رسم طفولته و مضى

جدول دم خشن يسيل من نهاية خليج العقبة, يصبّ في بقعة غامضة رسمها الفنان على لوحة جدارية مطعّمة بالدموع و المآسي, كان الجدار مطليّا بالألوان و الرسوم الساكنة عمدا, فلا أوجع من أن يكون السكون/الصمت سفير الأحزان عبر الزمن, و فلسطين على ذاك الجدار صامتة و تغني مع ابراهيم طوقان: صامت لو تكلما..
كانت اللوحات على جدران مدارس الغوث في مخيم الشاطئ, تشارك الأطفال ضحكاتهم, طلاب الصفوف الابتدائية, يحملون الفرشاة و علبة الألوان, يضع أحدهم الفرشاة على بداية الجدار و يركض ببراءة حتى يصل نهاية الجدار, أستاذه يصفق له و يقول مبتهجا: لقد رسمت خطا أزرقا طويلا, يصيح الطلاب من بعيد: أوووه, يبدو الخط الأزرق مثل بحر غزة اللاوي. أطلب من سائق السيارة الخاصة أن يصفّ سيارتنا في مكان خال, أنزل من السيارة و أهرول إلى الطالب الذي سمعته يقول”بحر غزة اللاوي”, أسأله “شو يعني بحر غزة اللاوي”, يقطب الطالب حاجبيه و يذهب إلى أصدقائه !, حين يصلهم يضحك بصوت عال و يقول “الأستاز علمنا إياها”, تقدمت نحو أستاذهم و سألته عن معني اسم بحرهم؟, انزلقت نظارته حتى أرنبة أنفه و نظر إليَّ من أعلى النظارة كما و لو أن عينيه صعدتا سلما للشمس, قال: اتفقنا مع طلاب رام الله أن نرسم رسائلنا إليهم على جدران المدارس, طلابي يرسمون البحر لهم و طلابهم يرسمون الجبل لنا, في الليل تطير الرسومات و تتحول إلى غابات و بحار..
أطفال تجاوزا الواقع ليتحدوا مرارته بحلاوة أحلامهم و براءتها, من بعيد يصفق الطلاب لزميلهم الذي رسم سفينة, تركت الأستاذ و ذهبتُ أشاركم الرسم, رسمت في سفينتهم صندوقا كبيرا و قفلا يغلقه, التم الطلاب حولي مذهولين و سألوني: شو يعني؟, قلتُ: في الصندوق كنز خطير سوف نهرّبه إلى طلاب رام الله, ما عليهم سوى أن يكسروا القفل. قال طالب يربط حول معصمه قطعة مطاط ملونة: ليش خطير؟, قلت: لأنه ممنوع و يهدد أمن الاحتلال. تنقلت عيون الطلاب فيما بينهم, أحدهم وضع يده على ذقنه محتارا, سألني و هو يرسم في الهواء شيئا ما: أين المفتاح؟, قلتُ: مع طالب في رام الله, قال: هذه أول مرة نتراسل مع طلاب رام الله, ضحك صديقه: ها ها ها أصلا نحن لم نتراسل مع غيرهم من قبل, استدركه صديق و قال: لكننا تراسلنا مع الله, صفّر أستاذهم له و قال: لم يخطر ببالي, ثم صفّق و قال: رائع.. أنتم رائعون. رنّ جرس المدرسة معلنا انتهاء حصة الرسم حسب الجدول المخطط لفعالياتهم الصيفية, اتفقوا مع بعضهم البعض أن يراسلوا الله هذه الليلة, في لحظة اختفوا من حولي و سمعت ضجتهم في الصفوف..
صباحا, ذهبت إلى جدار المدرسة, فوجئتُ بأن أحدهم رسم للقفل مفتاحا, و من الصندوق ينهمر شلال ورد, طالب ما رسم طفولته و مضى..

شرفات عالية

,, كل يوم كانت تكتب شيئا: لتُذكره أن لون الثلج مثل زهر اللوز, و أنّ ” أربعينيّة الشتاء” حارّة مثل أنفاس رجل أربعيني يكتب و يكتب و يكتب ,,


1
آه.. عيناك تحيطاني بالحزن و الياسمين, مجدكَ يتسمّر وراء الباب, مهترئ الرجولة تمشي باتجاه الوادي, تسقط التلال بين ذراعيك, لا تستطيع أن تحملها, تسيل الأشجار و الزهور و الحساسين من بين أصابعك, صامت تمشي, أنا أنتظر.. تقترب من عدمي, لا تناديني باسمي لأنه مكتوب في جواز السفر, اسمي يُكتب و لا يُنطق, ترفع الريح العجوز اصبعك, تشير إليَّ بسبابتك, أكون واقفة أنتظر.. ما زلت تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي.. تمشي .. تمشي..

2
الرجل المجنون الجريء الذي يتسلل إلى غرفتي من درج البيت, دائما يسبب لي المشاكل .. لا ليس مع أهلي, إنما مع ضجيجي و هوسي في قصص شفتيه..

3
يوم عادي جدا.. كان الرجال يتنكرون أمام الطرقات و الأرصفة و الأبواب, رجل واحد لم يتنكر للمدينة الدامية, سار معي و قال: أنتِ الغبية من بينهنّ !.

4
كل ليلة, يرمي القمر على سريري ظل رجل مجهول بعيد.. أحاول أن أقطف القمر كي أسأله: من هذا الرجل؟

5
ذات ليلة ليست بالبعيدة( هي ليست قصة), أخطأتُ طريق الحياة و متٌّ .

6
كذب عليّ و قال أنه ينتظرني في الكِتاب.. فتحت الكتاب فوجدت قصة, قرأتها و نمت.

7
لأنني اليوم تذمرتُ كثيرا, نمتُ و لم أستيقظ حتى الآن !

8
كلما أغمضتُ عيني, رأيتُ عينيكَ .

9
وجدتُ في بريدي بقايا ليلة و رائحة رجل أخطأتُ رسائلي إليهِ ..

10
أقصر القصص: المسافة بيننا

11
أنتَ الوحيد من بين الخائنين تسأل عني

من سرق صديقتي من الدبابة؟

هي ليست مغامرة أو فعلا خارجا عن الإرادة بسبب نوبة جنون ما أو حماقة مؤقتة, تعمدنا أن نحتفل بعيد ميلاد صديقتنا “غادة” في دبابة إسرائيلية نصطدم بها في أحد شوارع المدينة. كانت غزة بدون دموع بدون غضب بدون أمنيات, كان اسمها غزة و كانت أسماؤنا: كوثر وغادة و رنا و بهاء. وضعنا منبه ساعاتنا على الرقم”5″ صباحا, أنا و غادة من غزة و رنا من دير البلح و بهاء من رفح, عند الساعة الخامسة صباحا رنتّ منبهاتنا و صدح الرنين في سماء قطاع غزة مثل أجراس كنائس تعلن عن مولد قدّيس أو بعث المسيح.. كنت و غادة ننتظر رنا و بهاء في الطابق الأخير من أعلى برج في غزة, عند الساعة السابعة اكتمل عددنا في برج الأندلس, بهاء جلب معه ألعابا نارية اشتراها من الحدود المصرية القريبة من بيته, رنا أخرجت من جيبها كومة بلالين ملونة و شرعت بنفخها, أنا صنعت الكعكة و قلت لهم أن طعمها سيكون شهيا حين نُقطِّعها و نأكلها في الدبابة, غادة فارغة الأشياء منتشية بأغراض الأصدقاء تضحك بين الفينة و الأخرى على فكرتنا فوق الخيالية!.
قضينا نهارنا في برج الأندلس نخطط في كيفية الاستيلاء على دبابة, أخذنا قسطا من القيلولة, غنينا, تدربنا على رقصة تناسب أجسادنا حين تنحني في الدبابة لأن سقفها سيكون منخفضا, ثرثرنا و امتدت ألسنتنا إلى الغيبة و النميمة.. و أخذنا المجد إلى الجرائد و الصحافيين الذين سوف يتهافتون علينا لإجراء مقابلات صحافية عن ” حفلة ميلاد فلسطينية في دبابة إسرائيلية”..
انتظار الليل طال, غادة ضجرت, يا صديقتي بقي لليل ساعة و نحتفي بميلادكِ, انتخبنا بهاء لينزل و يشتري لنا قنينة كوكاكولا.. بعد نصف ساعة عاد إلينا بهاء لاهثا, خفتُ, اعتقدتُ أن الاجتياح قد بدأ, فإذا به يطمئنني و يسخر” المصعد الكهربائي لا يعمل..ها, انتي وجهك وجه ناس بدخلوا دبابة”. شربنا الكولا الباردة و استلقينا على ظهورنا, كل واحد منا ذهب في ذهنه إلى أحلامه الكبيرة في الدبابة الصغيرة, كانت عيوننا مثبتة على الساعة المعلقة فوق باب الغرفة مثل مشنقة, نبضات قلوبنا تدق مع حركة عقارب الساعة. بعد ساعة سيصبح عمر غادة”20″ سنة, لو كنتُ أنا غادة لسبقتهم إلى العقد الثاني من العمر, كانت أعمارنا جميعا “19”سنة, غادة الآن عمرها مثلنا “19”, لكن الشهور المتفاوتة بين يوم ولادتنا ميّزتنا عن بعضنا و جعلت لكل واحد منا يومه الخاص الذي يحتفل فيه بعيد ميلاده, ربما الآن تشعر غادة بالفخر لأنها بعد ساعة واحدة ستتحول إلى امرأة في العشرين من أنوثتها الطاغية, ستنظر إلينا بعيون كريستالية تقول”أنا أكْبَرَكم أيها الأصدقاء”..
سمعنا أصواتا غريبة كأنها أصوات الاجتياح, هرولتُ إلى النافذة و تأكدتُ, صحتُ بفرح” هيا بنا..”. حملتُ الكعكة و ركضنا جميعا على درج البرج ننزل كأننا ننزلق على لوح جليدي يؤدي إلى حدائق مشمسة دافئة, من يصدق في هذا الوقت من الليل القاتم و الاجتياح المرعب أن ثمة مخلوقات مجنونة تقف وراء باب برج عملاق تمارس حقها في الحرية و الاحتفال؟. فتح بهاء الباب و خرج زاحفا إلى الطريق الذي يعج بالجنود و البنادق البرّاقة من شدة لمعان فولاذها, زحفنا خلف بهاء, كان الجنود منشغلين في استعداداتهم الأولية لاجتياح المدينة أكثر.. انتشر الجنود تحت البيوت ممسكين بنادقهم كما لو كانوا بحارين أشرعوا سفنهم للإبحار في محيط لا قرار له, خطير و مليء بأسماك القرش و الحيتان..
ربط بهاء البالون الأول في جنزير الدبابة, زحفنا بحذر و حاصرنا الدبابة بالبلالين الملونة, كانت منتفخة و بدت في ذلك الوقت كالأشباح المريعة, لم يلحظنا أحد فقد كنا نرتدي ملابسا سوداء نتماهى معها بالليل, رأى البلالينَ جنديٌ يضع مشط الرصاص في بندقيته, صاح بصوت مرتجف ” متفجرات”, التفت الجنود إليه فوجدوه يشير إلى بلاليننا الملونة, دب الخوف و الارتباك في الجنود, هم في حيرة من هذا الكمين غير المتوقع, فتح بهاء باب الدبابة, و اقتحمها, لم نكن نُرى, حوّلنا الله إلى كائنات غير مرئية, أخرجنا الجندي و صديقته من الدبابة و أغلقنا الباب علينا.. أغلقنا الباب على الظلام و أشعلنا ضوء الدبابة, انفصلنا تماما عن العالم الخارجي و أصبحنا في كوكب آخر..
شهقت غادة و قالت بحزن ” كنت أظن أن الدبابة أجمل من غرفتي لأنها الأقوى”, قلتُ باستغراب” و هل الأقوى هو الأجمل؟”, قفز بهاء بيننا و قال” هيا ننظف الدبابة من القنابل و الرصاص…”, قاطعته رنا و قالت مشمئزة” هل يوجد ماء هنا؟”, سألتها لماذا؟, أشارت بإصبعها إلى دم ممتزج بسائل لزج و قالت “لنزيل لوثة جنسهم”.. طهّرنا الدبابة من الدنس و رائحة الجنس المختلطة برائحة الرصاص الذي يفترس لحومنا.. ثم بدأنا نحتفل بعيد ميلاد غادتنا الجميلة. أكلنا الكعكة و لم ندع شيء تمنيناه إلا و فعلناه, أخرنا الألعاب النارية حتى نهاية الحفلة. في منتصف الليل, قررنا أن نرسم على جدران الدبابة, رسمنا أشجارا و مطارات و طائرات و حلوى و ملابسا..
قبل انبلاج الفجر, تناهت إلى مسامعنا صوت فرقعة بلاليننا التي ربطناها في جنازير الدبابة, أسرعنا في تلوين سقف الدبابة باللون الأزرق السماوي, و طرنا من النافذة إلى سماء الله الواسعة..
هناك في السماء, تفقدنا بعضنا, لم نجد غادة بيننا!. متأكدون مئة بالمائة أن غادة كانت معنا في الدبابة, لكن من الذي سرقها من الدبابة حين انفجرت؟. يا إلهي…هل توجد سماء أخرى غير سمائك؟!.

غرباء نحن




تنتابني حالة من التذمر و الرغبة المجنونة في تكسير الصحون و الفناجين..قلبي يحزم أمتعته و يسافر إلى مدينة بعيدة قال يوما مريد البرغوثي أنه رآها!, تركت روحي تذهب مع باقي أحلامي إلى رام الله.. هناك حيث أفرطتُ في حب الوطن حد الرمل و الشمس, هناك حيث كان فجر شبق المرأة الصغيرة, و حيث قُرعت أجراس الحريق و فجأة كل شيء انطفأ مثل صدمة القيامة أو موت نبي.. تمد لارا لي كوبا كبيرا تسيل من أطرافه النسكافيه, تختلس نظراتها الحزينة إلى عيوني, تقول و هي ترقص بكامل أنوثتها المضطهدة: دعكِ من رام الله, لو حقا أن هذه المدينة تحبكِ لما سرقت منكِ .. ارتعشت أصابعي الملتفة حول الكوب, لاحظت ذلك لارا فسكتت و لم تتابع كلامها. هل يولد الانسان في مدينة و قلبه يولد في مدينة أخرى؟!. لارا ولدت مع قلبها في مدينة واحدة: غزة, و أغبطها على ذلك كثيرا كثيرا.. لا أعرف ما هو الخيط الخفي الذي يصلنا ببعضنا كي تستمر صداقتنا إلى ما بعد الحرب, التقينا صدفة في أمسية شعرية, كانت لارا تحمل في يدها كاميرا صغيرة من النوع الرديء, قذفت إليّ كاميرتها و طلبت مني أن ألتقط لها صورة مع طفل في السادسة من عمره, ثم التفتت في فراغ القاعة و قالت لي: صوري, لم أعرف ماذا أصوّر, ضحكت بصوت عالٍ وقالت: صوري حذائي. كانت مفعمة في تصوير الأحذية بكاميرا رديئة مقصودة, بعد الأمسية تبادلنا أرقام هواتفنا الخلوية و قلنا”باي”.. لم نتصل على بعضنا بتاتا إلا بعد الحرب تذكرنا بعضنا و اتصلنا!. ألحت على أن نلتقي مرة اخرى و حددت أن يكون لقاؤنا في مقهى دليس, في كل مرة كنت أبدي لها رفضي الشديد للقاء في مقهى ديليس, و لم أكن أعترف لها بسبب رفضي, اصرارها العنيد أجبرني على الذهاب إلى المقهى في صباح اليوم الأول من السلام, أدهشتني ملابسها الأنيقة و أكثر ما أدهشني هو كعب حذائها, كان طويلا لدرجة أنه لفت انتباه النادل الذي قدم لنا القهوة, قالت: الأنثى في كعب حذائها.
لارا امرأة ليست جميلة لكن ثمة فتنة ما مكتنزة في جسدها و حركاتها, الآن هي تكبر بصخب و تبلغ العقد الثالث من عمرها, ما تزال تسخر مني لأنني أرتعب من مقهى ديليس الذي لن يستطيع أحد أن يقنعني بأنه مقهى, الحرب غيّرت معنى المقاهي عندي, صار المقهى مكانا للجنس أو الموت.. أما مقهى ديليس فهو مكانا للموت. حين هربنا من بيتنا الذي حطت عليه ورقة انذار باخلائه فورا لأن الطائرات الحربية ستقصفه خلال ساعة, هرولت إلينا سيارة الهلال الأحمر و خبأتنا من الموت في خيمة بيضاء منتصبة بين مشفى الشفاء و بين مقهى ديليس, كان المقهى مغلقا و يبدو كالجحيم, بينما المشفى مفتوحا مثل سيل جارف للأموات و الدماء و الصيحات.. يومها ارتبطت صورة الجثث و الأشلاء المحملة في أكياس الطحين إلى المشفى بمقهى ديليس, كنت كلما شممت رائحة بارود ممتزج بالدم و اللحم و الخوف, قادمة مع سيارة الاسعاف إلى المشفى, أدير رأسي بسرعة إلى ناحية المقهى, و أغمض عيني خوفا و وجعا..
اندلق السائل البني من الكوب, شعرت بلذة سيلانه على ساقي, شهقت لارا و قالت: ساخن ساخن..بنت!,
احمرّت ساقي و توهجّ منها شعاعا مريضا, بللت لارا قطعة قماش بيضاء بالماء البارد و صارت تمسح بها على ساقي, يا لها من امرأة قنوعة ترضى بأي شيء المهم “الحياة”, أي امرأة مضطهدة تحب الحياة؟, زوجها يصنع منها تمثالا أو كأسا فارغا لسكب الشهوة في لحظة شبق و سكر..!.
أنا محبطة و متذمرة و قلقة وعاشقة و متهورة و متسائلة و محيرة وحالمة و ذكية و غبية و قريبة و بعيدة و أريد أن يمهلني الله ثانية قبل انتحاري لأقول للعالم: غرباء نحن.

Check shuck




الأحلام التي تزورني في المنامات.. تلك الاحلام الهامسة كالمطر الصباحي البكر, أصبحتُ أخافها و أشك بأنها في الأصل جنودا يستعدون لاحتلال سريري و تحويله إلى مستوطنة كوابيس.
منذ نزهتي الأخيرة إلى البحر و أحاسيس الخوف و الشك تراودني تجاه أحلامي, يومها كان البحر يُهرّب أسماكه إلى الصيادين, كانت السفن ترتدي قبعات زرقاء محشوة بالطحالب, لعبتُ كثيرا مع الموج حتى جرحت ساقي اليمنى و وصل خيط الدم إلى كعب رجلي, تكوم مستنقع دم تحت كعبي, لم أهتم لذلك و بقيتُ ألعب مع الموج, كانت السماء صيفية و ناعمة كالحرير..
فتحتُ عيني, لا لستُ أنا, أحدهم فتح عيني و قال”تنفسي.. تنفسي”, عرفتُ أنني كنتُ على وشك الغرق, و لم أكن مجروحة إنما كنتُ أنزلق في اختناقي إلى أعماق الموت..
قيلولتي اليوم كانت مرآة تتكسر فيها شمس الظهيرة, كتبتُ على وسادتي بقلم الحبر الأزرق: أنا لستُ نائمة, ثم نمتُ و لم أشاهد أي حلم يدق بابي. هكذا تركتُ الجملة مكتوبة على وسادتي و لم تعد تزورني الأحلام.
هذه الليلة؛ غيّرتُ وسادتي و ألبستها معطفا شتويا ثقيلا, لم أكتب عليه أي كلمة, فقط رسمتُ شجرة برتقال و خمس أصابع بدون أظافر, نمتُ مثل أي كائن ينام ليلا, رأيتُ الشجرة تنحني إلى الأصابع, و أسقطت خمس برتقالات في مكان الأظافر المقتلعة, نبتت أظافر برتقالية, رائعة جدا و جذّابة. استدار جسدي إلى ناحية النافذة, الحلم يستدير مع جسدي, الشجرة تخلع عن أغصانها الورق, ألملم أوراقها و أوزعها على أطفال مروا بالقرب منا, الأصابع البرتقالية ترقص.. يا لرشاقتها العذبة!.
نهضتُ من نومي امرأة فوق العادة, المعطف الذي ألبسته وسادتي كان معلقا على شجرة البرتقال المزروعة تحت شرفتي, ثمة برتقالة كانت على النافذة و عصافير كثيرة تزقزق و أقول معها Check shuck !!


وردة الحيرة

في العادة, و كما هو معروف فإن بتلات الوردة يقوم ” بنتشها” الحائرون: بتلة تلو الأخرى و حين يصلون إلى الأخيرة يكون الأمر قد استقر عند تلك البتلة و انتهت الحيرة. و لكنني اليوم أوظّف وردتي المسكينة لأمر قد يبدو غبيا إلا أنه مهم جدا بالنسبة إليّ!. هل يحيركم الاتصال بشخص ما؟ ربما يحدث ذلك و لكن الاتصال المحير يكون مع الغرباء و مع الذين لا نعرف كيف نتعامل معهم أو بالأحرى مع الذين لم نتعامل معهم من قبل.. اليوم أنا محتارة كيف أتصل بهِ؟ ماذا أقول له و كيف أبدأ مكالمتي معه؟!!..
آلوو..مرحبا. ثم ماذا أقول؟ سأتلعثم و ربما سأغلق الخط في وجهه و يغضب من تصرفي الغير لبق!.
كانت البتلة الأخيرة تقول:”اتصلي”.
ضربت الأرقام و عند الرقم الأخير ظهر تنبيه بأن مكالمة ما واردة. تراجعت عن رقمه و مسحته من الشاشة.. ضغطت” قبول” فإذا بصوته يقول” آلوو..مرحبا”. تلعثمتُ و تابع “هل وصلتك الوردة..أعجبك نوعها و لونها”.. ضغطت بأسناني على شفتي خجلا, فوردته الجميلة تقطّعت بين “نعم” و “لا”.
6-6-2009

تفاصيل الحلم

كنت أحلم.. حلما طويلا يشبه اليوم الصيفي الحار الذي لا ينتهي.
أنا على شاطئ البحر, أرى أمامي غسان ابن خالتي و ابنة عمي صفاء مع أصدقاءهما يلعبون بالرمل المبلل و يبنون قصورا رملية جميلة.. السفن مثل السلاحف تزحف إلى المياه القوية, تنفخ الريح في أشرعتها فينتشي الصيادون لذلك.. يبحرون حتى يختفون خلف زرقة هائلة من السماء و البحر و أعماق السمك..
جدتي لاحظت شرودي, جاءت إليّ و حوطت عنقي بخيط رفيع تتدلي من نهايته صدفة كبيرة لونها أحمر و مخططة باللون البرتقالي. ابتسمتُ لها و وقفت ثم سرت ببطئ لأبتعد عنها بشكل مهذب. تبعتُ خطوات سلطعون يتجه نحو حفرة صغيرة.. كان يحمل على ظهره فتات”خبز قمح”.
ناداني عمي خليل ” تعالي.. يلا شوينا السمك”. نظرتُ إليه, كانت المسافة بيننا بعيدة مما دفعه ذلك إلى أن يكرر نداءه و هو يكور يديه حول فمه مثل ” المايكريفون”. لوّحت له بيدي, ففهم أنني سمعته. ذهب و انضم إلى حلقة الأهل حول السمك المشوي..
كانت رائحة السمك المشوي حادة. لقد أغوتني..
ركضتُ نحو الرائحة بنهم..
فركتُ عيني, مرة.. مرتين.. ثلاث.. كثيرا !!
أين هم؟! عمي خليل؟ غسان و جدتي و صفاء؟؟.. لا أحد هنا غير السمك المشوي!!
التفت حولي, هززت رأسي يمينا و يسارا كمن ينفض عن رأسه وسواسا.. فقط أنا و هذا السمك؟!
فإذا بكَ تفاجؤني من الخلف, تغمض عيني بيديك و أنت تقول ” حزري مين أنا”. ضحكتُ بصوت عال و قلتُ “اممم.. انتَ”. و هنا انتقل الحلم و تحوَل إلى قصة أخرى!.
و أنا أسرد لكَ حلمي هذا, أتخيل كل الأحداث و التفاصيل.. تماما أذكرها, كانت مثل فيلم سينمائي تعرض حلقاته متقطعة.. غريبة و غير مترابطة مع بعضها البعض.
ثم وضعتَ ذراعك على ظهري, و الذراع الأخرى في بطن ركبتي, حملتني كالمنومة و مددتني على الرمل قريبا من الأمواج, لكنها لم تصلني و لم أبتل..
كانت السحب تبدو فوقي كالبلالين الزرقاء..
و أنتَ جلست إلى جانبي و صرت تقص أوراقا و تلصقها.. تصنع طائرات ورقية و تغني.. تغني.. تغني أغنيات خرافية بدون لغة أو نهاية!
هنا انتهي الحلم.
صحوت من نومي فوجدت حديقة ورد فوقي.

12/4/2009
1:12 مساء الأحد