المنتظرون بين غيوم الأرض

رفع أخي الصغير القطة السوداء إلى أقصى ما استطاعت ذراعيه , قال و ضحكاته تمط مع مواء القطة : أتعلمين لماذا الوادي لا يجف ؟ – صمتَ – ثم تابع و كأنه شعر بأن مواء القطة المتواصل لهفةٌ تنتظر منه اجابة : لأن مجاري المخيم تصب فيه .
وادي غزة ! متى آخر مرة التقينا . على ما أذكر كانت و أنا في الصف الثاني الابتدائي , أثناء رحلة مدرسية . يومها حين وصلنا الوادي قال لنا مرشد الرحلة مترجلا : على يساركم – الآن – ترون وادي غزة ..بعدها مباشرة شهق الطلاب الصغار – و أنا من بينهم – : ” وادي ! ..أغلق الجميع فتحات أنوفهم بأصابعهم و هم يتأفأفون ” شو هاد ..وادي ولا وحل ” , لم يتوقف الباص وأسرع السائق في المرور عن الوادي و رائحته الكريهة .
تذكّرتْ ؛ كنتُ وقتذاك صديقة حميمة لطفل بعمري اسمه رمزي , كان الوحيد من بيننا يحمل ساعة في جيبه , و مع أنه لم يكن يعرف الوقت إلا أنني لاحظت و بدافع غريب أنه يظل باستمرار يحملق فيها , سألته مرة عن السبب , ففاجأني بأن مدّ الساعة إليّ و أشار بسببابته إلى العقرب الطويل و قال : “أبي أخبرني أن هذا العقرب حين وصل يصل الرقم 5 فجرا سنعود إلى القدس . قال و كأن أبيه قد تعب في تحفيظه إياه هذا الجواب ! .
أحسست بخدر غامض تشظى في صدري .. القدس ؟ علمتُ انها عاصمتنا من درس التاريخ , غير ذلك عرفته بعدما كبرت و قرأتُ اسمي بين أسماء اللاجئين في المخيم ..صحيح؛ انتبهت و دون أن أعير ذلك اهتمام أن ساعة رمزي لم تكن تعمل , متوقفة تماما كقلب لا ينبض ..

ياااالله ! وادي غزة و أخي و القطة , كل شيء صار يمت لشيء بصلة سريالية لا علاقة لها بالآخر : العاقل و الجماد ,. البرد و الحَر , الحاضر و الماضي , الذكريات و القادم من مستودع الأيام ..العاقل و الحَر , الحاضر و الحجر ..واعكس الكلام , و لا تهلوس معي !!
وقفتُ عن الكرسي . مال جسدي نحو النافذة : جثة متعفنة يغزوها البعوض و الحشرات كان اسمها وادي ..انحدرت دمعة من عيني و استقرت على البلاط , صنعت في انحدارها خطا لاذعا على عنقي ..مسحته بالمنديل و رحتُ إلى أخي ..سحبتُ القطة منه , فصاح : حشكيك لعمو رمزي ..هاتيها..
تشبثت بالقطة , وقلتُ ( صوتي يترجرج مثل قطرة ماء في صهريج حار ) : عمو رمزي ؟, صاح أخي مرة أخرى دون أن يسمعني ” هاتي البسة “..
قلتُ و ما يزال صوتي تحت تأثير الدهشة ” لن أعطيك البسة إلا إذا أخذتني إلى عمو رمزي ” , رفع رأسه إليّ – قطب حاجبيه – قال بامتعاض ” طيّبْ “..
أمسك يدي و ركض بي إلى جارنا أبو سامي .طرق الباب و قال ( أخي ) ” وين عمو ؟”. دقائق وخرج لنا العم رمزي . صاح أخي ” عمو ..كوسر اخدت البسة إلّ أنطيتني اياها ” . نظر إليّ الرجل و قال بعطف : رجعيها للبنيْ. حدّقتُ في وجهه . دارت عيناي في كل اتجاه , تتفحص كالمجهر ملامحهُ , لا شبه بين هذا الرجل و الطفل.. رمزي صديق الطفولة !
أعطيت القطة لأخي , فإذا برنين ما يصدر من جيب الرجل , أخرج ساعةً ما يزال رنينها للآن يصدح في أذني ..مددت رأسي : العقرب يشير إلى الرقم 5 ! . قلتُ منذهلة : أنتَ رمزي حامد ؟ .دس الساعة في جيب قميصة و قال بهدوء ” نعم ” . قلتُ بحدة : ألم تعرفنِ ؟ ..هل تتذكر كوثر التي كانت معك في الصف الثاني ابتدائي!
قال و سكونه يُشعل دم أعصابي : جارْتي وْ منا دارِي ! ..والوادي نِسْيانِ وْ سقاني.. ثم انتثرت ضحكاته بين ذرات الهواء , قلت ” كم الساعة الآن ؟ ,قال :5
أخذت منه الساعة التي كانت معه قبل عشر سنوات : حرارة تُشع من رقاقة الحديد السفلية ..دافئة ..غطت البطارية ليمشي العقرب و تستمر الحياة و الانتظار !

الممرضة البائسة


كلما همّ أحدهم بمغادرة المستشفى,تمنيت لو أكون أي شيء يُدس في حقائبهم,كفرشاة أسنان,أو أن أطوى بين البيجامات,و أحمل معهم إلى حيث تأخذني أقدامهم ..
فقد قرفت حياتي الجوّابة بين غرف قميئة ألِفَتْ جدرانها ضجر روحي , و ترحالي بين المرضى . .أُعطِ هذا دواءه مُوقّعًا ببسمة تندلق من شفتايَ كالسم – دون أن يعلم أحدهم بذلك – .و آخر أقيس ضغطه,أتأكد من أنه طبيعي,بينما أنا في حالة غير طبيعية.حالة هستيريا ترتفع و تهبط كالترمومتر..في السرير المحاذي للنافذة,يرتمي رجل أُصيب بالعمى منذ قرابة الأسبوعين.تعيّن عليّ أن أكون ممرضته و تحت خدمته أربعَ و عشرين ساعة – بالتمام و الكمال -.و هذا اليوم الأول لخدمتي اياه إلى أن يحين خُروجه مُعافًا ! .
لا أعرف كيف أتعامل معه ؟!,مُضرب عن الأكل و الشرب و الكلام ! .. و كلما قسوتُ عليه و ألقمته الخبز,صار ينزع أنبوب المحلول من وريده,و يصرخ..فتتناثر قطرات الدم على الشرشف الأبيض..فيهرول الزوّار المجاورين لتهدأته,و تثبيته في مكانه,إلى أن يستعجل أحد الأطباء و يُعطِهِ ابرة مخدّر .
في الساعات الأولى من اليوم الأول معه,هكذا ! ..فكيف غدًا,و بعد غد ..ماذا عن كل هذا الملل و النفور الثائر بي !..كيف سأحتمل أكثر مما احتملت؛لأجل استمرارية الحياة و الشؤم في مستشفى أمراض نفسية ؟!
في الليل نامْ,و نامَ الجميع.بقيتُ مُتخشّبةً على الكرسي بجانب سريره,أسترق النظر إلى قطعة السماء المربعة التي هي الحيلة المتوفرة من نافذة مسيّجة بالحديد الصلب.تذكرت أن الرجل لم يُفرغ أغراضه من الحقيبة.أفرغتها في صندوق منسي تحت السرير.كانت بيجامة زرقاء بلون عينيه,و نظارة سوداء,و نوتة صغيرة..فتحتها فقرأت : ” نحن الذين نسير لا ذكرى لنا,لا حلم,لا أشواق تشرق,لا منى..آفاق أعيننا رماد*..”
لا أريد أكثر و لا أقل..خروجي من المستشفى بملابسَ امرأة في أواخر عشرينيّاتها,ناعمة, أنيقة التفاصيل,يكفي لأن أكون حقًا قد نجيت من تجاعيد الزمن – هنا ..
” نودّ لو متنا فترفضنا القبور ..”
أي رجل أعمى يقرأ الحزن و الموت دون عين ؟..!؟
– ماء ..ما ..م ..
صعقني بصراخه المفاجئ..فوضعت فم الإبريق في فمه؛لكنه وكزني فانسكب الماء على قميصه.التزمت السكون.كانت أعصابه ترتجف..شبه منهارة,شرايينه الدقيقة منشدّة بشكل مريع ..بعد دقائق ارتخى كالسكران و ارتمى رأسه على الوسادة ..
فككتُ أزرار قميصه دون أن يغضب أو يقترف شيئًا من جنونه.بانَ صدره,كان كثيف الشعر الممزوج بالشيب,عند رئته اليمنى جرح بسيط,و الجلد المغلف قلبه يرتفع و يقع باضطراب نبضاته..” يكاد التمزق ” .
أجهل لماذا سألته عن اسمه !
قال و قد خُيّل إليّ أن صوته ليس له : أحمد رزق .
في منتصف تلك الليلة؛تغير.تحوّل إلى رجل مُطيع !.قالَ أنه تلحمي,أفقد بصره رصاص طائش من بنادق المحتل..و بالمجييء إلى غزة أراد الاغتسال من ليل مدينته..فاذا به يغتسل بليل غزة.ليل على الأقل لم يُفقده بصره ( ! )..و عن حالته النفسية,أخبرني ما هي إلا هروب و همي من عالم ما وراء أسوار المستشفى و خلف قضبانها ..
– الحياة خارج المستشفى ليس لها رائحة معقمات..رائحتها ملوثة..صدقيني..ابقِ بنقائكِ و لقمة عيشكِ هنا ..
– لكنني سأصاب بحالة نفسية ..سأتعقد إن بقيت أعمل ممرضة هنا ..
– لِـمَ ..لماذا ..؟!
– الجرحى يجرحونني ..
أسمع أصواتا مخيفة تصدر عن المرضى و المعقدين ..
– أفضل من أن تسمعي أصوات النعاة ..أفضل من أن تتشردي بين الجثث و أصوات أكبر من صوت البكم ..
* لِـ نازك الملائكة

لم تكن وحدها هناك

حين هبطت الطائرة بنا في مطار ” دبي ” و لم نكن ندري ذلك , ران صمت مفاجئ بين المسافرين . هدير المحركات قضى على أصواتنا جميعًا , و لحظة سماع أحدهم يقول من غرفة الطيّار ” وصلتم سالمين ..انزلوا الآن ” , انفجرت الحناجر يغمرها الفرح و هي تقول كمن تخلص من صخرة كانت قد صلبت على صدره : الجنة الجنة ..وخلال وقت قصير , لم أرَ أحدهم غيري ! .
كنتُ الوحيدة التي سافرت بلا أهل أو صديق , درتُ حولي إزاء شعور غامض دفعني للحمق , ظننت أنني رأيت انسانا أعرفه , لكن كان ذلك مجرد وجهي مرّ على زجاج نافذة يلمع كالمرآة .
حملتُ حقيبتي و خرجت من المطار , لم يكن سوى ظل حار مرمي على الأرض , تصخده شمس الامارات الكاوية , توجهت إلى مكان العمل قبل أن أسيح من الشمس و الوحدة و الغربة المقدرة .

دبي !!
إذن هذه المرأة البدوية المتحضرة التي ستدفع الحياة في عروق أهل غزة الميتين ! . قبل أن أسافر , لم يتوقع أحد قبولي في منح الوكالة , و حين استلمت الفيزة , فرح والديّ و اخوتي لأجلي ..لأجل قربة مال ستندلق عليهم . أعمامي الذين لم يتعرّفوا علينا يوما أتوا زمرا للمباركة , و في كل مرة أضع يدي بيد أحد المباركين من الأقارب والغرباء كم كنتُ أتألم , على ماذا يصافحونني ؟ على هروبي أم على كل هذا الفقر المتكوم بي ؟ ..بأهلي الجياع ؟!
في البداية رفض عمي الخبيث , احتجّ على سفري للعمل : فكيف لفتاة في العشرين من عمرها تسافر بدون ” محرم ” ؟ , و صار كأكبر شيخ في البلد يفتي ويُحرّم سفري ..كانت أمي تبكي وقتذاك . و أبي ,لكن بداخله ! لكن هذه الفرصة للانتصار على الجوع و الوجع ..
سمعتُ أحدهم يوشوش أبي ” ستكون ابنتكَ سفيرتكم في الامارات و تسحبكم كلكم ” .
بكيتُ كثيرا : فرح , حزن , دمع انسكب ممزوج بأنواع المشاعر . ” موهوم بي ..سأكون سفيرة الفقراء و الوجع “.

دخلتُ مقر الجريدة , عرفني الخادم الهندي على مكتبي مباشرة , كانت الغرفة رطبة كالماء الآسن . في كل زاوية ينحشر مكتب صغير في مقدمته بطاقة مكتوب عليها اسم صاحبه . رحب الجميع بي بكلمات سريعة , بينما عيونهم مشغولة في قراءة الصحف .
بلا وعي انحدر رأسي إلى صدري لشدة النعاس و الانهاك , فأنهضني صوت ثقيل : ” اذهبي الى غرفة نومكِ الخاصة” . كنت نصف نائمة حين سمعته . هرولت إلى غرفتي في القبو و ارتميت كالسكرى على السرير , نمت بدون مقدمات التنويم بالتفكير و الوهم و الأحلام ..و لم أنهض بعدها إلا في الصباح , نمت عشر ساعات , كم بدت قصيرة ! . نهضت أيضا متعبة ..لا أدرِ لماذا بالضبط ؟ : غربة الروح ؟ القلق؟التوتر؟لماذا ؟!
جلست إلى مكتبي , رموا لي ورقة لأعيد كتابتها على جهاز الحاسوب . لم تستطِع أصابعي الضغط على مربعات لوحة المفاتيح , انتبهوا لحالتي : وجهٌ أصفر شاحب , يدين يكاد البياض يتدفق منهما فالدم جفّ تماما من عروقي .
التفتُ حوالية فوجدتني في غرفة بيضاء , تعبق برائحة مألوفة .. آه انها رائحة المحلول . نعم !
دخلت إلى الغرفة امرأة , أمسكت بيدي و تمتمت : طِبْتِ ..صرتِ وردية و دافئة .
استعجلت بالقول و شفتايَ أحس احتكاك بعضهما بالأخرى : أين أنا ؟
قالت وهي تمسد شعري : في المستشفى
– لماذا ؟
بدت و كأنها ترغب في تغيير الحديث , نقرت بابهامها على جبيني فيما تقول : أنا صديقتكِ في العمل
فتحتُ عينايَ حتى أقصاهما و قلتُ مندهشة : حقًااا
و فجأة ضاقت عينايَ ..يأس غامض اغتالني , سألتُ : من أين أنتِ ؟
عبثًا سألتها و لم أشأ سماع اجابتها خوفًا من الخيبة
– غزة
رفعتُ رأسي و قلت باقتضاب : مثلي غزة ؟
هزت رأسها . شعورها و احساسها السعيد كان يشارك قلبي و يُقاسم غربتي . لم أكن وحدي هنااااك .

* الحياة الجديدة

تابوت

لا أذكر جيدا ما الذي حصل معي! ..آخر ما أذكره هو أنني نزلتُ عن السلم اللولبي الملتف على خاصرة البناية..ربما!, و ربما انزلقتُ و تدحرجتُ حتى عتبة البوابة و غبتُ عن الوعي..
حدجتُ بصري هنا و هناك ,بيد أنني لَمْ أرَ شيئا,المكان يغرق في عتمة حالكة,و أنا لا أعرف أين أنا و على ماذا جسدي مفروش..عينايَ مفتوحتان لكنني لا أرى,اضطربتُ؛”هل أنا عمياء؟”..هدهدتُ نفسي ريثما يتضح لي هذا الكابوس الغامض..
احتملتُ أنني في غرفة و قد دخل الوقت ساعات الليل و الأضواء مطفأة و الكل نائم..رفعتُ رأسي عن الوسادة في محاولة نهوض لأزيح الستائر و أخرج..بل لأهرب من الكابوس..و ما أن تحركتُ قليلا حتى ارتطمتُ بسقف خشبي خشن,وقعتُ في القاع!..لا يفصلني عن السقف سوى بضع سنتيمترات ..شعرتُ أن النهاية تدنو من أنفاسي..اختنقتُ..لَمْ أعُد أسمع سوى نبضاتي و احتكاك رئتاي بصدري..حرّكتُ يدي محاذاة الجانب الأيمن من جسدي فاذا بقطعة خشبية تحجزني..
تناهت إليَّ أصواتا مألوفة..تسللت عبر ثقب صغير..أمي تقول بصوت باكي و رجاء ” لن تدفنوها إلا عند قبر جدتها “.. إلهي ..عن أي دفن ترهف أمي ؟
إذن أنا الآن محشورة في تابوت..
لستُ بميته..أسمعهم…
أحس أنني أرتفع,أحدهم رفع التابوت..يا لها من ورطة..على ما يبدو أنني الآن فوق أربعة أكتاف فشلتُ من تحديد أصحابها..انني أتحرك أقصد أنهم يمشون بتابوتي نحو المقبرة..ها هم يقتربوا..أعرف جيدا هذا المكان من رائحته,الحشائش التي ليس لها اسم تفوح رائحتها الشيطانية من الشقوق المحززة في رخام القبور..تغيظني نتانة عرق الحارس(أعرفه حق معرفة)الذي لا يتزحزح عن قبر زوجته..
– هذه الحفر بمقاس ابنتكم
صاح حفّار القبور, و اقترح رجل غريب أن يَرْسوا على تلك الحفرة -التي أجهلها- و يجعلوها قبري..
لستُ خائفة من ورطتي السريالية..كل ما أخشاه هو أن أكون حقا ميته..أنتظر أن يفتحوا التابوت لأتحقق من ذلك, و أرى الوجوه كي أصرخ فيها ” أنا على قيد الحياااة “, تأرجحت الأكتاف تحتي,لامس تابوتي التراب..أزيز القفل مزعج,انفتح شق دقيق في طرف التابوت العلوي..لمحتُ أمي..تسللت دمعة منها إليّ..أردتُ التكلم بشيء,لكن لساني انعقد,لا أستطيع النطق و لو بحرف..

لا أذكر جيدا ما الذي حصل معي..
كل ما أذكره في هذه اللحظات أن دفني تأجل و نشروا في الجرائد فضيحة المرأة التي رفضتها القبور ..

الانتظار

” جوال مرحبا
الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق حاليا
يرجى المحاولة فيما بعد”

المرة الـ ..!! , لا تعرف أي مرة هذه التي اتصلت به لكن دون جدوى بتلقي ردٍّ منه . الهاتف مغلق . كأنها في ذلك الوقت شعرت بشعور اليتيم حين يموت آخر فرد من عائلته .أمسكت الجوال بنفس الارتعاشة و القلق ,
جارِ الاتصال بِـ ..
لكن الخيبة تعود معلنةً من صوت الموظفة في شركة الاتصالات , مرة أخرى : جوال مرحبا…فيما بعد .
قذفت الهاتف على المكتب , و فكّرت بطريقة للوصول إلى صوته . لم تتمكن من النجاح , لا يوجد غير الهاتف الذي ينقذها من وجع الانتظار و الجنون ..
جارِ الاتصال بِـ ..
حرف اخترق أذنها و حواسها , حرف من صوتٍ يُشبهه ،
جَ
انقبض صدرها , ارتفعت أنفاسها , تهافتت دقات قلبها بلهفة تكاد تنفجر كفقاعات صابونية ,
جوال مرحبا (!)
سقط الهاتف من يدها , تناثرت أزراره المرقمة على الأرض ..تأرجحت و اتكأت على الجدار ثم بكت بصمت ..صمت المقابر .
كان حين أول ما يهاتفها يقول لها : جَميلتي , جنوني أنتِ .

ضيوف الليل

” إلى لحظاتٍ مسروقة من حلم لا يُعاد “

إنسدحت على السرير باسترخاء و كأنني كنت في سفر طويل على الأقدام . كانت بقعًا من ضوء القمر تلتصق بالشراشف . و خشخشة أوراق الشجر تتسلل إلى غرفتي بصخبٍ من الشباك الخشبي . و المطر ما يزال يزخ بجنون , و أطرب من صوته الذي يدفق الذكريات , لحظةً .. لحظهْ .
كان التعب ينخر في مفاصلي كالمسامير , و الإرهاق يستوطن حاجتي للراحة . لم أستطِع النوم , أو حتى على الأقل إسدال جفوني .
وجهت نظري بخط مستقيم نحو السماء .. راقبت نجمة صغيرة في صدر العتمة مصلوبة كالصليب . حولت الخط نحو سرب من النجوم ؛ ربما تلك النجمة ضلّته ! .
شعرت بالحزن لأجلها , ربما هي مثلي .. لم تُضِع رفاقها , بل أضاعوها ! .
صرت أطلق على كل نجمة اسمًا يحمل في لمعانه بريق الماضِ . هذه صفا , و هذا غسان .. ربما تزوّجها و أنجبا شعبًا من الورود , كما كان يحلم . لا .. لاا , فهو يحب بنات القدس أكثر من الكرماويات . فكلمة القدس تمنحه الحب ليُسخِ القدسيّة على امرأة قد يُسكره ندى شفتيها . ( كما كان يقول و يلوذ في أحلام يقظته )
و القدسيّة عنده هو أن يشبع من رائحة جسدها , و يُعوِّد قلبه على بُعدها ! .. و يفعل ما يشاء حين يكون بين يديها , كأن يخدش وجهها , فيتقاطر منه عناقيد عنب , يُلطخ أصابعه بلونه الأحمر , و يُمرِّغها بين شفتيْه .. , أو يُمسِّد شعرها في أوقاتٍ يُقرر أنها ربيعًا خالدًا و خلادًا ! .
تينك النجمتين ؛ تُوْشِكا على الغرق في بحر العتمة , و الاختناق . ليستا ليلى و رَنْد ! . فليلى استشهدت على أعتاب الحارة , و رند تحت ردم الدار الطينية ..
أشعر باختناق يغتال رئتايَ .. خط نظري يتعرّج و ينحرف عن النجوم .. تغطس النجوم في بُحيرة الضوء .. تبقى النجمة وحدها على شاطئٍ عامر بقصور الرمل الفضيْ ..
توقف المطر .. و الخشخشة .. و كل شيء !
اجتاحت الشمس غرفتي من الشباك .. ما زلتُ أجرؤ على النوم و البقاء في صحْوةٍ يُؤرقها السهد و التعب ..
ذهبوا ضيوف ليلتي ! . و النجمة أحرقتها الشمس طُهرًا !

أول وجه..آخر مرة

كانت الغيوم كالريش, و لم يكن الجو ناعما مثلها,الهواء خشن و شمس آذار تتكوّر في العيون المحمرّة من شدة القيظ ..
الساعة الواحدة ظهرا / المذياع ما يزال يرطن أخبارا مكررة .. و أنا أتضجّر من أي شيء.صوتٌ أجش انزلق من ورائي ” غيّر إلى موجة أغاني أو اغلق الراديو ” , مدّ السائق ذراعه و حرّك المؤشر الصدئ
– ……..
لَمْ يصدر أي صوت سوى تشوش ملوث بأزيز مزعج,صاح الرجل نفسه من ورائي ” اضرب الراديو ليصفى “,فضربه السائق بقبضته
– عَ الرُّوْباعِيْ يِ
تحاجَزت تنهيدة طويلة في صدري,حاولت قدر استطاعتي كتمانها,و شعرت تبللها بدموعي الكمينة..اقتربتُ من النافذة أكثر,يهب الهواء منها و يصفعني بسخونته الرطبة..أعرضتُ وجهي عنه,فيما المذياع ما يزال يصدح “عَ الرُّوْباعِيْ يِ ” , و كلما ازدادت حدّة الصوت تكاثرت رائحة دخان السجائر في السيارة..
نحن في طريقنا إلى فلسطين,كل راكب/واحد منا ودّع جزء منه و تركه في العراق,العجوز الذي يجلس في المقدمة ما يزال يُموّل و يدندن البوذيّة, و جارتي لا تكف عن الثرثرة عن جارتها التي تركتها في بغداد تعارك وحدها الحرب..
أغلقتُ زجاج النافذة,فالسيارة ازدادت سرعتها و الهواء الساخن اشتدّ عصفه..” اقتربنا من الحدود” قال السائق ببهجة غليظة..انخفضت سرعة السيارة,مال رأس الرجل النائم بجانبي على كتفي ..طيلة الطريق لَمْ يفتح عينيه و لم ينهض أو يتحرك ..كان رأسه ثقيلا و كتفي متعبا..
هناكْ..توقفت السيارة,مدّ الجندي يده و التقط منا جوازات السفر,دقق نظراته فيها و بعدما انتهى قذفها إلينا من النافذة و هو يقول بابتسامة خبيثة ” ادخلوا ..المخيمات تنقصكم”.
أزحتُ كتفي قليلا في محاولة ايقاظ الرجل ,لكنه بقيَ ساكنا,نائما مثل طفل ساذج..
اجتزنا الحدود..في منتصف الطريق نزل الركّاب من السيارة و عانق بعضهم بعضا,ثم تفرّقوا كُلٌ إلى مكانه ..
نظر السائق إليَّ ببراءة و قال متعجبا”نحن في فلسطين…ماذا؟َ”,أشرتُ بسبابتي إلى رأس الرجل الذي لَم أرَهُ بالرغم من مكوثه جانبي طيلة الطريق..ضحكَ السائق و فتح الباب على حين غرة فوقعت على الأرض و امتزج عرقي بالتراب,فيما تساقط الرجل على جسدي و ضغط صدره على رأسي قالتصق أنفي بالتراب و دخلت ذرات الرمل بين شعيراته..
دفعته بيدي فتدحرج على الأرض,تسمّرتُ أمامه..بقيَ نائما..رأيتُ وجهه,وجهه أول مرة أراه..آخر مرة !
لقد ماتْ.