ألياف/ نص لرشا حلوة



● ● ●
لا أحب النهايات
كان لي شأنٌ بها أم لا.
لا نهاية المخيم الصيفي ولا رحلة دامت أسبوع أو نصف عامٍ في مكان يبعد مسافة 4 ساعات جوًا عن هُنا.
لا أحب النزول من الطيارة أثناء إيابها، ولا أن ينتظرني أحد خارج المطار كي يعيدني إلى البيت.
لا أحب أن لا يتعمد أحد انتظاري، فلن تكن لي عندها تلك الفرصة الوحيدة لبعثرة كلّ تفاصيل رحلتي بغير مراقبة ذاتية.
لا أحب نهايات الروايات؛ مات أو لم يمت البطل، هي نهاية تساؤل دام 340 صفحة وفضول.
لا أحب لكأس النبيذ أن ينتهي
ولا لليل اجتمع فيه الأصدقاء في بيت أحدهم
لا أحب للنهار أن ينتهي من دورتيه
ولا للشمس أن تُعلن انتهاء الساعات المحسوبة عليها صيفًا أو شتاءً
ولا لقمر ينتهي من مهمته،
في تجميل ليل العاشقين
لا أحب نهايات الحُب
قاتلة كانت، أم سعيدة
لا أحب نهاية زيارة أمٍ لابنها الأسير
لا نهاية فترة النوم أثر ساعة إيقاظ، صوت ديك الجيران أو تسرب أشعة شمس من شباك نسيتُ أن أغلق ستائره..
ولا صحن يعرق من حرّ ورق العنب المطبوخ.
لا أحب انتهاء عمل بطارية هاتفي النقّال
حين أنسى شاحنه في البيت/ الغرفة/ الفندق
ولا انتهاء الحياة.
//
لكني أحب انتهاء الحرب
وانتهاء فترة زمنية محددة كي يأتي ذاك الموعد
وأحب نهايات تفتح بابًا آخر لبدايات جديدة
كانتهاء النصّ.

* رشا حلوة:
كاتبة من عكا
مواليد 1984

لا أحد، وصورتك / نص لأسماء عزايزة



● ● ●
لا أحد يحتاجك الآن
لا القطارات المسرعة الضاجّة على يومياتك
تطلب منك تلميع الحديد.
لا الصيادون في آخر ساعات الصيد
لتضيء لهم موجةً وتمضي.
لا أحد يحتاجك اللحظة
وأنت تتأنّق لاستقبال نهاياتك،
وأنت تدسّ ذكرياتك في جيبك
وتظهر نرجسةً على فتحتها.
لا أحد سيلتفت إليك إن صرخت
بأعلى صوتك: “مرحى بالفصول المنتهية
مرحى بي أنا المتجدّد وأنا أضرب رأس الماضي وأغميه”.
أو حتى إن قلت: “سأتنازل عن دور البطل حتى لا تلتهمني النهاية،
وإن أجبرتُ على التفرج، سأقتل الراوي”.

لا أحد يحتاجك الآن
سوى صورتك القاتمة.

* أسماء عزايزة:
شاعرة من حيفا
مواليد 1985

سبع نصوص لنصر جميل شعث



● ● ●
لاءات
لا تَضحكْ أمامَ المِرآة.
لا تَصرخْ، ولسانُـك داخلَ فمِكَ، في ليلةٍ بلا شمعة أو أمّك.
لا تَرشقِ الماءَ، مِن دَلوِكَ الأسودِ، على هُدوء الريح تحتَ شَجَرة.
لا تَتّخذْ باطنَ كفِّكَ سَماءً لفوّهة.
لا تَدعسْ بحذائِكَ المَدَنِيّ، على علبةٍ فارغة.
لا تَقطعْ من رأسِك شعرةً، وتَعْقدها مَرّتين.
لا تَشترِ الشّموعَ مِنَ العُميان.
مَسافة
مَسافةٌ ليدٍ تَقضم الهواءَ،
وخُطىً بين البيوت التي خفَّفَتْ مِن إناراتها فرحةً بالقمر.
مَسافةٌ لصغارٍ:
بدلاً من الدُّمَى، يُداعبونَ ظلالَهم.
بدلاً من النهود، يَنفخون البالوناتِ بماءِ الصنابير…
ويَهربون من جُرعةِ الدواءِ،
إلى انفجار القمر!

حَمْلٌ ثابت
كلُّ شيءٍ في مكانِه:
زُجاجةٌ على فَمِها،
رسالةٌ على منحنى السلحفاء،
جَرَسُ الساعةِ في جدار الصباح،
طابةٌ تَصْعدُ السُّلَّمَ،
فَراغٌ في الجردل،
انقطاعُ الوحْي والكهرباء،
وحَصْوةٌ في النعلِ،
تَجْرَحُ السِيراميك.

غبارُ الجنرال
عندما يَمرّ العالَمُ مِن بينِ يديكَ
لا تقبضْ عليه،
لا تكتبْ رِوايةً،
ولا تقل الفلاسفةُ مَرّوا مِن بين يديّ.
إنَّهُ غبارُ الجنرالِ العابر؛
طاحنًا القمحَ في عينيكَ لِتعمى،
ولِيَجُوعَ صوتـُك للهواء وللرؤى.
……………………………
……………………………
وعندما يَمرّ العالَمُ من بين قدميْكَ
لا تنظرْ إليه،
إنَّهُ في مَرمَى البول!

يَرفعُ للأفُق تُرابَه
شَخصٌ بلا مرْكز،
بين شَراسةِ الأمل وقداسة السكينِ
أعلنَ الحربَ على نفسِه،
وفي الطريق إلى السِّلاحِ اعْترَضَهُ نهرٌ
بلا مَجرى وذاكرةٍ؛
فاستأذنَ الشَّجَرةَ ليصنعَ
من بنْتِها قاربًا للضفة الأخرى.
ماتَ الشيءُ الكبيرُ على قلبه؛
قالوا على القلب ضَريحٌ،
وقالوا على البابِ غابةٌ.
وحدَه الشخصُ قال:
شاعرٌ يَرفعُ للأفُقِ تُرابَه!

حِوارٌ وطَني
ـ مِن أينَ ليدِكَ الجرحُ الحُلْو؟
مِن قدمِ حمامة.
ـ وهذا العِرْقُ الواضح؟
مِن تجرِبةِ النهر.
ـ وبماذا تَحلُمُ في الليل؟
بالليل.. ومُختلَفِ الأشياء.
ـ وإذا ما فاجأتك المرآةُ بنقصٍ؟
يدِيْ قطَعَتْ يدِيْ.
خمسَةُ شَواهِد
(١)
افتَحِ الشُّبَّاكَ،
أعْطِ ساعةَ الغُرفَةِ ظَهْرَكَ،
وقُلْ لسائلِكَ عنِ الوقتِ:
ليس لي عينان، في الخلفِ، يا أعمى!
(٢)
افتحِ المُوسيقى،
أعْطِها ظهْرَكَ،
وقلْ للمرآةِ:
لي خلفيّةٌ مُوسيقية!
(٣)
ما اللمْبةُ إلا:
وَرَمُ الضوء في عينيكَ،
يا أيها الشاعر!
(٤)
الشعرُ لا تزنُه يدٌ؛
الشعرُ شاهدُك الذي يـُقيمُ وزْنـًا
لحركةِ اليَدِ في الهَواء!
(٥)
افتَحِ الخَزانةَ،
وَرّطِ الحَيرةَ في ألوانِ قُمصانِكَ.
أغْلقِ الخَزانةَ،
واخْرُجْ عارِيًا إلى النسيان!

* نصر جميل شعث:
شاعر و ناقد من غزة هاجر مؤخرا إلى النرويج !
مواليد 1979

غزة تشبهك../ نص لكرمل العباسي



● ● ●
تماماً مثل غزة أنتمي إليك
لا تاريخ مشترك ولاذكريات طفولة…
ولكنني أنتمي إلي ك/ها
أخبز عمري من غبار شوارعها
أعانقها وألعنها آلاف المرات
أشكيها لبحرها فأجده يبكي نفسه من قسوتها
تتسربل في مياهه وتبني جدران لتفرق القطرات عن بعضها البعض
تأمر بهجرة حورياته
تزرع طحالباً
وترحل …
الشمس تطلي أظفارها بملح البحر
وتجدل خصلاتها بحجارة تقصف الأمل
غزة أهدت بحرها لأبي مصعب…
ظنت أن خصرها الساحلي يغريه
وأنوثة الشمس المتفجرة في جلدها ستعلقه بها
ظنت غزة أن ضحكات الكمنجات في أمواجها
ستحول حياته لحناً يغنيه الأطفال في حصص التاريخ
ظنت أن بؤسها سيحوله إلى كحل في عينيها
نسيت غزة أن أبا مصعب عابرسبيل
أن عطر البحر لا يناسب رئتيه الصحراويتين
أن ترجمة بؤسه هي زيادة معدل الرطوبة!!
أن جنوده يخافون صبغة النبيذ الأحمر
غزة تشبهك …
صدى كلماتك يشتهي جناحا طائرٍ يذوب في التيه
شرفاتك تشرِّع حقيقة اللوعة
نبيك يحرق غزتي/ نبيي يشعل حرائقك
ألملم حلم قهوتك وأطحنه بهيلي
صدأ الانتظار ألتهم ركوتنا!!
غزة تشبهك…
تهزمني وتُمَتِعُكَ هزيمتي!!
تشبهك…
أغوص لأجمع طينها فتعلن الغياب
آتي بحلي التاريخ وأعطرها بماء الزهر
تقبُلُني ومن ثم توزعها لغمامات تغتصب بدرها
آتيها بنثري فتعصره فوق حساء جندها ليختلفوا حول لغة الله
كفيها يصفقان لتهز خاصرتي
وتشعل خلخالاً في قصة قديمة

* كرمل العباسي:
شاعرة من غزة
مواليد 1985

حيرة/ نص لداليا طه



● ● ●

حين أقول
تعال
تتأمل جرح الهواء
كمن يحدق
في وردة تتبخر، ثم تغيب
في مراياك
كمن يمُدّ ظلاله
في سورةِ الرحمن

حين تقول
تعالي،
أضيءُ ثلاث شموع
ولا أرى في
رجفة الماء
الذي يتسلل منك
سوى النوافذ التي
تشلحها قرب
ظلِّي

الهواء الرطب
وخشوع الراهبة التي
لا تتوقف
عن تأملي وأنا أعيد إلى
الجدران صلاة الغائب
يجعلاني أتحسس
من أشعة
الشمس وهي تغسل ظهري.

يرفعني الحب
ينزلني، درجتين
ثلاث
نحو ظلّك الذي
ينحُل فيَّ ثم
يكبر وهو يصعد سلما
من غبار.

حين تقول تعالي
آتي، كمن
يدخلُ جوقةَ ليستضيفه
الناي
ثم أخجل من ما
يظلِّل ساعدي قرب
صمتك.
مساءات من فضة
وغيمٌ يسيرُ في النهر
ويحمل الضفاف
إلى موجة
تتشكل.

حين تقول تعالي
تختفي فيّ
الطريق إليك.
وتغفو خلف خطاي
الساحات
حين تقول تعالي
أنسى
الطريق وأجرح معصمي
لأظل خلف
الباب أجفف ما
يسيل من
دمي.

* داليا طه:
شاعرة من رام الله
مواليد 1986

خطايا القلب / نص لمعن سمارة



● ● ●
1
في فضائك
أنشئ مأواي
وفي مساحة
المكان
لا أجد نفسي.

2
أكاد
اصرخ فيك
لكن الفراغ
يملأ فمي…
فاصرخ
في نفسي…

3

اشباح،
تأتيني ليلا،
رياح عشقك،
تاخذني اليك
وقبل ان نصل
تعيدني مكاني

4
أعدو تجاهك
وكلما اقتربت
أتساءل:
من يقرر المسافة
انا ام انت؟؟

5
صعدت فيك
طريق المطر…
لم اعلم
ان النهاية
مشنقة!!

6
بكيت…
ضحكت
على امتداد
البكاء
ومت
على امتداد
الضحك!!

7
امرأة
بخرت
ماء الروح
واخرى
فجرت
ينابيع جديدة!!

من المجموعة الشعرية ما روي عن المجنون (2002) دار البيرق العربي

* معن سمارة:
شاعر من رام الله

مواليد 1979

في البدءِ والخاتِمةْ / نص لخالد جمعة

● ● ●
حينَ يخدعُني قلبي، أقولُ للموسيقى الوحيدةِ في فراغِ الإنتباه: روحي فوضى مساءاتٍ لا تُفهَمُ، تنسابُ الموسيقى في شقوقِ الروحِ كما تنسابُ امرأةٌ ترقصُ في خلايا عاشقِها الذي يغرفُ حزنَهُ من بحرِ عينيها، متمزّقاً وحيداً مُجْهَداً على شفا السقوطِ دونَ صوتٍ، خالقاً قامَتَهُ تحتَ جلدِه، مبتدئاً حربَهُ التي يعرفُ نتيجتَها وتفاصيلَها: هزيمتَهُ في البدء والخاتمةْ.
“أيُّ وجعٍ ينمو في تفاصيلِ الجسدِ حينَ تشدُّه المأساةُ وتفتِّتُهُ إلى شبقٍ وجفافٍ كثيرينِ ومعنى للماءِ أكثرَ من الماءْ؟”

سوفَ أُحِبُّكَ حتى يتغيَّرَ لونُ السّماءِ وتنفَتِحُ الأناشيدُ في قلوبِ الحالمينَ ورداً وسلالمَ من نورٍ يرتقي الخلودَ على مهلٍ، قالتْ، حدّقَ في كلامِ يديها منتبهاً إلى ورودِ النار تلقيها على الحقلِ الواسعِ جوارَ الموتْ، لم يُجِبْها بأيّةِ لغةٍ لكنّهُ قال كلَّ ما أرادَتْ سماعَهُ، لماذا أتيتِ والنارُ في حرش الكلامْ؟
“تتمدَّدُ على طاولةِ المتحفِ محاطةً بزجاجٍ سميكٍ ومشاهدين من أعراقٍ بالجملةِ، محدثي نعمةٍ وصائدي ذكرياتٍ مُهمَلونَ، نسِيَتْ أنهارَها وأوتارَها وأشجارَها حينَ لم يعُدْ معنى الحنينِ إلى الحنين، تصحو من الموتِ لتبحثَ عن شاهدٍ على الحياةِ، وتموتُ كما تنامُ”

قلتُ: عليكِ أن تفهمي وحوشي وغاباتِها، أن تلتقطي شعرةً من خواطري الغامضةِ كي تلفّي موتي ككائنٍ منفردٍ وحزينْ، احتاجُ إلى حُبِّكِ كي أميّزَ بينَ حزني وانكساري، أحتاجُ عينيكِ كي أرسمَ رؤيةَ العالمِ من أدراجٍ لم يصعدْها أحدٌ ولم يغنِّ على ظلالِها أحدْ،
قالت: وقتُكَ لكْ، ووقتي للتفاصيلِ الأنثويّةِ الخارجةِ من أفرانِ الكروم التي تُنضِجُ عِنباً على مهلٍ حالمٍ، يقفُ على جانبيه حُرّاسُ الكلام.
“قالتْ كلاماً من لؤلؤٍ مثقوبٍ وجاهزٍ للقلادةِ، ولم تقُلْ أنها لوَّنَتْ روحَها في صندوقِ النارِ كي تخدعَ رجلاً محتَملاً لحُلمٍ محتملٍ، لم يفهمْها ولم تكترث”

قالتْ: فقدتُ سريرَ ذاكرَتي حينَ سقطَ الموتُ من سقفِ الغرفةِ، حين عَرّيتُ صوتي أمامَ مرآةِ الهواءِ لأقلّدَ عصفوراً على شبّاكِ النومْ، أسَّستُ شعائرَ تعيدُ الأمكنةَ إلى ذكرياتِها…
“ينفصلُ البيتُ عن ذكرياتِهِ كمولودٍ عن أمِّهِ، كصوتٍ عن فمِهِ”

ذائبةً في مواعيدَ لم يأتِ إليها أحَدْ، تشقّقَتْ لغةُ انتظارِها، أكملَتْ طقوسَ انتقامِها كسيدةِ مقامٍ عريقةٍ، ورودٌ في الجوارِ، بخورٌ يجلِّدُ الهواءَ، كتبٌ عن الحبِّ على الرفِّ القديم، موسيقى أكثرُ من خافتةٍ تنبعُ من الحائطِ، أوراقٌ معبّأةٌ بخططٍ للحياةِ، صرختان في الثلاجةِ، كلماتُ عشقٍ لم تقلها لأحدْ، لوحةٌ من خشبٍ وطباشيرٌ ملوّنةٌ، وجسدٌ مكتنزٌ بالغيمِ ينتحرُ بالمطرْ.
“ينتحرُ ناقلُ المشهدِ قبلَ انتحارِها”

21 تشرين أول 2009

* خالد جمعة:
شاعر و كاتب من غزة
مواليد 1965