رجل الليل

انتظار..
يظل لساعات متأخرة من الليل مستيقظًا , أبدا لا يُغمض له جفن.هُو ليس مريضا أو هائما أو غير ذلك,فقط هكذا يفضل متابعة الحياة..حياته؛رجلا ينام قبل طلوع الفجر و ينهض بعد انقضاء الصباح,ثم يفتح عينيه بكسل و ينظر إلى الجانب الآخر من جسده,يتذكّر أن زوجته غادرت الفراش مثل أولاده..يقفز من على السرير,ينحدر بخطواته إلى المطبخ ,يصنع قهوة مقدار خمس فناجين, و ينسل بهدوء إلى شرفة غرفته..يترشف القهوة-خلال ذلك تتكوم بين شفتيه و حنجرته قطرات سوداء ,فجأة يسعل فتترذذ(القطرات) فوق عرض الافريز..يذهب إلى الحمام,يتسمّر أمام المغسلة قبل أن ينظر إلى وجهه في المرآة,أمام الصنبور تندلق أفكاره,يُخمّن ببراءة كيف سيكون وجهه هذا اليوم, و حين يراه يتأكد من أنه الوجه نفسه الذي كان قبل أن يعرفها,يتكرر بعفوية,مع بضعة تغيرات تضفي جمالا ألطف.صفع وجهه بالماء و بعد دقائق طويلة وزعها على ارتداء الملابس و تسريح الشعر,ذهب إلى المقهى..
هناك؛ اختار مقعدا مستبعدا من قبل الزائرين و المرتادين,سحبه من زاوية ما و جرّه عند عتبة الباب,غطس جسده الضئيل في المقعد,فيما أشار إلى النادل بيده أن يأتِ بالأرجيلة..و صار يمجّ بالخرطوم النحيل,و يدندن مع المذياع أغنية بصوت أم كلثوم..
صاحبة هذا الصوت ماتتْ,كُثر هم الذين ماتوا,و لكن ما ورّث موتهم صوتا,تركوا خلفهم الحزن لنا و تدابير قلوبنا مع الوجع و الفقد ..
– ” زروني كل سنة مرة..
حرام تنسوني بالمرة .. “
وضع قطع النقود على مقعده بعدما لملم جسده و وقف,ثم راح إلى عمله..
دخل مكتبه..طلب منه المدير على الهاتف كتابة يوميّة لنشرها في الجريدة عدد غد, و بعدما أغلق سماعة الهاتف همّ بكتابة زاويته التي تتسم بالوجه الضاحك و اللون البهيج,بينما يحرق صدره الألم الفاجع و يمزق قلبه الحزن المرير..
عند الغروب,عاد إلى بيته..وجد أطفاله و زوجته قد عادوا-يُشبهون الزائرين في حياته!-.يُقبّل زوجته و هي نائمة..يذهب إلى النافذة و يظل ينتظر الليل كي يبدأ حياته .

كالكهوف و الآبار

الآن هي جالسة على عتبة دارها ..تضع يدها على ذقنها مثل المتسولين أو العجائز اللاتي ينتظرن الموت بطريقة أخرى, و برحابة..يمرّ جارها عليها,يلقي تحية الصباح بمكر,و قبل أن يبتعد عنها قليلا يعود مترددا إليها..يحملق في وجهها بعينين يملؤهما الذهول و فمه فاغر ..
تنقبض خطوط وجهها التي ارتسمت مبكرا,تبدو كامرأة مجنونة يلاحقها الصغار بالضحكات و يرشقونها بالحجارة..لا ليس من ارتباكها من جارها الذي عرف بمصيبتها بل من زوجته التي تراقبهما من شباك غرفتها,ربما تقول الآن في نفسها”و أخيرا انكشفت ألاعيبكَ يا خائن”..
يرفع جارها عينيه إلى حيث نظرها متعلق, يلمح زوجته و يتمتم بملل ” حمقاء كلكنّ واحدة”..
يستعيد حالته البدائية التي كان عليها قبل رؤيتها..تضمر عيناه و تصبحا بحجم حبة الزيتون..يسير إلى نهاية الطريق و يبتلعه ضباب الصباح الباكر..يتركها مع مصيبتها التي تسببها ذات لقاء جهري..النطفة انبثقت في رحمها ,لقد اكتشفها الطبيب و عرف سرّها..وحدهم الأطباء طيبون كالكهوف و الآبار..صامتون كمصيبة ملعونة !

سخرية الاقدار

لم أكن أتوقع أن كلمة صغيرة خرجت على غفلة مني ستغير مجرى حياتي و تقلبني رأسا على عقب,قال كأي سائل مثل أستاذ لتلميذته ” بماذا تحلمين ؟”,صمتُ قليلا و قلت ” بكَ “..
زم شفتيه بفتور و قال ” بي “..
هكذا حكمت على نفسي بنفسي ,و تورطت في قدر غامض..
جس بأصابعه يدي و قال ” كيف يعني بي ؟” .كان يبرق في عينيه ضوء حالم,و بالرغم من أنني شممت رائحة لا بد من تعطيل الحواس عنها إلا أنني سحبت يدي من تحت أصابعه و نقرت بابهامي على أرنبة أنفه فيما أقول ” يعني بك “..
بعد عدة أيام عاد و سألني ذات السؤال ” بماذا تحلمين”..قرأت أثناء سؤاله شفتين تستنطقان حبا ما !..لكنه متردد و في غاية الحيرة في أن يعترف أحدنا به أو يبوح و لو بذرة منه..
شعرتُ بأنني بين لحظة و لحظة لم أعد أنا أنا,شيء ما اغتالني,قلتُ بلا وعي ” بكَ”..
و في اليوم التالي..حين التقى بي الرجل في المكان المعتاد ,عند بائع الجرائد ,كرر السؤال عليّ و كررت الجواب عليه..فأدلى عليّ بموعد في مقهى قريب يكون في المساء..
(في المساء) جلسنا إلى طاولة معدة لشخصين فقط..مرّت نصف ساعة و كلانا لم ينبس ببنت شفة,لم نسمع غير الموسيقى الهادئة و أنفاسا صاخبة تنطلق من رئات منقبضة ..
قلتُ في نفسي”لأكسر الصمت و لو بكلمة”:
– تكلّم
ارتعش الرجل و عرفتُ أنه كان سارحا متعمقا في التفكير بشيء جاد يشغله
– لماذا لا تنثالين بالبوح ( قال)
تفاجأتُ من كلامه.قلتُ:بوح؟!
أتى النادل بفنجانيْ قهوة,مدهما إلينا ,و قبل أن يذهب قال بذكاء”أنا كل ليلة أحلم بامرأة أخرى تختلف عن السابقة التي أعجبُ بها هنا في المقهى و هي مع حبيبها”,سكتَ للحظة و حين رآني منشدهة إليه تابع متشجعا ” أنتما كأنكما واحد,فاحلما ببعضيكما تجدا الكمال..في الحب”..و انصرف.
تأثرتُ بكلام النادل و استرجعتُ أول مرة سألني وقتها الرجل عمّا أحلم, و لم أكن أحلم بشيء بعد..
– انثالي بالبوح..كلانا مشتعل
مددتُ يدي و تناولتُ فنجان القهوة,بقيتُ صامتة,أصطنع الصمت بمهارة ,و بدا على أرجحة السائل البني في الفنجان ارتباكي و اضطرابي,فقال:
لا تتهربي..طيب قولي لي بماذا تحلمين؟
و بلا وعي انفلتت الكلمة من بين شفتاي ” بكَ “
ضحكَ الرجل و قال ” يكفي هذا لأن يكون بوحا “
حزنتُ..أجهل لماذا؟ ربما لسخرية الأقدار!
قال ” كم أحبكِ..ما أصغركِ إنكِ مثل ابنتي “
ثم غادرنا المقهى و لم أذهب لشراء الجريدة بعد ذلك المساء ..