أول وجه..آخر مرة

كانت الغيوم كالريش, و لم يكن الجو ناعما مثلها,الهواء خشن و شمس آذار تتكوّر في العيون المحمرّة من شدة القيظ ..
الساعة الواحدة ظهرا / المذياع ما يزال يرطن أخبارا مكررة .. و أنا أتضجّر من أي شيء.صوتٌ أجش انزلق من ورائي ” غيّر إلى موجة أغاني أو اغلق الراديو ” , مدّ السائق ذراعه و حرّك المؤشر الصدئ
– ……..
لَمْ يصدر أي صوت سوى تشوش ملوث بأزيز مزعج,صاح الرجل نفسه من ورائي ” اضرب الراديو ليصفى “,فضربه السائق بقبضته
– عَ الرُّوْباعِيْ يِ
تحاجَزت تنهيدة طويلة في صدري,حاولت قدر استطاعتي كتمانها,و شعرت تبللها بدموعي الكمينة..اقتربتُ من النافذة أكثر,يهب الهواء منها و يصفعني بسخونته الرطبة..أعرضتُ وجهي عنه,فيما المذياع ما يزال يصدح “عَ الرُّوْباعِيْ يِ ” , و كلما ازدادت حدّة الصوت تكاثرت رائحة دخان السجائر في السيارة..
نحن في طريقنا إلى فلسطين,كل راكب/واحد منا ودّع جزء منه و تركه في العراق,العجوز الذي يجلس في المقدمة ما يزال يُموّل و يدندن البوذيّة, و جارتي لا تكف عن الثرثرة عن جارتها التي تركتها في بغداد تعارك وحدها الحرب..
أغلقتُ زجاج النافذة,فالسيارة ازدادت سرعتها و الهواء الساخن اشتدّ عصفه..” اقتربنا من الحدود” قال السائق ببهجة غليظة..انخفضت سرعة السيارة,مال رأس الرجل النائم بجانبي على كتفي ..طيلة الطريق لَمْ يفتح عينيه و لم ينهض أو يتحرك ..كان رأسه ثقيلا و كتفي متعبا..
هناكْ..توقفت السيارة,مدّ الجندي يده و التقط منا جوازات السفر,دقق نظراته فيها و بعدما انتهى قذفها إلينا من النافذة و هو يقول بابتسامة خبيثة ” ادخلوا ..المخيمات تنقصكم”.
أزحتُ كتفي قليلا في محاولة ايقاظ الرجل ,لكنه بقيَ ساكنا,نائما مثل طفل ساذج..
اجتزنا الحدود..في منتصف الطريق نزل الركّاب من السيارة و عانق بعضهم بعضا,ثم تفرّقوا كُلٌ إلى مكانه ..
نظر السائق إليَّ ببراءة و قال متعجبا”نحن في فلسطين…ماذا؟َ”,أشرتُ بسبابتي إلى رأس الرجل الذي لَم أرَهُ بالرغم من مكوثه جانبي طيلة الطريق..ضحكَ السائق و فتح الباب على حين غرة فوقعت على الأرض و امتزج عرقي بالتراب,فيما تساقط الرجل على جسدي و ضغط صدره على رأسي قالتصق أنفي بالتراب و دخلت ذرات الرمل بين شعيراته..
دفعته بيدي فتدحرج على الأرض,تسمّرتُ أمامه..بقيَ نائما..رأيتُ وجهه,وجهه أول مرة أراه..آخر مرة !
لقد ماتْ.

رجل الليل

انتظار..
يظل لساعات متأخرة من الليل مستيقظًا , أبدا لا يُغمض له جفن.هُو ليس مريضا أو هائما أو غير ذلك,فقط هكذا يفضل متابعة الحياة..حياته؛رجلا ينام قبل طلوع الفجر و ينهض بعد انقضاء الصباح,ثم يفتح عينيه بكسل و ينظر إلى الجانب الآخر من جسده,يتذكّر أن زوجته غادرت الفراش مثل أولاده..يقفز من على السرير,ينحدر بخطواته إلى المطبخ ,يصنع قهوة مقدار خمس فناجين, و ينسل بهدوء إلى شرفة غرفته..يترشف القهوة-خلال ذلك تتكوم بين شفتيه و حنجرته قطرات سوداء ,فجأة يسعل فتترذذ(القطرات) فوق عرض الافريز..يذهب إلى الحمام,يتسمّر أمام المغسلة قبل أن ينظر إلى وجهه في المرآة,أمام الصنبور تندلق أفكاره,يُخمّن ببراءة كيف سيكون وجهه هذا اليوم, و حين يراه يتأكد من أنه الوجه نفسه الذي كان قبل أن يعرفها,يتكرر بعفوية,مع بضعة تغيرات تضفي جمالا ألطف.صفع وجهه بالماء و بعد دقائق طويلة وزعها على ارتداء الملابس و تسريح الشعر,ذهب إلى المقهى..
هناك؛ اختار مقعدا مستبعدا من قبل الزائرين و المرتادين,سحبه من زاوية ما و جرّه عند عتبة الباب,غطس جسده الضئيل في المقعد,فيما أشار إلى النادل بيده أن يأتِ بالأرجيلة..و صار يمجّ بالخرطوم النحيل,و يدندن مع المذياع أغنية بصوت أم كلثوم..
صاحبة هذا الصوت ماتتْ,كُثر هم الذين ماتوا,و لكن ما ورّث موتهم صوتا,تركوا خلفهم الحزن لنا و تدابير قلوبنا مع الوجع و الفقد ..
– ” زروني كل سنة مرة..
حرام تنسوني بالمرة .. “
وضع قطع النقود على مقعده بعدما لملم جسده و وقف,ثم راح إلى عمله..
دخل مكتبه..طلب منه المدير على الهاتف كتابة يوميّة لنشرها في الجريدة عدد غد, و بعدما أغلق سماعة الهاتف همّ بكتابة زاويته التي تتسم بالوجه الضاحك و اللون البهيج,بينما يحرق صدره الألم الفاجع و يمزق قلبه الحزن المرير..
عند الغروب,عاد إلى بيته..وجد أطفاله و زوجته قد عادوا-يُشبهون الزائرين في حياته!-.يُقبّل زوجته و هي نائمة..يذهب إلى النافذة و يظل ينتظر الليل كي يبدأ حياته .

بخار فمكَ

لماذا روحي تتهدّج مثل صوتكَ
عندما قلت أن اشارة المرور
تُلهمكِ لونًا آخرًا لِـ الشعر
حين يُكتب على لوح من خشب
على زجاج الشبابيك
بِـ بخار فمكِ

أبواب مغلقة

غادر المسافرون كُل المحطات
و بقينا نخترع الطرقات
و نجوب دهاليز الفكر للبحث عن سككٍ أخرى
تؤدي إلى ” الماء “
إلى ألوانه المطريّة..
يا صديقي
خُذ عني الآتي من عمري
أعطني موتكَ
– لِـ نشكرَ معًا كل الأبواب المغلقة !

كالكهوف و الآبار

الآن هي جالسة على عتبة دارها ..تضع يدها على ذقنها مثل المتسولين أو العجائز اللاتي ينتظرن الموت بطريقة أخرى, و برحابة..يمرّ جارها عليها,يلقي تحية الصباح بمكر,و قبل أن يبتعد عنها قليلا يعود مترددا إليها..يحملق في وجهها بعينين يملؤهما الذهول و فمه فاغر ..
تنقبض خطوط وجهها التي ارتسمت مبكرا,تبدو كامرأة مجنونة يلاحقها الصغار بالضحكات و يرشقونها بالحجارة..لا ليس من ارتباكها من جارها الذي عرف بمصيبتها بل من زوجته التي تراقبهما من شباك غرفتها,ربما تقول الآن في نفسها”و أخيرا انكشفت ألاعيبكَ يا خائن”..
يرفع جارها عينيه إلى حيث نظرها متعلق, يلمح زوجته و يتمتم بملل ” حمقاء كلكنّ واحدة”..
يستعيد حالته البدائية التي كان عليها قبل رؤيتها..تضمر عيناه و تصبحا بحجم حبة الزيتون..يسير إلى نهاية الطريق و يبتلعه ضباب الصباح الباكر..يتركها مع مصيبتها التي تسببها ذات لقاء جهري..النطفة انبثقت في رحمها ,لقد اكتشفها الطبيب و عرف سرّها..وحدهم الأطباء طيبون كالكهوف و الآبار..صامتون كمصيبة ملعونة !

مدينتي..

مدينتي مثل باقي المدن المهجورة
خالية من تكنولوجيا تقريب الصوت لِـ الصوتْ !
خالية من مضخات الماء
و مروحات الهواء
انها مثل كل المدن التعيسة
مثل كل الجمال القبيح !

ما قد ذَهَبَ

حينَ رأت القمر قالت :
هذهِ شمسنا ..
وحين رأت الشمس قالت :
هذه قمرنا..
و حين رأت الفضة (أو أنها لَمْ ترَ شيئا) قالت:
هذا ما قد ذّهّبَ من انصهار عمرنا في اللذة !