كائنات وحيدة الخلية

الآن بعدما رمى نظام الكون شاله الأسود على أكتاف السماء,و تبرقعت الدنيا بالليل,نام العالم و نامت ضوضاء أفكارهم و هدوء أحزانهم,انشغل كل انسان بالحلم الذي يزوره على فترات متقطعة كفصول مسرحية,أو نهرا منسابا..
كان ضوء غرفته الخافت ما يزال يشعّ بذات الحرارة المعتادة,أراه من خلال نافذتي يتسلل عبر ثقب مفتاح بابه,على شكل خط مستقيم يتكسّر على العتبة الأخرى من الباب و يتناثر بين شعيرات السجادة الناعمة..شغلني ضوءه, أجهل لماذا أسائل نفسي دائما”لماذا لا ينام هذا الرجل؟”,سنوات طويلة عشتها إلى جانب داره و بالرغم من ذلك إلا أننا لم نتعرّف على بعضنا أو حتى على أسمائنا,فما حاجتنا إليها إن لم يبعث النداء فيها أي نبض للحياة!.كان رجلا وحيدا لم ينتصر أصدقاؤه و الجيران على وحدته و صمته العنيد..حاولوا اختراق عالمه المنعزل لكنهم أبدا فشلوا..
كان يغيظني هذا الرجل,أحيانا تباغتني أفكاري المجنونة فأرغب أن أجتاح غرفته-في أي وقت-و أمرّغ يداي في عقله و قلبه و أكشّف أسراره ثم أقرر ما الذي يستحقه رجل مثله,هل أقتله؟! و أرتكب جريمة بلا معنى !..المشكلة أنه إلى حد ما يشبهني كثيرا,فكلانا مشترك في الوحدة و الصمت..تماما كالرهبان.
– لقد خانني النوم مرة أخرى..
الضوء الخاقت يمارس تسلله الروتيني,يتأرجح خلف الستائر جسد الرجل,الضوء يرسم ظله بمهارة..و أنا تعبتْ.الوحدة تغتالني, لم يعد سهر الرجل يشغلني في هذه اللحظة,أحسست بأنه عليَّ التكلّم ,لكن مع من؟ و في منتصف الليل!..فتحت دليل الهاتف لأرى,لا أعرف أصحاب الأرقام,قذفت الدليل على سريري الفارغ و رفعت سماعة الهاتف,ضربت على المربعات الصغيرة رقمي و صرت أتكلم مع نفسي..بعدها حين نهضت من هلوستي تبيّن إليَّ مدى حاجتي إلى الآخر,كم توجعتُ و امتزجتُ بالحنين و الخذلان..
شيء غريب طرأ:الضوء الخافت تلاشى و اختفى..انقبضتُ على بعضي و خفتُ كثيرا,كأن الضوء كان حارسي و هرب على حين غرة..سحبتُ الغطاء الثقيل عن السرير و لففته حولي و تشبثتُ به كمن أصيب بحمى حادّة..سمعتُ بابي يُطرق,اندلع العرق على جسدي رهبةٌ..
لا أذكر كيف وقفتُ على قدمايَ و فتحتُ الباب,كنت بلا وعي,تصرفتُ و تحركتُ بلا عقل..و حين استعدتُ حالتي الطبيعية,وجدتُ الرجل يضمني إلى صدره و يقول بصوت دافئ أليف”لن نكون كائنات وحيدة الخلية”.

مقامرة في قميص الليل

كانت المدينة تغرق في الصمت بيتا فبيتا,حتى إذا حلّ الليل و أنشب نجومه في السماء السوداء انطفأت المصابيح و خَبَت أنوار القناديل الصغيرة المتدلية فوق عتبات البيوت كي تضيء الشوارع..كان الليل في تلك اللحظات رهيبا و أطول ما يمكن تخيله لزمن بلا انتهاء ..و كان القمر في أوج اكتماله,جالسا على قمة الجبل مثل جندي يترصّد تحركات انسان لا بد من ملاحقته..
أمّا غرفتها فقد كانت هي الوحيدة المضاءة من بين كل بيوت المدينة..بقيت المرأة محتفظة بروتين ساعاتها,ففي مثل هذا الوقت الباكر من الليل ,تذهب إلى المطبخ و تعد عشاءها الخفيف ثم بعد ذلك تختار كتابا آخرا لتقرأه إلى أن يغلبها النعاس و تنام..
تناولت بيدها الكتاب و جلست إلى طاولتها الخشبية الواطئة المركونة تحت شباك غرفتها,و شرعت في قراءة الصفحة الاولى..قبل أن تقلب الصفحة لاحظت خطا باهتا باللون الأحمر مرسوما تحت كلمة موعد,توقفت عند الكلمة ,و أغلقت الكتاب بقوة..
أثناء ذلك كان اضطراب الجيران يتكاثر من الضوء المنبعث من غرفتها,ظنوا أن المرأة جُنّت أو أنها لَمْ تسمع عمّا سيحدث الليلة,النساء قُلنَ أن المرأة متأثرة بوضع المدينة البائس,أمّا الرجال فخمنوا أنها تتحدى شبح الليل بضوئها,بينما تضاحك الأطفال من الكلام عن المرأة و ضوئها و فرحوا لأجلها و لَمْ يكفّوا عن الدعاء لها لأنها آنستهم بضوئها و درأت عنهم وحشة النوم في العتمة السحيقة..
وضعت الكتاب على حافة الشباك المفتوح و هدهدت نفسها ريثما ترتدي أجمل فساتينها,اختارت فستانا لونه أسود و بعدما ارتدته لفت حول خصرتيها شريطا فسفوريا لامعا..
و قبل أن تغادر الغرفة نظرت إلى وجهها في المرآة,ابتسمت كأنها تبتسم لوجه آخر, و قالت في نفسها”لتكن أسطورة أو فضيحة عندهم”,فَرَدَتْ شَعرها و شَعَرت بأنها على موعد مع ملاكين:هُوَ و ملك الموت !.كادت تبكي لكنها حبست دموعها و تراجعت عن يأس مفاجئ اغتال روحها..
وضعت المفتاح في ثقبه الصغير في الباب, دوّرته,بعد دورة ارتجفت أصابع يدها فيما أمسكت اليد الأخرى بالأكرة و تشبثت بها..دوّى انفجار غامض في الحارة الخلفيّة,ثم توالت الانفجارات تدوي في كل مكان..
قالت جارتها و هي تتنهد ” الآن سينطفئ ضوء المرأة “. بكى ابنها الصغير من تحت الشرشف و هو يصرخ ” ابقوا مصباحها مضاء “,نهرته أمه,لكنها بعد لحظات قصيرة نزعت عنه الشرشف و ضمته إلى صدرها بسطوة حنان الأم الخائفة من المجهول..
بقيت المرأة متسمّرة أمام الباب, و بقيت دورةً واحدة كي ينفتح و تخرج..فجأة توقف الدوي,فأحست نوعا ما بالطمأنينة,تنفست عميقا و أخذت تدير المفتاح..في منتصف الدورة عادت الانفجارات تُسمع و تَرى لها ضوءا هائلا ينتشر على شكل دوائر نارية مريعة..توقفت المرأة عند المنتصف و توقفت الانفجارات لوهلة إلا أنها تتابعت بعد ذلك و زحفت لمسافات قريبة من المكان, و صار يُسمع أزيز رصاص ينطلق من كل اتجاه ,يمكن تحديد مصدره من البريق المفاجئ الذي ينبثق من فوهة البنادق الخفية..
دَبّ الرعب قلوب الأطفال,فدعت أمهاتهم على الساعة التي أضاءت فيها المرأة مصباح غرفتها..و في ذات أنفسهم(الأطفال)كانوا يدعون الله ألا ينطفئ مصباحها..الطفل الذي بكى هلعا حين هشّم الرصاص زجاج النوافذ سكتَ بعدما تذكّر الضوء و لمحه ما يزال يشع..
توزّعت الدبابات في الشوارع, و تقسّم الجنود بحذر,بعضهم فوق الطوابق الأخيرة من العمارات منتصبين قناصاتهم,و الآخرون انتشروا كالعسس الغليلة تحت شرفات البيوت و عند العتبات و أمام المحال و الدكاكين.. في كل مكان.. بعد دقائق علا صوت مُعرّب من مكبر الصوت يأمر بمنع التجول,أي كائن و إن حشرة سيتم قتلها إذا ما تحركت في الشارع..
سمعت المرأة أوامر الجند,منع التجول؟!..و الموعد؟!.. تهالكت عند الباب,لَمْ تتحامل قدماها ثقلها فوقعت على الأرض..
كانت شجرة الجميز الضخمة قد احترقت أوراقها,أما الغصن المتفرع داخلا من خلال الشباك غرفتها فقطعته شظية حادة و سقط على الطاولة مع الكتاب..
توسّدت المرأة رأسها بذراعيها و بكت بحرقة دموعا لاذعة,إلا أنها لملمت نفسها و وقفت و دوّرت النصف الأخير من دورة المفتاح,فانفتح الباب و دلفت إلى الشارع تاركة خلفها غرفتها مفتوحة يفضحها ضوء المصباح..
ركضت و لم يكن الجنود قد اكتشفوا خروجها بَعْد..ركضت بأقصى ما اشتعلت فيها سرعة..لا بد و أنه الآن ما يزال ينتظرها في الحديقة العامة دون يأس.عند المنعطف توقفت قليلا لتلتقط أنفاسها و تتابع الركض إليه,مقامِرة بروحها للخطر و الموت لأجله..أسندت ظهرها على الجدار و هي تلهث و تتنفّس بصعوبة,رفعت كتفيها إلى أعلى و اختزلت نفسا عميقا واسعا في رئتيها لتكمل الطريق..و ما أنْ ركضت قُدما بضع خطوات حتى اندلق عليها بغتة ضوء ساطع من كشّاف الجنود,عرفت أنهم رأوها فصارت تركض بجنون تجاه الحديقة , و الجنود و الرصاص و الموت يلاحقونها .. خلال ذلك كان الناس قد فتحوا نوافذهم و اشرأبت عيونهم تلاحق ببصرها المرأة..انقبضت رئاتهم و انحبست أنفاسهم فيها من شدة الخوف على المرأة..توالد في دواخلهم إحساس عاتٍ لم يستطيعوا معرفته أو التخلص منه..
حين وصلت المرأة الحديقة كان ينتظرها هناك..سحبها الرجل من ذراعها و ضمها إلى صدره بعنف حتى صدر صوت احتكاك عظام قفصيهما الصدري بعضهما ببعض..رفع رأسها إلى وجهه بكفيّه و مصّ شفتيها..بينما كانت الدبابات قد سوّرت الحديقة..أما الجنود المحاصِرون فقد تسمّروا عند المدخل مشدوهين مذهولين أمام المنظر الجريء و الجميل كأنهم تحوّلوا إلى أصناما حجرية..
الجنود و الدبابات و الرصاص و الانفجارات و … كل شيء توقّف و أطبق صمت لعين يرفرف كالشبح, و كأن سحرا هائلا اجتاحهم و سيطر عليهم !
تعلقت عيون الجنود على المرأة و الرجل,كانا يتعانقان بصمت هائج, و حين ابتعدا عن بعضيهما نزل مَن كان ماكثا في دبابته, و تكاثر عدد الجنود حول المرأة و الرجل, و بقيت عيونهم معلقة عليهما, و كلما ازدادت المسافة بينهما(المرأة و الرجل)كلما تلألأت العيون رجاءً بأن يعودا لبعضيهما..كانت العيون تتوسل العناق مرة أخرى و قتل تلك المسافات التي تتسع بينهما.
اقتربت المرأة من مدخل الحديقة و بقيَ الرجل واقفا بسكون مأخوذا بعطرها الذي التصق على صدره..
في ذلك الليل الطويل, و بعدما انتهى منع التجول في المدينة و انسحب الاحتلال؛خرج الناس من بيوتهم و انعتقت أنفاسهم المحتبسة منطلقة في عنان الفضاء بأمان..و قرروا أن لا يطفئوا الأضواء لأي سبب كان..

مذكّرات مصُوّر

صباح الجمعة :
اليوم عطلة المدينة عن الصخب,طلاب المدارس إلى ساعة متأخرة يرقدون في فراشهم,فلا مدرسة وراءهم أو مذاكرة ..العمال يستغلون الوقت مع نسائهم قبل انقضاء اللحظات يرتشفون القهوة معهنّ على مهل ..
و أنا وحدي في هذه العطلة يزاملني السكون,أسير في الشارع بعدما أغلقت “محلي”و حملت الكاميرا لأبحث عن وجه تلك المرأة التي مرّت عني و لم أستطِع ملاحقتها لأصوّرها ..

السبت :
حين أمطرت السماء,نشروا مظلاتهم أعلى أجسادهم,الآخرون اختبؤوا تحت الشرفات أو وضعوا حقائبهم فوق رؤوسهم ..أما أنا فأكملتُ الطريق في العراء ,لأبلِّكِ يا أنا..

الأحد :
بعدما جفت الغيوم و توقف المطر كساعة بدون بطارية , رأيتُ مساحيق وجهكِ تذوب و تسيل مع بقايا المطر تُلون الطين و تلطخ حذائي كدهان مؤقّت ..
سارعت لالتقاط آخر صورة معك , أقصد مع وجهكِ الآخر.

الخميس :
حين أموت سأشتاق للصور و أصحاب الصور ..
أوصيكِ يا سيدتي أن تدفني معي في القبر كل مُعِدّات التصوير , لن أعتزل مهنتي للأبد ..سأصوّر الأموات , و ضحكات الشهداء , و أجدادنا الذين سقوا الأرض بعرقهم و دمهم ..

الثلاثاء :
ذهبت المرأة التي أحببت. ظننتُ أن صورتها الأولى هي الأخير . فجأة انقلب كل شيء مثل فنجان قهوة مهدى إلى عرافة! , كانت تضع فوق عينيها اللون الأزرق و في الأسفل لون أبيض يلمع,,اكتشفتُ مؤخرا أن خضرة عينيها كانت مجرد عدسات لاصقة.كأنني كنت عالم فيزياء يراقب منشورا إثر تجربة ليست علمية,ظهرت نتائجها حين انبجست الشمس في منعطف الطريق !

الأربعاء :
تلاشت ملامحهم من ذاكرتي.استحوذ عليّ السكون من جديد.اليوم أنا منهار كمن أصيب بهستيريا,لكنني هادئ أو أفتعل ذلك كي لا أحس بأنني مريض نفسيًّا.تناقضات تتلملم بي..بهلوستي..بجنوني..أحب أكره,أتذكر أنسى,أصادق أعادي,..
في البداية سُعدتُ بحالتي هذه التي تشبه ارتباك مراهقة من سائق سيارة صغير.لكنني الآن مُتعب , مرهق كمعقد نفسيا ..أحتاج لقسط من الاستقرار النفسيْ . المرأة التي لاحقتها قبل أيام لأصوّرها , وجدتها أمامي,تمد يدها..انتشيْتُ,ابتسمَتْ,تفاقم انتشائي..فتحتُ يدي , فإذا بها تضع النقود فيها ! ,سعر الصورة دينارين..وذهبتْ.
أردتُ أن أقول لها كلمتين لكنها صعدت سيارتها الفارهة , ومضَتْ .
” أنا أحبكِ”.

السبت :
آثار المرأة الجميلة تظهر واضحة في وجه المدينة , متناثرة عليها مثل ورد زفة العرس.البيوت ترتسم في صور الألبوم مثل كوكب يعج بحبي..و الناس يتحركون عفويا إلى أماكنهم المعتادة..الأطفال يلعبون كأحجار نرد بيضاء تنقطها عيونهم السوداء البريئة ..الطلاب الصغار مثل دمى كسولة دسوها بين كتبهم و دفاترهم في حقائب المدرسة …

الأحد :
الغادرة مزقتُ صورها ..و ما تبقى في الألبوم سوى صور المرأة الجميلة!.
جمعتُ مذكراتي الخاصة وأرسلتها للجريدة.اطمئني صوركِ ليست للنشر,لن يراها أحدٌ سوايَ.

الخروج دون ذكريات

تأكّد بحذر أن صاحب البيارة قد خرج بعدما صفق بابها الصدئ,و صدر أزيز خشن يُشي إلى الطمأنينة.حدّج بصره مرّة أخرى في عدة اتجاهات,زفر أنفاسه المحصورة بين حنجرته و رئتيه,فاندلق لعابه و أسرع إلى شجرة البرتقال التي حدّدها و خطط لافتراسها,اقتطف حبة كبيرة ملأت كفيه,نَشَق رائحتها,كم هي قريبة من رائحة أرضه..
وَرَث عن أبيه أشجار برتقال عمرها سنيًّا طويلة,بعمر الأجداد و أول غارسيها.كانت تُشكّل في عددها الكبير اسم “أرض وِلْيَمْ”,ذلك منذ أيام الانجليز قبل ال 48 !. “وِلْيَمْ” رجل أعمال بريطاني يملك ثروة طائلة,كان يشتري حقول و مزارع أهل القرية من الذين وصلوا إلى حاجة بيع أراضيهم للتستّر عن الفقر و الجوع أو لأسباب التغرّب..
كل من يشم رائحة برتقال تفوح من أي مكان في القرية ,بلا سؤال يعرف أن مبعثها “أرض وِلْيَمْ”,أرض أبيه الغزيرة الأشجار كالمطر..
“وِلْيَمْ”! هذا الاسم أصبح على ألسنة الناس وقتذاك كطعم حليب العصفور؛لصعوبة نيْله و شدة ما لَه من معنى مُهيب و سطوة ثراء.حظيَ والده بهذا الاسم أو بالأحرى “اللقب” و انتسبت الأرض للقبه الأشبه برتبة ترقية ضابط إلى جنرال !,حتى صارت “أرض وِلْيَمْ”..
كشّر عن أسنانه و كالوحش عضّ حبة البرتقال,انغرزت أسنانه في القشرة حتى فار السائل البرتقالي على وجهه مثل شظايا بلورية..امتزج عرقه اللاذع مع السائل الحلو..مع رائحته الداكنة..تكوّنت تلك الرائحة البعيدة:”لَم أنساكَ يا أبي”.قضى على البرتقالة بشراهة,و حين مدّ يده لاقتطاف أخرى تذكّرها..لا بُد و أن زوجه في هذه اللحظة تنسج آخر خيط في طاقيّته..”لن أخذلكِ,ستتذوّقين برتقال هذا الموسم..ستنقعين برتقالة في معدتكِ حتى موسم السنة القادمة”..”آه..لماذا كل هذه الأوجاع؟..قرحة في المعدة ! ..لا لا,إنها قرية..أرض..برتقالة في المعدة..كيف تسمح لنفسكَ أيها الرجل بالتوهّم؟..كيف تبتلع البرتقال و تدسّه في معدتك حتى يصل طافحا خارج فمك,أتظن أن معدتكَ ستحفظ الأرض و تصون الأشجار ..
و فجأة وجد الحبة متفتتة على الجدار المتآكل..ترمّل السائل البرتقالي جانحا نحو اللون البني الفاتح..ضرب بأطراف أصابعه جبينه,تذكّر أنه قذف البرتقالة على الجدار و تسبب بموتها..شَعر أنه يريد قتل الماضي..يقتص من ماضيه الأسود, ” ألا يكفيكَ يا بو شوكت قتل فرحة زوجتكَ..ألا؟!”..صرخ بصمت.نحّ صراخه في صدره نحيحا قاسيا..
في ال 48؛حين وطأت أقدام الجيش المحتل قريتهم,وبدأ الجنود ينتشرون هنا و هناك,أول ما أطلقوه من رصاصهم كان على مختار القرية,لم يلتقط أنفاسه و اضرج بدمائه أول شهيد..فاهتزت قلوب الأهالي و دبّ الخوف فيهم..سارعوا إلى دفن ثيابهم و فناجين المضافة و أدوات المطبخ..وغير ذلك.أما “بو شوكت” فقد دفن مثلهم أغراض بيته,و قبل مغادرة القرية مع الجيران و الآخرين ألح على زوجهِ أن تدفن مهرها و خاتمها الذهبي..زوجه التي مضى على زواجها منه أقل من أسبوع,رضخت لأوامره و دفنت مهرها كأنها تدفن فرح عمرها و حياتها..ثم غادروا القرية مطمئنين على ما دفنوه؛لأنهم غدا سيعودوا و يجدوا الجيش قد خرج منها بعدما أفرغ شهوته في النذير و التدمير ..
و لم يعودوا, و اندفن فرحها,مات و لم يبعث.”لن يبعث فرحكِ إلا العودة يا حبيبتي..و التنبيش على قبر مهركِ..آه يا حبيبتي سامحيني..
بكى أبو شوكت بحرقة..اغدودن و سقط على الأرض مثل سكران مهموم..دوّر جسده بصعوبة إلى ناحية الشجرة “الأم”, ترقّش وجهه بذرات الرمل الرطب..أكل رائحة التراب..الأرض..البرتقال..هذه أرضكَ يا رجل..أرضكَ,لا تخاف من الذي خرج قبل قليل,هو مجرد كائن متطفل ..”سأبيده”..ملعون سرق أرضي,احتلها..يمنعكَ من قطف برتقالة من شجرتكَ..
خرجت زوجته من هذه الأرض قبل خمسين سنة بلا فرح,بلا ذكريات..لم تعِشْ معه سوى أسبوع.كانت الحياة فيه بدائية التكوين..بجانبه تنام على الفراش الأرضي الرطب..تنام بعدما تتأكّد من كلامه أنه روى الشجرَ أكثر ماء استطاع جلبه من البئر..لَمْ تكن تلك الأيام القصيرة كافية لأن تَلِد ذكرياتْ.

الطرف الخجول

نافذة مربعة ذات اطار حديدي صدئ,ينز من حوافه الهشة بقايا مطر عالق,إلى جانبها الأيمن مُثبّت سريره,يتقلب عليه جسده المريض و لا يهدأ..إلى الجانب الآخر يوجد سرير قصير لَمْ يحظََ بعد-بالرغم من كثرة المصابين-بالمريض أو المصاب الذي يملأه..
كانت الغرفة تعج بصرخات الجرحى و صياح أمهاتهم على تعاسة الحظ و وجعه.الأسِرَّة مُبعثرة في كل بقعة من الغرفة,والأقدام كثيرة..أحذية طَلت البلاط المتسخ ..
نظر إلى السرير الفارغ باشمئزاز,تساءل عمّن سيشغله,من؟هل سيكون مريضًا؟أم مصابا؟برصاصة أم شظية؟..تمنى لو كان جسد أوسع؛لَضَمّ أسِرّة المستشفى بعضها إلى بعض و شملها بجسده وحده كي يمتص دماء و آلام القادمين,ويجعل من سِعة جسدَهُ مستنقع الموجوعين..فقط هو يتوجع,يتقلّب,يئن..بينما الآخرين بريئين,يتمتعون بحياةٍ أعدل..خارج المستشفى و غرفها الأشبه بالمقابر..
شدّ طرف البطانية إلى فمه,وصار يعضها بمرارة..أحسّ الوجع يتكاثر في تلك المنطقة البعيدة عن متناول يديه.هناك في ظهره,تنخزه خلف قلبه..حَكَّ قلبه بجنون,كادت أظافره تمزق لحمه..صار يتقلّب أكثر..لم ينتبِه أحدٌ إليه,الأطباء كانوا في غرف الطوارئ..و في لحظةٍ انخمد الوجع,و اختفى تماما..أبعد البطانية عن فمه,كانت مبتلةً بلعابه اللزج..
تناهض..حاول النهوض..أسند ظهره على الوسادة,بعد أن تأكد من وضع جسده المقبول,صار يمسح العرق عن وجهه بأكمام كنزته الطرية.شمّ رائحتها تفوح من بين الخيوط..
الفتاة الخجولة التي التقاها في استديو التصوير قبل اجتياح المدينة.جلس إلى جانبها على المقعد الطويل لينتظر دَوْرَهُ..شعر برغبة في الثرثرة معها..و كان التحدث معها صعبا,قليلة الكلام..تنقّطه من فمها حرفا حرفا,حتى ظن أنها تعدّ كلماتها قبل أن تفرج عنها شفتيها..قال لها أنه سيتصوّر,للذكرى صورتين:صورة لكامل جسده,و صورة لوجهه فقط . بينما هِيَ ستتصوّر صورة واحدة للهويّة,كانت بعد الحاح شديد قد رضخت أخيرا لأن تجمّع أوراق عمل الهوية,فهي لا تريد هوية مكتوب في أوراقها مكان الميلاد”غزة”,تريد أن توثّق ميلادها و أصلها في قرية”حمامة”,القرية التي لَم ترَها أو تأكل من طابونها و شجرها..فقط حدثتها عنها جدتها..استعارتْ ذاكرة جدتها كملجأ تلوذ إليه حين الحنين يباغتها..
كانت تتكلم بلكنة مضمخة بالحزن..ثمة حزن مشترك بينهما:الميلادْ!.
آخر مرة التقا بها كانت قبل يوم من تفاقم مرض قلبه و اصابته برصاصة من رصاص الاحتلال..كان حالما مثل طفل أو مراهق..أعطاها صورة وجهه..وشوشَتْ في أذنه أن أجمل ما فيه عينيهِ الخضراويْن…ضحكَ و تمنى بصوتٍ عالٍ بالوقت الذي يجمعهما معا تحت سقفٍ واحد,في غرفة واحدة,إلى جانب بعضهما..كانت تنبض بالطفولة,تلوّن وجهها-وقتذاك- بألوان الخجل:أحمر,أبيض,تمتماتٍ غير مفهومة تنمّ عن فرح و انتشاء..

انزلق قليلا عن الوسادة,واستدار إلى جهة السرير الفارغ.عاوده الاشمئزاز,شكله الفارغ يُشعره بالقشعريرة,يُذكّره بصورة وجهه..”آه لو تراني,هل ستعرفني”,صرخ بصمت عميق,ليلة الاجتياح تشوّه وجهه من الشظايا المتطايرة عشوائيا مثل انهماء المطر بلا سبب..
كان بابُ الغرفة المرمي فيها مفتوحا على مصراعيه لعجلة القادمين من حمّالي نشّالات الجرحى..لَمح أحدهم يحمل بين ذراعيه”انسانا”ما,بانت تفاصيله الصغيرة حين دخل الغرفة..تهدّل شعرٌ أسود مخصّل بخطوطٍ حمراء صبغها الدم..رُمي الجسد الضئيل على السرير الفارغ,فيما ركض الرجل خارج الغرفة لينقل مصابا آخرا..تحركت اليدين بخمول..انفتحت العينين الواسعتين..شَهق”هذه أنتي؟!”.نظرتْ الفتاة الصغيرة إليه و سألته”مَنَ!”,قال مندهشا”رمزي..قاطعته باسمة”لولا عينيكَ الخضراوين لَمَ عرفتُكَ”..
تعرّفت إليهِ من جديد.خبّأتْ صورة وجهه تحت الوسادة,ثم قالت بصوت خجول تُأرجحه أنّات متقطعة:ها نحن في غرفة واحدة !.

أرواح صغيرة

تتشبثُ أصابعكَ بأطراف الشرشف الخميل ذو اللون البني الغامق,عينكَ اليمنى مغمضة و الأخرى المفتوحة بكسل تنظر عبرها إلى ساعة الحائط المعلّقة فوق الباب كالمشنقة ,الخامسة صباحا,مآذن الجوامع تبشّر بالعيد..تصدح بالتسابيح و التكبيرات.ترتمي يدكَ بلا وعي على صدرها,لم تستيقظ على ثقلكَ.ما تزال نائمة كقطة أليفة.تنتبه أن ضوءا ما ينبعث من هاتفكَ اللاسلكي..خافت,يُومض و ينطفئ كعينيْ شحاذ يتوسّل.تتفقّد من أنها ما تزال نائمة.تختطفه يدكَ من على الطاولة الصغيرة المركونة بجانب سريركَ,فيما يدكَ الأخر ما تزال على صدرها و أنتَ ممد على الفراش ..كأنكَ نائم.تقرأ الرسالة التي وصلتك” إزا كنتَ صاح رِنْ لي”.ينطفئ الضوء.تحذف الرسالة.لم تعُد قادرا على النوم.التفكير أنعشكَ..بل شلَ رأسكَ و كامل جسدكَ.
الآن هِيَ نائمة.أنتَ تفكّر.تتذكّر.تتوجّع.طفلكَ يفتح باب الغرفة على حين غرّة,ويشد الشرشف عن جسدك,فتفزع و ينتشلكَ تهليلهُ من دوامة التفكير التي اغتالتك.تتناهض بألم,لَم تَشَأ أن تغبّر و تكسر فرحته,قبّلته و ربّت على كتفه.خرجَ و تركَ باب الغرفة مفتوحا..لمحتَ ابنك البكر يهمُّ بغسل وجهه.”إنها بعمر أولادكْ” “لستَ مراهقا يا رجل”..تتحدّث مع نفسكَ بصمتٍ , بلا معنى أنتَ تكذب عليكَ لتتوهّم أكثر…
تستيقِظ زوجتكَ.تمسك بيدكَ,تقول كأنها تقرأ فيكَ شيئا ما تخفيه عنها:”هل أنتَ على ما يُرام ؟.تبتسم و تقول رغما عنكَ : كُل عام و حبيبتي بخير..(تتنهّد)..نعمْ.
تبتسم و تُشعركَ بالأمانْ و الاطمئنان.
***
لا أعلم من أين تفجّر هذا الحب بقلب رجل قد بلغ الخمسين من عمره,رجل شابَ شعر رأسه,يتكئ على عكّاز,ظهره آيل للتقوّس…متزوّج و له أبناءْ .
فكّرتُ بتلك الفتاة الملعونة,لم تقل لي يوما”أحبك”,و لو مرة منذ تلك اللحظة التي ارتعش في أوردتنا نبض جميل..خدَرٌ خفيف..عطرٌ أزرق مريع لكنه وّرِع كأنه راهب نثر رهبة الورد فينا و سَحَرنا.
غمرني تمرد لذيذ.أدركتُ أنني سأعترف بشيءٍ.لكن بكلماتٍ مُلمّزة,قلتُ لها:حين تأتين,سأضعُ يدي في يدكِ.ورّطتها بالخجل.صمّتَتْ هنيهة.فجأة قالت بصوتها السكان المفعم بالطفولة و الأمان : إذا سمحَ لنا الاحتلال.
كِدتُ أقطّع أسلاك الهاتف من شدة الغيظ,كيف للاحتلال أن يتدخّل بحبنا أيضا؟..لَم تخطر ببالي الحواجز التي قسّموا بها وطننا إلى أوطان صغيرة امتلأنا فيها كالنمل و انتشرنا كالجراد..فقراء,نحسب لكل صغيرة ألف حساب..
قالتْ:كِيف الشتا عندك برامالله؟
قلتُ و فقاعة نار ينخزها صوتي فيسيل صابونها الحار في حنجرتي : مثل الرصاص عندكِ بغزة.
قهقهَتْ.لأوّل مرة أسمعها تضحك.قالتْ: و الناس؟
أبعدتُ سماعة الهاتف عن أذني..أبدو مع هذا السؤال كأنني مُنذرهم إلى ضباب كيف..كأن الناس فقط هم زوجتي و أولادي!.يا ترى هل أغالي بالأمور؟..هل هذا الفتاة الصوتيّة تُعتبر أمر؟..أمر سيُغير مجرى حياتي ؟!.. أمر لا بد أن أحسم معه معمعتي بنتيجة مقبولة أو غير مقبولة , المهم نهاية له . لأنتهي من هذه الغوغاء التي تُدوّي برأسي مُذ عرفتها.
***
للوهلة الأولى ظننتُ أنني أثرثر مع قطعة حديد.لكن تأكّد لي أنه انسان,كائن حي :مثلي..مثلكَ..مثلكم جميعا.يتنفس,يأكل,يشرب,له قدمين و قلب..يسير و يَشعر..
كان بالنسبة إليّ فارس أحلام من نوع حلم آخر ,حلم لاجئة,تكوّنت مثل طحالب خضراء في زوايا الأزقة..لها رائحة البحر لكن الملل و الوجع امتصا الرائحة الصاخبة و ضمّخا كل شيء..كل شيء برائحة عفن الخبز.
كنتُ بكل حواسي أحس و أستشعر ذاكَ الوجيب بقلبه.انصتُ إليه حين يصلني على شكل اهتزازات الكترونية أو دوائر فضيّة إثر قذف حجر صغير في بركة ماء ..نبضات قاسية,مشاعر تشق مسافات من جسده و من طرق ملتوية لتصل إليّ..تلامس شغافي,تخترقه,فتنبثق نبضة غامضة من نبضات مفاجئة كموسيقى من مقهى أو فراغ فسيح,حر طليق..
لم يسمح الاحتلال لنا بالخروج من غزة.المعبر المؤدي لمصر أُغلق.و البقيّة مُشمّعة بالشمع الأحمر الجاف.كلانا تورط بالآخر!.لَمْ أشأ أن أخذله.بأي طريقة بحثت عن منفذ لهذا السجن و البرزخ الذي بيننا…
و أخيرا قلتُ ” سأقول أحبك” رغما عني!.
كان فجر العيد.أرسلتُ رسالة قصيرة “إزا كنتَ صاح رِنْ لي” أيْ هاتفني .
و كانت الصدمة أن لَم يرُدّ عليّ..رعدٌ صعقني من غيمتين تصادمتا في السماء و تحطمتا فوق رأسي..انتظرتُ حتى ثالث أيام العيد,لكنهُ لَم يَرُد.
***
ارتشفت مع زوجتكَ فنجان القهوة على عجل,فأولادكَ ينتظرون”العدِيّة”,و أخوتكَ تحت شرفة شقتكَ ينتظرونكَ لبدء المعايدة على الأقارب و أخواتكَ التي أوصاكم بها والدكم.كم تمنيتَ المرض آن ذاك,لتبقى متكوما على الكرسي أطول وقت,تتخلص من تفكيركَ بها,وتصل إلى نهاية ما ..
زوجتُكَ تشكّ فيكَ..
مضى ثلاثة أيام من العيد و أنتَ بلا شيءْ.انتهى العيد.لم تنتهِ إلى نهاية.تشتت فكركَ,اضطربَ قلبكَ.تمسك الهاتف و تقول بلهفة:”حبيبتي..
تقتطع صوتكَ قائلة:”أعتذر عمو..كنتُ أريد أن أقول لكَ كل عام و أنتَ بخير “..
تريدُ(أنتَ) أن تقول مُتقحّما شيئا,لكنها تتابع بسكون(قلبها يتمزق):”أزعجتُكَ في الرسالة..ربما كنت نائم و أيقظتُكَ..

الهدية

بعد أيام قليلة تُعد على الأصابع , سأرحل إلى رام الله . فقد يئست من حب غزة , و اختنقت من هوائها الملوث بزفرات اللاجئين و البائسين و اليائسين .
صومعت أفكاري لأرتب بعثرتها , و أستطيع معرفة ما سأفعله في الأيام الأخيرة المهملة في غزة . وَمَضت في خاطري فكرة . تلقّفت حقيبتي و أسرعت إلى بائع المجوهرات .. و هناك طلبت منه عقدًا يشبه الملفوف حول عنقي . في نهايته يتدلى قلبين مندمجين في بعضهما البعض بالتحام قوي .
في ليلة الرحيل سألني و قد كنا نتأمل منظر غزة من أعلى طابق في البرج و هي غارقة في نور المحاق : هل ستتذكرين هذه الفتاة المشرّدة ؟!
نبرت : … و الجراح و الدموع و القهر .. و الجدران الملطخة بالدماء و أسماء من استشهدوا في الحواري ..
قاطعني و قال ببراءة : رماللة حلوة
– هوا بس حلوة .. و مش بس غنوة .. هيا الجنة ..
زفر بدون وعي . و أطبق الصمت في المكان . لم أعد أسمع غير هدير محركات السيارات تصخب .
كانت عيناه تجوسان سطح غزة كصقر مكسور الجناح . في تلك اللحظة أمضّني مظهره المثير للشفقة . ضحكت آنها في قلبي بوجع . لا .. لم يكن ذلك ضحكًا ؛ بل كان أنينًا ما .
قلت بحزن ممزوج بالفرح و أنا أشير بابهامي نحو جهة الشمال : شوف رمالله .. حتى الليل عندها نهار .
لم يلتفت إلى حيث أشرت . قال ساخرًا : و شو عرّفك إنه رمالله في هالإتجاه .
– كل مدن و قرى فلسطين تقع في الشمال , إلا غزة في الجنوب .
– ممتازة في الجغرافيا !!
اختلجت شفتايَ استعدادًا للبكاء . حبست دموعي و تماسكت. قلت بصوت ضمّخه الشجن : إذا بلدنا لا نعرف عنه شيء .. فكيف نغرز إبرة البوصلة باتجاه لا شك فيه , فنقول : الشمال لحيفا أو الجنوب لرام الله أو الشرق للقدس !؟
حملق في وجهي .. و قد بدا شازب , لا رغبة لديه في الجدل.
– ليلة غدافية الإهاب
استعجلت : لأن القمر في طور المحاق
– بل لأن صغيرة مثلك سترحل غدًا
– و هل تسمي الإقامة في مدينة أخرى بذات الوطن رحيل !
– فقط في وطننا المُقطّع .
كان يتكلم و على لسانه الكثير من الكلام الذي لن يفلح في تفريجه – كما يتمنى – في هذه اللحظات الأخيرة .
– لمن اشتريت العقد أبو القلبين ؟!
– لأهديه لأول من أراه حين أرحل من غزة .
حين انتهى الليل و نام الفجر و مدت الشمس أطنابها , جاء و أوصلني إلى الحدود ..
اجتزت نقطة التفتيش , حتى صرت في كوكب و هو في كوكب آخر , تفصلنا مسافات مستحيلة ! .. بينها أسلاك شائكة .. و حقل ألغام .. و سحب رصاص .. و غيوم دخان .. ككل شيءٍ .. شيءٍ ..
مدّ يده و صافحني من بين الأسلاك .. دعا لي بالتوفيق دعواتٍ فيها صوت دافئ كالأم , ثم مشيت بارتجاف إلى رام الله .. و وجهه بتفاصيل جسده شيئًا فشيئًا تتلاشى مع ثبوته في مكانه !
صرت أركض .. أركض و أنا ألهث ككلب جائع و لعابي يندلق من لساني ..
نبحت : راا..ااام الله …. رااااام الله ..
أنتِ أول من رأيتْ .
لكِ الع… ـــقد ..