الأجنحة المتكسرة…في قبضة الموت

أشفق يا رب و شدد جميع الأجنحة المتكسرة
(سلمى كرامة)

يسرد لنا جبران خليل جبران قصة الحب الظالم للقلب و المظلوم من المجتمع و فساده, فسلمى التي أحبها وهو في الثامنة عشر من صباه و كانت هي أول امرأة تحل روحها بجسده و يعشقها بكل ما أوتي من عشق و هيام, سلمى كرامة التي أدخلت جبران”جنة الحب و الطهر بحلاوتها و استعدادها”(ص8) يزوّجها أبوها رجلا لا تحبه, ابن أخ المطران بولس الذي “تسير قبائحه بظل الإنجيل فتظهر للناس كالفضائل”(ص18).. رغم زواجها من منصور بك, تظل سلمى مخلصة في حبها لجبران, فتلتقي به مرة كل شهر في معبد صغير قديم العهد, هناك يختليان مع بعضهما مبتسمان متناسيان “كل شيء سوى الحب و أفراحه”(ص80), و لم تكن اجتماعاتهما في المعبد مقتصرة على مبادلة العواطف و بث الشكوى بل كانا يتحدثان عن أشياء أخرى عامة و يتبادلان الأفكار و الآراء, و نلاحظ من أحاديث سلمى كرامة إلى جبران مدى الوجع و تعاسة حياة المرأة تحت جناح الزوج القاسي, لا سيما تلك المرأة البرجوازية التي يتزوج الرجل مالها لا روحها وجسدها!.
و تتجلى سلطة الأكبر على الأصغر حين تأتي سلمى إلى جبران لتطلب منه الفراق الأبدي, يسألها جبران عن ذلك قائلا:”هل علم زوجك باجتماعاتنا فصرت تخشين غضبه و انتقامه”(ص85), تنفي ذلك و تخبره ملتاعة متأوهة أن الشكوك بدأت توسوس في المطران بولس تجاه خروجها من البيت مرة كل شهر, هنا الخوف لا يسقط من الزوج بل من الأكبر الذي كان سببا في زواج منصور بك من المرأة الثرية التي يصعب على أي رجل أن ينالها بسهولة, هل المرأة محكومة من الرجل الأعلى؟ أم من زوجها؟..
يفترق جبران عن سلمى, و بعد خمس سنوات من زواجها تنجب ابنا لكنه يموت في ذات اللحظة و بموت الوليد تولد حياة أخرى لسلمى في القبر, تُضم الجثتين إلى بعضهما و يدفنهما حفار القبور في نفس القبر الذي دُفن فيه والد سلمى..(ص101),
إنه القبر الذي ستكون فيه الحياة أهون من حياة المرأة المضطهدة بين الأحياء على الأرض.
الأجنحة المتكسرة قصة تقليدية تنتهي بزواج الحبيبة من رجل غير الذي تحبه, كتبها جبران بلغة شاعرية مضمخة بالحزن و النقمة على المجتمع و أفكاره المعتمة, يرفع من شأن المرأة و يظهر قيمتها على النحو الذي يجب أن تكون عليه في مجتمع يجعلها مثل الجارية و يصنع من الزيجة “تجارة مضحكة يتولى أمورها الفتيان و آباء الصبايا..”(ص61).

ثرثرة أفكار


الأفكار مثل باقي المخلوقات الحية تختار أماكنها بنفسها و بوعيها الخاص, بالنسبة إليّ لا شأن لي بأفكاري, أي أن لها حرية الانسكاب في أي وقت و في أي مكان..
أحيانا تأتيني الأفكار فجأة قبل أن أنام, بالضبط حين أضع رأسي على الوسادة, تغمرني مثل حلم جاهز يرفل إلى دماغي بأناقة و هدوء مرتب. و أحيانا تسيطر عليّ أثناء غسل الصحون, تشاركني التقاط فقاعات معجون الجلي و وخزها بأظافري.. و في أغلب الأوقات نعثر على بعضنا (أنا و الأفكار) في الحمام, أكون عارية إلا من الأفكار, تلك الدافئة و الحنونة..
الأفكار المجنونة تهبّ على خاطري بصخب من نافذة الغرفة المطلة على البحر,
الأفكار الجميلة تجتاحني حين أكون وحدي أنتظر شيئا لا أعرفه.. تأتيني مثل امرأة بحذاء ذي كعب عال, ترتدي قبعة صيفية رائعة..
الأفكار السيئة تراودني حين أسمع نشرة الأخبار الصباحية تتحدث عن غزة و المعابر, أستاء و أظل أنتظر الليل كي ينقذني من الحصار و أسافر إلى القمر بلا تذاكر أو حجز دور على معبر رفح..
الأفكار الوسواسة تصطادني حين أشكّ بمدى ما قدمته للآخرين من طيبتي.. و أتمنى لو أفديكَ بعمري, و لكن هل تكفيك تسعة عشر سنة لأفديك بها!.. سأعيش أكثر كي أفديكَ أكثر,
الأفكار المخيفة ترعبني عندما أمرّ عن مقبرة أو حين يتعطل المصعد الكهربائي فيما أنا وحدي فيه بين العتمة و الاختناق..
الأفكار السعيدة تلون قلبي حين أرتشف القهوة مع الليل على سطح الدار,
أما الأفكار الحزينة و الموجعة فإنها تنهض في أحاسيسي مثل ذكرى إنسان لا حظ له في الحياة.. هذه الأفكار تمشي إلي ببطئ شديد أثناء قراءة رسالة قديمة من رجل أحببته أو حين أرى على التلفاز مشهدا بالأبيض و الأسود عن لحظة لقاء!
..الحب يأتيني نقيّا من الأفكار,
دائما لديّ أفكار, ربما أكتبها و ربما لا أكتبها, ليس المهم كتابتها, ممكن أن أعبر عنها بطريقة أخرى أو أحتفظ بها لنفسي.. كلنا لنا أفكار, قد تكون تافهة أو عاقلة أو غبية, الأفكار صديقة لا نتخلى عنها..
فكروا بحرية كي تنفّسوا أوكسجينا لا يعاني من الأمراض الصدرية المزمنة !

[ ماذا عن أفكاركم.. اسلام, حياة الألم, سارة, نور,وفاء, عيون خشنة, سهام المقدسية..الجميع ]

بنات من غزة

تغريد

في منتصف الليل أردت أن أهاتف تغريد, فقد اعتدنا الاتصال على بعضنا في أي وقت, و قبل أن أضرب الرقم الأخير من رقم جوالها تذكرتُ أنها تزوجت. أعتقد أنني خجلتُ.. ربما هي نائمة أو منشغلة في ليلة ساخنة!. أغلقتُ جوالي مخذولة و قررتُ أن أكبر, لا لأتزوج, بل لأتذوق طعم الكبار بدون زواج.
لا أعرف هل المرأة لا تكبر إلا حين تتزوج؟. ماما تقول لي: ” الله يستر على كل البنات”. و يوما بعد يوم أفهم أن زواج البنت يعني “سترها”.. يعني أن تكبر في عيون الآخرين لأنها نجت من “العنوسة”.

منى

منى بنت في العشرين من عمرها, تنظم قصائدا جميلة, نظمت قصيدة رائعة تم تلحينها و انشادها على قناة”فور شباب”. لحسن حظي أن لي صديقة اسمها منى. حتى الآن أنا قلقة عليها لأنها خطبت, خائفة أن تتغير بعد الزواج, مثلا أن تتوقف عن نظم القصائد, أو أن يمنعها زوجها من الكتابة و النشر, صحيح أنها طمأنتني بخصوص ذلك, قالت بفرح” خطيبي بحب الشعر و هو يعلم أنني أتعامل خلال عملي مع شباب”.
المتزوجات ذوات الخبرة يقلن أن: الرجل يحب أن يمتلك امرأته في كل شيء.
أتمنى لكِ يا منى حياة سعيدة مع رجل يحبكِ و يحب أن تكوني كما أنتِ بكل ما فيكِ.

س.ح

هنيئا لها بمناسبة الخطوبة ( لا أريد ذكر اسمها حتى لا تزعل مني و لا يقرأ خطيبها اسمها في المدونة!).
أخذتني معها إلى متجر العشي للعرائس كي ننتقي معا فستان الخطوبة, في غرفة القياس ارتدت فستانا ورديا بدت فيه عروسا زاهية و ساحرة, طلبت مني أن أغلق الباب بالمفتاح, و صارت ترقص بينما دموعها تكاد تطفر لأنها لا تجيد الرقص, ضحكتُ و قلتُ ” المهم هو أنكِ ستكونين أجمل عروس بأبهى فستان”. صمتنا لدقيقة و فجأة قالت “ارقصي..”, ارتبكتُ و تلعثمتُ, أنقذتني من الورطة طرقات الخياطة على الباب, هرولتُ و فتحتُ لها, دخلتْ بشهقة طويلة و اندهاش مصطنع هو جزء من عملها تبديه لكل عروس تراها بفستان ستفصله على الجسد حسب تفاصيله و مقاساته..
في حياتي ثلاث كوابيس: الدراسة و الحرب و الرقص.
بعد أيام قليلة سيكون عرس أختي توقعوا مني الهروب و ارتكاب الحماقات!

دعاء

فتاة هي و الحزن أصدقاء, كانت و ما تزال تملي عليّ مشاعرها القاتمة و بدوري أترجمها إلى نصوص و دموع مكتوبة على الورق, أعطيها الورقة المثخنة بالجروح و حين تقرأها تتنفس دعاء قليلا و يذوب شيئا من ملح الجروح..
هذه الفتاة تحلم بالسفر إلى اليابان, ليكتمل جنونها مع التطور و التكنولوجيا هناك, لا سيما و أن ماروكو ( شخصيتنا الكرتونية المفضلة) تعيش في طوكيو و تأكل أقراص الأرز..
الآن في هذه اللحظة, دعاء تقرأ هذه التدوينة و تضحك كالعادة بصوت عالٍ, ستنادي سماح و أخواتها و أمها كي يقرؤون معها التدوينة و تقول لهم بفخر” ها, كوسر كتبت عني”.

برتقالها غير مقشر


الصبية التي بلا صبا, التي بلا أمل, بلا سعادة, بلا شجر أو غصن أو ورق, بلا بيت ربيع, تنام في عراء الخريف,
الصبية التي تتغير مثل تشرين, و تزهر أكثر من نيسان, و تبكي مثل رضيع..آه مثل رضيع تريد أن تمص حليبا ليس مالحا و ليس معبرا عن حاجة إلى أم أو إلى رجل غيركَ..
تسيل من عيونها الرغبة,
يندلق من صدرها حلم أبدي أن تنام على حزنها و تضحك.. يربت الليل على كتفيها راضيا عن سهرها, فتستقبل الصباح بندى نعاسها و تنام..
تهرع نحو بستانها الداخلي,
ثمة برتقال ما يزال غير مقشر..
أثبتوا لها أن الشمس تشرق كل يوم..كي تظل كوثر.

30-6-2009
10:45 مساء الثلاثاء

كأن شخصا ثالثا كان بيننا-زياد خداش


كأن شخصا ثالثا كان بيننا, هذا عنوان الكتاب و لكن ما أريد قوله هو أنه فعلا كان بيني و بين الكتاب شخصا ثالثا آخرا لا علاقة له بتلك القصة التي يحتويها الكتاب, كان بيننا عالما واسعا يضج بالتمرد على القوانين..عالما يصخب بالمغامرات و المخاطر و الحب و النساء و الأطفال و طلاب المدارس..
من منا يرفض فكرة النشيد الوطني؟ و لكن من الذي لا يمل سماعه كل صباح؟ زياد يعلن ملله و يطالب باستبدال النشيد الوطني إلى أغانٍ لفيروز أو عبد الوهاب(ص34)..
زياد الإنسان الكاتب العاشق التائه الحزين التعيس..زياد المعلم الذي يتساءل في نهاية العام الدراسي”هل سأعود إلى مهنة التعليم العام القادم”؟(ص22)..
زياد الذي يفهم معاناة نسائه في بلاده(ص93), يكتب عنهن, يحاورهنّ, يتشاجر معهن, يصادقهن, يرتشف القهوة معهن..
من لا يعرف رام الله فليقرأ نصوص زياد ليتمشى معه في شارع ركب و شارع الحرية و يصعد أدراج عمارة مخماس و يجلس في المقاهي و مطعم دارنا و الفنادق و القرى و سيارات الأجرة.. زياد يكتب لنا رام الله في كتبه كأنها ملاك على كتفي ملاك, كأنها امرأة نادرة أو ساحرة نورانية.. كأنها رام الله نفسها بنسائها و أوجاعها و احتلالها..
يشاركه في الكتاب الفنان جاد سليمان,شاب رسم لوحاته بغموض فادح لم أفهمه, لكن الدوائر و الخطوط و المنحنيات كانت تمطر ماءا يبلل الورق و يزيد من زهو نصوص زياد إنها لغة أخرى تحيط عين القارئ بهالة بيضاء من الألم و الأمل..
هذا الكتاب مليء بالنصوص التي تنتهي بلا نهاية, كما و لو كنا نسير في نفق معتم نرى في آخره شعاع نور و حين نصل ذاك النور نفاجأ بأن النفق لم ينتهِ و ما زال له امتداد طويل كأن النور فوهة أخرى لمفتاح مفعم بالحيرة.

My Night In Page 44
ابنة الليل





متهمة بالليل

[.. إلى ابن الصباح؛
و البقيّة هناكْ ..]

ليس لديّ سبب لأعاصر الصباح,
الشمس تجلب لي المرض, تقضم قلبي أسى, تذكرني بأيام بعيدة أحتاج نسيانها,
العصافير تؤذيني كثيرا, كأنها غيبة تنهش لحمي..
الندى دائما حزين و تعيس مثل امرأة مجردة من زهو الأنوثة..

في الصباح؛
تنهض سطوح البيوت على أحبال غسيل ترتدي أثوابا بشرية تفوح منها رائحة النميمة,
طلاب المدارس يرسمون طرقات أخرى لسيارات أخرى.. شيء آخر يقول بصوت عال”هيّا” !

أحب من الصباح ساعات الرحيل
وقت يمضي الليل مطمئنا على الصبية
أرمق وجهي طافيا في فنجان القهوة
أرتشفه
له مذاق السهر و الحنين
إنه وجه الصبية الذي حالما تراه واثقة من أنك ستبتسم للأبد..ستظل مبتسما حتى الفناء.

الصباح لا يحمل لي أي بهجة
يحمل لي الأخبار السيئة و المفاجآت ذات الأصابع المبتورة, تصافحني الهدايا و حين أفتحها يتثاءب قلبي و أحس بنوم عميق ينتظرني.. أسدل الستائر و أغلق على وحدتي الغرفة, ثم أنام..أنام حتى حلول الليل.

اسمعني:
طالما أن الصباح يأتي كل يوم
فهذا يعني أن أحدا ما ينتظره و يستقبله,
و لكن قل لي كيف أحب الصباح و أقيم معه علاقة حب مثلكَ ؟!

أنا متهمة بالليل,
بكل ليل..
ليل العالم و ليل العواطف و ليل المجانين و ليل اللصوص و ليل المساجين و ليل المستشفيات و ليل الشعراء و الكتاب و ليل امتحانات الدراسة و ليل النساء و الرجال و المواليد و الخائفون و المقاومون و المصابون بالرصاص و الحب..
ماذا أيضا ؟

لي الليل
و أنتَ ابن الصباح
“لنذهب معا فى طريقين مختلفين
لنذهب معا
ولنكن طيبين..”*

* محمود درويش

بَيْنَنَاْ رَمْلٌ وَ أَوْطَاْنْ

أَخْبَرْتُ الجَمِيْعَ أَنِّيْ أُحِبُّكَ
فَلِمَاْذَاْ كُلُّ هَذَاْ الخَجَلِ يَكْسُوْكَ
وَ لِمَاْذَاْ كُلُّ هَذَاْ الخَوْفِ يُجَلِّلُكْ !
أحبكَ و روحي من كل اتجاهٍ تكبلُكْ
صَوْتُكَ ..يَرْتَجِفُ مِثْلَ هَدْبِكْ
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ مَاْ سَيَحْصُلْ
لانْتَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَقْتُلَكْ
بِحُبِّيْ ..بِعَصْفِ المَنَاْلْ ,
أَشَعْتُ حُبَّنَا بَيْنَ البِلادْ
فَاْتَّهَمُوْنَاْ بِاْلكُفْرِ وَ اْلفَسَاْدْ
إِنِّيْ أَعْلَنْتُُ اْلحِدَاْدْ
يَاْ حَبِيْبِيْ , فَاْنْعَمْ بِمَاْ تَبَقَّىْ مِنَ اْلحَصَاْدْ
مِنْ حُبِّنَاْ وَ اْلذِّكْرَيَاْتْ
مِنْ آخِرِ مَوْعِدٍ لِلِّقَاْءْ
مَاْتَ بَيْنَ السُّطُوْرِ وَ اْلأَوْرَاْقْ .
وَ إِذَاْ مَرَرْتَ بِاْلسَّرَاْبْ
تَوَضَّأْ وَضُوْءَ اْلأَنْبِيَاْءْ
وَ صَلِّيْ عَلَيّ صَلاةَ اسْتِسْقَاْءْ
لأمْطِرَ زَهْرًا مِنْ غَيْمِ الشِّتَاْءْ
وَ أُخَضِّبُ يَدَيْكَ ..أَجْمَلَ حِنَّاءْ .
بَيْنَنَاْ رَمْلٌ وَ أَوْطَاْنْ
وَ أَحْزَاْنًاْ تَوَاْلَتْ كَاْلأجْيَاْلْ..



2007