من يوميات امرأة نارية

كنتُ امرأة نارية..أو قذيفة صاروخية..
كنتُ امرأة خالية الذهن..
شياطين ذكية غنّت في أذني و بعد ليلة فسفورية قررتْ الاعتكاف بعيدا عني..
و أصبحتُ وحيدة أمام وحدتي أتعثّر..
شعرتُ بتجمُّد أطرافي و ذهول الثلج من حرارة لحمي..تحوّلتُ إلى بندقية,إلا أنني حين شممتُ رائحة البارود خارت قواي و تهالكت عظامي ملوثة بدم فاسد..تكوّمت قطرات غاز في حلقي و اختنقتُ..كثيرا اختنقتُ.. أكثر من ذي قبل..ليس مؤكدًا !
كمثل حجر صغير ألقي في بركة ماء كبيرة : وقعت البندقية بين الركام..
كانت بي رغبة الغيوم..لكن الأرض بعيدة..و المطر هذا الفصل انتحر قبل أن يبلل غزة..خبيث هذا الشتاء..لم يُخبرني أن حربا في طريقها إلينا.. هرّب المطر عبر الملائكة.. و النفق الوحيد الذي أمتلكه استشهد..
عشرون ليلة لم أفكر بشيء..
نسيتُ التفكير و كيفية التعامل مع الحياة.. تصالحتُ مع الموت.. ورسمتُ أحلامي الأخيرة في نوم مفترض رتّبته في ضوء الشمعة المتبقية منذ انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة..حلمتُ أن أمي تحتضنني و وجه أبي في العراء يبكي..و أخوتي يضربون صدري..أطفال يعدون أصابعي و يهتفون”إنها عشرة أصابع”..صبيّة تسرق من شعري الضفيرة الشقراء التي صبغتها خالتي..مراهق يختلس النظر إلى نهدي المدلوق عبر تمزقات بلوزتي..بائع الحلوى يدس حلوة في فمي و يطبق شفتاي على بعضهما ثم يبتعد عني و هو يصفر..يصفر بصوت عال..صفيره ما يزال يدوّي في أذني مثل الانفجار الذي انتشلني من هذا الحلم العادي!..
ذابت الشمعة و تذكرتُ شموع الميلاد و احتفالات رأس السنة..انطفأت السنة و قنبلة فسفورية أضاءت البيوت و أحرقت حقيبة المدرسة و أثاث العمر..يا رب أوقِف الحرب كي نعود إلى بيوتنا و نتفقّدها..لا أريد أن يصلني خبر قصف دارنا من المذياع أو من صديق في رام الله يتصل بي على الجوال ليقول”داركم انقصفت..شفتها بتهيل من التلفزيون”!..
البيت الذي ولدتُ فيه و شهدت فيه ميلاد أخوتي و عشتُ في كنفه أجمل لحظات الحياة و أتعسها و أقربها إلى الجنة و أبعدها عن النار..الجدران التي كتبنا عليها الحروف الأولى و رموز البراءة,الأوراق التي تعج بتمارين املائية عن قطعة تتحدث عن بلادنا الجميلة!..حجرة النوم و كل الأماكن نشتاق إليها..
لقد اشتقتُ إليكِ يا دار..فيا أرض ابلعي دموعنا و فيضي بأرواح من استشهدوا لأجل السلام..

ستكون له يدان

بعيدا عن حروبي الداخلية مع عاطفة البكاء, و أقرب من معركتي الخارجية مع تشوهاتي و غبائي في التعامل مع أيدي الرجال حين تصبح في يدي كنوع من التحية..
طارق..
الرجل الأول قبل أن أتعرف على يده الخشنة ذات الأصابع الطويلة التي يطل من رؤوسها الحمق, كلمني سبع مكالمات هاتفية بعدد أيام الأسبوع المنصرم على تلك اليد الشريرة التي ضغطت على يدي بعنف حتى سمعتُ صوت تكسّر عظام أصابعي.. كانت مكالماته الليلية أجمل من التي تكون في النهار -بالرغم من عدم تقبّلي لأي منهما-, فكأن للعتمة همسها الدافء في روحه !. يرنّ هاتفي الساعةَ الثانية منتصف الليل.. ليل الشتاء الطويل, ليقول لي صوتا مطعما بالجنون “غدا.. قررتُ أن يكون غدا”, أتنهد و أقول “أريد أن أنام”, يسارع في الرجاء خوفا من أن أغلق الخط في وجهه ” لا.. أرجوكِ أمهليني دقيقة واحدة كي لا أموت..”. أوبخ نفسي على فظاظتي معه فأقول ” ماذا؟”.. أتصوّر ارتياحه لحظتذاك فأراه يمسح بذراعه العرق عن جبينه و يضغط سماعة الهاتف على أذنه ليتأكد من اتصالي و يكمل لهاثه, يقول دون أن أخمّن كيف حال شفتاه و هما تحدثاني “تعالي غدا..نلتقي في المكتبة..”.

لا بد و أن رجال الأصفهاني الذين عشقوا نساءهم بأي طريقة و مصادفة..لا بد و أنهم سينفروا من صاحب هذه اليد العاشقة!. أول مرة رأيته فيها كانت في المكتبة العامة, كنتُ أمد يدي لسحب كتابا انتقته عيناي, ففوجئت بيد رجل تختطف الكتاب قبل أن تصله يدي.. يتلعثم الرجل و يعتذر متعمدا رغبة منه أن أردّ عليه و يكلمني, لكنني بقيتُ صامتة, شعرتُ بأنه يتهيأ ليقول شيئا ما, رفع الكتاب و وضعه على رأسه كمن يتظلل من الشمس و قال ” يحيرني اختيار الكتب حين تكون كثيرة”.. اقترحت ساخرة أن يقرأها كلها ليتخلص من حيرته و غادرت المكتبة..
كنتُ في ذلك اليوم ألامس اشتياقي لخالد..الرجل الذي انقطعت يداه أثناء الحرب.. كانت يداه تنتشلان جسد صديقه الجريح من بين الأجساد التي فقدت صلتها بالحياة و لم تستطع مقاومة الموت, إلا أن شظايا متطايرة من صاروخ قطعت يديه فأفلت الجسد منهما, و دفنت يداه فيما بعد مع جسد صديقه.. كان رجلا طيبا يفيض حنانا و يمطر حبا.. دائما أشتاق إليه و أفكر فيه, أين اختفى و ماذا حلّ به؟..هل غيّرته الحرب و قتلت حبنا و سهر الليالي التي أكبر من عمر الأرض ؟!..
حين وصلتُ باب شقتي القريبة من المكتبة, تذكّرتُ بأنني لن أستطيع دخول الشقة, لأن المفتاح في الحقيبة, و الحقيبة نسيتها في المكتبة!. أقفلتُ خائبة إلى المكتبة.. سألتُ موظفة الأمانات عن حقيبتي فبحثت عنها و لم تجدها, فكّرتُ وقلتُ ربما نسيتها في مكان غير المكتبة, إلا أنني أبعدتُ احتمال ذلك و شككتُ بأنني في الأصل لم أحمل حقيبة!.. وقفتُ على باب المكتبة متحيرة فيما سأفعله؟, ما الذي يحدث معي منذ الصباح؟ أنا حزينة لأن ذاكرتي هرمت.. يا للبؤس على امرأة صغيرة تحمل في رأسها الصغير ذاكرة عجوز..
هل أبات الليلة في الشارع و أكون وجبة عشاء شهية للمتسكعين و الكلاب الضالة!.. و زبال البلدية! مؤخرا شاعت عليه حكايا مخيفة تناقلتها العذراوات و ما زالن يؤمن بصدق الحكايا المخترعة عنه و لم أكن أصدق كلمة من ذلك الهراء.. ذرعت الشارع ذهابا و إيابا, طولا و عرضا كالبلهاء لا أدري بما يدور برأسي.. تحولت الحكايا في لحظة إلى أشباح تتقافز أمامي كالجنون الزرقاء.. تلبد فيّ الخوف, عليّ أن أجد طريقة لفتح باب شقتي و إن كانت بكسر الباب.
كان الزبال يمارس مهنته بكامل كرامته و حبه للحياة, يجمع القمامة التي تنتظره على عتبات البيوت و العمارات, يحمل الأكياس التي تنز قرفا و تتسرب منها روائح تثير الاشمئزاز.. يحملها كأن علاقة خفية ارتبطت بينه و بينها(الأكياس) منذ زمن مستعد لأن يُغيّر حدود العالم لأجل التقاء اللامعقول!. حمدتُ الله أن لم تكن قمامة ما تنتظره على باب شقتي, تنهدتُ و ارتحتُ إذ لن يقترب من بابي.. كنتُ أراقبه من بعيد.. ها هو ينصرف إلى البيوت المجاورة, هرولت إلى شقتي.. يا للغباء!, من يساعدني في دخول بيتي؟..
وقفتُ على بابي مثل ناطور البستان, الشمس تزحف نحو الغرب.. خوفي يزداد و اضطراب ينتابني كلما تسللت إلي حكاياهن عن الزبال.. أتذكر شكل الزبال حين رأيته و هو يجمع القمامة, فأقنع نفسي بأنه رجل طيب, سميح و عفيف!.. لم ألحظ ثمة ما يخيف و يقلق.. دائما الناس يخترعون الأكاذيب عن الضعفاء و الفقراء.
اقترحتُ على نفسي أن أقضي ليلتي عند صديقة, و أشكو مشكلتي لها لتساعدني!.
ذراعه تمتد أمامي, تعترض طريقي.. إنه نفس الرجل الذي التقيته في المكتبة صباح اليوم!. ارتفع حاجباي و جحظت عيناي, فوجئتُ بحقيبتي معه!, أخذتها مدهوشة و ممتنة!. شهقتُ ” أهذا أنت..شكرا..كنت أبحث عنها”. قال” و أنا بحثتُ عنكِ كثيرا لأعطيك اياها”. شكرته مرة أخرى و في الثالثة قبل أن أذهب صافحني بحرارة لم يكن لها داعٍ!.
.
قلتُ ” غدا..في المكتبة؟”, قال بلهفة” نعم..نعم..الساعة..آ..أنتِ حددي”, قلتُ “العاشرة صباحا”, صمت لبرهة ثم قال ” طيب. اسمعي. أريدكِ بهية و أنثى استثنائية..”..”اتفقنا”,”نعم”.
بعد أن انتهت المكالمة, سحبت سلك الهاتف من منبته في الجدار.. و رحتُ أحاول أن أنام بعد أن تلاشى النوم من عيوني.. كنتُ أفهم همس نبضاتي, و أشفق على قلبي من مضاضة الشوق.. مُر, طعمه مُرْ.. ماذا لو كان المتصل خالد؟.. يهاتفني ليليا و في الصباح يهاتفني على عجلة مثل أنشودة وطنية يجب انشادها كل صباح.. يتفق معي على موعد لقاء.. في أي مكان نلتقي فيه.. الحديقة العامة.. المكتبة.. على سطح العمارة.. مطعم بالميرا.. شارع الجندي المجهول.. الأمكنة تتحول إلى ساحرات صغيرات يلعبن مع الملائكة و يضحكن عشقا أبديا ينقشنه على جذوع الشجر..
في الصباح, أعددتُ نفسي للقاء طارق..
وقفتُ طويلا أمام المرآة, متأكدة من أن جمالي كان شاحبا و مريضا.. ارتديتُ قفازاتي و ذهبت إلى شوارع المدينة أجوسها بصخب كما و لو كانت هزائم العالم تتحطم على كتفي و تدفن في صدري.
سألتقيه ذات صدفة,يوما.. لن يكون نهرا أو حلما. سيكون أنهارا و أرضا خضراء و سماء زرقاء و ستكون له يدان و سنكون معا مثل فرخيْ حمامْ.

حب في الحرب

الجندي الذي أحببته مرتين: مرة في الحرب و مرة دائما؛ زارني الليلة في غرفة رقم”5″ للاجئين بمدرسة الزيتون الابتدائية “ب”..غزة!اطمأن على قلبي.. و مضى نحو الدبابات.قال لي ” سأعود في سلام “..كان رجلا روحه متجددة, علمني نسج الأحذية الصوفية, و نسجنا معا أحذية كثيرة للأطفال اللاجئين, وزعناها بينهم قبل بدء الشتاء.. و تمنيتُ لو علمني كيف أنسج الخبز لأوزعه على الجائعين في الحرب الآن..في مدرسة اللاجئين صرنا نَصف طابورا صباحيا لنستلم رغيف الفطور.. الصغار الذين كانوا يتعلمون في هذه المدرسة يتضاحكون لأن طابورهم المدرسي تحول إلى نوع آخر يبعث السخرية في أنفسهم!.الحرب عرّفتني على حبيبي..كان حبيبي مقاوما في الجبهة الشمالية, المنطقة المركزية للحرب..منذ أن عرفني قرر الانضمام إلى المقاومة, و محاربة الاحتلال !كان قبل كل شيء لاجئا معنا في المدرسة, نزح من المنطقة الشمالية..كنتُ أجلس مع نفسي تحت شجرة الأكاسيا المزروعة في ساحة المدرسة, أكتب مذكراتي الحربية, و أردد بصوت عال مقاطع شعرية أحفظها لمحمود درويش و ابراهيم طوقان و لوركا.. فجأة شعرت بيد تدق كتفي من الخلف و أسمع صوتا هادئا كالحزن ينشد:” دعوني وحيداً مع النهار‏ ..أرجوكم دعوني أولد*.‏”, شهقت و استدرتُ لأرى من؟.. فوجئت برجل غريب يقترب مني و يستأذنني أن يشاركني وحدتي!. صمت لبرهة ثم قلتُ ” تفضل”.. سألني عن علاقتي بالشعر, فقلتُ”من بعد الحرب فقدت علاقتي بأي شيء”. فقال” لكنني سمعتك تنشدين الشعر”..قلتُ له أن ذلك مجرد تسلية لا أكثر.. فتنهد و هو يقول” الموت أهون من هالحياة”.. استدركته:” لكنك قبل قليل كنت تطلب بأن يدعوك وحيدا مع النهار لتلد!”..ضحك و التزم الصمت حتى همّ بالقيام, شكرني على رحابتي و تركني مع نفسي..الحياة في المدرسة تعيسة و اليوم طويل جدا.. كنتُ أعد الساعات ساعة بساعة و أنا أنتظر حلول الليل لأنام و أتخلص من ثقل النهار الجاثم فوق صدري.. أبعثر الوقت في مراقبة الأطفال اللاجئين و هم يلعبون كرة القدم بعلب السردين الفارغة و يصفقون للفريق الفائز كما و لو أنهم يلعبون في مبارات حقيقية.. أتحلّف للخبز و الملح اللذين يهربان منا في مثل وقت مدقع كهذا..كان مكاني المفضل هو الجلوس تحت شجرة الأكاسيا.. من هناك أدع عيني تركض مع الأطفال و تنشر الغسيل مع النساء و أطير مع العصافير بعيدا..أبعد من الطائرات.. بقيت في ذلك اليوم جالسة في مكاني حتى وقت متأخر من الليل. حذرتني أم كنعان من البقاء وحدي خارج الغرفة في الليل, و أم كنعان لاجئة طيبة تمكث معنا في نفس الغرفة, قالت لي موجهة خطابها لجميع النساء في الغرفة ” في أي وقت و في كل مكان لا بد و أن يوجد أولاد حرام” !. لم أبال بتحذيرها و بقيت هناك..من بين العتمة لمحت كائنا صغيرا يدب على أطراف أصابع قدميه.. و لم أكد أقف لأستكشف خيالا ذلك أم حقيقة,حتى فوجئت بولد يشد من يدي دفتر المذكرات و يهرب.. ركضت خلف الولد و أنا ألهث و العرق يتصبب مني.. وحين وصلت خزانات المياه البعيدة عن غرف النوم توقّفتُ و فقدتُ أثر الولد, تهدل كتفاي خيبة و انزلق رأسي إلى صدري.. حركتُ قدمي ببطء لأعود إلى الغرفة إلا أن يدا ما دقت كتفي و صوتها ينشد “وبقدر ما عشت أريد أن أعيش‏, هذه بغيتي*.‏”..استدرتُ ليفاجؤني الرجل ذاته الذي جلس معي تحت الشجرة!. مدّ إليّ دفتر مذكراتي و هو يعتذر بخجل عن فعلته المدبرة ليلتقي بي خفاء في الظلام, فهو الذي دفع الولد ليسرق مني الدفتر و يهرب خلف خزانات المياه لألحق به و يلتقيني الرجل.. أبديتُ غضبي لأجل ذلك فظل الرجل يعتذر و يتأسف لي على فعلته, شعرت بأن الرجل يحمل نوايا طيبة فابتسمت مولية ظهري له, لكنه منعني من ذلك و فجعتُ إذ شدني من يدي و احتواني بصدره..أحسست بحرارة طفيفة تنبعث من صدره و تتسلل إلى جسدي.. وضع أصابعه تحت ذقني و رفع رأسي نحو رأسه.. شاهدته يبكي بحرقة, آنذاك استسلمتُ لجنونه و أغمضت عيني..
يرعبني النوم وحيدة وقت الحرب..تبرعت أختي الصغيرة لأن تنام عندي مؤقتا لحين عودة أمي من المشفى و تنام هي عندي.. المسكينة أمي لم تتعود بعد على أكل المعلبات في الحرب !. لكنني هذه الليلة سحبت فرشتي من عند أختي و نمت وحدي. الرجل بثّ فيّ الدفء و الأمان.. إحساس غامض اجتاحني.. رجفة لذيذة تهز مكانا ما في صدري.. مكانا غير قلبي.. رجفة تغيّبني كلما تذكرت الرجل أو التقت عيوننا في طابور الخبز..منذ تلك الليلة امتلأت أيامي بالورد و البرتقال و رائحة الياسمين.. لم يعد نهاري طويل, هناك من يملؤه و هناك من يزرع الريحان في صدري ويمطر الوديان في أوردتي و شراييني..صارحني الرجل بحبه لي,كذلك أنا.. و صرنا نتبادل الحب تحت شجرة الأكاسيا في النهار و نتعاطاه وراء خزانات المياه ليلا.. أقسم أن الشجرة كانت تتلصص على قبلاتنا و ضبطتُ جدران المدرسة و هي تختلس نظراتها نحونا أثناء انشاد الشعر..في منتصف الليل, و بينما الجميع نائم..حتى العجوز التي تخاف من القصف و دوي الانفجارات كانت نائمة, سمعت صوت حبيبي يناديني من الشباك!. خامرني ظن أنني أتوهم.. إلا أن صوته ظل يناديني ويصدح في أذني بالحاح غريب, نهضت و تلقفت معطفي و وثبتُ إلى الخارج.. تلفّتُ حولي فلم أجد حبيبي!. فركتُ عيني لأتأكد فلم أرَ سوى العتمة.. عدتُ إلى فراشي كأنني منومة مغناطيسيا.. اندسست تحت الغطاء..لامست ساقي لحما طريا ذي رائحة مألوفة ليست غريبة علي!..ارتبكتُ و خيل إليّ أنني أهلوس!.. إلا أنني فوجئت بحبيبي ينام إلى جانبي!.. كدت أصرخ من شدة الهلع لولا أنه وضع يده على فمي و تأكدتُ من أن ذلك ليس من ضرب الخيال و الهلوسات.. وشوشته”كيف..لماذا..ألم تخف أن يراك أحد؟؟!”..فوشوشني” كنت أناديك و لما طلعتِ دخلت بسرعة من دون أن تنتبهي”..قلت” يا ملعون”, فقال” كيف المفاجأة”.. ضربته على صدره و أنا أقول”خوفتني كتير”.. تشابكت أصابع قدميه بأصابع قدمي كذلك أصابع يدينا, و قبل أن يخرج قال لي بحزن و هو يحاول أن يتصنع الحزم “أنا رايح ع الشمال”, فتحت فمي مندهشة بشهقة ذات نفس مختنق و قلت ُ” بدك تروح للموت برجليك..لا لا.. “..أمسك بيدي و سار معي بصمت حتى توقف عند شجرة الأكاسيا.. نظر إلى غصن مرتفع يغرق في ضوء القمر, كانت عيناه تبتسمان.. و قبل أن تبتلعه الظلمة خلف بوابة المدرسة, قبلني و ذهب
• نيرودا

فِيْ قَمِيْصِكَ رَاْئِحَةُ يُوْسُفْ

فِيْ قَمِيْصِكَ رَاْئِحَةُ يُوْسُفْ ,
وَ عَلَيْهِ آثَاْرُ يَدَيْنِ.. يَدَاْيْ.
إنِّيْ أَرَىْ عِنْدَ الأزَاْرِ مَزْقَ مِخْلَبٍ ,
وَ إنِّيْ أُنْصِتُ إلَىْ شَهْقَةِ النَّبْضِ فِيْ حَشْرَجَةِ الرُّوْحْ .
” كَالإسْلامِ أَسْلَمْتُُ بِبِئْرِكََ البَعِيْدْ
وَ جُدْرَاْنِهِ المُلَطَّخَةِ بِدَمِ الحَكَاْيَةْ “

أَشُمُّ بَيْنَ الخُيُوْطِ
طِيْنَ يُوْسُفْ.
خَفْقَةُ الأَرْضِ تُرَتِّلُ انْبِجَاْسَ مَوْتْ,
وَ خُرَاْفَةً مَاْكِرَةْ
تُشِيْعُ بَيْنَنَاْ بُدَّ هُرُوْبْ
نَهْرُبُ إِلَىْ قَمِيْصِنَاْ؟
نَتَشَرَّدُ مِنْ جَدِيْدْ !
..لِنَنَاْمْ؛ قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ فيِْنَاْ القَمَرْ
وَ لا نَجِدُ مَنْ يَصِفَ لَنَاْ لَيْلا دُوْنَ سَهَرْ.

بُقَعُ الدَّمِ تُطَهِّرُنِيْ..
تَعَاْلَ يَاْ ذِئْبَ أَوْغِلْ النَّهْشْ
حَتَّىْ الوَحْشِيَّةِ وَ حَدَّ النَّزْفِ
بِيْ بُحَيْرَةُ الدَّمِ تَتَّسِعُ المَدَىْ
أَرِيْقَ مَاْ لَمْ يَجِفُّ بَعْدْ
لِيَكْتُبَ ذَلْكَ الرِّيْحُ الصَّحْرَاْوِيِّ خُرَاْفَةً أُخْرَىْ:
– لَيْسَتْ يُوْسُفَ –
لأَكْثَرِ مِنْ آخِرَةٍ
خُرَاْفَتِيْ مَعَكْ.

وَ حِيْنَ يَعُوْدُ اخْوَتِيْ
يَقُوْلُوْاْ أَنَّكَ قَتَلْتَنِيْ
فَتَكُوْنُ أَنْتََ حَقِيْقَةً وَ حَكَاْيَةً لَيْسَتْ اسْمَهَاْ يُوْسُفْ
أَنْتََ يَاْ الذِيْ أَبْعَدَ مِنَ التَّارِيْخِ وَ الأَسَاْطِيْرْ..


أظافر القطط


شعرتُ أن هذه اللحظة ستكون قَدَر عيني, و أنني سأتابع الحياة بعين واحدة.. أرى ما أرى من جانب واحد و النصف الآخر من معالم الأشياء يختفي في عتمة عيني الأخرى.. وضعتُ يدي على عيني فإذا بالدم يتدفق بغزارة من بين أصابعي كينبوع حار تفجّر من باطن أرض بعيدة.. سحبتُ من جيب معطفي قطعة قماش صغيرة و غطّيتُ بها عيني, إلا أن الدم أغرقها وأحال لونها الأبيض إلى لون أحمر قان, أبعدتها و قذفتها بعصبية من نافذة السيارة, و فضلت أن أضع يدي بدلا عنها حتى و إن سال الدم على المعطف و بقّعه..
كان الجو ما يزال باردا, لا سيما و أن عقارب الساعة تلدغ منتصف الليل.. بدأت الأمطار تهطل, و تصدر مع حبات البَرَد حين ترتطم بسقف السيارة صوتَ قرقعة مزعجا.. نظرتُ بطرف العين الأخرى إلى أمي, كانت تقاوم النعاس بأي طريقة لإلا غفت عني, و بدوري لم أبدِ أي علامة وجع أو قلق على حالتي, فكنت أبتسم لها بين الفينة و الأخرى و خلف شفتاي يختفي وجع الدم..
أضاء السائق ضوء السيارة البارز في مقدمتها, كان النور مشتتا مثل رشات ماء, خافتا متأرجحا لا يعين العين على تفحص الطريق, فلم أستطِع رؤية شيء, كل ما كنت أستطيع أن أراه هو ظلال المارة و الرجال الخارجين من المقاهي-ترتمي بطولها على الرصيف و تنكسر على الأجساد حين تحتك بأكتاف بعضها..
تمنيت لو تنفرش النجوم على الأرض, لأرى ما أريد.. المدينة معتمة و عيني مدمية.. ربما كل الطرق التي مرت بها السيارة مررت بها من قبل, لقد ميّزتُ معظمها من رائحتها الأليفة.. رائحة الهال المتصاعد من فناجين القهوة.. رائحة العطور المتنقلة بين ثياب العاشقين.. و حفيف الأحذية و طقطقة كعوب النساء..
توقفت السيارة. نزلتُ مع دوار خفيف برأسي.. نَقَدت أمي السائق و أسرعت لتمسك بيدي.. ابتعدنا إلى الرصيف و سارت السيارة إلى أن اختفت وراء جدار أسود من حلكة الليل..
دخلنا بوابة المستشفى, كان على عتبتها الكبيرة ينتشر باعة الورود و باعة الجرائد التي طالما اشتراها المهتمون بقراءة الوفيّات و تهاني الخروج بالسلامة من المستشفى!.. تنمّل بداخلي نبض أحمق حين اقترب مني مراهق يمد بيده الجريدة إليّ كي أشتريها, قلتُ” لربما كان اسمي من بين الوفيّات “.. تسمّرتُ أمامه, فإذا بيد أمي تشدني و وجدتني في غرفة الطوارئ الليلية..
جلستُ على المقعد أمام موظف الاستقبال, حكت له أمي المشكلة بايجاز و صوتها يرتجف يتدحرج من حنجرة تراكم الدمع فيها.. بعد دقائق جاء طبيب العيون و أخذني إلى غرفة الفحص, جلستُ أمام الجهاز الدقيق فيما جلس(الطبيب)خلفه و أشار إلى أن أضع عيني قبالة العدسة الزجاجية, وضعتها و سلط الضوء عليها فيما شرع يفحصها(عيني)بنظراته المخبرية..
انتهى الفحص. قال الطبيب ببساطة “اطمئنوا.. الجرح بسيط “, تنهدت أمي و قالت بامتنان ” شكرا “. أعطاني الطبيب مرهم و قطرة خاصة لتسمم العين, نظر إليّ بعينيه الخضراوين نظرة صارمة و قال ” أظافر القطط خطيرة..انتبهي”, ثم مسح الدم عن عيني بمنديل أبيض مُعقَّم, و غادرنا المستشفى..
كانت الطرق تغطُ في عتمة عميقة, تخترقها عيون و اشارات المرور..و ما أن وصلت الدار؛ غسلتُ يدايَ من دم عيني. و نمتْ.

سأعلّق قمرا على الجدار

” سأفرش تحت وسادتي فروك
و أدفن بين شفتيّ عواءك
البعيد الذي يتنفس حلمي في اختناق الانتظار..
سأعلّق قمرا على الجدار
و أبث العتمة في المصابيح
و أطلب من العسس أن يطفئوا القناديل
سأرش الأرض أرزا
و أقول هذه نجومي
أسقيها من ساقية الطيور
و أنت الرزق..الرزق
حين لا أملك أو أكون “

كل شمسٍ غضبْ

سقطتُ مع المطر كأني أكثر من المطر
كأني أعنفُ من أيّ شيء برق
جرح تكدس بين القصيد على الورق
فانثال هم ينثر الأرق
تحت الجفون
في العيون
فوق الأرض انطلق
على حافة الهدب تعلّق الوطن
لم أشأ البكاء
لئلا غسل الدمع وطني
فتنهار حيفا و الرام على وجهي
و القدس بين شفتايَ تتحطم
و المدن و آخر القُرى
يُفتتها الملح .
يا شوق
إني أصبح لأجل انكسار الوطن
قصرًا من ذهب
بيتًا من طين
برجًا ساسه الأنا
أُعبّق الكون ثوره
تُفوّح الغضب ..
تشمُّ النار غضبي
فتشتعل
و تصير كل شمسٍ غضبْ .