قصص قصيرة جدا

وردة الزقاق
أول الزقاق؛دسَ الوردة في جيب معطفها.لَمْ يكن أحدٌ ما غيرهما.و حين وصل نهاية الزقاق فوجئ بطفل صغير يُصفق ويغني بصوتٍ فاضح:الله معك يا هوانا !.

المغادر
يومها اعترفتَ بحبكَ.حلفت.لكنكَ كذبتَ.ها أنتَ لم تقل “سأعودْ”.
و غادرتَ المخيم.

حزن جميل
انكسرت درجة واحدة من سلم البناية..
تذكر جيدا: درجة واحدة..فقطْ.
أيضا قدم واحدة..قدمي الصغيرة التي قلت يوما عنها مداعبا ” مثل كرة الثلج “..فاستثرتني وانبثقنا في مشاكسة قصيرة عن الفرق بيننا والأطفال..أوصلتنا في النهاية إلى حزن جميل..رق على شفاهنا ممتزجا بملح الذكرياتْ.

بطاقة دعوة
يأتيكَ ساعِ البريد برسالة في غير موعدها..تفتحها بلهفة,و بعدما تقرأها,تُفاجأ أنكَ مدعو لزيارة صديقكَ المقيم في بلدٍ بعيد..صديقكَ الذي لم تلقه منذ سنين طويلة..
تحمل حقائبكَ الصغيرة,و تُعد نفسكَ للسفر..و حين تصل المطار وتظهر بطاقة الدعوة للموظفة الأنيقة,الجالسة خلف شباك التذاكر,تصدمكَ وتقول ببساطة “تاريخ الزيارة انتهى”,تنظر إلى التاريخ المدموغ على الورقة,فتجد أنه قد مضى عليه دقيقة واحدة..فقطْ !

زائرٌ ثقيل
ترتدي ملابسكَ الجديدة,تتعطر برائحة باريسية شاعرة وثمينة أيضا..تلف أصابعكَ حول عنق الوردة الحمراء,تتأكد من أن بتلاتها ما تزال تحتفظ بملمسها الناعم ونضارتها,فتقربها إلى وجهكَ,يُلامسه..ناعم مثل زغب نبت خلف أذن موسيقية..ترمي ترتيباتكَ الاضافية على الغرفة,مع آخر لمسات ونظرات..تُغير مكان المقعدين,فتضعهما بجانب النافذة,تأتي بأجمل فنجاني قهوة تقتنيهما..المرأة الجميلة التي تنتظرها ها هي تقترب من باب غرفتك مع اقتراب عقارب الساعة من الموعد..تطرق باب غرفتكَ بدفءْ..تدلف لفتحه..يهتف صديقكَ مندهشا:ما أروعكَ..
تُطأطئ رأسَكَ.يا لها من خيبة ويا لها من زيارة ثقيلة أتت في غير موعدها !.

جثة حارة
تسللت وشوشاتهم من وراء الباب.لم يحتمل أكثر..دفع الباب بقبضته وقال بحنق:”ماتْ ؟!”.طأطأت الممرضة رأسها دون أن تنبس ببنت شفة.قال الطبيب:”العمر لكْ”.بكى الرجل ونزع الغطاء الأبيض عن بطن زوجته.بانَ رحمها مثل كفن..كان الوليد جثة حارة,عيونه مفتوحه.لونها أخضر..و فمه يبتسم..لكنه أبدا لم يصرخ أو يتحركْ.

2008

ما أسهل أن تضم جثة إلى صدرك

فراغ.. فراغ.. فراغ..
كم صرت أحسد الناس على انشغالهم بالهموم حتى بامتلاء أوقاتهم بالبحث عن الطعام..
أتصور نفسي لو أنني خلقتُ فقيرة: أم عجوز تضع نظارة سميكة,تسهر الليل و هي تخيط ملابس للأغنياء و ترقع ملابسنا نحن أبناءها, أب نحيل مثل هيكل عظمي طازج,يعود إلى البيت في منتصف الليل خائبا,مطرودا من العمل لأنه ضعيف جدا,فهو في الستينات من عمره,أدمن شرب الخمر منذ وقت مبكر,منذ يئس من أن يؤمن مستقبلنا نحن الصغار..
يا الله! على الأقل لن أجد متسعا من الوقت لأن أفكر بالجنس الآخر..و أخاف من نظرات الشيخ و هو خارج من المسجد,ينظر إليّ شزرا بخبث و كأنه اكتشف فسق أفكاري و ترف أحلامي..مع ذلك لا يعرف مدى فراغي..أخمن لو عرف بذلك, لألقى عليّ خطابا مطولا عن شرف الوجود و عن خطيئة الوجودية..فأنا أشعر بال”لاشيء”..سيرغبني بالجنة و سيرهبني بالنار إذا استهترت بوجودي كوني خلقت و انتهى الأمر,فبدل ذلك عليّ أن أصلي و أقوم الليل..إنه لا يقصد أن أقوم بمراسلته(الرجل الذي أحب) بل بعبادة الله و الدعاء و قراءة القرآن..
أمامي خياران: الفراغ أو الفراغ
سأختار الهروب, و أمارس لعبة النرد بهستيريا, و أدخن السجائر بحرية.. لن أسترق الأماكن لألتقي خلسة بمن أحب و لن أحمل معي ساعة لمواعيد النوم و الاستيقاظ و الذهاب إلى الحفلات الرسمية بأزياء ثمينة تشعرني بأنني أرتدي جلود الفقراء و هم يموتون بردا و جوعا, و يحرثون الأرض سعيا وراء بذرة تتلقفها الرياح بين عطور الأغنياء..
9 تشرين الثاني..
نزعت الورقة من الرزنامة. أصابعي ترتجف..أي حظ هذا!.طرقت الخادمة باب غرفتي,سلمتني الرسالة و انصرفت إلى عملها. ورقة صغيرة كتب عليها تاريخ ميلادي و قد دمغ في الوسط دمغا أحمرا,قرأت الكلمات حوله ” شهادة ميلاد القطة ميكا”..يصادف تاريخ ولادتي ولادة قطتنا!.. مكان الميلاد”برلين” أما أنا “غزة” مع هامش”لاجئة”. القطط أينما حلّت فهي مواطنة,الأرض مهيأة للحيوان وطن لا حدود له و بالتالي لا غربة أو منفى أو لجوء.. أي نوع من اللجوء سواء سياسي أم عاطفي أم غير ذلك..
سحبت معطفي و رميته على كتفي بسرعة..انسللت إلى سطح البيت من السلم الخلفي المؤدي إلى فوهة المدخنة-ببطئ لإلا لمحني أحدهم.. لا بد من الحذر حتى و إن كانوا غائبين في نومة منتصف الليل..
العتمة حالكة و السماء قاحلة من النجوم و ليس من نباح كلب يؤنس وحشة و صمت الليل.. سقطت قطرة مطر..توالت القطرات.. ثم انهمى بغزارة.. هرولت و إلتجأت تحت لوح الزينكو.. بثّ صوت ارتطام المطر باللوح الأمانَ فيّ.. أصختُ السمع إليه.. كان الصوت و كأنه ثرثرة أو نجوى ذات لغة تتفاهم معي حول شيء ما..
غزة نائمة.. تستحم بالمطر مثل عاهرة تبكي و تتوب.. البيوت مطفأة و أعمدة النور في الشوارع مضاءة بضوء يغلفه ضباب خفيف.. ثمة رجال في المعسكرات يتدربون على حمل السلاح و يخططون.. الثكنات البعيدة تبدو مثل حشرات برّاقة تومض أجنحتها و تتوعد بالسم..
توقف المطر.. خرجتُ من وكري.. لمحتُ كائنا يركض على الحائط القصير الذي يلف حواف السطح.. دب الخوف في..تحركت أقدامي بلا وعي إلى السلم.. دوي رصاص يخترق أذني من جهة الكائن.. تعثرت بذيل معطفي.. وقعت على الأرض..عاد الهدوء..كأن شيئا لم يحدث!..رأيت الكائن متمددا على الأرض.. زحفتُ نحوه.. أووه!..القطة تنزف..لقد أصابها الرصاص.. ربطت حول بطنها قطعة قماش ليحتقن دمها.. لكنها لفظت أنفاسها و ماتت..ضممتها إليّ..ما أسهل أن تضم جثة إلى صدرك..ابتل فروها بدموعي..حملتها و نزلت إلى غرفتي..لم أنم حتى آخرالليل,,بقيتُ أنتظر الصباح لتدفن الخادمةُ القطةَ..
كان العالم في أقصى درجات السكون.. و كان الفراغ يحفر فيّ مقابرا..تك..تك..بندول الساعة يدندن.. الدخان يتسرب من المدخنة..الجندي تحت الشرفة يصفر بفمه.

ورق جدران

كانت كل الأشياء تصيح ” خذي بي.. خذيني “
على الدرجة الأخيرة من السلم وجدتني أفتح الباب بتوجس و أدخل السرداب بريبة و رهبة كما و لو أنني تائهة في معبد مهجور منذ عصر قديم..
أنفض الغبار عن صناديق قديمة..أركل وسادة بيضاء مطرز على حوافها ورد أحمر ذو وريقات سوداء.. و أزيح برفق زجاجات خمر فارغة,إلا أنني بلا وعي أجد ذراعي تدفعها عن الطاولة فتقع و تتفتت حتى لكأنها تبدو كذرات رمل ملون..
مثل الزجاج أنا, خلقت من الرمل.. و لكن متى أعود إلى شتاتي ؟!..أتناثر هنا و هناك..أعضائي و نبضاتي المعذبة..عقلي مزروع هناك.. وروحي تسبح في فلك ما..و هنااك في البعيد تنمو فسائل حبي.. و أبعد من هناك لحمي تنفخ فيه العواصف و عظامي تنبت وحيدة مثل صبار في صحراء غير مكتشفة..
يا إلهي ..لماذا جمّعتني و جعلتني على هيئة ” بشر ” ..
ثمة صحون بلاستيكية مبعثرة على الأرض و سكاكين و حزمة أشواك مرصوصة في جارور خشبي هش.. تفوح من بين الأواني رائحة خبز متعفن و سمك نتن.. تكوّنت الفطريات و نمت طحالب على الطعام.. صراصير مقززرة..حشرات يشعرك لونها الأخضر الملس بالقشعريرة الأبدية..
عناكب لا تعشش في الزوايا فقط بل في الوسط و بين الكتب المفتوحة على أرفف المكتبة..خيوط ضبابية تشابكت بين صفحات رواية.. أصابعي تمزق الشبكة اللعينة..” الحرب و السلام “,تولستوي..مذ أن ولدت وأنا أعرف أن الله واحد و أن الحروب عديدة..” الحب في زمن الكوليرا “, يا لنا من عشاق سيئي الحظ..
أحتاج إلى التنفس..قليلا..
المكان في هذا السرداب الموحل يضيء في عينيك عتمة المقابر..يحيطك بأشياء معتادة فتكتشف بعد حين من الصمت المريع أنها أشياء ليست كالتي اعتدت على شكلها و كيفية استعمالها..تتغير بين الفينة و الأخرى إلى أدوات قابلة للذوبان و التحول إلى نهر نحاسي يصهرك..دمي يفور..ثمة أشباح تتصاعد من الروايات كالدخان و تجلس على الكراسي.. هرولت إلى المصباح اليدوي المرمي عند أقدام سرير حديدي..قبضت على يده الحلزونية..كانت أصابعي ترتجف..أحسست بأن المصباح متوتر لذى بقي مطفأ,,هدهدت نفسي,فما أراه هو مجرد ظلال انعكست من خوفي و غربتي عن وحشة السرداب..
سرت قدما حتى آخر السرداب,مثل راع قطيع فقد ربابته وسط غابة و عاد يبحث عنها في آخر الليل.تعثرتُ بشيء ما.انحيتُ لألتقطه..كاد يغمى عليّ..من أين جاءت هذه الجمجمة الآدمية إلى هنا؟.. و تذكرتُ أن جدي كان طبيبا جراحا يهوى مهنته و مع نشوب الحرب ازداد تعلقا بمهنته و صار كالمجنون يجر الجثث إلى عيادته,حتى إذا انتهت الحرب ينشرها(الجثث)تحت الشمس كي تتحلل و تجف..يأخذ العظام و يخلّدها في عيادته التي تحولت إلى متحف عظام أو إلى مقبرة..!. خلعتُ حذائي و ركلت الجمجمة بأطراف أصابعي..تدحرجت و اصطدمت بالخزانة,سقطت عليها قطع قماشية و ثياب رثة..غطتها..ابتسمت كأنني انتصرت على ملك الموت و لم أمت!.. خطوت خطوتين.. ارتطم صدري بالجدار.. ارتد جسدي ككرة مطاطية إلى الخلف..
مسحت بأكمامي الرطبة اثر العرق الكثيف-ورق الجدران..ثم نزعته و طويته.. لا بد و أنهم في الطابق العلوي ينتظرونني,أو أنهم بدأو الاحتفال بعدما شبعوا من الغضب عليّ و صب اللعنات..
اقتربت من الباب..صرتُ خارج السرداب..
كل الأشياء تصيح”خذي بي.. خذيني”
و شعرتُ أن كائن قوي يشدني بعنف نحو الجمجمة التي ركلتها..حملتها..ضممتها إلى صدري و دموعي تسيل و تملأ محجريها الفارغين مثل مغارة عميقة.. قذفت ورق الجدران و ركضت إلى الطابق العلوي..
كانوا جميعا يغطون في نوم لذيذ..ضوء الثريا المتدلي من السقف بشكل ينم على ثراء فاحش-ما يزال مشتعلا,كشف عن حفلة عيد ميلاد باذخة كانت لأخي الصغير..كعك و فواكه و قشور و كؤوس و عطر.. و هدايا تنتظر الصباح ريثما ينهضوا من تقاعسهم عن فتحها..
دلفت إلى غرفتي بهدوء..وضعت الجمجمة إلى جانب مرآتي…
لا بد و أن جمجمتي ستكون بمثل جمال جمجمته..
جمجمة جدي.
2008

شرقية الجنووون

حدثتني من لها علم بي: عن العسس قالوا: عن حارس المقبرة قال: عن نفسي قالت: كانت امرأة صغيرة, حرارتها معتدلة, دقات قلبها طبيعية, ضغطها عادي.. لا تشتكي من هم و لا من نقص. حدث يوما أن مرّت بجانب مقهى دائما تمر عنه كتحية صباحية مارقة و لم تكن تفكر البتة بدخوله, من خلف زجاج واجهة المقهى ناداها رجل لا تعرفه.. ظنته النادل أو لا أحد سوى صوت قادم من الكوكب الحادي عشر!. سارت قدماها إليه دون أن يقول لها عقلها أي شيء.. و حين صارت المسافة بينهما أقرب من الشفة إلى الشفة, صاح عجوز يرتشف القهوة “فجور”, لم يبتعدا عن بعضيهما و التصقا أكثر.. شرطي المرور تسمّر بين السيارات المتوقفة من الأربع جهات, و أعلن صمته عن حدوث كارثة..
قالت نفسي: عن يومها الموعود قال: تأفأف الركاب و نزل السائقون من سياراتهم يصرخون في شرطي المرور بأن ينظم حركة السير, فإذا بالصعقة تصعقهم حين يرون أن اشارات المرور انطفأت!.. ضمّهم الخوف إلى بعضهم البعض عن السبب يتشاورون, فإذا كان المحتلين فربما هناك منع تجوال.. ذهبوا و التفوا حول شرطي المرور, مثل حلقة الجهلاء يتساءلون, فأشار بيده إلى واقعة الفجور قبل أن

يخبرهم ” عمّ يتساءلون”؟ فهموا و اكتشفوا الكارثة.. فتحاوروا على عجل دون اتفاق و أمروا بأن يسجن الفاجران أبدا بلا انعتاق..
انتخبوا شرطي المرور كقائد الهجوم, و ثبتوا أقدامهم في ظل الرياح و الصفير و النفير بعدما أعدوا عدتهم من صفوف الدفاع و الاحتياط, ثم ولّوا شطرهم تجاه قبلتهم كالفج العميق..
كانت المرأة تذوب كالآيس كريم.. و كان الرجل يعصر نهديها بكفّيه كالليمون فينز من حلمتيها ما لا يشبه الحليب.. ماء الأم قبل أن تئم طفلها.. يلحسه لحسا فيتذوق طمعه كأنه حساء شهي من ذاك الذي تحدثنا عنه الخرافات دون التصريح بالمكونات.. يلهث الرجل و يغرق المرأة بعرقه المتفصد و ببخار فمه الكثيف..
قالت نفسي: عن جسدي قال: نهضتُ من غيبوبتي.. وجدتني على سرير أبيض في غرفة مطلية جدرانها بالدهان الأبيض.. كان رأسي على وسادة بيضاء, و عيوني معلقة على السقف الأبيض, أدرت رأسي يمينا فإذا بعيني تصادف أنابيبا و خراطيما تدلي ألسنتها من أوردة يدي.. أدرت رأسي إلى الجهة اليسرى فإذا بها مثل اليمنى!.. ارتجفتُ و من شدة ارتجافي شعرت بأن الأنابيب تمزق لحمي.. صحتُ..لا لم أستطع ذلك, فقد كان فمي مكمما بقماشة بيضاء يتسرب منها أوكسجين ذو رائحة نفاذة.. و انثالت الأفكار تدمدم برأسي و الوسواس الخناس يوسوس بأذني: هل هذا هو الحكم الذي حكموه عليَّ؟ السجن المأبد في غرفة أشباح؟ أم أنهم أقاموا الحدّ عليّ بطريقة أطول تعذيبا ؟!..
حدثتني من لها علم بي: عن العسس قالوا: عن حارس المقبرة قال: عن نفسي قالت: كانت امرأة صغيرة, صارت كبيرة.. ما زالت تحتضر.. درجة حرارتها مرتفعة, ضغطها عالٍ, مريضة بالقلب, نبضات يدها تختلف عن نبضات قلبها و تختلف عن مخطط النبضات المرسومة على ورقة الفحوص الطبية..
إنها عاشقة شرقية.. و لكم أن تعرفوا البقية ..!!

17/2/2009/الثلاثاء
11:3 مساء

* اللوحة للفنان جون ويليام وتيرهوس

ستكون له يدان

بعيدا عن حروبي الداخلية مع عاطفة البكاء, و أقرب من معركتي الخارجية مع تشوهاتي و غبائي في التعامل مع أيدي الرجال حين تصبح في يدي كنوع من التحية..
طارق..
الرجل الأول قبل أن أتعرف على يده الخشنة ذات الأصابع الطويلة التي يطل من رؤوسها الحمق, كلمني سبع مكالمات هاتفية بعدد أيام الأسبوع المنصرم على تلك اليد الشريرة التي ضغطت على يدي بعنف حتى سمعتُ صوت تكسّر عظام أصابعي.. كانت مكالماته الليلية أجمل من التي تكون في النهار -بالرغم من عدم تقبّلي لأي منهما-, فكأن للعتمة همسها الدافء في روحه !. يرنّ هاتفي الساعةَ الثانية منتصف الليل.. ليل الشتاء الطويل, ليقول لي صوتا مطعما بالجنون “غدا.. قررتُ أن يكون غدا”, أتنهد و أقول “أريد أن أنام”, يسارع في الرجاء خوفا من أن أغلق الخط في وجهه ” لا.. أرجوكِ أمهليني دقيقة واحدة كي لا أموت..”. أوبخ نفسي على فظاظتي معه فأقول ” ماذا؟”.. أتصوّر ارتياحه لحظتذاك فأراه يمسح بذراعه العرق عن جبينه و يضغط سماعة الهاتف على أذنه ليتأكد من اتصالي و يكمل لهاثه, يقول دون أن أخمّن كيف حال شفتاه و هما تحدثاني “تعالي غدا..نلتقي في المكتبة..”.

لا بد و أن رجال الأصفهاني الذين عشقوا نساءهم بأي طريقة و مصادفة..لا بد و أنهم سينفروا من صاحب هذه اليد العاشقة!. أول مرة رأيته فيها كانت في المكتبة العامة, كنتُ أمد يدي لسحب كتابا انتقته عيناي, ففوجئت بيد رجل تختطف الكتاب قبل أن تصله يدي.. يتلعثم الرجل و يعتذر متعمدا رغبة منه أن أردّ عليه و يكلمني, لكنني بقيتُ صامتة, شعرتُ بأنه يتهيأ ليقول شيئا ما, رفع الكتاب و وضعه على رأسه كمن يتظلل من الشمس و قال ” يحيرني اختيار الكتب حين تكون كثيرة”.. اقترحت ساخرة أن يقرأها كلها ليتخلص من حيرته و غادرت المكتبة..
كنتُ في ذلك اليوم ألامس اشتياقي لخالد..الرجل الذي انقطعت يداه أثناء الحرب.. كانت يداه تنتشلان جسد صديقه الجريح من بين الأجساد التي فقدت صلتها بالحياة و لم تستطع مقاومة الموت, إلا أن شظايا متطايرة من صاروخ قطعت يديه فأفلت الجسد منهما, و دفنت يداه فيما بعد مع جسد صديقه.. كان رجلا طيبا يفيض حنانا و يمطر حبا.. دائما أشتاق إليه و أفكر فيه, أين اختفى و ماذا حلّ به؟..هل غيّرته الحرب و قتلت حبنا و سهر الليالي التي أكبر من عمر الأرض ؟!..
حين وصلتُ باب شقتي القريبة من المكتبة, تذكّرتُ بأنني لن أستطيع دخول الشقة, لأن المفتاح في الحقيبة, و الحقيبة نسيتها في المكتبة!. أقفلتُ خائبة إلى المكتبة.. سألتُ موظفة الأمانات عن حقيبتي فبحثت عنها و لم تجدها, فكّرتُ وقلتُ ربما نسيتها في مكان غير المكتبة, إلا أنني أبعدتُ احتمال ذلك و شككتُ بأنني في الأصل لم أحمل حقيبة!.. وقفتُ على باب المكتبة متحيرة فيما سأفعله؟, ما الذي يحدث معي منذ الصباح؟ أنا حزينة لأن ذاكرتي هرمت.. يا للبؤس على امرأة صغيرة تحمل في رأسها الصغير ذاكرة عجوز..
هل أبات الليلة في الشارع و أكون وجبة عشاء شهية للمتسكعين و الكلاب الضالة!.. و زبال البلدية! مؤخرا شاعت عليه حكايا مخيفة تناقلتها العذراوات و ما زالن يؤمن بصدق الحكايا المخترعة عنه و لم أكن أصدق كلمة من ذلك الهراء.. ذرعت الشارع ذهابا و إيابا, طولا و عرضا كالبلهاء لا أدري بما يدور برأسي.. تحولت الحكايا في لحظة إلى أشباح تتقافز أمامي كالجنون الزرقاء.. تلبد فيّ الخوف, عليّ أن أجد طريقة لفتح باب شقتي و إن كانت بكسر الباب.
كان الزبال يمارس مهنته بكامل كرامته و حبه للحياة, يجمع القمامة التي تنتظره على عتبات البيوت و العمارات, يحمل الأكياس التي تنز قرفا و تتسرب منها روائح تثير الاشمئزاز.. يحملها كأن علاقة خفية ارتبطت بينه و بينها(الأكياس) منذ زمن مستعد لأن يُغيّر حدود العالم لأجل التقاء اللامعقول!. حمدتُ الله أن لم تكن قمامة ما تنتظره على باب شقتي, تنهدتُ و ارتحتُ إذ لن يقترب من بابي.. كنتُ أراقبه من بعيد.. ها هو ينصرف إلى البيوت المجاورة, هرولت إلى شقتي.. يا للغباء!, من يساعدني في دخول بيتي؟..
وقفتُ على بابي مثل ناطور البستان, الشمس تزحف نحو الغرب.. خوفي يزداد و اضطراب ينتابني كلما تسللت إلي حكاياهن عن الزبال.. أتذكر شكل الزبال حين رأيته و هو يجمع القمامة, فأقنع نفسي بأنه رجل طيب, سميح و عفيف!.. لم ألحظ ثمة ما يخيف و يقلق.. دائما الناس يخترعون الأكاذيب عن الضعفاء و الفقراء.
اقترحتُ على نفسي أن أقضي ليلتي عند صديقة, و أشكو مشكلتي لها لتساعدني!.
ذراعه تمتد أمامي, تعترض طريقي.. إنه نفس الرجل الذي التقيته في المكتبة صباح اليوم!. ارتفع حاجباي و جحظت عيناي, فوجئتُ بحقيبتي معه!, أخذتها مدهوشة و ممتنة!. شهقتُ ” أهذا أنت..شكرا..كنت أبحث عنها”. قال” و أنا بحثتُ عنكِ كثيرا لأعطيك اياها”. شكرته مرة أخرى و في الثالثة قبل أن أذهب صافحني بحرارة لم يكن لها داعٍ!.
.
قلتُ ” غدا..في المكتبة؟”, قال بلهفة” نعم..نعم..الساعة..آ..أنتِ حددي”, قلتُ “العاشرة صباحا”, صمت لبرهة ثم قال ” طيب. اسمعي. أريدكِ بهية و أنثى استثنائية..”..”اتفقنا”,”نعم”.
بعد أن انتهت المكالمة, سحبت سلك الهاتف من منبته في الجدار.. و رحتُ أحاول أن أنام بعد أن تلاشى النوم من عيوني.. كنتُ أفهم همس نبضاتي, و أشفق على قلبي من مضاضة الشوق.. مُر, طعمه مُرْ.. ماذا لو كان المتصل خالد؟.. يهاتفني ليليا و في الصباح يهاتفني على عجلة مثل أنشودة وطنية يجب انشادها كل صباح.. يتفق معي على موعد لقاء.. في أي مكان نلتقي فيه.. الحديقة العامة.. المكتبة.. على سطح العمارة.. مطعم بالميرا.. شارع الجندي المجهول.. الأمكنة تتحول إلى ساحرات صغيرات يلعبن مع الملائكة و يضحكن عشقا أبديا ينقشنه على جذوع الشجر..
في الصباح, أعددتُ نفسي للقاء طارق..
وقفتُ طويلا أمام المرآة, متأكدة من أن جمالي كان شاحبا و مريضا.. ارتديتُ قفازاتي و ذهبت إلى شوارع المدينة أجوسها بصخب كما و لو كانت هزائم العالم تتحطم على كتفي و تدفن في صدري.
سألتقيه ذات صدفة,يوما.. لن يكون نهرا أو حلما. سيكون أنهارا و أرضا خضراء و سماء زرقاء و ستكون له يدان و سنكون معا مثل فرخيْ حمامْ.

حب في الحرب

الجندي الذي أحببته مرتين: مرة في الحرب و مرة دائما؛ زارني الليلة في غرفة رقم”5″ للاجئين بمدرسة الزيتون الابتدائية “ب”..غزة!اطمأن على قلبي.. و مضى نحو الدبابات.قال لي ” سأعود في سلام “..كان رجلا روحه متجددة, علمني نسج الأحذية الصوفية, و نسجنا معا أحذية كثيرة للأطفال اللاجئين, وزعناها بينهم قبل بدء الشتاء.. و تمنيتُ لو علمني كيف أنسج الخبز لأوزعه على الجائعين في الحرب الآن..في مدرسة اللاجئين صرنا نَصف طابورا صباحيا لنستلم رغيف الفطور.. الصغار الذين كانوا يتعلمون في هذه المدرسة يتضاحكون لأن طابورهم المدرسي تحول إلى نوع آخر يبعث السخرية في أنفسهم!.الحرب عرّفتني على حبيبي..كان حبيبي مقاوما في الجبهة الشمالية, المنطقة المركزية للحرب..منذ أن عرفني قرر الانضمام إلى المقاومة, و محاربة الاحتلال !كان قبل كل شيء لاجئا معنا في المدرسة, نزح من المنطقة الشمالية..كنتُ أجلس مع نفسي تحت شجرة الأكاسيا المزروعة في ساحة المدرسة, أكتب مذكراتي الحربية, و أردد بصوت عال مقاطع شعرية أحفظها لمحمود درويش و ابراهيم طوقان و لوركا.. فجأة شعرت بيد تدق كتفي من الخلف و أسمع صوتا هادئا كالحزن ينشد:” دعوني وحيداً مع النهار‏ ..أرجوكم دعوني أولد*.‏”, شهقت و استدرتُ لأرى من؟.. فوجئت برجل غريب يقترب مني و يستأذنني أن يشاركني وحدتي!. صمت لبرهة ثم قلتُ ” تفضل”.. سألني عن علاقتي بالشعر, فقلتُ”من بعد الحرب فقدت علاقتي بأي شيء”. فقال” لكنني سمعتك تنشدين الشعر”..قلتُ له أن ذلك مجرد تسلية لا أكثر.. فتنهد و هو يقول” الموت أهون من هالحياة”.. استدركته:” لكنك قبل قليل كنت تطلب بأن يدعوك وحيدا مع النهار لتلد!”..ضحك و التزم الصمت حتى همّ بالقيام, شكرني على رحابتي و تركني مع نفسي..الحياة في المدرسة تعيسة و اليوم طويل جدا.. كنتُ أعد الساعات ساعة بساعة و أنا أنتظر حلول الليل لأنام و أتخلص من ثقل النهار الجاثم فوق صدري.. أبعثر الوقت في مراقبة الأطفال اللاجئين و هم يلعبون كرة القدم بعلب السردين الفارغة و يصفقون للفريق الفائز كما و لو أنهم يلعبون في مبارات حقيقية.. أتحلّف للخبز و الملح اللذين يهربان منا في مثل وقت مدقع كهذا..كان مكاني المفضل هو الجلوس تحت شجرة الأكاسيا.. من هناك أدع عيني تركض مع الأطفال و تنشر الغسيل مع النساء و أطير مع العصافير بعيدا..أبعد من الطائرات.. بقيت في ذلك اليوم جالسة في مكاني حتى وقت متأخر من الليل. حذرتني أم كنعان من البقاء وحدي خارج الغرفة في الليل, و أم كنعان لاجئة طيبة تمكث معنا في نفس الغرفة, قالت لي موجهة خطابها لجميع النساء في الغرفة ” في أي وقت و في كل مكان لا بد و أن يوجد أولاد حرام” !. لم أبال بتحذيرها و بقيت هناك..من بين العتمة لمحت كائنا صغيرا يدب على أطراف أصابع قدميه.. و لم أكد أقف لأستكشف خيالا ذلك أم حقيقة,حتى فوجئت بولد يشد من يدي دفتر المذكرات و يهرب.. ركضت خلف الولد و أنا ألهث و العرق يتصبب مني.. وحين وصلت خزانات المياه البعيدة عن غرف النوم توقّفتُ و فقدتُ أثر الولد, تهدل كتفاي خيبة و انزلق رأسي إلى صدري.. حركتُ قدمي ببطء لأعود إلى الغرفة إلا أن يدا ما دقت كتفي و صوتها ينشد “وبقدر ما عشت أريد أن أعيش‏, هذه بغيتي*.‏”..استدرتُ ليفاجؤني الرجل ذاته الذي جلس معي تحت الشجرة!. مدّ إليّ دفتر مذكراتي و هو يعتذر بخجل عن فعلته المدبرة ليلتقي بي خفاء في الظلام, فهو الذي دفع الولد ليسرق مني الدفتر و يهرب خلف خزانات المياه لألحق به و يلتقيني الرجل.. أبديتُ غضبي لأجل ذلك فظل الرجل يعتذر و يتأسف لي على فعلته, شعرت بأن الرجل يحمل نوايا طيبة فابتسمت مولية ظهري له, لكنه منعني من ذلك و فجعتُ إذ شدني من يدي و احتواني بصدره..أحسست بحرارة طفيفة تنبعث من صدره و تتسلل إلى جسدي.. وضع أصابعه تحت ذقني و رفع رأسي نحو رأسه.. شاهدته يبكي بحرقة, آنذاك استسلمتُ لجنونه و أغمضت عيني..
يرعبني النوم وحيدة وقت الحرب..تبرعت أختي الصغيرة لأن تنام عندي مؤقتا لحين عودة أمي من المشفى و تنام هي عندي.. المسكينة أمي لم تتعود بعد على أكل المعلبات في الحرب !. لكنني هذه الليلة سحبت فرشتي من عند أختي و نمت وحدي. الرجل بثّ فيّ الدفء و الأمان.. إحساس غامض اجتاحني.. رجفة لذيذة تهز مكانا ما في صدري.. مكانا غير قلبي.. رجفة تغيّبني كلما تذكرت الرجل أو التقت عيوننا في طابور الخبز..منذ تلك الليلة امتلأت أيامي بالورد و البرتقال و رائحة الياسمين.. لم يعد نهاري طويل, هناك من يملؤه و هناك من يزرع الريحان في صدري ويمطر الوديان في أوردتي و شراييني..صارحني الرجل بحبه لي,كذلك أنا.. و صرنا نتبادل الحب تحت شجرة الأكاسيا في النهار و نتعاطاه وراء خزانات المياه ليلا.. أقسم أن الشجرة كانت تتلصص على قبلاتنا و ضبطتُ جدران المدرسة و هي تختلس نظراتها نحونا أثناء انشاد الشعر..في منتصف الليل, و بينما الجميع نائم..حتى العجوز التي تخاف من القصف و دوي الانفجارات كانت نائمة, سمعت صوت حبيبي يناديني من الشباك!. خامرني ظن أنني أتوهم.. إلا أن صوته ظل يناديني ويصدح في أذني بالحاح غريب, نهضت و تلقفت معطفي و وثبتُ إلى الخارج.. تلفّتُ حولي فلم أجد حبيبي!. فركتُ عيني لأتأكد فلم أرَ سوى العتمة.. عدتُ إلى فراشي كأنني منومة مغناطيسيا.. اندسست تحت الغطاء..لامست ساقي لحما طريا ذي رائحة مألوفة ليست غريبة علي!..ارتبكتُ و خيل إليّ أنني أهلوس!.. إلا أنني فوجئت بحبيبي ينام إلى جانبي!.. كدت أصرخ من شدة الهلع لولا أنه وضع يده على فمي و تأكدتُ من أن ذلك ليس من ضرب الخيال و الهلوسات.. وشوشته”كيف..لماذا..ألم تخف أن يراك أحد؟؟!”..فوشوشني” كنت أناديك و لما طلعتِ دخلت بسرعة من دون أن تنتبهي”..قلت” يا ملعون”, فقال” كيف المفاجأة”.. ضربته على صدره و أنا أقول”خوفتني كتير”.. تشابكت أصابع قدميه بأصابع قدمي كذلك أصابع يدينا, و قبل أن يخرج قال لي بحزن و هو يحاول أن يتصنع الحزم “أنا رايح ع الشمال”, فتحت فمي مندهشة بشهقة ذات نفس مختنق و قلت ُ” بدك تروح للموت برجليك..لا لا.. “..أمسك بيدي و سار معي بصمت حتى توقف عند شجرة الأكاسيا.. نظر إلى غصن مرتفع يغرق في ضوء القمر, كانت عيناه تبتسمان.. و قبل أن تبتلعه الظلمة خلف بوابة المدرسة, قبلني و ذهب
• نيرودا

أظافر القطط


شعرتُ أن هذه اللحظة ستكون قَدَر عيني, و أنني سأتابع الحياة بعين واحدة.. أرى ما أرى من جانب واحد و النصف الآخر من معالم الأشياء يختفي في عتمة عيني الأخرى.. وضعتُ يدي على عيني فإذا بالدم يتدفق بغزارة من بين أصابعي كينبوع حار تفجّر من باطن أرض بعيدة.. سحبتُ من جيب معطفي قطعة قماش صغيرة و غطّيتُ بها عيني, إلا أن الدم أغرقها وأحال لونها الأبيض إلى لون أحمر قان, أبعدتها و قذفتها بعصبية من نافذة السيارة, و فضلت أن أضع يدي بدلا عنها حتى و إن سال الدم على المعطف و بقّعه..
كان الجو ما يزال باردا, لا سيما و أن عقارب الساعة تلدغ منتصف الليل.. بدأت الأمطار تهطل, و تصدر مع حبات البَرَد حين ترتطم بسقف السيارة صوتَ قرقعة مزعجا.. نظرتُ بطرف العين الأخرى إلى أمي, كانت تقاوم النعاس بأي طريقة لإلا غفت عني, و بدوري لم أبدِ أي علامة وجع أو قلق على حالتي, فكنت أبتسم لها بين الفينة و الأخرى و خلف شفتاي يختفي وجع الدم..
أضاء السائق ضوء السيارة البارز في مقدمتها, كان النور مشتتا مثل رشات ماء, خافتا متأرجحا لا يعين العين على تفحص الطريق, فلم أستطِع رؤية شيء, كل ما كنت أستطيع أن أراه هو ظلال المارة و الرجال الخارجين من المقاهي-ترتمي بطولها على الرصيف و تنكسر على الأجساد حين تحتك بأكتاف بعضها..
تمنيت لو تنفرش النجوم على الأرض, لأرى ما أريد.. المدينة معتمة و عيني مدمية.. ربما كل الطرق التي مرت بها السيارة مررت بها من قبل, لقد ميّزتُ معظمها من رائحتها الأليفة.. رائحة الهال المتصاعد من فناجين القهوة.. رائحة العطور المتنقلة بين ثياب العاشقين.. و حفيف الأحذية و طقطقة كعوب النساء..
توقفت السيارة. نزلتُ مع دوار خفيف برأسي.. نَقَدت أمي السائق و أسرعت لتمسك بيدي.. ابتعدنا إلى الرصيف و سارت السيارة إلى أن اختفت وراء جدار أسود من حلكة الليل..
دخلنا بوابة المستشفى, كان على عتبتها الكبيرة ينتشر باعة الورود و باعة الجرائد التي طالما اشتراها المهتمون بقراءة الوفيّات و تهاني الخروج بالسلامة من المستشفى!.. تنمّل بداخلي نبض أحمق حين اقترب مني مراهق يمد بيده الجريدة إليّ كي أشتريها, قلتُ” لربما كان اسمي من بين الوفيّات “.. تسمّرتُ أمامه, فإذا بيد أمي تشدني و وجدتني في غرفة الطوارئ الليلية..
جلستُ على المقعد أمام موظف الاستقبال, حكت له أمي المشكلة بايجاز و صوتها يرتجف يتدحرج من حنجرة تراكم الدمع فيها.. بعد دقائق جاء طبيب العيون و أخذني إلى غرفة الفحص, جلستُ أمام الجهاز الدقيق فيما جلس(الطبيب)خلفه و أشار إلى أن أضع عيني قبالة العدسة الزجاجية, وضعتها و سلط الضوء عليها فيما شرع يفحصها(عيني)بنظراته المخبرية..
انتهى الفحص. قال الطبيب ببساطة “اطمئنوا.. الجرح بسيط “, تنهدت أمي و قالت بامتنان ” شكرا “. أعطاني الطبيب مرهم و قطرة خاصة لتسمم العين, نظر إليّ بعينيه الخضراوين نظرة صارمة و قال ” أظافر القطط خطيرة..انتبهي”, ثم مسح الدم عن عيني بمنديل أبيض مُعقَّم, و غادرنا المستشفى..
كانت الطرق تغطُ في عتمة عميقة, تخترقها عيون و اشارات المرور..و ما أن وصلت الدار؛ غسلتُ يدايَ من دم عيني. و نمتْ.