الطرف الخجول

نافذة مربعة ذات اطار حديدي صدئ,ينز من حوافه الهشة بقايا مطر عالق,إلى جانبها الأيمن مُثبّت سريره,يتقلب عليه جسده المريض و لا يهدأ..إلى الجانب الآخر يوجد سرير قصير لَمْ يحظََ بعد-بالرغم من كثرة المصابين-بالمريض أو المصاب الذي يملأه..
كانت الغرفة تعج بصرخات الجرحى و صياح أمهاتهم على تعاسة الحظ و وجعه.الأسِرَّة مُبعثرة في كل بقعة من الغرفة,والأقدام كثيرة..أحذية طَلت البلاط المتسخ ..
نظر إلى السرير الفارغ باشمئزاز,تساءل عمّن سيشغله,من؟هل سيكون مريضًا؟أم مصابا؟برصاصة أم شظية؟..تمنى لو كان جسد أوسع؛لَضَمّ أسِرّة المستشفى بعضها إلى بعض و شملها بجسده وحده كي يمتص دماء و آلام القادمين,ويجعل من سِعة جسدَهُ مستنقع الموجوعين..فقط هو يتوجع,يتقلّب,يئن..بينما الآخرين بريئين,يتمتعون بحياةٍ أعدل..خارج المستشفى و غرفها الأشبه بالمقابر..
شدّ طرف البطانية إلى فمه,وصار يعضها بمرارة..أحسّ الوجع يتكاثر في تلك المنطقة البعيدة عن متناول يديه.هناك في ظهره,تنخزه خلف قلبه..حَكَّ قلبه بجنون,كادت أظافره تمزق لحمه..صار يتقلّب أكثر..لم ينتبِه أحدٌ إليه,الأطباء كانوا في غرف الطوارئ..و في لحظةٍ انخمد الوجع,و اختفى تماما..أبعد البطانية عن فمه,كانت مبتلةً بلعابه اللزج..
تناهض..حاول النهوض..أسند ظهره على الوسادة,بعد أن تأكد من وضع جسده المقبول,صار يمسح العرق عن وجهه بأكمام كنزته الطرية.شمّ رائحتها تفوح من بين الخيوط..
الفتاة الخجولة التي التقاها في استديو التصوير قبل اجتياح المدينة.جلس إلى جانبها على المقعد الطويل لينتظر دَوْرَهُ..شعر برغبة في الثرثرة معها..و كان التحدث معها صعبا,قليلة الكلام..تنقّطه من فمها حرفا حرفا,حتى ظن أنها تعدّ كلماتها قبل أن تفرج عنها شفتيها..قال لها أنه سيتصوّر,للذكرى صورتين:صورة لكامل جسده,و صورة لوجهه فقط . بينما هِيَ ستتصوّر صورة واحدة للهويّة,كانت بعد الحاح شديد قد رضخت أخيرا لأن تجمّع أوراق عمل الهوية,فهي لا تريد هوية مكتوب في أوراقها مكان الميلاد”غزة”,تريد أن توثّق ميلادها و أصلها في قرية”حمامة”,القرية التي لَم ترَها أو تأكل من طابونها و شجرها..فقط حدثتها عنها جدتها..استعارتْ ذاكرة جدتها كملجأ تلوذ إليه حين الحنين يباغتها..
كانت تتكلم بلكنة مضمخة بالحزن..ثمة حزن مشترك بينهما:الميلادْ!.
آخر مرة التقا بها كانت قبل يوم من تفاقم مرض قلبه و اصابته برصاصة من رصاص الاحتلال..كان حالما مثل طفل أو مراهق..أعطاها صورة وجهه..وشوشَتْ في أذنه أن أجمل ما فيه عينيهِ الخضراويْن…ضحكَ و تمنى بصوتٍ عالٍ بالوقت الذي يجمعهما معا تحت سقفٍ واحد,في غرفة واحدة,إلى جانب بعضهما..كانت تنبض بالطفولة,تلوّن وجهها-وقتذاك- بألوان الخجل:أحمر,أبيض,تمتماتٍ غير مفهومة تنمّ عن فرح و انتشاء..

انزلق قليلا عن الوسادة,واستدار إلى جهة السرير الفارغ.عاوده الاشمئزاز,شكله الفارغ يُشعره بالقشعريرة,يُذكّره بصورة وجهه..”آه لو تراني,هل ستعرفني”,صرخ بصمت عميق,ليلة الاجتياح تشوّه وجهه من الشظايا المتطايرة عشوائيا مثل انهماء المطر بلا سبب..
كان بابُ الغرفة المرمي فيها مفتوحا على مصراعيه لعجلة القادمين من حمّالي نشّالات الجرحى..لَمح أحدهم يحمل بين ذراعيه”انسانا”ما,بانت تفاصيله الصغيرة حين دخل الغرفة..تهدّل شعرٌ أسود مخصّل بخطوطٍ حمراء صبغها الدم..رُمي الجسد الضئيل على السرير الفارغ,فيما ركض الرجل خارج الغرفة لينقل مصابا آخرا..تحركت اليدين بخمول..انفتحت العينين الواسعتين..شَهق”هذه أنتي؟!”.نظرتْ الفتاة الصغيرة إليه و سألته”مَنَ!”,قال مندهشا”رمزي..قاطعته باسمة”لولا عينيكَ الخضراوين لَمَ عرفتُكَ”..
تعرّفت إليهِ من جديد.خبّأتْ صورة وجهه تحت الوسادة,ثم قالت بصوت خجول تُأرجحه أنّات متقطعة:ها نحن في غرفة واحدة !.

أرواح صغيرة

تتشبثُ أصابعكَ بأطراف الشرشف الخميل ذو اللون البني الغامق,عينكَ اليمنى مغمضة و الأخرى المفتوحة بكسل تنظر عبرها إلى ساعة الحائط المعلّقة فوق الباب كالمشنقة ,الخامسة صباحا,مآذن الجوامع تبشّر بالعيد..تصدح بالتسابيح و التكبيرات.ترتمي يدكَ بلا وعي على صدرها,لم تستيقظ على ثقلكَ.ما تزال نائمة كقطة أليفة.تنتبه أن ضوءا ما ينبعث من هاتفكَ اللاسلكي..خافت,يُومض و ينطفئ كعينيْ شحاذ يتوسّل.تتفقّد من أنها ما تزال نائمة.تختطفه يدكَ من على الطاولة الصغيرة المركونة بجانب سريركَ,فيما يدكَ الأخر ما تزال على صدرها و أنتَ ممد على الفراش ..كأنكَ نائم.تقرأ الرسالة التي وصلتك” إزا كنتَ صاح رِنْ لي”.ينطفئ الضوء.تحذف الرسالة.لم تعُد قادرا على النوم.التفكير أنعشكَ..بل شلَ رأسكَ و كامل جسدكَ.
الآن هِيَ نائمة.أنتَ تفكّر.تتذكّر.تتوجّع.طفلكَ يفتح باب الغرفة على حين غرّة,ويشد الشرشف عن جسدك,فتفزع و ينتشلكَ تهليلهُ من دوامة التفكير التي اغتالتك.تتناهض بألم,لَم تَشَأ أن تغبّر و تكسر فرحته,قبّلته و ربّت على كتفه.خرجَ و تركَ باب الغرفة مفتوحا..لمحتَ ابنك البكر يهمُّ بغسل وجهه.”إنها بعمر أولادكْ” “لستَ مراهقا يا رجل”..تتحدّث مع نفسكَ بصمتٍ , بلا معنى أنتَ تكذب عليكَ لتتوهّم أكثر…
تستيقِظ زوجتكَ.تمسك بيدكَ,تقول كأنها تقرأ فيكَ شيئا ما تخفيه عنها:”هل أنتَ على ما يُرام ؟.تبتسم و تقول رغما عنكَ : كُل عام و حبيبتي بخير..(تتنهّد)..نعمْ.
تبتسم و تُشعركَ بالأمانْ و الاطمئنان.
***
لا أعلم من أين تفجّر هذا الحب بقلب رجل قد بلغ الخمسين من عمره,رجل شابَ شعر رأسه,يتكئ على عكّاز,ظهره آيل للتقوّس…متزوّج و له أبناءْ .
فكّرتُ بتلك الفتاة الملعونة,لم تقل لي يوما”أحبك”,و لو مرة منذ تلك اللحظة التي ارتعش في أوردتنا نبض جميل..خدَرٌ خفيف..عطرٌ أزرق مريع لكنه وّرِع كأنه راهب نثر رهبة الورد فينا و سَحَرنا.
غمرني تمرد لذيذ.أدركتُ أنني سأعترف بشيءٍ.لكن بكلماتٍ مُلمّزة,قلتُ لها:حين تأتين,سأضعُ يدي في يدكِ.ورّطتها بالخجل.صمّتَتْ هنيهة.فجأة قالت بصوتها السكان المفعم بالطفولة و الأمان : إذا سمحَ لنا الاحتلال.
كِدتُ أقطّع أسلاك الهاتف من شدة الغيظ,كيف للاحتلال أن يتدخّل بحبنا أيضا؟..لَم تخطر ببالي الحواجز التي قسّموا بها وطننا إلى أوطان صغيرة امتلأنا فيها كالنمل و انتشرنا كالجراد..فقراء,نحسب لكل صغيرة ألف حساب..
قالتْ:كِيف الشتا عندك برامالله؟
قلتُ و فقاعة نار ينخزها صوتي فيسيل صابونها الحار في حنجرتي : مثل الرصاص عندكِ بغزة.
قهقهَتْ.لأوّل مرة أسمعها تضحك.قالتْ: و الناس؟
أبعدتُ سماعة الهاتف عن أذني..أبدو مع هذا السؤال كأنني مُنذرهم إلى ضباب كيف..كأن الناس فقط هم زوجتي و أولادي!.يا ترى هل أغالي بالأمور؟..هل هذا الفتاة الصوتيّة تُعتبر أمر؟..أمر سيُغير مجرى حياتي ؟!.. أمر لا بد أن أحسم معه معمعتي بنتيجة مقبولة أو غير مقبولة , المهم نهاية له . لأنتهي من هذه الغوغاء التي تُدوّي برأسي مُذ عرفتها.
***
للوهلة الأولى ظننتُ أنني أثرثر مع قطعة حديد.لكن تأكّد لي أنه انسان,كائن حي :مثلي..مثلكَ..مثلكم جميعا.يتنفس,يأكل,يشرب,له قدمين و قلب..يسير و يَشعر..
كان بالنسبة إليّ فارس أحلام من نوع حلم آخر ,حلم لاجئة,تكوّنت مثل طحالب خضراء في زوايا الأزقة..لها رائحة البحر لكن الملل و الوجع امتصا الرائحة الصاخبة و ضمّخا كل شيء..كل شيء برائحة عفن الخبز.
كنتُ بكل حواسي أحس و أستشعر ذاكَ الوجيب بقلبه.انصتُ إليه حين يصلني على شكل اهتزازات الكترونية أو دوائر فضيّة إثر قذف حجر صغير في بركة ماء ..نبضات قاسية,مشاعر تشق مسافات من جسده و من طرق ملتوية لتصل إليّ..تلامس شغافي,تخترقه,فتنبثق نبضة غامضة من نبضات مفاجئة كموسيقى من مقهى أو فراغ فسيح,حر طليق..
لم يسمح الاحتلال لنا بالخروج من غزة.المعبر المؤدي لمصر أُغلق.و البقيّة مُشمّعة بالشمع الأحمر الجاف.كلانا تورط بالآخر!.لَمْ أشأ أن أخذله.بأي طريقة بحثت عن منفذ لهذا السجن و البرزخ الذي بيننا…
و أخيرا قلتُ ” سأقول أحبك” رغما عني!.
كان فجر العيد.أرسلتُ رسالة قصيرة “إزا كنتَ صاح رِنْ لي” أيْ هاتفني .
و كانت الصدمة أن لَم يرُدّ عليّ..رعدٌ صعقني من غيمتين تصادمتا في السماء و تحطمتا فوق رأسي..انتظرتُ حتى ثالث أيام العيد,لكنهُ لَم يَرُد.
***
ارتشفت مع زوجتكَ فنجان القهوة على عجل,فأولادكَ ينتظرون”العدِيّة”,و أخوتكَ تحت شرفة شقتكَ ينتظرونكَ لبدء المعايدة على الأقارب و أخواتكَ التي أوصاكم بها والدكم.كم تمنيتَ المرض آن ذاك,لتبقى متكوما على الكرسي أطول وقت,تتخلص من تفكيركَ بها,وتصل إلى نهاية ما ..
زوجتُكَ تشكّ فيكَ..
مضى ثلاثة أيام من العيد و أنتَ بلا شيءْ.انتهى العيد.لم تنتهِ إلى نهاية.تشتت فكركَ,اضطربَ قلبكَ.تمسك الهاتف و تقول بلهفة:”حبيبتي..
تقتطع صوتكَ قائلة:”أعتذر عمو..كنتُ أريد أن أقول لكَ كل عام و أنتَ بخير “..
تريدُ(أنتَ) أن تقول مُتقحّما شيئا,لكنها تتابع بسكون(قلبها يتمزق):”أزعجتُكَ في الرسالة..ربما كنت نائم و أيقظتُكَ..

الهدية

بعد أيام قليلة تُعد على الأصابع , سأرحل إلى رام الله . فقد يئست من حب غزة , و اختنقت من هوائها الملوث بزفرات اللاجئين و البائسين و اليائسين .
صومعت أفكاري لأرتب بعثرتها , و أستطيع معرفة ما سأفعله في الأيام الأخيرة المهملة في غزة . وَمَضت في خاطري فكرة . تلقّفت حقيبتي و أسرعت إلى بائع المجوهرات .. و هناك طلبت منه عقدًا يشبه الملفوف حول عنقي . في نهايته يتدلى قلبين مندمجين في بعضهما البعض بالتحام قوي .
في ليلة الرحيل سألني و قد كنا نتأمل منظر غزة من أعلى طابق في البرج و هي غارقة في نور المحاق : هل ستتذكرين هذه الفتاة المشرّدة ؟!
نبرت : … و الجراح و الدموع و القهر .. و الجدران الملطخة بالدماء و أسماء من استشهدوا في الحواري ..
قاطعني و قال ببراءة : رماللة حلوة
– هوا بس حلوة .. و مش بس غنوة .. هيا الجنة ..
زفر بدون وعي . و أطبق الصمت في المكان . لم أعد أسمع غير هدير محركات السيارات تصخب .
كانت عيناه تجوسان سطح غزة كصقر مكسور الجناح . في تلك اللحظة أمضّني مظهره المثير للشفقة . ضحكت آنها في قلبي بوجع . لا .. لم يكن ذلك ضحكًا ؛ بل كان أنينًا ما .
قلت بحزن ممزوج بالفرح و أنا أشير بابهامي نحو جهة الشمال : شوف رمالله .. حتى الليل عندها نهار .
لم يلتفت إلى حيث أشرت . قال ساخرًا : و شو عرّفك إنه رمالله في هالإتجاه .
– كل مدن و قرى فلسطين تقع في الشمال , إلا غزة في الجنوب .
– ممتازة في الجغرافيا !!
اختلجت شفتايَ استعدادًا للبكاء . حبست دموعي و تماسكت. قلت بصوت ضمّخه الشجن : إذا بلدنا لا نعرف عنه شيء .. فكيف نغرز إبرة البوصلة باتجاه لا شك فيه , فنقول : الشمال لحيفا أو الجنوب لرام الله أو الشرق للقدس !؟
حملق في وجهي .. و قد بدا شازب , لا رغبة لديه في الجدل.
– ليلة غدافية الإهاب
استعجلت : لأن القمر في طور المحاق
– بل لأن صغيرة مثلك سترحل غدًا
– و هل تسمي الإقامة في مدينة أخرى بذات الوطن رحيل !
– فقط في وطننا المُقطّع .
كان يتكلم و على لسانه الكثير من الكلام الذي لن يفلح في تفريجه – كما يتمنى – في هذه اللحظات الأخيرة .
– لمن اشتريت العقد أبو القلبين ؟!
– لأهديه لأول من أراه حين أرحل من غزة .
حين انتهى الليل و نام الفجر و مدت الشمس أطنابها , جاء و أوصلني إلى الحدود ..
اجتزت نقطة التفتيش , حتى صرت في كوكب و هو في كوكب آخر , تفصلنا مسافات مستحيلة ! .. بينها أسلاك شائكة .. و حقل ألغام .. و سحب رصاص .. و غيوم دخان .. ككل شيءٍ .. شيءٍ ..
مدّ يده و صافحني من بين الأسلاك .. دعا لي بالتوفيق دعواتٍ فيها صوت دافئ كالأم , ثم مشيت بارتجاف إلى رام الله .. و وجهه بتفاصيل جسده شيئًا فشيئًا تتلاشى مع ثبوته في مكانه !
صرت أركض .. أركض و أنا ألهث ككلب جائع و لعابي يندلق من لساني ..
نبحت : راا..ااام الله …. رااااام الله ..
أنتِ أول من رأيتْ .
لكِ الع… ـــقد ..

المنتظرون بين غيوم الأرض

رفع أخي الصغير القطة السوداء إلى أقصى ما استطاعت ذراعيه , قال و ضحكاته تمط مع مواء القطة : أتعلمين لماذا الوادي لا يجف ؟ – صمتَ – ثم تابع و كأنه شعر بأن مواء القطة المتواصل لهفةٌ تنتظر منه اجابة : لأن مجاري المخيم تصب فيه .
وادي غزة ! متى آخر مرة التقينا . على ما أذكر كانت و أنا في الصف الثاني الابتدائي , أثناء رحلة مدرسية . يومها حين وصلنا الوادي قال لنا مرشد الرحلة مترجلا : على يساركم – الآن – ترون وادي غزة ..بعدها مباشرة شهق الطلاب الصغار – و أنا من بينهم – : ” وادي ! ..أغلق الجميع فتحات أنوفهم بأصابعهم و هم يتأفأفون ” شو هاد ..وادي ولا وحل ” , لم يتوقف الباص وأسرع السائق في المرور عن الوادي و رائحته الكريهة .
تذكّرتْ ؛ كنتُ وقتذاك صديقة حميمة لطفل بعمري اسمه رمزي , كان الوحيد من بيننا يحمل ساعة في جيبه , و مع أنه لم يكن يعرف الوقت إلا أنني لاحظت و بدافع غريب أنه يظل باستمرار يحملق فيها , سألته مرة عن السبب , ففاجأني بأن مدّ الساعة إليّ و أشار بسببابته إلى العقرب الطويل و قال : “أبي أخبرني أن هذا العقرب حين وصل يصل الرقم 5 فجرا سنعود إلى القدس . قال و كأن أبيه قد تعب في تحفيظه إياه هذا الجواب ! .
أحسست بخدر غامض تشظى في صدري .. القدس ؟ علمتُ انها عاصمتنا من درس التاريخ , غير ذلك عرفته بعدما كبرت و قرأتُ اسمي بين أسماء اللاجئين في المخيم ..صحيح؛ انتبهت و دون أن أعير ذلك اهتمام أن ساعة رمزي لم تكن تعمل , متوقفة تماما كقلب لا ينبض ..

ياااالله ! وادي غزة و أخي و القطة , كل شيء صار يمت لشيء بصلة سريالية لا علاقة لها بالآخر : العاقل و الجماد ,. البرد و الحَر , الحاضر و الماضي , الذكريات و القادم من مستودع الأيام ..العاقل و الحَر , الحاضر و الحجر ..واعكس الكلام , و لا تهلوس معي !!
وقفتُ عن الكرسي . مال جسدي نحو النافذة : جثة متعفنة يغزوها البعوض و الحشرات كان اسمها وادي ..انحدرت دمعة من عيني و استقرت على البلاط , صنعت في انحدارها خطا لاذعا على عنقي ..مسحته بالمنديل و رحتُ إلى أخي ..سحبتُ القطة منه , فصاح : حشكيك لعمو رمزي ..هاتيها..
تشبثت بالقطة , وقلتُ ( صوتي يترجرج مثل قطرة ماء في صهريج حار ) : عمو رمزي ؟, صاح أخي مرة أخرى دون أن يسمعني ” هاتي البسة “..
قلتُ و ما يزال صوتي تحت تأثير الدهشة ” لن أعطيك البسة إلا إذا أخذتني إلى عمو رمزي ” , رفع رأسه إليّ – قطب حاجبيه – قال بامتعاض ” طيّبْ “..
أمسك يدي و ركض بي إلى جارنا أبو سامي .طرق الباب و قال ( أخي ) ” وين عمو ؟”. دقائق وخرج لنا العم رمزي . صاح أخي ” عمو ..كوسر اخدت البسة إلّ أنطيتني اياها ” . نظر إليّ الرجل و قال بعطف : رجعيها للبنيْ. حدّقتُ في وجهه . دارت عيناي في كل اتجاه , تتفحص كالمجهر ملامحهُ , لا شبه بين هذا الرجل و الطفل.. رمزي صديق الطفولة !
أعطيت القطة لأخي , فإذا برنين ما يصدر من جيب الرجل , أخرج ساعةً ما يزال رنينها للآن يصدح في أذني ..مددت رأسي : العقرب يشير إلى الرقم 5 ! . قلتُ منذهلة : أنتَ رمزي حامد ؟ .دس الساعة في جيب قميصة و قال بهدوء ” نعم ” . قلتُ بحدة : ألم تعرفنِ ؟ ..هل تتذكر كوثر التي كانت معك في الصف الثاني ابتدائي!
قال و سكونه يُشعل دم أعصابي : جارْتي وْ منا دارِي ! ..والوادي نِسْيانِ وْ سقاني.. ثم انتثرت ضحكاته بين ذرات الهواء , قلت ” كم الساعة الآن ؟ ,قال :5
أخذت منه الساعة التي كانت معه قبل عشر سنوات : حرارة تُشع من رقاقة الحديد السفلية ..دافئة ..غطت البطارية ليمشي العقرب و تستمر الحياة و الانتظار !

الممرضة البائسة


كلما همّ أحدهم بمغادرة المستشفى,تمنيت لو أكون أي شيء يُدس في حقائبهم,كفرشاة أسنان,أو أن أطوى بين البيجامات,و أحمل معهم إلى حيث تأخذني أقدامهم ..
فقد قرفت حياتي الجوّابة بين غرف قميئة ألِفَتْ جدرانها ضجر روحي , و ترحالي بين المرضى . .أُعطِ هذا دواءه مُوقّعًا ببسمة تندلق من شفتايَ كالسم – دون أن يعلم أحدهم بذلك – .و آخر أقيس ضغطه,أتأكد من أنه طبيعي,بينما أنا في حالة غير طبيعية.حالة هستيريا ترتفع و تهبط كالترمومتر..في السرير المحاذي للنافذة,يرتمي رجل أُصيب بالعمى منذ قرابة الأسبوعين.تعيّن عليّ أن أكون ممرضته و تحت خدمته أربعَ و عشرين ساعة – بالتمام و الكمال -.و هذا اليوم الأول لخدمتي اياه إلى أن يحين خُروجه مُعافًا ! .
لا أعرف كيف أتعامل معه ؟!,مُضرب عن الأكل و الشرب و الكلام ! .. و كلما قسوتُ عليه و ألقمته الخبز,صار ينزع أنبوب المحلول من وريده,و يصرخ..فتتناثر قطرات الدم على الشرشف الأبيض..فيهرول الزوّار المجاورين لتهدأته,و تثبيته في مكانه,إلى أن يستعجل أحد الأطباء و يُعطِهِ ابرة مخدّر .
في الساعات الأولى من اليوم الأول معه,هكذا ! ..فكيف غدًا,و بعد غد ..ماذا عن كل هذا الملل و النفور الثائر بي !..كيف سأحتمل أكثر مما احتملت؛لأجل استمرارية الحياة و الشؤم في مستشفى أمراض نفسية ؟!
في الليل نامْ,و نامَ الجميع.بقيتُ مُتخشّبةً على الكرسي بجانب سريره,أسترق النظر إلى قطعة السماء المربعة التي هي الحيلة المتوفرة من نافذة مسيّجة بالحديد الصلب.تذكرت أن الرجل لم يُفرغ أغراضه من الحقيبة.أفرغتها في صندوق منسي تحت السرير.كانت بيجامة زرقاء بلون عينيه,و نظارة سوداء,و نوتة صغيرة..فتحتها فقرأت : ” نحن الذين نسير لا ذكرى لنا,لا حلم,لا أشواق تشرق,لا منى..آفاق أعيننا رماد*..”
لا أريد أكثر و لا أقل..خروجي من المستشفى بملابسَ امرأة في أواخر عشرينيّاتها,ناعمة, أنيقة التفاصيل,يكفي لأن أكون حقًا قد نجيت من تجاعيد الزمن – هنا ..
” نودّ لو متنا فترفضنا القبور ..”
أي رجل أعمى يقرأ الحزن و الموت دون عين ؟..!؟
– ماء ..ما ..م ..
صعقني بصراخه المفاجئ..فوضعت فم الإبريق في فمه؛لكنه وكزني فانسكب الماء على قميصه.التزمت السكون.كانت أعصابه ترتجف..شبه منهارة,شرايينه الدقيقة منشدّة بشكل مريع ..بعد دقائق ارتخى كالسكران و ارتمى رأسه على الوسادة ..
فككتُ أزرار قميصه دون أن يغضب أو يقترف شيئًا من جنونه.بانَ صدره,كان كثيف الشعر الممزوج بالشيب,عند رئته اليمنى جرح بسيط,و الجلد المغلف قلبه يرتفع و يقع باضطراب نبضاته..” يكاد التمزق ” .
أجهل لماذا سألته عن اسمه !
قال و قد خُيّل إليّ أن صوته ليس له : أحمد رزق .
في منتصف تلك الليلة؛تغير.تحوّل إلى رجل مُطيع !.قالَ أنه تلحمي,أفقد بصره رصاص طائش من بنادق المحتل..و بالمجييء إلى غزة أراد الاغتسال من ليل مدينته..فاذا به يغتسل بليل غزة.ليل على الأقل لم يُفقده بصره ( ! )..و عن حالته النفسية,أخبرني ما هي إلا هروب و همي من عالم ما وراء أسوار المستشفى و خلف قضبانها ..
– الحياة خارج المستشفى ليس لها رائحة معقمات..رائحتها ملوثة..صدقيني..ابقِ بنقائكِ و لقمة عيشكِ هنا ..
– لكنني سأصاب بحالة نفسية ..سأتعقد إن بقيت أعمل ممرضة هنا ..
– لِـمَ ..لماذا ..؟!
– الجرحى يجرحونني ..
أسمع أصواتا مخيفة تصدر عن المرضى و المعقدين ..
– أفضل من أن تسمعي أصوات النعاة ..أفضل من أن تتشردي بين الجثث و أصوات أكبر من صوت البكم ..
* لِـ نازك الملائكة

موعد مع النسيان

غدًا
تقتل وعود الحب بيننا
و تتحول إلى امرأة أخرى
تتزوجها
و تلبسها خاتمًا من ذهب
و فستانًا مطرزًا بالأماني
فيه زخارف و بياض
و تسكنها قصرك
و تداعبها بريش الوسادة
ثم يضمكما فراش عروسينِ فجريين
ناسيا ما قد تم بيني و بينكْ.

لم تكن وحدها هناك

حين هبطت الطائرة بنا في مطار ” دبي ” و لم نكن ندري ذلك , ران صمت مفاجئ بين المسافرين . هدير المحركات قضى على أصواتنا جميعًا , و لحظة سماع أحدهم يقول من غرفة الطيّار ” وصلتم سالمين ..انزلوا الآن ” , انفجرت الحناجر يغمرها الفرح و هي تقول كمن تخلص من صخرة كانت قد صلبت على صدره : الجنة الجنة ..وخلال وقت قصير , لم أرَ أحدهم غيري ! .
كنتُ الوحيدة التي سافرت بلا أهل أو صديق , درتُ حولي إزاء شعور غامض دفعني للحمق , ظننت أنني رأيت انسانا أعرفه , لكن كان ذلك مجرد وجهي مرّ على زجاج نافذة يلمع كالمرآة .
حملتُ حقيبتي و خرجت من المطار , لم يكن سوى ظل حار مرمي على الأرض , تصخده شمس الامارات الكاوية , توجهت إلى مكان العمل قبل أن أسيح من الشمس و الوحدة و الغربة المقدرة .

دبي !!
إذن هذه المرأة البدوية المتحضرة التي ستدفع الحياة في عروق أهل غزة الميتين ! . قبل أن أسافر , لم يتوقع أحد قبولي في منح الوكالة , و حين استلمت الفيزة , فرح والديّ و اخوتي لأجلي ..لأجل قربة مال ستندلق عليهم . أعمامي الذين لم يتعرّفوا علينا يوما أتوا زمرا للمباركة , و في كل مرة أضع يدي بيد أحد المباركين من الأقارب والغرباء كم كنتُ أتألم , على ماذا يصافحونني ؟ على هروبي أم على كل هذا الفقر المتكوم بي ؟ ..بأهلي الجياع ؟!
في البداية رفض عمي الخبيث , احتجّ على سفري للعمل : فكيف لفتاة في العشرين من عمرها تسافر بدون ” محرم ” ؟ , و صار كأكبر شيخ في البلد يفتي ويُحرّم سفري ..كانت أمي تبكي وقتذاك . و أبي ,لكن بداخله ! لكن هذه الفرصة للانتصار على الجوع و الوجع ..
سمعتُ أحدهم يوشوش أبي ” ستكون ابنتكَ سفيرتكم في الامارات و تسحبكم كلكم ” .
بكيتُ كثيرا : فرح , حزن , دمع انسكب ممزوج بأنواع المشاعر . ” موهوم بي ..سأكون سفيرة الفقراء و الوجع “.

دخلتُ مقر الجريدة , عرفني الخادم الهندي على مكتبي مباشرة , كانت الغرفة رطبة كالماء الآسن . في كل زاوية ينحشر مكتب صغير في مقدمته بطاقة مكتوب عليها اسم صاحبه . رحب الجميع بي بكلمات سريعة , بينما عيونهم مشغولة في قراءة الصحف .
بلا وعي انحدر رأسي إلى صدري لشدة النعاس و الانهاك , فأنهضني صوت ثقيل : ” اذهبي الى غرفة نومكِ الخاصة” . كنت نصف نائمة حين سمعته . هرولت إلى غرفتي في القبو و ارتميت كالسكرى على السرير , نمت بدون مقدمات التنويم بالتفكير و الوهم و الأحلام ..و لم أنهض بعدها إلا في الصباح , نمت عشر ساعات , كم بدت قصيرة ! . نهضت أيضا متعبة ..لا أدرِ لماذا بالضبط ؟ : غربة الروح ؟ القلق؟التوتر؟لماذا ؟!
جلست إلى مكتبي , رموا لي ورقة لأعيد كتابتها على جهاز الحاسوب . لم تستطِع أصابعي الضغط على مربعات لوحة المفاتيح , انتبهوا لحالتي : وجهٌ أصفر شاحب , يدين يكاد البياض يتدفق منهما فالدم جفّ تماما من عروقي .
التفتُ حوالية فوجدتني في غرفة بيضاء , تعبق برائحة مألوفة .. آه انها رائحة المحلول . نعم !
دخلت إلى الغرفة امرأة , أمسكت بيدي و تمتمت : طِبْتِ ..صرتِ وردية و دافئة .
استعجلت بالقول و شفتايَ أحس احتكاك بعضهما بالأخرى : أين أنا ؟
قالت وهي تمسد شعري : في المستشفى
– لماذا ؟
بدت و كأنها ترغب في تغيير الحديث , نقرت بابهامها على جبيني فيما تقول : أنا صديقتكِ في العمل
فتحتُ عينايَ حتى أقصاهما و قلتُ مندهشة : حقًااا
و فجأة ضاقت عينايَ ..يأس غامض اغتالني , سألتُ : من أين أنتِ ؟
عبثًا سألتها و لم أشأ سماع اجابتها خوفًا من الخيبة
– غزة
رفعتُ رأسي و قلت باقتضاب : مثلي غزة ؟
هزت رأسها . شعورها و احساسها السعيد كان يشارك قلبي و يُقاسم غربتي . لم أكن وحدي هنااااك .

* الحياة الجديدة