أحذيتي العسكرية الجميلة

اشتريت زوج أحذية جديد, قدمتها لي الشابة و هي تقول “استمتعي, الموضة الآن على الأحذية العسكرية”. أعجبتني التسمية, و أعتقد أنني سوف أشعر بأنني أمشي إلى حرب في كل مرة أنتعل “حذائي العسكري” الأنيق!.
حين عدت إلى البيت تفاجأ صديقي, يجب أن أتوقف, يجب أن لا أشتري المزيد من الأحذية, قال بامتعاض “أنت ماركوسية”. و بالطبع شتان ما بيني و بين إميلدا ماركوس, لن يفتح أحد ما خزانة أحذيتي و يقول “أنتِ مصابة بالهوس”, فأنا أقتني أحذية رخيصة, ماركات محلية غير معروفة, و لا أفكر أبدا بشراء أحذية من برادا أو شانيل..
أحذيتي لها ذاكرة طرق طويلة, فمثلا عندما أمشي بحذائي البرتقالي فانني أتذكر ذلك الصيف الجميل الذي قطفت فيه أول مرة أكواز الذرة من حقل كبير. أما حذائي الأبيض المتسخ كثيرا, فإنه يشعرني و كأنني أمشي في نفس الطرق المؤدية من مدينة غزة إلى حيفا, كان طريقا سريعا جدا و خاليا من أية ذكرى, كانا طريقا و حذاءا بلا ذكريات..
يجب أن أذكر هنا أيضا تلك الفتاة الايطالية, مصممة أحذية رائعة, فأنا أحد المعجبات بتصميماتها, لأكون أكثر دقة, أقول ليس بالأحذية نفسها, و إنما بأيقونة التصميم و هي عين زرقاء مفتوحة و الأخرى مغلقة, أضيف اسم الماركة التي اختارتها المصممة و هي “السلطة الشقراء”.
أليس في تصميم الأحذية و اقتنائها فنّ و جمال؟.

حظ نهاية فصل الشتاء

الشقة الجميلة جدا و الصغيرة و القريبة من كل شي، لقد أحببناها كثيرا و قررنا شراءها، كان سعرها جيدا بالنسبة لنا و لكن السعر ارتفع بجنون نتيجة تنافس المشتريين على الحصول عليها و بالتالي لم نستطع شراؤها.

المساء الذي جربنا فيه اللوتو، دفعنا مائة كرونة، و كان أمامنا ساعة لننتظر النتيجة، تناولنا الشاي مع بسكويت الشوفان و كنت أفكر ماذا سنفعل بالنقود الهائلة إذا ربحنا؟ و بعد ساعة جاءت رسالة ‘لقد ربحت عشرين كرونة’. اللعنة، حسنا لك عشرة و لي عشرة، سوف نشتري أقلام حبر جاف من النوع الرخيص جدا.


جاء أنديش ليناقشه في مشروع، استشارني بفضول ‘أتسمحين لي بالذهاب إلى افريقيا؟’.قلت بحزم لا، أنا لا أحب أن يذهب الرجال البيض إلى هناك. بالمناسبة لماذا لا ينقل أنديش مشروعه إلى غزة، لا نمانع من ذلك هاها.


فردت أوراقي على طاولة الطعام، في المطبخ حيث دائما أراجع دروسي، و بعد نصف ساعة انفجرت بالبكاء، أنا أكره هذه اللغة، و فوق ذلك أنت لا تساعدني في اتقانها. نظر إلي باعتذار و قرر أنه لن يتحدث معي إلا السويدية. مرت ساعتين لا نتحدث إلا السويدية، و كالعادة، ينتهي بنا الأمر أن نستسلم و نكمل بقية يومنا بالانجليزية.


دعتنا صديقة اسبانية و زوجها السويدي لتناول العشاء في بيتها. فكرت بأنه سيكون من الأفضل أن لا أتناول وجبة الغذاء، كنت متحمسة للعشاء الاسباني، ذهبت جائعة. جلسنا في المطبخ الكبير، كانت ماريا تطبخ شيئا ما و زوجها يضع كعكة اليقطين في الفرن. ثم جاءت اللحظة اللذيذة، وضعت ماريا لكل واحد منا صحن حساء البندورة و البيض المسلوق شبه النيء، و صحن سلطة خضار مع قطع الكلمنتينا.. كان ذلك هو العشاء!. لقد تجرعت الحساء كالكابوس، لأول مرة أتناول بيضة سائلة تغرق في صحن حساء البندورة. لم يعجبني العشاء بالمرة.


رافقتني ثيداروسا إلى صالون التجميل لأقص غرة، كنت أشعر بالطمأنينة و هي تراقب معي مقص الفتاة التي تجهز نفسها لقص شعري. عندما خرجنا من الصالون، لم نتحدث أي شيء، أعرف أنني خرجت بشكل جديد و غريب و ذلك يدعو إلى الصمت و الارتباك.

سر الخبز

محاولتي في الخبز
محاولتي في الخبز

لطالما كنت أتجادل مع أمي بخصوص صنع الخبز في البيت, كنت دائما أقول لها أن الزمان تغير و أن شراء الخبز جاهز أسهل من خبزه في البيت, كما أن الخبز أصبح يباع بسعر رخيص. لكن أمي تخالفني, و تقوم بعجن الخبز بنفسها بالرغم من أن الطبيب نصحها بعدم الضغط على أصابع يديها لأنها تعاني من ألم المفاصل.. هنالك سر دافئ في يديها.. هنالك جمال حزين لا أستطيع تفسيره في فوضى الطحين حين تسكب الماء عليه, و حين تنتظر نضوج الخميرة, و حين تقطع العجين إلى كرات صغيرة.. خطواتها السريعة نحو الفرن و لمعة عيناها حين يتورّد الرغيف في النار مثل فراشة تقاوم الاحتراق..
ما تزال أمي حتى الآن شغوفة في صنع الخبز, إنه أحد أهم طقوسها في البيت. و الآن بعد أن أصبحنا بعيدتين, قررت أن أكتشف سر الخبز, و صنعت أرغفتي بنفسي. شعرت بالسعادة و أدركتُ بالضبط معنى أن تتلطخ يداي بالعجين..

* غدا سوف أحمل رغيفا إلى صديقة من غواتيمالا, اتفقنا أن نتبادل أرغفتنا, لتصنع هي خبزا عربيا و أنا أصنع خبزَ أمريكا اللاتينية.

تمارين البرد في بلاد الشمال

كل يوم أتدرب على البرد. في اليوم الأول كانت درجة الحرارة  C°2. لم أكن أعرف أن ثمة جهاز ترمومتر رقمي موضوع عند الشباك في المطبخ. عرفت درجة الحرارة من خلال أصدقائي، كنا نمشي في الشارع و نرتجف جميعا، و نصيح معا ‘بلادنا أدفأ بكثير’. كنت أرتدي فقط قميص و جاكيت خفيف. في اليوم التالي كان مكتوب على الترمومتر أن درجة الحرارة  C°5! قلت في نفسي يكفي أن أرتدي قميص و بلوزة و جاكيت. و عندما خرجت شعرت بالبرد الشديد، و لم تكن ملابسي كافية. في اليوم الثالث كانت درجة الحرارة C°7, ارتديت قميص و بلوزة و بلوزة صوفية أخرى و جاكيت، و لكن لم تكن ملابسي دافئة!. في اليوم الرابع، نظرت من خلال الشباك إلى البحيرة القريبة من بيتي، و رأيت أن المياه هناك تتحول تدريجيا إلى اللون الأحمر، أدركت بسرعة أن الأشجار بدأت ترسل أوراقها الخريفية إلى البحيرة و تصبغ الأماكن بلون الخريف.. فكرت أن اليوم سيكون جميلا و يجب علي أن أخرج بملابس عادية كي أتعود على البرد، و بالفعل خرجت بقميص و جاكيت فقط، كانت درجة الحرارة C°5 ، ما أن خطوت بضع خطوات في الشارع حتى بدأت أرتجف، ركضت مسرعة إلى محطة القطار لأنها أقل بردا من الشارع. في القطار أقنعت نفسي بأن الجو عادي، و البرد فكرة مسبقة يصنعها لنا مصممو الأزياء كي نشعر بالحاجة إلى الدفء و نشتري ملابسهم الثقيلة. و لكن أبدا لم أتدرب على البرد.

دائما في طريقي إلى البيت, يتغير شيء بي, يخفّ البرد قليلا, و أجد وقتا سخيفا لمشاهدة الناس الذين ينتظرون معي القطار, معظمهم لا يكترثون لدرجات الحرارة المنخفضة, ملابسهم غير جيدة, أقصد ليست دافئة, لا يرتجفون, أسنانهم و أقدامهم ثابتة, عيونهم تتأمل سكة الحديد أو النقطة البعيدة آخر النفق, حتى إذا سمعوا صوت القطار, يتأهبون و يصعدون بهدوء مأخوذ من رواية مملة.. و من بينهم جميعا يمكنني تمييز العرب جيدا, الوجوه القلقة, المحادثات الهاتفية بلهجات مختلفة حول سعر ايجارات الشقق السكنية و مساعدات الحكومة.. و الأهم من كل ذلك, الملابس الثقيلة.. إنه البرد, أينما يذهب العربي, يواجه بردا ما.

خط أزرق بعيد

كنت أظن أن صعود السفينة الضخمة المكتوب عليها بخط أحمر عريض “Viking” سوف يضاعف خوفي من الماء العميق. تشكل خوفي الأول من الماء مذ كنت في الصف الثالث، كان يأخذنا أبي إلى البحر في عطلة الصيف، كنا نخرج في وقت مبكر جدا، لدرجة أنني كنت أشعر بأننا ذاهبون لاصطياد غنيمة ما.
هناك، حين نصل البحر، كان القمر واضحا بالرغم من الضباب الغامض الذي يلفه في إشارة لانتهاء الليل. كان يتركنا أبي على الشاطئ نصف ساعة، بحيث يختفي كليا وراء خط أزرق من الماء، في البداية كنت ألاحق رأسه المبتل وهو يتحرك قدما مع جسده بين الأمواج، ولكن فيما بعد أصابني الذعر من فكرة أن البحر دائما يأكل ذلك الرأس المبتل ثم يلفظ شخصا آخر تسيل من ذراعيه أسماك صغيرة تتقافز وترتمي عند قدمي.
حين يعود أبي من وراء ذلك الخط البعيد، نركض إليه نحن أبناءه المتلهفين لشيء لا نعرفه، يلتقط كل واحد منا اصبعا من أصابع يديه الخشنة والطويلة، وبدوره يمشي بنا متجها إلى البحر ونحن نتبعه متشبثين بأصابعه. أنظر إلى اخوتي فألاحظ لمعة الفرح في حدقاتهم وأجسادهم يأكلها البحر، بينما أنا أتشبث أكثر فأكثر في اصبع أبي..
طوال السنين التالية، أكتشف أن البحر مجرد اقتراح مؤقت للتخلص من الخوف.
صرت ناضجة ولم تعد أصابع أبي تحتمل أيدينا التي درست الهندسة والطب والشعر، فأصبحنا نذهب إلى البحر بأنفسنا ودون ذلك التوقيت المبكر الذي لم أحبه يوما. لأول مرة يقنعني اخوتي في الذهاب إلى البحر، تلك المرة لم تكن لنطعم أجسادنا للبحر ونعود مثل أسماك مالحة تحتاج إلى التجفيف، كانت المرة الأولى التي دفعوني بها إلى سفينة صغيرة لأحد الصيادين، شاب يرتدي شورت بنيا، قرر أن لا يصيد ذلك الشهر ويستخدم سفينته كوسيلة ترفيهية لروّاد البحر في العطلة الصيفية.. حسمت الأمر سريعا على الشاطئ وصعدت السفينة، كانت صغيرة جدا، وكان يبدو أنها جيدة للصيد ولا تصلح لغير ذلك، جلست على المقعد الطويل بين أختي وأخي، الصياد، أقصد قبطان السفينة، شغل المقود وبدأت تبحر فينا.
كنت أنظر إلى الشاطئ بقلق شديد، لا سيما وأن كل شيء حولي بات أزرق، ولم أعد أر غير الموج وبعض الكرات الصفراء الطافية من شباك صيد كبيرة نصبها الصيادون وتركوها.. كانت السفينة ضعيفة مقارنة بقوة الموج، تهتز على الجانبين، وأحيانا يدخل الماء من المقدمة بشكل فوضوي كريه ومخيف.. إلى أن حصل ما كنت أخافه، مالت السفينة على الجانب المقابل لي، بحيث أصبحتُ مرتفعة عن الماء ولكن لم يدم ذلك دقائق من الذعر حتى فقدتُ قواي وأفلتت قبضتي السفينة، فانزلقتُ وانقلبت السفينة.. أكلني البحر.
لم أعرف كيف استطاع الصياد أن يستعيد وضع السفينة الطبيعي، وجدت نفسي في مقعدي وحولي اخوتي يضحكون على ثرثرات سخيفة، هل كنت أحلم؟. حين وصلنا الشاطئ، سمعت الصياد يهمس لأخي “كانت أختك ستغرقنا من الخوف”.
أما الآن، فأتذكر كل شيء وأبتسم بارتباك، وأحيانا أضحك فتلتفت إليّ العجوز الفرنسية وتقابلني بضحكة غريبة وتعود تتأمل البحر من النافذة.. حسنا، ضحكت لأنني كنت حزينة، كنت أتمنى أن يكون أبي معي في تلك اللحظة التي صعدت فيها سفينة الفايكنغ، كان جميع الركاب فرنسيين، كانت أصابعهم ناعمة ولم يكونوا بحاجة إلى الاختفاء مبكرا وراء خط أزرق ليعودوا بالسمك، ويبيعوه.

أحذية على سطح البحيرة

جزيرة لانغهولمن, السويد. كوثر أبو هاني
جزيرة لانغهولم, السويد. تصوير كوثر أبو هاني

عشت لفترة في شقة صغيرة تطل على بحيرة زرقاء ينعكس على سطحها لون الأشجار و لون أحذية المارة على الجسر المعلق فوقها, لم أكن أعرف وقتها أنني أعيش على جزيرة رائعة اسمها لانغهولم, اكتشفت ذلك في احدى الحفلات الباذخة في قصر قديم يمتلكه رجل من احدى العائلات النبيلة.. لم يعجبني أن أكون في مكان له تاريخ فايكنج ثري, قلت لصديقي أنني سأعود إلى البيت, ضحك و قال بأنني سوف أضيع لأن الوقت متأخر بعد منتصف الليل و دائما لا أعرف طريق العودة إلى البيت, كرهت ذلك كثيرا, و فكرت متى سيأتي الوقت الذي أعرف فيه ما اذا كان الخط الأحمر أم الأخضر هو الذي يؤدي إلى محطة القطار المعتادة؟. فيما بعد صرت أحمل خريطة في يدي و أتبعها!. شعرت بأنني طفل ذكي.. مع ذلك لم ألاحظ الخطوط العريضة التي تحمل اللون الأزرق و المنتشرة في الخريطة حول المكان الذي أعيش فيه, دققت النظر و رحت أبحث عن سر الخطوط الزرقاء, فمن المستحيل أن تكون خطوط القطارات منتشرة بهذا الازدحام حولي في مكان لا يحتمل كل تلك السكك.. اكتشفت أنني أعيش على جزيرة, و قررت أن أتغاضى عن كل الدهشة التي فاتتني خلال جهلي بذلك. بعد أيام من اكتشافي المتأخر راودني حلم بأن أصبح مصممة أحذية.. ما يزال انعكاس لون الأحذية و شكلها المتموج و هو يقع و يسير ببطء على سطح البحيرة يلمع في مخيلتي مثل ابتسامة لطيفة.. افترضت أنني أعمل في احدى شركات جيمي تشو, لا شك بأن شكل الحياة سوف يتغير بوجود مصممة أحذية ترسم خططها أمام البحيرة و تنتظر المارة أن يعبروا الجسر كي تلتقط شكل أحذيتهم و ألوانها حين تقع و تغرق في عمق الماء.. و بالطبع تأملت حلمي, و تحدثت عنه مع جارتي الاسبانية, لم تعره اهتماما, و اقترحت علي أن نتناول العشاء في جزيرة تبعد عنا ثلاث ساعات.. فكرت, يبعد عنا بثلاث ساعات بحيرة أخرى غريبة!!

الطريق إلى بلاد الفايكنج!!

كانت الساعة الثانية منتصف الليل, أجر حقيبتي خلفي و أنا أتمشى من زاوية لزاوية في قاعة الانتظار في مطار القاهرة, تعرفّت على امرأة مصرية تعيش في نيويورك و جلسنا لساعة نثرثر كأي غريبين عابرين التقيا في مكان غريب, بعد وقت قصير اكتشفت كلتانا أننا سنغادر على متن نفس الطائرة إلى أمستردام, ودّعنا بعضنا و ذهبتُ في اتجاهي إلى زاوية أخرى.. كنت مرهقة جدا, فقد وصلت المطار بعد ثمانية ساعات من سفر طويل من معبر رفح وصولا إلى القاهرة..

صعدت الطائرة و أفكار كثيرة تراودني, كنت ما أزال أشعر بالتعب الشديد, و كانت عيناي متورمتان من النعاس, لم أنم ليلة بأكملها, بحثت عن رقم مقعدي و استلقيت فيه بجانب النافذة, بعدها جاء رجل أربعيني بدين جلس في المقعد المجاور و شاب آخر جلس في المقعد الثالث الأخير..

القاهرة ليلا من نافذة الطائرة
القاهرة ليلا من نافذة الطائرة

بدأت أسمع هدير محركات الطائرة, صار قلبي يدق بسرعة, طارت الطائرة, الرجل الأربعيني لم يكف عن تصويب نظراته نحو الكتاب الذي وضعته على ركبتي, فيما كنت أراقب القاهرة  و هي تتقلص كلما ابتعدت الطائرة عن الأرض, كانت المدينة تتحول إلى لطخات مضيئة تبدو مثل نجوم صغيرة بعيدة, و لكن حين ابتعدت الطائرة أكثر فأكثر شعرت بالرهبة و لم أعد أجرؤ على النظر إلى الأسفل.. حين استقامت الطائرة و لم يعد شيء يتراءى من النافذة غير العتمة و ضباب القمر, رميت رأسي على ظهر الكرسي و أغلقت عيناي لأنام, لكنني لم أستطع, إنني من ذلك النوع من المسافرين الذين لا مقدرة لهم على النوم في الطائرات.. كانت الساعة الرابعة فجرا, يا الهي كم أصبت بالإحباط, أمامي أربع ساعات كي أصل أمستردام, و أنا أكره المكوث في مقعدي لوقت طويل بدون أن أتحرك.. أطفأت المضيفة الشقراء أنوار الطائرة و شغلت موسيقى هادئة ثم اقترحت على الرّكاب النوم!. لكنني أبدا لم أستطع النوم!, كان رأس الرجل الأربعيني يميل على كتفي فأتضايق منه و أزيح كتفي عنه, لكنه لا يستيقظ لدرجة أن شخيره بدأ يتصاعد, أزعجني ذلك لوقت حتى أرغمت نفسي على التعود على نومه و صنعت لنفسي وضعيه لأنام, ربما أنجح؟ وضعت الوسادة على النافذة و ثنيت ساقاي على المقعد كالقرفصاء و لففت جسدي بالغطاء الأزرق الرقيق, مع ذلك فشلت في النوم.. بعد نصف ساعة انتشرت المضيفات يوزّعن وجبة طعام علينا, حين جاء دورنا استيقظ الرجل و طلب أومليت بينما طلبتُ بان كيك, إضافة إلى العصير و سلطة الفواكه و البسكويت و اللبن و أشياء أخرى.. التهم الرجل وجبته بسرعة بينما أنا لم آكل غير قطعة بسكويت, لاحظ الرجل أنني لم آكل وجبتي, قال مستغربا “ايه ده؟ متاكلي يا بتّ”. ابتسمت و قلت “أكلت قبل منطلع الطيارة”, و في الحقيقة لم آكل شيئا منذ وصولي الاسماعيلة بالسيارة. كل ما كنت أريده هو النزول من الطائرة و الوصول, لأنني حقا أكره البقاء في السيارة أو القطار أو الطائرة مدة أكثر من نصف ساعة!.

عاد الرجل إلى النوم سريعا و بقيت أنا أنتظر.. مرة أخبرني صديق أنه خلال احدى رحلاته من اسبانيا الى البرازيل, و قد كان معظم المسافرين على الطائرة من أصل برازيلي, قبل أن يناموا غيروا ملابسهم و ارتدوا بيجامات, ناموا مدة خمس ساعات متواصلة و حين استيقظوا ذهبوا بالدور إلى الحمام ليفرشوا أسنانهم!. تخيّلت لو أنني أفعل ذلك لن أغير في الأمر شيئا..  شغّلت التلفاز ربما أجد فيلما جيدا يلهيني, و لكن للأسف لم أجد شيئا يلائم ذوقي, لا أعرف من اقترح وضع فيلم عمر و سلمى و أغاني نانسي عجرم في أجهزة التلفاز الخاصة بالطائرة؟ حقا إنها سخافة, مثلا سوف يكون من الأفضل لو وضعوا أغاني لأم كلثوم أو عبد الحليم, فالطائرة أجنبية و معظم الركاب أوروبيين, سوف يتعرفون و يستمعون إلى أغاني مصرية راقية و ليست هابطة كنوع من نقل صورة جميلة عن الفن المصري!!.

بدأت أشعة الشمس تضيء نوافذ الطائرة, إنه الصباح و لم نصل بعد, اتضحت الغيوم في ظل ذلك الضوء القوي, و لكنها بدت مثل سجادة قطنية بيضاء و ناعمة. استيقظ الرجل إلى جانبي, ابتسمت له, و فكّرت أن أهدر الوقت المتبقي في الحديث معه, سألته عن محطته التالية بعد أمستردام, فقال أنها المحطة الأخيرة لحضور مؤتمر طبي, و تابع بفخر “أنا دكتور عظام في جامعة القاهرة”, لم أبدِ له إعجابي في ذلك, فحاول أن يخفي غيظه و سألني عن سبب سفري, قلت له “زيارة”, رفع حاجبه الأيمن باستغراب و قال”بس؟”. بعدها غمرنا الصمت, كان الشاب قد ذهب إلى الحمام, بعد أن عاد ذهب الرجل الأربعيني أيضا, خطر في بالي أن أذهب أنا الأخرى إلى الحمام مع أنني لم أكن بحاجة إلى ذلك, و لكن على الأقل سأتحرك و أمشي قليلا في المسافة بين الحمام و مقعدي!. كان ثمة طابور مكون من خمسة أشخاص ينظرون الدور لدخول الحمام!.. كانت فتاة تقف آخر الطابور, حين رأتني أمشي مقتربة من المكان جاءت إلي, ضحكت و قالت ” فش إلا حمامين في الطيارة”.. تركت الفتاة (اسمها ريم) دورها و قالت أنها تود أن تتمشى معي بين ممرات المقاعد, رحبت بالفكرة و رحنا نتمشى طيلة الوقت المتبقي, كانت مفاجأة غير متوقعة أن ريم فلسطينية من غزة, شعرت كلتانا بالألفة و الراحة بمجرد أننا قدمنا من نفس المدينة و الوطن! و الأكثر من ذلك كلتانا مسافرتان إلى العاصمة السويدية ستوكهولم!. أخذتني ريم إلى مقعدها و قالت لي “احفظي مكاني, لما تزهقي تعالي”, و اتفقنا أن نلتقي في قاعة الهبوط حين نغادر الطائرة حتى ترشدني إلى اتجاه قاعة قلوع طائرتي إلى ستوكهولم, لا سيما و أن ريم كانت قد هولت الأمر بأن مطار سخيبول واسع جدا و ساعتين لا تكفيان كي انهي ختم جواز السفر و التوجه إلى قاعة الانتظار, فهي هبطت ترانزيت في مطار سخيبول في زيارتها السابقة للسويد و واجهت مشكلة ضيق الوقت!.

إلى اللقاء أمستردام!
إلى اللقاء أمستردام!

و بالفعل حين هبطت الطائرة الساعة الثامنة صباحا, وجدت ريم تنتظرني و ساعدتني في جر حقيبتي, قلت لها أن ساعتين تكفيان لكل الإجراءات!, فذهبنا و تناولنا القهوة, كنت أشعر بالطمأنينة كوني مع بنت بلدي!.

وصلنا نقطة ختم جوازات السفر, هناك ختمت الموظفة جواز سفر ريم و سمحت لها بالدخول, بينما أنا حوّلت جواز السفر خاصتي إلى قسم المخابرات.. وجدت نفسي محاطة بأسئلة ضبابية كثيرة, كان الشرطي الهولندي قد تأكد من لغتي الانجليزية قبل أن يبدأ برشق الأسئلة, و أصررت أنني لا أريد ولا أحتاج إلى مترجم, ثم شرع بالاستجواب الذي سيمر به كل فلسطيني, شعرت بالغضب و قلت له “لماذا تفعل هذا؟”, ابتسم و قال “لو أراد أحدنا السفر إلى بلدكم سوف تفعلون به أكثر من هذا”. جلست في قاعة الانتظار, مرت ساعة و لم أستلم جواز سفري, موعد الطائرة يقترب و الشرطي الهولندي ما زال يذهب و يعود بمزيد من الأسئلة. بعد ساعتين ذهبت إلى مكتب الشرطي و قلت له أن هذا الأسلوب غير حضاري, فرد عليّ بهدوء ” و لكن هذه مهنتي”. ابتسمت و جلست أنتظر لمدة ثلاث ساعات, كان المسافرون يمرون عني و أنا أشعر بالعقاب الذي يتلقاه المسافر الفلسطيني عند الحدود و المطارات الدولية..

خرج الهولندي إلي من غرفة مليئة بالتلفونات و الشرطة, سلمني جواز السفر مختوما مع تذكرة طائرة جديدة, ببلاهة قال لي “نعتذر عن تأخيرك, و لكنها مهنتنا الأمنية”. نظرت إليه باستغراب و سألته عن اسمه, قال لي “لماذا؟”, قلت له “أريد أن أكتب عما فعلتموه بي, بعد كل تلك الأسئلة المضايقة تعتذرون لي”. جلس و هو يغمغم “أتمنى أن لا تذكرين اسمي.. ولكن لماذا”, قلت له “مهنتي..(الكتابة)”.

حمل الشرطي الهولندي حقيبتي و أوصلني إلى قاعة انتظار الطائرة الجديدة.. كنت حزينة و غاضبة و متعبة. مع ذلك, في نفس الوقت, شعرت بالغبطة تجاه معاملة الشرطي لي, لم يقطب حاجبيه لي و لم يتكلم معي بنزق, بالعكس كان هادئا و اقترح علي الجلوس على احد المقاعد و تناول كوب شاي ريثما ينتهي من واجبه!!. أضف إلى ذلك أن الشرطي وضّح لي سبب تأخيري. في وقت لاحق حين عدت إلى غزة, تحدثت مع صديقتي الفنلندية عن الموقف الذي حصل معي, فعبّرت عن استيائها قائلة “لنكن متفقين أن الدولة لها الحق في القلق من المسافرين الذين تشك فيهم, و لكن هذا ليس عادلا أبدا حين تنشر قلقها على جميع المسافرين القادمين من فلسطين”.

أتمنى من المطارات الأوروبية أن تحسن ظنها بنا نحن الفلسطينيين, أنا لا أتوسل ذلك, بل أطالب بحق إنساني, نحن لا نسافر إلى بلادكم لنهرب و لنطلب اللجوء السياسي, بالعكس نحن نسافر لنتعلم و نرى و نتبادل الثقافات, لدي أصدقاء سافروا لحضور مؤتمرات و ندوات ثقافية و استلام جوائز عالمية.. و لكنهم لم يهربوا! اخوتي سافروا للعمل و دراسة الطب في ألمانيا و لم يفكروا يوما بالتقدم للجوء السياسي. اللعنة! الهروب و اللجوء السياسي ليسا همّ الفلسطيني, هنالك أشياء كثيرة تشغل بالنا, أيها الشرطي في المطار!.

رميت نفسي في أول مقعد صادفته, حاولت أن أتناسى الموقف الذي حدث معي قبل قليل, فاذا بريم تظهر أمامي!. نهضت من مقعدي مصدومة, عانقنا بعضنا كالبلهاء!, أخبرتها بما حدث لي, فقالت بحزن “عملوها فيي المرة اللي فاتت, هيك بعملو بالفلسطينيين لما يسافروا”. ثم قضينا وقتنا في المشي و المناكير و مقارنة حياتنا بالغرب!.. إلى أن حان موعد الطيران إلى ستوكهولم.

انتظار في مطار سخيبول- هولندا
انتظار في مطار سخيبول- هولندا