك الشهر ويستخدم سفينته كوسيلة ترفيهية لروّاد البحر في العطلة الصيفية.. حسمت الأمر سريعا على الشاطئ وصعدت السفينة، كانت صغيرة جدا، وكان يبدو أنها جيدة للصيد ولا تصلح لغير ذلك، جلست على المقعد الطويل بين أختي وأخي، الصياد، أقصد قبطان السفينة، شغل المقود وبدأت تبحر فينا.
كنت أنظر إلى الشاطئ بقلق شديد، لا سيما وأن كل شيء حولي بات أزرق، ولم أعد أر غير الموج وبعض الكرات الصفراء الطافية من شباك صيد كبيرة نصبها الصيادون وتركوها.. كانت السفينة ضعيفة مقارنة بقوة الموج، تهتز على الجانبين، وأحيانا يدخل الماء من المقدمة بشكل فوضوي كريه ومخيف.. إلى أن حصل ما كنت أخافه، مالت السفينة على الجانب المقابل لي، بحيث أصبحتُ مرتفعة عن الماء ولكن لم يدم ذلك دقائق من الذعر حتى فقدتُ قواي وأفلتت قبضتي السفينة، فانزلقتُ وانقلبت السفينة.. أكلني البحر.
لم أعرف كيف استطاع الصياد أن يستعيد وضع السفينة الطبيعي، وجدت نفسي في مقعدي وحولي اخوتي يضحكون على ثرثرات سخيفة، هل كنت أحلم؟. حين وصلنا الشاطئ، سمعت الصياد يهمس لأخي “كانت أختك ستغرقنا من الخوف”.
أما الآن، فأتذكر كل شيء وأبتسم بارتباك، وأحيانا أضحك فتلتفت إليّ العجوز الفرنسية وتقابلني بضحكة غريبة وتعود تتأمل البحر من النافذة.. حسنا، ضحكت لأنني كنت حزينة، كنت أتمنى أن يكون أبي معي في تلك اللحظة التي صعدت فيها سفينة الفايكنغ، كان جميع الركاب فرنسيين، كانت أصابعهم ناعمة ولم يكونوا بحاجة إلى الاختفاء مبكرا وراء خط أزرق ليعودوا بالسمك، ويبيعوه.

أحذية على سطح البحيرة

جزيرة لانغهولمن, السويد. كوثر أبو هاني
جزيرة لانغهولم, السويد. تصوير كوثر أبو هاني

عشت لفترة في شقة صغيرة تطل على بحيرة زرقاء ينعكس على سطحها لون الأشجار و لون أحذية المارة على الجسر المعلق فوقها, لم أكن أعرف وقتها أنني أعيش على جزيرة رائعة اسمها لانغهولم, اكتشفت ذلك في احدى الحفلات الباذخة في قصر قديم يمتلكه رجل من احدى العائلات النبيلة.. لم يعجبني أن أكون في مكان له تاريخ فايكنج ثري, قلت لصديقي أنني سأعود إلى البيت, ضحك و قال بأنني سوف أضيع لأن الوقت متأخر بعد منتصف الليل و دائما لا أعرف طريق العودة إلى البيت, كرهت ذلك كثيرا, و فكرت متى سيأتي الوقت الذي أعرف فيه ما اذا كان الخط الأحمر أم الأخضر هو الذي يؤدي إلى محطة القطار المعتادة؟. فيما بعد صرت أحمل خريطة في يدي و أتبعها!. شعرت بأنني طفل ذكي.. مع ذلك لم ألاحظ الخطوط العريضة التي تحمل اللون الأزرق و المنتشرة في الخريطة حول المكان الذي أعيش فيه, دققت النظر و رحت أبحث عن سر الخطوط الزرقاء, فمن المستحيل أن تكون خطوط القطارات منتشرة بهذا الازدحام حولي في مكان لا يحتمل كل تلك السكك.. اكتشفت أنني أعيش على جزيرة, و قررت أن أتغاضى عن كل الدهشة التي فاتتني خلال جهلي بذلك. بعد أيام من اكتشافي المتأخر راودني حلم بأن أصبح مصممة أحذية.. ما يزال انعكاس لون الأحذية و شكلها المتموج و هو يقع و يسير ببطء على سطح البحيرة يلمع في مخيلتي مثل ابتسامة لطيفة.. افترضت أنني أعمل في احدى شركات جيمي تشو, لا شك بأن شكل الحياة سوف يتغير بوجود مصممة أحذية ترسم خططها أمام البحيرة و تنتظر المارة أن يعبروا الجسر كي تلتقط شكل أحذيتهم و ألوانها حين تقع و تغرق في عمق الماء.. و بالطبع تأملت حلمي, و تحدثت عنه مع جارتي الاسبانية, لم تعره اهتماما, و اقترحت علي أن نتناول العشاء في جزيرة تبعد عنا ثلاث ساعات.. فكرت, يبعد عنا بثلاث ساعات بحيرة أخرى غريبة!!